إلى الله وإلى رسوله، فمَن آمن ففي حزب الله، وفي حزب رسوله ﷺ ، ومَن أدبر فله أمان شهرين"١.
فلمَّا قدم رفاعة على قومه أجابوا وأسلموا٢، وسألوا الوفد عن بعض ما أمرهم به رسول الله ﷺ ، فقال أنيف ابن ملّة:
[٨] "أمرنا أن نضجع الشاة على شقها الأيسر ثُمَّ نذبحها ونتوجه للقبلة ونُسمي الله"٣. ثُمَّ ساروا إلى الحرَّة حرَّة الرجلاء٤ فنَزلوها٥.
стр. 72
ثُمَّ إنَّ حبَّان بن ملة:
[٩] "صحب دحية الكلبي لما مضى بكتاب رسول الله ﷺ إلى قيصر"١. فتعلَّم منه أُم الكتاب٢.
[١٠] "ثُمَّ لم يلبث أن أقبل دحية الكلبي من عند قيصر حين بعثه رسول الله ﷺ حتى إذا كان بوادٍ من أوديتهم، يُقال له شنان٣ ومعه تجارة له"٤ - وكان هرقل قد أجازه بمالٍ وكساه كسىً، كما يذكر الواقدي، وابن سعد - ٥ أغار عليه الهنيد بن عارض الضُليعي، وابنه عارض في ناس من جذام، فقطعوا عليه الطريق، وأصابوا كل شيء معه:
[١١] "فبلغ ذلك قوماً من الضبيب رهط رفاعة بن زيد مِمَّن كان أسلم وأجاب، فنفروا إلى الهنيد وابنه فيهم من بني الضبيب النعمان بن أبي جعال"٦.
стр. 73
[١٢] "في عشرة نفر، وكان نعمان رجل الوادي ذا الجلد والرماية"١ حتى لقوا الهنيد ومن معه فاقتتلوا، وكان قتالاً خاطفاً بالسهام والحجارة حيث:
[١٣] "رمى قرة بن أشقر الضليعي النعمان بن أبي جعال بحجر فأصاب كعبه وأدماه، وقال: أنا ابن أثالة، ثُمَّ رماه النعمان بن أبي جعال فأصاب ركبته"٢ إصابة بالغة أثبتته.
[١٤] "فاستنقذوا ما في أيديهم فردوه إلى دحية، وساعده حبَّان بن ملَّة"٣.
[١٥] "ثُمَّ إنَّ دحية قدم على النبي ﷺ فأخبره خبرهم"٤.
[١٦] "فبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة، وبعث معه جيشاً"٥.
يذكر الواقدي، وابن سعد أنَّهم كانوا حوالي خمسمائة
стр. 74
رجل١، وردَّ معه دحية:
[١٧] "فكان زيد يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليل من بني عُذْرة٢، فأقبل بهم الدليل من ناحية الأولاج٣، حتى هجم بهم مع الصبح على القوم فأغاروا عليهم، فقتلوا فيهم فأوجعوا، وقتلوا الهنيد وابنه، وأغاروا على ماشيتهم ونعمهم٤ونسائهم، فأخذوا من النعم ألف بعير، ومن الشاء خمسة آلاف شاة، ومن السبي مائة من النساء والصبيان"٥.
[١٨] "فلمَّا سمعت بذلك بنو الضُّبيب، والجيش بفيفاء مدان٦، ركب نفر منهم، وكان فيمن ركب معهم: حبّان بن ملّة على فرسٍ لسويد بن زيد، يُقال لها العجاجة، وأنيف بن ملّة على فرسٍ لملّة يُقال لها رغال، وأبو زيد بن عمرو على فرس يُقال لها شمر،
стр. 75
انطلقوا حتى إذا دنوا من الجيش، قال أبو زيد، وحبان، لأنيف ابن ملّة: كُفَّ عنا وانصرِف فإنَّا نخشى لسانك، فوقف عنهما، فلم يَبْعُدا منه حتى جعلت فرسه تبحث بيديها وتوثب، فقال: لأنا أضنّ بالرجلين منك بالفرسين، فأرخى لها حتى أدركهما، فقالا له: أما إذا فعلت ما فعلت فكُفَّ عنَّا لسانك، ولا تشأمنا اليوم، فتواصوا ألاّ يتكلَّم منهم إلاَّ حبَّان بن ملّة، وكانت بينهم كلمة في الجاهلية قد عرفها بعضهم من بعض، إذا أراد أحدهم أن يضرب بسيفه قال: بُورِي أو ثُورِي؛ فلمَّا برزوا على الجيش، أقبل القوم يبتدرونهم، فقال لهم حبان: إنَّا قومٌ مُسلمون، وكان أوَّل مَن لقيهم رجل على فرسٍ أدهم، فأقبل يسوقهم، فقال أُنيف: بُوري، فقال حبَّان: مَهْلاً، فلمَّا وقفوا على زيد بن حارثة قال حبان: إنَّا قومٌ مسلمون، فقال له زيد: فاقرءوا أُمّ الكتاب، فقرأها حبَّان، فقال زيد بن حارثة: نادوا في الجَيْش أنَّ الله قد حرَّم علينا ثُغْرَة١ القوم التي جاءوا منها إلاَّ مَن خَتَر٢. وإذا أخت حبان بن ملَّة، وهي امرأة أبي وَبْر بن عدي ابن أُميَّة ابن الضبيب في الأُسارى، فقال له زيد: خُذْها، وأخَذَت بحقويه٣، فقالت أُم الفِزر الضُّلعية: أتنطلقون ببناتكم وتَذَرون
стр. 76
أُمَّهاتكم؟ فقال أحد بني الخصيب: إنَّها بنو الضبيب وسحر ألسنتهم سائرَ اليوم، فسمعها بعض الجيش، فأخبر بها زيد بن حارثة، فأمر بأُخت حبَّان ففُكَّت يداها من حِقْوَيه، وقال لها: اجلسي مع بنات عمك حتَّى يحكم الله فيكُنَّ حُكْمَه، فرجعوا، ونَهَى الجيش أن يهبطوا إلى واديهم الذي جاءوا منه، فأمسوا في أهليهم، واستعتموا ذوداً١ لسويد بن زيد، فلمَّا شربوا عتمتهم٢، ركبوا إلى رفاعة بن زيد، وكان مِمَّن ركب إلى رفاعة بن زيد تلك الليلة: أبو زيد بن عمرو، وأبو شماس بن عمرو، وسويد بن زيد، وبعجة بن زيد، وبرذع بن زيد، وثعلبة ابن زيد، ومُخْرَبة بن عدي، وأُنَيْف بن ملَّة، وحبان بن ملة، حتَّى صبَّحوا رفاعة بن زيد بكراع رَبة٣، بظهر الحرَّة، على بئر هنالك من حرَّة ليلى٤؛ فقال له حبَّان بن ملَّة: إنَّك لجالس
стр. 77
تحلب المعزى ونساء جذام أُسارى قد غَرَّها كتابك الذي جئت به، فدعا رفاعة بن زيد بجملٍ له، فجعل يَشُدّ عليه رحله وهو يقول:
هل أنت حي أو تنادي حيّا
ثُمَّ غدا وهم معه، مبكرين من ظهر الحرَّة، فساروا إلى جوف المدينة ثلاث ليال؛ فلمَّا دخلوا المدينة، وانتهوا إلى المسجد، نظر إليهم رجلٌ من الناس، فقال: لا تنيخوا إبلكم، فتُقَطَّع أيديهنَّ، فنزلوا عنهنَّ وهُنَّ قيام؛ فلمَّا دخلوا على رسول الله ﷺ ورآهم ألاح١ إليهم بيده: أن تعالوا من وراء الناس؛ فلمَّا استفتح رفاعة بن زيد المَنْطِق، قام رجلٌ من الناس فقال: يا رسول الله، إنَّ هؤلاء قوم سحرة، فردَّدَها مرَّتين، فقال رفاعة بن زيد: رحم الله مَن لم يحذُنا٢ في يومه هذا إلاَّ خيراً، ثُمَّ دفع رفاعة بن زيد
стр. 78
كتابَه إلى رسول الله ﷺ الذي كان كتبه له. فقال: دونك يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : اقرأه يا غلام، وأعْلِنْ؛ فلمَّا قرأ كتابه استخبره، فأخبروهم الخبر، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : كيف أصنع بالقتلى؟ - ثلاث مرَّات -. فقال رفاعة: أنت يا رسول الله أعلم، لا نحرِّم عليك حلالاً، ولا نُحَلّل لك حراماً، فقال أبو زيد بن عمرو: أطلِق لنا يا رسول الله مَنْ كان حيّاً، ومَا قُتِلَ فهو تحت قَدَمي هذه. فقال له رسول الله ﷺ : صدق أبو زيد، اركب معهم يا عليّ. فقال له عليٌّ ﵁: إنَّ زيداً لن يُطِيعني يا رسول الله، قال: فخُذ سيفي هذا، فأعطاه سيفه. فقال عليٌّ: ليس لي يا رسول الله راحلة أركبها، فحملوه على بعير لثعلبة بن عمرو، يُقال له مِكْحَال، فخرجوا، فإذا رسولٌ لزيد بن حارثة على ناقة من إبل أبي وبر، يُقال لها الشمر، فأنزلوه عنها، فقال: يا عليّ! ما شأني؟ فقال: ما لهم عرفوه فأخذوه، ثُمَّ ساروا فلقوا الجيش بفيفاء الفحلتين"١.
فقال علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - لزيد بن حارثة:
[١٩] "إنَّ رسول الله ﷺ يأمرك أن تردَّ على هؤلاء القوم ما كان بيدك من أسير أو سبي أو مال. فقال زيد: علامة من رسول الله! قال علي: هذا! فعرف زيد السيف، فنَزل فصاح بالنَّاس، فاجتمعوا
стр. 79
فقال: مَن كان بيده شيء من سبي أو مال فليرده، فهذا رسول رسول الله، فردَّ إلى النَّاس كُلَّ ما أُخِذَ منهم، حتَّى إن كانوا ليأخذون المرأة من تحت فخذ الرجل"١.
стр. 80
المبحث الثالث: سرية زيد بن حارثة ﵁ إلى مدين
المطلب الأول: التعريف بمدين
...
المطلب الأول: التعريف بمدين:
مَدْيَنُ: "بفتح أوَّله، وسكون ثانيه، وفتح الياء المثناة من تحت، وآخره نون، بلد بالشام معلوم، تِلقاء غزَّة، وهو المذكور في كتاب الله تعالى١".
وقال الحازمي: "بين وادي القرى والشام".
وقيل: "مَدْيَن تجاه تبوك بَيْنَ المدينة والشام على ست مراحل، وبها استقى موسى ﵇ لبنات شعيب، وبها بئر قد بُنِيَ عليها بيت".
قال أبو زيد: "مدين على بحر القلزم محاذية لتبوك، وبها البئر التي استقى منها موسى ﵇ لسائمة شعيب قال: "ورأيت هذه البئر مغطاة قد بُنِيَ عليها بيت، وماء أهلها من عين تجري".
وقال محمَّد بن سهل الأحول: "ومَدْيَن من أعراض المدينة أيضاً مثل فدك والفُرع ورهاط".
وقيل: "مَدْيَن هي كفر مَنْده من أعمال طبرية، وعندها أيضاً البئر والصخرة".
ومَدْيَن: "منازل جذام، وشعيب النَّبِيّ ﵇، المبعوث إلى أهل مَدْين أحد بني وائل بن جذام، وقال النَّبِيُّ ﷺ لوفد جذام: "مرحباً بقوم شعيب وأصهار موسى"٢.
стр. 81
فهي مدينة قوم شعيب، سُمِّيَت بِمَدْين بن إبراهيم ﵇ ".
وقيل: "مَدْيَن اسم القبيلة". ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ
شُعَيْباً﴾ . [سورة هود، الآية: "٨٤] ".
قال البلادي: "أمَّا موقع مَدْيَن فهو بلا خلاف غرب تبوك، بينها وبين خليج العقبة، فإذا كان المقصود مدينة شعيب فهي تُعْرَف اليوم باسم البدع، وتقع على (٢٢٠) كيلاً من تبوك، يصل بينهما طريق معبَّد، أمَّا إذا كان المقصود ديار القبيلة فإنَّ الموقع والحدود تتأثر بسعة انتشار تلك القبيلة وتقلُّصها، فإذا ثبت أنَّهم من جذام كانت تمتد من ساحل البحر إلى قُرب تبوك، ثُمَّ تدخل في الشراة شمالاً، وتقرب من ضبة جنوباً".
وإذا طبَّقنا نظرية الحدود الجغرافية التي تشمل مسمىً واحداً في الغالب، نستطيع القول بأنَّ أرض مدين تُحَدُّ من الشرق بسراة حسمى، ومن الغرب بالبحر، ومن الشمال حقل أو العقبة، أمَّا من الجنوب فلا تتجاوز ضِبة أو دونها والبِدع، قرية تتوسط أرض خالية من العمران، فأقرب قرية تبعد عنها قرابة ستين كيلاً، وهي - أيضاً - تتوسط وادي عفال الخالي من الزراعة والحياة إلاَّ من هذه القرية، وهي ذات زراعة لا بأس بها على آبار ضخ، وفيها سكان وحوانيت ومقاهٍ، وسكانها الحويطات، وجُلُّهم من المساعيد".
وهذا البلد يسميه الباحثون المحدِّثون "مَدْيَن" بينما عرَّفه الرحَّالون الحُجَّاج كالجزيري، وابن عبد السلام الدرعي باسم "مغائر شعيب"
стр. 82
ومغائر شعيب: "جمع مغارة، وهي الغار العميق في الجبل، وهي مغائر في صفراء شعيب التي تظلل البدع من الغرب، وفي هذه الصفراء من الميل الشمالي مكان يُقال إنه مُصَلَّى شعيب ﵇، والإجماع من زمن متقدِّم على أنَّ هذه مغائر شعيب، وأنَّ البلد هو بلد شعيب سواء كان اسمه مدين أو الأيكة، فقد مرَّ الرَحَّالون من حُجَّاج مصر من هنا منذ بداية القرن التاسع أو قبلها، فذكروا أنَّ الاسم هو مغائر شعيب وأنَّها مَدْيَن".
ويقول المساعيد - أهل هذه الديار -: "إن اسم البدع ناتج عن أنَّ هذه الأرض قد دُثِرَت، ثُمَّ بُدعت فيها آبار ومزارع، فسُمِّيَت بذلك١".
قلت: "هذا تعريف شامل بمَدْيَن الذي سُمِّيَت به هذه السرية، ولكن هناك إشارات وردت في روايات الخبر تشير إلى أنَّ المكان الذي توجَّهت إليه السرية هو مكان آخر، ربما يكون قريباً من مَدْيَن".
ففي رواية محمَّد بن إسحاق عند سعيد بن منصور في سننه قال: "
[١] "بَعَث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة إلى مدينة مقنا". قال سعيد: "مقنا هي مَدْيَن"٢".
стр. 83
وفي رواية ابن هشام بسنده عن فاطمة بنت الحسين بن علي قالت:
[٢] "إنَّ رسول الله ﷺ بعث زيد بن حارثة نحو مَدْيَن، ومعه ضميرة مولى علي بن أبي طالب١ ﵁، وأخ له". قالت: "فأصاب سبياً من أهل ميناء، وهي الساحل، وفيها جُمَّاع٢من النَّاس"٣".
هذا ولم أجد في المعاجم الجغرافية مدينة باسم ميناء، وأظنّها والله تعالى أعلم تصحيف مقنا، لِعِدَّة قرائن:
١) لا توجد مدينة أو قرية في المنطقة باسم ميناء".
٢) مشابهة لفظ (ميناء) للفظ (مقنا) خاصّةً وأنه ورد في بعض الروايات (مينا) بغير همز٤".
стр. 84
٣) ورد في الرواية أنَّها مكان ساحلي، وبلدة مقنا تقع على الساحل".
٤) ورد في الرواية أنَّها كان فيها جُمَّاع من الناس، أي جماعات من الناس مختلطين، ومن عادة المناطق الساحلية أن يكون سكانها من جماعاتٍ شتَّى، وقد ورد في بعض الروايات أنّ سكان مقنا كانوا خليطاً من العرب بني حبيبة١، ومن اليهود". والله تعالى أعلم".
وقال ياقوت: "مقنا قُرْب أيلة، صالحهم النَّبِيُّ ﷺ على ربع عروكهم، والعروك خشب يُصطاد عليه٢".
وقال الواقدي: "صالحهم على عروكهم وربع ثمارهم، وكانوا يهوداً".
وقال البلادي: "وكانت مقنا بلدة عامرة عندما غزا رسول الله ﷺ تبوك، وكان أهلها بني حبيبة، فصالحهم وأدخلهم في ذِمَّة المسلمين، وسكانها اليوم بنو عقبة والفوائدة، وهي وادٍ من نواحي البدع، يسيل من الصفر الواقعة غرب البدع، فيصب في خليج العقبة من الشرق، وعند مصبه قرية مقنا المشهورة بنخلها وزراعتها، وتقع غرب البدع عند الدرجة (٢٥/٢٨) شمالاً، (٤٥/٤٤) شرقاً تقريباً، وتبعد عن البدع بما يقرب من (٣٧) كيلاً، وتوجد حولها آثار وبقايا مبانٍ قديمة٣".
стр. 85
المطلب الثاني: راوي الخبر وسياقه:
روى ابن هشام خبر السرية على أنه من زياداته على سيرة ابن
إسحاق فقال: "ومِمَّا لم يذكره ابن إسحاق من بعوث رسول الله ﷺ وسراياه، سرية زيد بن حارثة إلى مدين". ذكر ذلك عبد الله بن حسن بن حسن١، عن أُمِّه فاطمة٢ بنت الحسين بن علي - عليهم رضوان الله: "
[٣] "أنَّ رسول الله ﷺ بعث زيد بن حارثة نحو مَدْيَن" ... الحديث٣.
قلت: "ولعلَّ ابن هشام - رحمه الله تعالى، وهم في عدم نسبة الحديث إلى ابن إسحاق، أو لعلَّ الحديث سقط من رواية البكائي، وهي الرواية التي هذَّبها ابن هشام من سيرة ابن إسحاق، ولم يطَّلِع ابن هشام على روايات الحديث الأُخرى، فالحديث أخرجه سعيد بن منصور من طريق "أبي شهاب"٤ عن محمَّد بن إسحاق، عن عبد الله بن الحسن، عن أُمِّه فاطمة بنت حسين، قالت:
стр. 86
[٤] "بعَثَ رسول الله ﷺ زيد بن حارثة إلى مدينة مقنا"..١". الحديث.
وأخرجه ابن سعد كذلك من طريق "أبي شهاب" به نحوه٢".
وعزاه لابن إسحاق كُلٌّ من: "ابن سيد النَّاس٣، والشامي٤، وتابعهما في ذلك الحلبي٥".
أمَّا سياق الخبر ففيه اختلاف جوهري بين رواية سعيد، وابن سعد، ورواية ابن هشام، ففي رواية ابن هشام، ذكر أنَّ ضميرة وأخاه كانا من جنود السرية، بينما وقع في روايتي سعيد، وابن سعد أنَّ زيدَ بن حارثة ﵁، أصاب ضميرة فيمن أصاب من السَّبْي، ووقع مثل ذلك في روايات أُخَر، منها ما هو متابع، ومنها ما هو شاهد لروايتي سعيد، وابن سعد، وهي بالتأكيد أقوى سنداً من رواية ابن هشام".
فقد أخرج عبد الرَّزَّاق في المصنَّف، من طريق الثوري٦، عن عبد الله بن حسن عن أُمِّه فاطمة بنت حسين:
стр. 87
[٥] "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بعث زيد بن حارثة في سرية فأصاب سبياً فجاء بهم" ... ثُمَّ ذكر الحديث". إلاَّ أنَّه قال فيه: ""فاحتاج إلى ظهر١ فباع غلاماً منهم، فجاءت أُمّه فرآها النَّبِيُّ ﷺ تبكي، فسأله". فقال: "احتجت إلى بعض ظهر فبعت ابنها". فقال له النَّبِيُّ ﷺ : "ارجع فردَّه أو اشتره". فقال: "فوهبه بعد ذلك لعلي". قال: "فكان خازناً له". قال: "وولد له"٢".
أمَّا الشاهد، كما ذكر ابن حجر٣، فقد أخرجه البخاري في تاريخه من طريق ابن أبي ذئب٤، عن حسين بن عبد الله بن ضميرة٥، عن أبيه٦، عن جده ضميرة:
стр. 88
[٦] "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مرَّ بأُمِّ ضميرة وهي تبكي". فقال: "ما يُبْكِيكِ؟ قالت: "يا رسول الله! فُرِّق بيني وبين ابني، فأرسل إلى الذي عنده ضميرة فابتاعه منه ببكر"١٢".
стр. 89
وأخرجه ابن عبد البر من طريق ابن وهب١به نحوه٢".
فكُلُّ هذه الروايات الأقوى سنداً من رواية ابن هشام، ذكرت أنَّ ضميرة كان من سبي تلك السرية، ولم يكن من جنودها". فلعلَّ ابن هشام - رحمه الله تعالى - وهم في ذلك أيضاً". والله تعالى أعلم".
стр. 90
المطلب الثالث: تاريخ السرية:
لم تُحَدِّد الروايات التي ساقت خبر السرية تاريخاً محدَّداً لها بما فيها رواية ابن هشام في السيرة، حيث ذكرها ابن هشام في آخر كتاب المغازي مشيراً إلى أنَّها من زياداته على سيرة ابن إسحاق، وذكرها بعد سرية عمرو بن أُمَيَّة الضمري إلى أبي سفيان١".
وخبر السرية كما لاحظنا قد تفرَّد به ابن إسحاق من بين أهل المغازي ولكن لم يذكر لها تاريخاً".
ولكنه يمكن أن نستنبط لها تاريخاً تقريبياً من خلال سير أحداث السرية النبوية المباركة، حيث يمكننا الجزم بأنَّ هذه السرية كانت قبل غزوة مؤتة بلا شك، وذلك في فترة هدنة الحديبية، وهي الفترة التي زاد فيها نشاط السرايا والبعوث النبوية في المنطقة الشمالية من الجزيرة".
إذ أنَّ قائد السرية زيد بن حارثة ﵁، كان من قادة مؤتة الذين استشهدوا بها، لأجل ذلك قدَّمتها هنا في باب السرايا والبعوث النبوية الشمالية قبل مؤتة". والله تعالى أعلم".
стр. 91
المطلب الرابع: سير الأحداث:
قبل معركة مؤتة الشهيرة، بعث رسول الله ﷺ حِبَّه ومولاه زيد ابن حارثة - رضي الله تعالى عنه - إلى منطقة مَدْيَن، وبالتحديد إلى بلدة مقنا على ساحل البحر الأحمر، في سرية لم تذكر الروايات قوَّتها".
واستطاع زيد - رضي الله تعالى عنه - التوغُّل في تلك المنطقة البعيدة عن قاعدة المسلمين، ومناطق نفوذهم، ونجح - رضي الله تعالى عنه - في الإغارة عليهم:
[٧] "فأصاب منهم سبايا، منهم ضميرة"١ وأخوه، وأُمُّه، وأبوه، فجاء بهم زيد - رضي الله تعالى عنه - إلى رسول الله ﷺ ".
[٨] "فأمر رسول الله ﷺ ببيعهم، فخرج إليهم وهم يبكون، فقال لهم: "مِمَّ تبكون؟ قالوا: "فرّقنا بينهم وهم إخوة". فقال رسول الله ﷺ : "لا تفرِّقوا بينهم، بيعوهم جميعاً"٢. كما
[٩] "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مرَّ بأُمّ ضميرة وهي تبكي، فقال: "ما يبكيكِ؟ قالت: "يُفَرَّق بيني وبين ابني". فقال: "لا يُفَرَّق بين الوالدة وولدها، ثُمَّ أرسل إلى الذي ضُمَيرة عنده فدعاه فابتاعه منه ببكر"٣.
[١٠] "فوهبه بعد ذلك لعلي، قال: "فكان خازناً له، قال: "وولد له"٤.
стр. 92
هذا وقد أخرج ابن سعد، وابن منده، والبغوي حديث حسين بن عبد الله بن ضميرة حول:
[١١] "الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ إلى ضميرة، وفيه: "أنَّهم كانوا أهل بيت من العرب، وكان مِمَّن أفاء الله على رسوله (فأعتقهم) ١، ثُمَّ خيَّر أبا ضميرة إن أحب أن يلحق بقومه فقد أمَّنه رسول الله ﷺ ، وإنَّ أحبَّ أن يمكث مع رسول الله ﷺ فيكون مع أهل بيته، فاختار أبو ضميرة الله ورسوله، ودخل في الإسلام، فلا يعرض لهم أحد إلاَّ بخير، ومَن لقيهم من المسلمين، فليستوصِ بهم خيراً، وكتب٢ أُبَيُّ بن كعب"٣".
стр. 93
الفصل الثاني: السرايا والبعوث النبوية إلى فدك
المبحث الأول: سرية على بن أبي طالب ﵁ إلى بني مرة بفدك
المطلب الأول: تعريف بفدك
...
المطلب الأول: التعريف بفدك:
فدك - بفتح أوَّله، وثانيه، وقيل: "بالفتح". وقيل: "بالتحريك، وآخره كاف، قال ابن دريد: "فدَّكت القطن تفديكاً إذا نفشته، وفدك: "قرية بالحجاز". قال عياض: "هي على يومين، وقيل: "ثلاثة من المدينة، وأقرب الطُّرُق من المدينة إليها من النَّقرة مسيرة يوم على جبل، يُقَال له الحِبَالَة والقذال، ثُمَّ جبل يُقَال له: "جُبار، ثُمَّ يَرْبغ، وهي قرية لولد الرِّضا، وهي كثيرة الفاكهة والعيون، ثُمَّ تركب الحرَّة عشرة أميال، فتهبط إلى فدك، قال الأصمعي: "حرَّة النَّار فدك". وطريق أُخرى، وهي طري مُصَدِّق بني ذبيان وبني محارب من المدينة إلى القصة، وهناك تُصدّق بنو عوال من بني ثعلبة بن سعد، ثُمَّ ينْزل نخلاً، فتصدّق الخضر خضر محارب، ثُمَّ ينْزل المغيثة فتصدّق سائر بني محارب، ثُمَّ الثَّامِلِيَّة لأشجع، ثُمَّ الرقمتين لبني الصَّادر، ثُمَّ مرتفقاً لبني قتَّال بن يربوع، ثُمَّ فدك، ثُمَّ الخُراضة، ثُمَّ خيبر، وفي فدك عين فوَّارة ونخيل كثيرة، وحصن فدك يُقال له: "الشمروخ، وقيل: "سُمِّيَت بفدك بن حام لأنه أوَّل من نزلها". وذكر البكري أنَّ أكثر أهلها أشجع".
وقال ياقوت: "كان أهلها يهود١، فلمَّا فتحت خيبر طلبوا من النَّبِيِّ ﷺ الأمان على أن يتركوا له البلد، فكانت له خاصّةً، لأنَّها مِمَّا لم يُوجف
стр. 94
عليه بخيل ولا ركاب، فكان يصرف ما يأتيه منها في أبناء السبيل، وفي رواية: "أنَّهم صالحوه على النصف، ولم يزل أهلها بها حتى أجلى عمر ﵁ اليهود فوجَّه إليهم من قوّم النصف، وعوَّضهم عنه، وأجلاهم إلى الشام".
ولمَّا قُبِضَ رسول الله ﷺ قالت فاطمة - رضي الله تعالى عنها: "إنَّ رسول الله ﷺ نحلنيها١، فقال أبو بكر الصِّدِّيق ﵁: "أريد لذلك شهوداً، ولها قِصّة، ثُمَّ أدَّى اجتهاد عمر بن الخطَّاب - رضي الله تعالى عنه - بعده لمَّا فُتِحَت الفُتُوح واتَّسعت على المسلمين أن يرُدَّها إلى ورثة رسول الله ﷺ ، فكان عليُّ بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه، والعبَّاسُ بن عبد المطلب - رضي الله تعالى عنه - يتنازعان فيها، ويتخاصمان إلى عمر - رضي الله تعالى عنه، فيأبى أن يحكُم بينهما، ويقول: "أنتُما أعرف بشأنكما، ولمَّا ولي معاوية - رضي الله تعالى عنه - أقطعها مروان بن الحكم، ووهبها مروان لابنيه عبد الملك، وعبد العزيز، ثُمَّ صارت للوليد بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، ولمَّا ولي الوليد استوهبا منه عمر بن عبد العزيز، فكانت له خالِصَةً تغُل له عشرة آلاف دينار، وكانت مِن أحبّ ماله إليه، ولكنَّه حينما ولي الخلافة، كتَبَ إلى عامله بالمدينة يأمره برد فدك إلى ولد فاطمة - رضي الله تعالى عنها، فلمَّا ولي يزيد بن عبد الملك قبضها، فلم تزل في أيدي بني أُمَيَّة حتى ولي السَّفَّاح
стр. 95
الخلافة فدفعها إلى الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فكان هو القَيِّم عليها يُفَرِّقُها في بني علي بن أبي طالب، فلمَّا ولي المنصور وخرج عليه بنو الحسن قبضها عنهم، فلمَّا ولي المهدي أعادها عليهم، ثُمَّ موسى الهادي ومَن بعده إلى أيام المأمون، فجاءه رسول بني علي بن أبي طالب فطالب بها، فأمر أن يُسجل لهم بها، فكُتِبَ السجل وقُرِئَ على المأمون، فقام دعبل الشاعر وأنشد:
أصبح وجه الزمان قد ضحكا برد مأمون هاشم فدكا
ولمَّا استخلف جعفر المتوكل ردَّها إلى ما كانت عليه في عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه ".
وفدك: "قرية مشهورة، وقد استغرب مجد الدين الفيروزآبادي الذي عاش في القرن الثامن، والسمهودي في القرن التاسع، عدم معرفة أهل المدينة لها في ذلك الوقت على شهرتها، فربَّما كان ذلك بسبب خرابها، فقد ذكر الحلبي الذي عاش في القرن العاشر أنَّها كانت خراباً في عهده، أو ربَّما لتغيُّر اسمها ففدك اليوم تُعْرَف بالحائط، وتقع ضمن نطاق منطقة حائل الإدارية بين محافظة الحليفة ومحافظة خيبر، وجُلّ أهلها اليوم هم من قبيلة الرشايدة١".
стр. 96
هذا ومن الملاحظ أنَّ منطقة عمليات السرايا لم تكن قرية فدك ذاتها، وإنَّما المنطقة المحيطة بها، والتي كانت تسكنها قبيلة بني مرّة، وقبيلة بني سعد بن بكر، ولكن باعتبار قربها من فدك تجوَّز أهل المغازي بنسبتها إليها".
قال الحلبي، والزرقاني، تعليقاً على أنَّ بشير بن سعد - رضي الله تعالى عنه - قائد السرية، تحامل على نفسه - حينما أُصيب هو ومَن معه - حتَّى أتى فدك فأقام بها أيّاماً حتَّى ارتفع من الجراح، قالا: "وهذا يدل على أنَّ بني مرّة الذين توجَّه إليهم بشير لم يكونوا بفدك، بل بالقرب منها، فتسمَّحوا في قولهم إلى بني مرّة بفدك لمجاورتها وكونها من أعمالها١". وكذلك الأمر بالنسبة لسرية علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - إلى بني سعد".
стр. 97
المطلب الثاني: تاريخ السرية، وسببها ١:
أولاً: تاريخ السرية:
ذكر ابن إسحاق خبر السرية مقتضباً في جملة السرايا، لذلك لم يذكر لها تاريخاً محدَّداً، وإنَّما ذكرها بعد سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح٢".
وانفرد الواقدي، وابن سعد، بالإسهاب في الحديث عن خبر السرية كعادتهما، نقلاً عن شيوخهما، فكان من الطبعي أن يذكرا لها تاريخاً محدَّداً حيث ذكرا أنها كانت في شعبان سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم٣".
وذكرها خليفة بن خياط كذلك ضمن السرايا التي كانت سنة ست من الهجرة، دون أن يحدِّد الشهر الذي أُرسِلَت فيه٤".
ونقل الطبري٥، وابن القيم٦، وابن كثير٧، حديث الواقدي
стр. 98
عنها في أحداث السنة السادسة، دون تعليق منهم على ذلك".
وكذلك ابن سيد النَّاس نقلاً عن ابن سعد١.
واقتصر الشامي على رواية الواقدي، لكنَّه لم يذكر شيئاً في شرحه عن تاريخ السرية٢".
أمَّا القسطلاني٣، والمقريزي٤، فإنَّهما تابعا الواقدي، وابن سعد في روايتيهما".
ثانياً: "سبب السرية:
ذكر خليفة بن خياط أنَّ السرية كانت إلى فدك، وأنَّ علي بن أبي طالب ﵁ أخذها٥".
بينما ذكر الواقدي، وابن سعد، وهما مَن حَدَّدا تاريخ السرية بدقة أنَّها كانت بسبب المعلومات التي بلغت رسول الله ﷺ عن بني سعد بن بكر بأنَّ لهم تحرُّكات وحشوداً استعدادية لإمداد يهود خيبر٦".
стр. 99
فيمكن أن تكون هذه السرية قبيل خيبر، وذلك ضمن الجهود المبذولة من النَّبِيِّ ﷺ لتحطيم الحلف الخيبري الذي كان قائماً بين يهودها والقبائل المحيطة بخيبر، والذين كان لهم دورٌ بارزٌ في غزوة الأحزاب، وذلك
стр. 100
ضمن الاستراتيجية العسكرية التي وضحها بعد هزيمة الأحزاب بقوله: " (الآن نغزوهم ولا يغزونا".
وما قيل في سبب السرية يؤكِّد أنَّها قبل خيبر بقليل، أو في أثناء توجُّه النَّبِيِّ ﷺ إليها، وهو الأرجح، ويؤيده قول الرجل لوبر بن عليم قائد بني سعد حينما رآه منهزماً مع قومه من أمام المسلمين:
[١] "إني أرى أمر محمَّدٍ أمراً قد أمن وغلظ، أوقع بقريشٍ فصنع بهم ما صنع، ثُمَّ أوقع بأهل الحصون بيثرب، قينقاع وبني النضير وقريظة، وهو سائرٌ إلى هؤلاء بخيبر١".
فذلك دليل قوي على أنَّ السرية كانت في أثناء مسير النَّبِيِّ ﷺ إلى خيبر، حيث وردت إليه معلومات استخبارتية أنَّ أولئك الأعراب من بني سعد في تحشُّدٍ سريعٍ لإمداد يهود خيبر، فسارع ببعث السرية إليهم قبل أن تستكمل استعداداتهم لذلك".
والغريب أنَّ الواقدي ساق هذه الرواية ولم يُعَلِّق عليها على الرغم من أنَّها تخالف ما ذكره من تاريخ السرية وأنه في شعبان سنة ست، فلعلَّه رحمه الله تعالى وَهِمَ في ذكر هذا التاريخ".
والله تعالى أعلم".
стр. 101
المطلب الثالث: سير الأحداث ١:
بينما كان النَّبِيُّ ﷺ في طريقه إلى خيبر - كما يُفهم من رواية الواقدي٢ - وصلت إليه معلومات مفادها أنَّ هناك تحرُّكات تحشديَّة معادية للمسلمين، يقوم بها رجل من بني سعد بن بكر يُدْعَى: "وبَر بن عُليم، في جمعٍ من قومه بني سعد، بالقرب من فدك، وذلك لمناصرة يهود خيبر ضد المسلمين، وأنَّهم بصدد الاتفاق معهم على إمدادهم بقوَّةٍ منهم مقابل جزء من تمر خيبر يُجْعَل لهم".
وكعادته ﷺ في استرتيجيته المتبعة دائماً مع أعدائه وبخاصّةً الأعراب، في مباغتتهم وضربهم قبل استكمال تحشُّدهم، وتطوُّر استعداداتهم، سارع ﷺ في تجهيز سرية، عبارة عن دورية قتال تعرُّضية٣ قوَّتها مائة رجل بقيادة علي بن أبي طالب ﵁ ".
стр. 102
[٢] "فسار الليل، وكمن النَّهار، حتَّى انتهى إلى الهمج"١، فأصاب عيناً، فقال: "ما أنتَ؟ هل لك علم بما وراءك من جمع بني سعد؟ قال: "لا علم لي به، فشدُّوا عليه فأقرَّ أنه عين لهم بعثوه إلى خيبر، يعرض على يهود خيبر نصرهم على أن يجعلوا لهم من تمرهم كما جعلوا لغيرهم، ويقدمون عليهم، فقالوا له: "فأين القوم؟ قال: "تركتهم وقد تجمَّع منهم مائتا رجل، ورأسهم وبَر ابن عُلَيْم". قالوا: "فسر بنا حتى تدُلَّنا". قال: "على أن تُؤَمِّنوني". قالوا: "إن دللتنا عليهم وعلى سرحهم أمَّنَّاك، وإلاَّ فلا أمَانَ لك". قال: "فذاك، فخرج بهم دليلاً لهم"٢". بعد أن كان عيناً عليهم، فسار بهم في فدافد٣، وآكام٤، حتى ساء ظنهم به، واعتقدوا أنه ربَّما كان يخدعهم، حتى أفضى بهم إلى سهلٍ من الأرض".
[٣] "فإذا نعَم كثير، وشاء٥، فقال: "هذه نَعمهم وشاؤهم، فأغاروا عليه فضموا النعم والشاء، قال: "أرسلوني". قالوا: "حتى نأمن
стр. 103
الطلب، ونذر بهم الراعي رعاء الغنم والشاء، فهربوا إلى جمعهم فحذَّروهم فتفرَّقوا"١".
[٤] "وهربت بنو سعد بالظَّعن، ورأسهم وَبَر بن عُلَيْم"٢".
فقال الدليل للقائد علي بن أبي طالب ﵁: "علامَ تحبسني؟ قد تفرَّقت الأعراب وأنذرهم الرعاء، قال علي ﵁: "ليس بعد، فإنَّا لم نبلغ معسكرهم".
[٥] "فانتهى بهم إليه فلم ير أحداً، فأرسلوه وساقوا النعم والشاء، النعم خمسمائة بعير، وألفا شاة"٣".
[٦] "فعزل علي صفيّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم٤ لقوحاً٥ تُدْعَى الحفذة، ثُمَّ عزل الخُمُس، وقسَّم سائر الغنم على أصحابه"٦، ثُمَّ مكث ثلاثاً أوقَعَ أثناءَها الرُّعْبَ في قلوب الأعراب".
يُحَدِّثنا أحد شهود العيان، كما يروي الواقدي، فيقول:
[٧] "إني لبوادي الهَمَج، إلى يديع٧، ما شعرت إلاَّ ببني سعد يحملون
стр. 104
الظُّعُن وهم هاربون، فقلت: "ما دهاهم اليوم؟ فدنوت إليهم فلقيت رأسهم وبَر بن عُلَيم، فقلت: "ما هذا المسير؟ قال: "الشرُّ، سارت إلينا جموع محمَّد، وما لا طاقة لنا به، قبل أن نأخُذَ للحرب أُهبتها، وقد أخذوا رسولاً لنا بعثناه إلى خيبر، فأخبرهم خبرنا، وهو صنَعَ بنا ما صَنَع". قلت: "ومَن هو؟ قال: "ابن أخي، وما كُنَّا نعُدّ في العرب فتىً واحداً أجمع قلب منه".
فقلت: "إني أرى أمر محمَّد قد أمن وغلظ، أوْقَعَ بقريش فصنع بهم ما صنع ثُم أوقع بأهل الحصون بيثرب، قينُقَاع، وبني النَّضِير، وقريظة، وهو سائرٌ إلى هؤلاء بخيبر". فقال لي وبَر: "لا تخش ذلك". إنَّ بها رجالاً، وحُصُوناً منيعة، وماءً واتناً١ لا دنا منهم محمَّدٌ أبداً، وما أحراهم أن يغزوه في عُقْرِ داره". فقلت: "وترى ذلك؟ قال: "هو الرأي لهم"٢".
وهكذا نجح عليّ ﵁ في مهمَّته نجاحاً باهراً".
[٨] "وقدم المدينة ولم يلق كيداً"٣".
стр. 105
المطلب الرابع: الدروس والعبر المستقاة من أحداث السرية:
أوضحت هذه السرية، والسرايا السابقة بعض الاستراتيجيات العسكرية التي كان يطبقها الرسول القائد ﷺ مع أعدائه، وهي:
ما ورد أنَّ سبب السرية هو تلك الأخبار التي بلغت النَّبِيَّ ﷺ عن تحرُّكات بني سعد بن بكر المعادية للمسلمين، ذلك يعطينا دلالة واضحة أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يتتبع أخبار الأعداء أولاً بأول".
ومثل هذه الروايات تؤكِّد لنا أنَّ رسول الله ﷺ كانت لديه شبكة شبه منظَّمة من العيون، مبثوثة بين أعدائه، جعلته دائماً وأبداً في الصورة معهم، يعرف سكناتهم وحركاتهم أولاً بأول، مِمَّا مكَّنه كثيراً من القضاء على مخطَّطاتهم العدوانية ضد المسلمين ووئدها في مهدها قبل أن تستفحل، مِمَّا وفَّر على المسلمين الكثير من الجهد، وحقن الكثير من الدماء التي كانت ستسيل لو تمكَّن أولئك الأعداء من استكمال مخطَّطاتهم تلك وتنفيذها ضد المسلمين، وذلك ما كان يصبو إليه المصطفى ﷺ في جهاده مع أعدائه، لأنه ﵊ كان حريصاً أشدَّ الحِرْصِ على بلوغ أهدافه السامية من ذلك الجهاد المُقَدَّس بأقلِّ قدرٍ ممكنٍ من الخسائر، ودونما إراقة دماء كثيرة".
إلاَّ ما كان من بعض أولئك الأعداء الذين كانوا يشكلون تهديداً قوياً ومستمراً للمسلمين بقواهم العسكرية والسياسية، والتي كانت تشكل حاجزاً قوياً أمام الناس لاعتناق ما يريدون بحرِّية، فكان لابُدَّ
стр. 106
من الإثخان في تلك القوى المسيطرة لإضعافها والقضاء على هيمنتها في المنطقة".
إنَّ نظام المخابرات تفتخر به اليوم الدول المتقدمة مادياً، وله أولوية كبيرة في جيوشها المتطورة، وتمارسه بأساليب غير حضارية ارتبطت بالظلم والعدوان والغدر".
ولكنَّ الرسول القائد ﷺ كان له قصب السَّبْق فيه، كما أنه مارسه في نطاق الحرب الفروسية المشرفة، دون المساس بالأخلاقيات والمُثُل العُليا".
تحرَّكت هذه السرية كما ورد في رواية الواقدي، وابن سعد، في مسيرٍ ليلي إلى أرض العدو، وقد كانت تلك استراتيجية ذكية تزوَّد بها قائدالسرية من مُبْتَكِر الاستراتيجيات العسكرية، رسولِ الله ﷺ التي استطاع بها تحقيق مبدأ الكتمان مع أعدائه، حرمهم من معرفة نواياه، واتجاه حركة قوَّاته".
لقد كانت معظم القبائل التي غزاها النَّبِيُّ ﷺ ، وبعث إليها سراياه قبائل "قوية ولها حلفاء وأنصار، فلو أنها عرفت بمسيره لسارعت بالاستعداد للقائه ولاستعانت عليه بحلفائها وأنصارها لمعاونتها يوم اللقاء، ولكن عناية الله أولاً، ثُمَّ المسير الليلي حال بينها وبين ذلك كله، فاستطاع النَّبِيُّ ﷺ بقواته القليلة بالنسبة لقوات تلك القبائل، أن يتغلَّب عليها ويقضي على نياتها العدوانية، ويُلْقِي الرُّعْبَ في نفوسها ونفوس القبائل الأخر التي سمعت بانتصار المسلمين"١".
стр. 107
أيضاً ما ورد في هذه السرية والسرايا قبلها من شن الغارة على الأعداء ومباغتتهم في ديارهم في غفلةٍ منهم، وتلك استراتيجيةٌ اتَّبعها الرسول ﷺ مع نوعٍ معيَّنٍ من الأعداء، وهم الأعراب، حيث كان دائماً يترصَّد أخبارهم من خلال شبكة العيون المبثوثة في ديارهم، فكان دائماً يباغتهم في ديارهم قبل استكمال جاهزتهم واستعدادهم، فالأعراب أشداء إذا ما استعدوا جيداً للقتال، وانتظمت صفوفهم فيه، عندها تكون مقاومتهم أكبر، وقتالهم أشرس، كما أنَّهم يستطيعون وبسرعة فائقة حشد قوَّة إمدادات كبيرة يتمكنون بها من الإطباق على أعدائهم وحصرهم من كُلِّ الجهات، وقد عرف رسول الله ﷺ ذلك من خلال تجارب سابقة معهم في الرجيع، وبئر معونة، وسرية زيد بن حارثة - رضي الله تعالى عنه - الأولى إلى بني فزارة، وغيرها".
لذلك فإنَّ في شَنِّ الغارة عليهم ومباغتتهم قبل ذلك، ولو من قوة مهاجمة صغيرة تُفْقِدهم اتزانهم، وتبُثُّ الرُّعْبَ في قلوبهم١، وتثير الاضطراب والفوضى في صفوفهم، فيسهل حين ذاك السيطرة عليهم وهزيمتهم، كما حدث في هذه السرية". والله تعالى أعلم".
وفي الاستيلاء على أموال الأعراب التي كانت في غالبها من الماشية والإبل، إضعافٌ لهم اقتصادياً، لأنَّها تعدّ عصب حياتهم اليومية، لاعتمادهم عليها كثيراً، كما أنَّ في ذلك تحفيزاً للمسلمين وتشجيعاً لهم للغزو في سبيل الله لإصابة الغنائم الدنيوية العاجلة، إضافةً لما رُصِدَ لهم من الأجر العظيم عند الله، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أنَّ ذلك يعدّ دافعاً وهدفاً من أهداف الجهاد في سبيل الله بقدر ما هو ممارسة المسلمين لحقهم المشروع في الغنائم التي أحلَّها الله لهذه الأُمَّة واختصَّها به دون غيرها من الأُمم السابقة".
كما أنَّ ذلك يُعَدُّ تمشياً مع عادة قديمة متَّبعة لدى العرب في حروبهم في الجاهلية أبقى عليها الإسلام بعد تنظيمها وتقنينها وفق أنظمة الشريعة الإسلامية". والله تعالى أعلم".
стр. 108
وفي الاستيلاء على أموال الأعراب التي كانت في غالبها من الماشية والإبل، إضعافٌ لهم اقتصادياً، لأنَّها تعدّ عصب حياتهم اليومية، لاعتمادهم عليها كثيراً، كما أنَّ في ذلك تحفيزاً للمسلمين وتشجيعاً لهم للغزو في سبيل الله لإصابة الغنائم الدنيوية العاجلة، إضافةً لما رُصِدَ لهم من الأجر العظيم عند الله، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أنَّ ذلك يعدّ دافعاً وهدفاً من أهداف الجهاد في سبيل الله بقدر ما هو ممارسة المسلمين لحقهم المشروع في الغنائم التي أحلَّها الله لهذه الأُمَّة واختصَّها به دون غيرها من الأُمم السابقة".
كما أنَّ ذلك يُعَدُّ تمشياً مع عادة قديمة متَّبعة لدى العرب في حروبهم في الجاهلية أبقى عليها الإسلام بعد تنظيمها وتقنينها وفق أنظمة الشريعة الإسلامية". والله تعالى أعلم".
стр. 109
المبحث الثاني: سرية بشير بن سعد ﵁ إلى بني مرة بفدك
المطلب الأول: تاريخ السرية
...
المطلب الأول: "تاريخ السرية:
أرَّخ لها الواقدي، وابن سعد، بشعبان سنة سبع من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
وذكرها خليفة بن خياط ضمن السرايا التي كانت سنة خمس، ولم يُحَدِّد الشهر الذي كانت فيه٢.
وأخرج البيهقي خبر السرية مقتضباً بسنده عن عروة، والزهري، وموسى بن عقبة، ولم يذكر لها تاريخاً، لأنه سردها ضمن السرايا والبعوث دون الخوض في التفاصيل، وإنَّما رتبها بعد بعث علي بن أبي طالب ﵁ نحو اليمن، وقبل بعث عبد الله بن عتيك إلى أبي رافع٣.
كما أخرجه أيضاً بسنده عن ابن إسحاق، الذي رواه مختصراً في جملة السرايا والبعوث، حيث رتبها بعد سرية محمَّد بن سلمة إلى موضع بهوازن، وقبل سرية بشير بن سعد - أيضاً - إلى موضع كداء٤.
стр. 110
المطلب الثاني: سبب السرية:
لم توضِّح روايتا الواقدي، وابن سعد - وهما مَن تحدَّثا بتفصيل عن هذه السرية - سبب بعث هذه السرية".
وأعتقد - والله تعالى أعلم - أنَّ هذه السرية تدخل في نطاق جهود النَّبِيِّ ﷺ في تحطيم وتمزيق الحلف الخيبري المكوَّن من يهود خيبر، وفدك، وتيماء، ووادي القرى، والقبائل الغطفانية، وغيرها، المحيطة بهذه المدن والقاطنة في باديتها، وبما أنَّ المبعوث إليهم هذه المرَّة هم بنو مرَّة١، وهي قبيلة غطفانية، ذات شأن في المنطقة، بل إنَّها قدَّمت للحلفاء في غزوة الأحزاب أربعمائة مقاتل٢، فذلك يعني أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أراد بهذه السرية التي كانت عبارة عن دورية قتال صغيرة، إضعاف هذه القبيلة اقتصادياً بأخذ أموالهم ومواشيهم في غفلةٍ منهم، تأديباً لهم على مشاركتهم في حلف الأحزاب، ومنعاً لهم من الاستمرارية في الحلف مع اليهود".
والله تعالى أعلم.