← Фатава

Фатава · id 11324

فتاوى ومسائل (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الرابع)

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (125 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

فتاوى ومسائل الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب تأليف: الإمام محمد بن عبد الوهاب قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ المسألة الأولى ١ سئل، ﵀، ٢ عن قوله تعالى في سورة هود: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣. فأجاب بقوله: ذكر عن السلف من أهل العلم فيها: أنواع ما يفعله الناس اليوم، ولا يعرفون معناه؛ فمن ذلك: العمل الصالح الذي يفعله٤ كثير من الناس ابتغاء وجه الله، من صدقة، وصلة، وإحسان إلى الناس، ونحو ذلك، وكذلك ترك ظلم أو كلام في عرض، مما يفعله الإنسان، أو يتركه خالصاً لله، لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة، وإنما يريد أن يجازى به بحفظ ماله وتنميته، أو حفظ أهله وعياله، أو إدامة النعم عليها، ونحو ذلك، ولا همة لهم في طلب الجنة والهرب من النار، فهذا يعطي ثواب عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة من نصيب. وهذا النوع ذكره ابن عباس، وقد غلط فيه بعض مشايخنا بسبب عبارة ذكرها في الإقناع في أول باب النية، لما قسم الإخلاص إلى٥ مراتب وذكر هذا، ظن أنه يسمى إخلاصًا مدحًا له، وليس كذلك، وإنما أراد أنه٦ لا يسمى رياء، وإلا فهو عمل حابط في الآخرة.

стр. 2

النوع الثاني: وهو أكبر من الأول وأخوف، وهو الذي ذكره مجاهد في الآية أن الآية نزلت فيه، وهو: أن يعمل أعمالاً صالحة، ونيته رياء الناس، لا طلب ثواب الآخرة. ولما ١ ذكر لمعاوية حديث أبي هريرة، في الثلاثة الذين أول من تسعر بهم النار، وهم: الذي تعلم العلم ليقال عالم، وتصدق ليقال جواد، وجاهد ليقال شجاع، فبكى ٢ معاوية بكاء شديداً، ثم قرأ هذه الآية. النوع الثالث: أن يعمل الأعمال الصالحة ويقصد بها مالاً، مثل: الحج لمال يأخذه، لا لله، أو يهاجر لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، أو يجاهد لأجل المغنم. فقد ذكر أيضاً هذا النوع في تفسير هذه الآية، كما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: " تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم " ٣ إلى آخر الحديث ٤. وكما يتعلم الرجل العلم لأجل مدارسة ٥ أهله، أو مكسبهم، أو رياستهم أو يتعلم القرآن، أو يواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد، كما هو واقع كثير - وهؤلاء أعقل من الذين قبلهم لأنهم عملوا لمصلحة يحصلونها، والذين قبلهم عملوا لأجل المدح والجلالة في أعين الناس، ولا يحصل لهم طائل. والنوع الأول أعقل من هؤلاء كلهم، لأنهم عملوا لله

стр. 3

وحده لا شريك له، لكن لم يطلبوا من ١ الخير الكثير العظيم الدائم وهو: الجنة، ولم يهربوا ٢ من الشر العظيم وهو: النار. النوع الرابع: أن يعمل الإنسان بطاعة الله مخلصاً في ذلك لله وحده لا شريك له، لكنه على عمل يكفّره كفرًا يخرجه عن الإسلام، مثل: اليهود والنصارى إذا عبدوا الله أو تصدقوا أو صاموا، ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، ومثل كثير من هذه الأمة الذين فيهم شرك أو كفر أكبر يخرجهم من الإسلام بالكلية، إذا أطاعوا الله طاعة خالصة يريدون بها ثواب الله في الدار الآخرة، لأنهم على أعمال تخرجهم من الإسلام تمنع قبول أعمالهم. فهذا النوع أيضا قد ذكر في الآية عن أنس بن مالك وغيره، وكان السلف يخافون منها. قال بعضهم: لو أعلم أن الله يقبل مني سجدة واحدة لتمنيت الموت، لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ . فهذا قصد وجه الله والدار الآخرة، لكن فيه من حب الدنيا والرياسة والملك ٣ والمال، ما حمله على ترك كثير من أمر الله ورسوله أو أكثر، فصارت الدنيا أكبر قصده، ولذلك قيل: ٤ قصد الدنيا. وذلك القليل ٥ كأنه لم يكن، كقوله ﷺ : " فإنك لم تصلّ " ٦، والأول أطاع الله ابتغاء وجه الله، لكن أراد من ٧ الثواب في الدنيا، وخاف على الحظ والعيال، مثل ما يقول

стр. 4

الفسقة، فصح أن يقال: قصد الدنيا. والثاني والثالث واضح، لكن بقي أن يقال: إذا عمل الرجل الصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج، ابتغاء وجه الله، طالبًا ثواب الآخرة، ثم بعد ذلك عمل أعمالاً كثيرة أو قليلة، قاصدًا بها الدنيا، مثل: أن يحج بعده لأجل الدنيا كما هو واقع، فهو لما غلب عليه منهما. وقد قال بعضهم: القرآن كثيراً ما يذكر أهل الجنة الخلّص وأهل النار الخلّص، ويسكت عن صاحب الشائبتين، وهو هذا وأمثاله. ولهذا خاف السلف من حبوط الأعمال. وأما الفرق بين الحبوط والبطلان فلا أعلم بينهما فرقًا. والله أعلم.

стр. 5

المسألة الثانية سألني الشريف عما نقاتل عليه، وعما نكفّر الرجل به ١، فأخبرته بالصدق، وبينت له الكذب الذي يبهت ٢ به الأعداء؛ فسألني أن أكتب له. فأقول: أركان الإسلام الخمسة، أولها: الشهادتان، ثم الأركان الأربعة. فالأربعة، إذا أقرّ بها وتركها تهاوناً، فنحن - وإن قاتلناه على فعلها - فلا نكفّره بتركها؛ والعلماء اختلفوا في كفر التارك لها كسلاً من غير جحود. ولا نقاتل إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو: الشهادتان. وأيضاً، نكفّره بعد التعريف إذا عرف وأنكر؛ فنقول: أعداؤنا معنا ٣ على أنواع: النوع الأول: من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله الذي أظهرناه للناس، وأقر أيضاً أن هذه الاعتقادات في الحجر والشجر والبشر الذي هو دين غالب الناس - أن ٤ الشرك بالله الذي بعث الله رسوله ينهى عنه ويقاتل أهله ليكون الدين كله لله - ومع ذلك لم يلتفت إلى التوحيد، ولا تعلمه،

стр. 6

ولا دخل فيه، ولا ترك الشرك؛ فهذا كافر نقاتله بكفره، لأنه عرف دين الرسول فلم يتبعه، وعرف دين الشرك فلم يتركه، مع أنه لا يبغض دين الرسول ولا من دخل فيه، ولا يمدح الشرك ولا يزينه للناس. النوع الثاني: من عرف ذلك كله، ولكنه تبين في سب دين الرسول مع ادعائه ١ أنه عامل به، وتبين في مدح من عبد يوسف والأشقر ٢ ومن عبد أبا علي والخضر من أهل الكويت، وفضلهم على من وحّد، وترك الشرك؛ فهذا أعظم من الأول، وفيه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ٣، وهو ممن قال الله فيه: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ ٤. النوع الثالث: من عرف التوحيد وأحبه واتبعه، وعرف الشرك وتركه، ولكن يكره من دخل في التوحيد، ويحب من بقي على الشرك؛ فهذا أيضاً كافر، وهو ممن ورد فيه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ٥. النوع الرابع: من سلم من هذا كله، ولكن أهل بلده مصرحون بعداوة التوحيد، واتباع أهل الشرك، وساعون ٦ في قتالهم، ويتعذر أن تركه وطنه

стр. 7

يشق عليه؛ فيقاتل أهل التوحيد مع أهل بلده ويجاهد بماله ونفسه؛ فهذا أيضاً كافر. فإنهم لو يأمرونه بترك صوم رمضان ولا يمكنه الصيام إلا بفراقهم فعل، ولو يأمرونه بتزوج امرأة أبيه ولا يمكنه ذلك إلا بمخالفتهم فعل، وموافقتهم على الجهاد معهم بنفسه وماله، مع أنهم يريدون بذلك قطع دين الله ورسوله، أكبر من ذلك بكثير (كثير) ١. فهذا أيضاً كافر، وهو ممن قال الله فيهم: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُبِيناً﴾ ٢. فهذا الذي نقول. وأما الكذب والبهتان، فمثل قولهم: إنا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وأنا نكفّر من لم يكفّر ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه. فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله. وإذا كنا لا نكفّر مَن عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما، لأجل جهلهم وعدم من ينبههم ٣، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا، ولم يكفّر ويقاتل؟ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ ٤. بل نكفّر تلك الأنواع الأربعة لأجل محادتهم لله ورسوله. فرحم الله أمرأً نظر لنفسه، وعرف أنه ملاق الله الذي عنده الجنة والنار. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 8

المسألة الثالثة سأله الشيخ عيسى بن قاسم، وأحمد بن سويلم، في أول إسلامهما، عن قول الشيخ تقي الدين: من جحد ما جاء به الرسول، وقامت به الحجة، فهو كافر. فأجاب بقوله: إلى الأخوين: عيسى بن قاسم وأحمد بن سويلم، سلام عليكم ورحمة الله. وبعد، ما ذكرتموه ١ من قول الشيخ: كل ٢ من جحد كذا وكذا، وأنكم شاكون في هؤلاء الطواغيت وأتباعهم، هل قامت عليهم الحجة أم لا؟ فهذا من العجب العجاب. كيف تشكون في هذا وقد وضحته لكم مرارًا؟ فإن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام، والذي نشأ ببادية، أو يكون ذلك في مسألة خفية، مثل الصرف والعطف، فلا يكفر حتى يعرّف. وأما أصول الدين التي أوضحها الله ٣ في كتابه، فإن حجة الله هي القرآن؛ فمن بلغه فقد بلغته الحجة. ولكن أصل الإشكال: أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة وفهم الحجة ٤؛ فإن أكثر الكفار والمنافقين لم يفهموا حجة الله، مع قيامها عليهم، كما قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ ٥.

стр. 9

وقيام الحجة وبلوغها نوع، وفهمهم إياها نوع آخر، وكفرهم ببلوغها إياهم وإن لم يفهموها نوع آخر١. فإن أشكل عليكم ذلك، فانظروا قوله ﷺ في الخوارج: " أينما لقي فاقتلوهم " ٢، وقوله: " شر قتلى تحت أديم السماء " ٣، مع كونهم في عصر الصحابة، ويحقر الإنسان عمل الصحابة معهم، ومع إجماع الناس أن الذي أخرجهم من الدين هو التشدد والغلو ٤ والاجتهاد٥، وهم يظنون أنهم مطيعون لله؛ وقد بلغتهم الحجة، ولكن لم يفهموها. وكذلك قتل علي ﵁ الذين اعتقدوا فيه وتحريقهم بالنار، مع كونهم تلاميذ الصحابة، ومع عبادتهم وصلاحهم وصيامهم؛ وهم أيضاً يظنون أنهم على حق. وكذلك إجماع السلف على تكفير ناس من غلاة القدرية وغيرهم، مع كثرة علمهم وشدة عبادتهم، مع كونهم ٦ يظنون أنهم يحسنون صنعًا. ولم يتوقف أحد من السلف في تكفيرهم، لأجل أنهم لم يفهموا، فإن هؤلاء كلهم لم يفهموا. إذا علمتم ذلك، فهذا الذي أنتم فيه، وهو: الشك في كفر ٧ أناس يعبدون الطواغيت، ويعادون دين الإسلام، ويزعمون أنه ردة، لأجل أنهم ما فهموا، كل هذا أظهر وأبين مما تقدم، إلا الذين حرقهم علي فإنه

стр. 10

يشابه هذا. وأما إرسال كلام الشافعية أو غيرهم، فلا يتصور أن ١ يأتيكم أوضح مما أتاكم. فإن كان عليكم بعض الإشكال، فارغبوا إلى الله أن يزيله عنكم. وأيضاً، ذكر لي محمد بن سلطان ٢، أنه جرى عندكم مسألتان: الأولى: صورة المقاصة، يريد بعض الناس أن يحتال على المنهيِّ عنه من بيع الطعام قبل قبضه، ويقول للشخير ٣ إذا جاء بدراهم التمر: بعها علي بتمر قدر الذي في ذمته; ثم يتساقطان، ويجعل هذه من المقاصة المباحة. وكذلك ذكروا إذا اشترى منه سلعة، وشرط عليه أن يوفيه بها، صح العقد وفسد الشرط، أن بعض الناس يريد أن يجعل هذه الحيلة إلى قلب الديْن الذي في ذمته ديْناً آخر، وينسب الصحة إلى الإقناع والمنتهى؛ وهما من أشد الناس كلامًا وتحريمًا لمثل هذا، حتى إنهما يحرمان صورًا مع كون المتعاقدين ٤ لم يقصدا الحيلة، لئلا يتخذ ذريعة مثل العينة وغيرها. وأنا ذكرت لكم مراراً: إذا ادعى أحد في هذا وأمثاله الجواز، فاسألوا عن الحيل المحرمة التي هي مخادعة لله، ما معناها؟ وما صورتها؟ مثال ذلك: أنك لو تسألني عن رجل اشترى منك سلعة بعشرين مشخصًا - وهي تساوي العشرين ثيابًا أو طعامًا أو غيرهما -، قلت لك: هذا صحيح بالإجماع. فإذا سألتني عن إبرائه من عشرين المشخص بعد ما ثبتت في ذمته، قلت: هذا من الإحسان بالإجماع. فإذا قلت: إنه لم يشتر مني

стр. 11

ولم أبرئه إلا لأنه يريد أن يقرضني مائتي مشخص بربح عشرين، وقال لي: هذا ربا لا يصح، ولكن بعني سلعة تساوي عشرين، ثم بعد ذلك أبرئني منها، قلت لك: هذا صريح الربا، والمخادعة لله بلا شك. وكذلك أشباه هذه الصورة. فالذي يجعل التحيل على بيع الطعام قبل قبضه من المقاصة، أو يجعل بيع السلعة ليوفيه بها حيلة إلى حل ١ كون رأس مال السلم ٢ ديناً، مع تصريحهم بتحريمه بلا هذه الحيلة، اسألوه: ما الفرق بين هاتين الصورتين وبين تلك؟ فإنه لا يجد فرقًا إلا بالمكابرة. وهنا فائدة ينبغي التنبه لها، وهي: أن الحيل على الربا قد نشأتم عليها أنتم ومشايخكم، ويسمونها: التصحيح؛ والأمور التي نشأ الإنسان عليها صعب عليه مفارقتها بالكلية، والاستجابة لله والرسول. وترك مذهب الآباء وما عليه المشايخ أمر عظيم ٣ لا يوافق عليه أكثر الخلق. فأمر الحيل ومسائله مثل أمر الشرك، فكما أنكم لم تفهموا الشرك أول مرة ولا ثانية ولا ثالثة، ولم تفهموه كله إلى الآن، كذلك الحيل، لأجل نشأتكم عليها؛ وتسميتها: التصحيح، تحتاج منكم إلى نظر وفطنة. فأكثروا التدبر لها، والمطالعة والتمثيل، في إغاثة اللهفان، وغيرها. والله أعلم.

стр. 12

المسألة الرابعة سأله محمد بن صالح، عن رشوة الحاكم الذي ورد عن رسول الله ﷺ أنه: " لعن الراشي والمرتشي " ١، وذلك أنه وقع بينه وبين سليمان بن سحيم مجادلة في ذلك. سألتم، رحمكم الله، عن رشوة الحاكم الذي ورد عن رسول الله ﷺ أنه لعن الراشي والمرتشي، وذكر له أن بعض الناس حملها على ما إذا حكم الحاكم بغير الحق، وأما إذا ٢ أخذ رشوة من صاحب الحق، وحكم له به فهي حلال، مستدلاً بقوله ﷺ : " أحق ما أخذتم عليه أجرًا: كتاب الله "٣، وأنكم استدللتم عليه بقوله تعالى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ ٤، وأجابكم بأنها نزلت في كعب بن الأشرف، وبأن الناس فرضوا لأبي بكر لما تولى الأمر درهمين كل يوم، وكذلك قوله: من قال لا أحكم بينكما إلا بجعل. فأقول: أما صورة المسألة، فهي أشهر من أن تذكر، بل هي تعلم بالاضطرار؛ فإن حكام زماننا - لما أخذوا الرشوة - أنكرت عليهم العقول والفطر، بما جبلها الله عليه ٥، من غير أن يعلموا أن الشارع نهى عنها، ولكن إذا جادل المنافق بالباطل، فربما يروج على المؤمن فيحتاج إلى كشف الشبهة، فنقدم قبل الجواب مقدمة، وهي:

стр. 13

أن الله سبحانه لما أظهر شيئًا من نور النبوة في هذا الزمان، وعرف العامة شيئاً من دين ١ الإسلام، وافق أنه قد ترأس على الناس رجال من أجهل العالمين وأبعدهم من معرفة ما جاء به محمد ﷺ ، وقد صاروا في الرياسة بالباطل وفي أكل أموال الناس، ويدّعون أنهم يعملون بالشرع، ولا يعرفون شيئًا من الدين إلا شيئًا من كلام بعض الفقهاء في البيع والإجارة والوقف والمواريث، وكذلك في المياه والصلاة، ولا يميزون حقه من باطله، ولا يعرفون مستند قائله، وأما العلم الذي بعث الله به محمدًا ﷺ فلم يعرفوا منه خبرًا، ولم يقفوا منه على عين ولا أثر؛ فقد تزاحمت بهم الظنون،: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ٢. ومصداق هذا كله: أن الداعي - لما أمرهم بتوحيد الله ونهاهم عن عبادة المخلوقين - أنكروا ذلك، وأعظموه، وزعموا أنه جهالة وضلالة، مع كون هذه المسألة أبين في دين محمد ﷺ من كون العصر أربعًا والمغرب ثلاثًا; بل اليهود والنصارى والمشركون يعلمون أن محمدًا ﷺ دعا الناس إلى ذلك، وجادل عليه ٣ وقاتل عليه. فهؤلاء الذين يزعمون أنهم علماء اشتد إنكارهم علينا لما تكلمنا بذلك، وزعموا أنه دين ومذهب خامس، وأنهم لم يسمعوه من مشائخهم ومن قبلهم.

стр. 14

وبالجملة، فهذا الحق قد خالف أهواءهم من جهات متعددة: الأولى: أنهم لا يعرفونه، مع كونهم يظنون أنهم من العلماء. الثانية: أنه خالف عادة ١ نشؤوا عليها؛ ومخالفة العادات شديدة. الثالثة: أنه مخالف لعلمهم الذي بأيديهم، وقد أُشربوا ٢ حبه، كما أُشربت بنو إسرائيل حب العجل. الرابعة: أن هذا الدين يريد أن يحول بينهم وبين مآكلهم الباطلة المحرمة الملعونة، إلى غير ذلك من الأمور التي يبتلي الله بها العباد. فلما ظهر هذا الأمر اجتهدوا في عداوته وإطفائه بما أمكنهم، وجاهدوا في ذلك بأيديهم وألسنتهم، فلما غلظ الأمر وبهرهم ٣ نور النبوة ولم يجئْ على عاداتهم الفاسدة، فتفرقوا فيه كما تفرّق إخوانهم الأولون: فبعضهم قال: مذهب ابن تيمية، كما لمزوا رسول الله ﷺ بابن أبي كبشة. وبعضهم قال: كتب باطلة، كقولهم: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ ٤. وبعضهم قال: هذا يريد الرياسة، كما قالوا: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ﴾ ٥. وتارة يرمون المؤمنين بالمعاصي، كما قالوا لنوح فأجابهم

стр. 15

بقوله: ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١. وتارة يرمونهم بالسفاهة ونقص العقل، كما قالوا: ﴿أنؤمن كما آمن السفهاء﴾ ٢، فأجابهم الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ ٣ الآية. وتارة يضحكون من المؤمنين ويستهزئون بأفعالهم التي خالفت العادات، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ٤. وتارة يكذبون عليهم الأكاذيب العظيمة، كقوله: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً﴾ ٥. وتارة يرمون دين الإسلام بما يوجد في بعض المنتسبين إليه من رثاثة الفهم والمسكنة، كما قالوا: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ ٦. وتارة تقطع قلوبهم من الحسرة والغيظ إذا رأوا الله رفع بهذا الدين أقوامًا ووضع به آخرين، كقولهم: ﴿أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ ٧، إلى غير ذلك من الأمور التي يطول ذكرها. وبالجملة، فمن شرح الله صدره للإسلام، ورزقه نورًا يمشي به في الناس، بينتْ له هذه الأمور التي وقعت في وقتنا هذا كثيرًا من معاني القرآن، وتبين له شيء من حكمة الله في ترداد هذا في كتابه لشدة الحاجة إليه؛ فيقال لهؤلاء المردة، آكلي أموال الناس بالباطل، ومُذهبي أديانهم مع أموالهم، ما قال عمر بن عبد العزيز: " رويدا يا ابن بُنَاته ٨، فلو التقت

стр. 16

حلقتا البطان، ورد الفيء إلى أهله، لأتفرغنّ لك ولأهل بيتك حتى أدَعهم على المحجة البيضاء، فطالما تركتم الحق وأوضعتم في الباطل ". وأما المسألة والجواب عنها فنقول: قد عُلم بالكتاب والسنة والفطر والعقول: تحريم الرشوة وقبحها. والرشوة هو ما يأخذ الرجل على إبطال حق وإعطاء باطل. وهذه يسلمها لك منازعك. وهي أيضاً ما يؤخذ على إيصال حق إلى مستحقه، بل يسكت ولا يدخل فيه حتى يعطيه رشوة، فهذه حرام، منهي عنها بالإجماع، ملعون من أخذها؛ فمن ادعى حلها فقد خالف الإجماع. وقوله: بأي شريعة حكمت بتحريم هذا؟ فنقول: حكمت به شريعة رسول الله ﷺ ، وأجمع على ذلك علماء أمته، وأحلّ ذلك المرتشون الملعونون. ومن أنواع الرشوة: الهدايا التي تُدفع إلى الحاكم بسبب الحكم، ولو لم يكن لصاحبها غرض حاضر; لا أعلم أحدًا من العلماء رخص في مثل هذا. والعجب، إذا كان في كتابكم الذي تحكمون فيه: يجب العدل بين الخصمين في لحظه ولفظه ومجلسه وكلامه والدخول عليه، فأين هذا من أكل عشرة حمران على أحد الخصمين، وإن لم يعطه أخذ بدلها من صاحبه وحكم له؟ سبحان الله! أي شريعة ١ حكمتْ بحلّ هذا؟! ٢ أم أي عقل أجازه؟ ما أجهل من يجادل في مثل هذا، وأقل حياءه، وأقوى وجهه! وأما أدلته التي استدل بها فلا تنس قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي

стр. 17

قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ ١ الآية. ولما جادل النصارى رسول الله ﷺ في ألوهية عيسى، واحتجوا عليه بشيء من القرآن، وكذلك الخوارج يستدلون على باطلهم بمتشابه القرآن، وكذلك الذين ضربوا الإمام أحمد يستدلون عليه بشيء من متشابه القرآن. وما أنزل الله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ ٢، إلا لمِا يعلم من حاجة عباده إليها. وأما استدلال هذا الجاهل الظالم بقوله: " أحق ما أخذتم عليه أجرًا: كتاب الله " ٣، فجوابه من وجوه: الأول: أن المؤمنين إذا فسروا شيئًا من القرآن بكلام رسول الله ﷺ وآله وأصحابه، وكلام المفسرين ليس لهم فيه إلا النقل، اشتد نكيرهم عليهم، ويقولون: ٤ القرآن لا يحل لكم تفسيره، ولا يعرفه إلا المجتهدون; وتارة تفتري الكذب وتقول: إن ابن عباس إذا أراد أن يفسره خرج إلى البرية خوفًا من العذاب، وأمثال هذه الأباطيل والخرافات؛ ومرادهم بذلك سد الباب، فلا يفتح ٥ للناس طريق إلى هذا الخير، فيكون نقلنا لكلام المفسرين منكرًا، وتفسيرك كتاب الله على هواك وتحريفك الكلم عن مواضعه حسناً! هذا من أعجب العجاب! الوجه الثاني: أن هذا لو كان على ما أولته، فهو في الأخذ على كتاب الله، وأنتم متبرئون من معرفة كتاب الله والحكم به، وشاهدون على أنفسكم بذلك.

стр. 18

الوجه الثالث: أن هذا لو كان فيما ذهبت إليه، لكان مخصوصًا بتحريم الرشوة التي أجمع الصحابة على تحريمها. الوجه الرابع: أن حمل الحديث على هذا، من الفرية الظاهرة والكذب البحت على رسول الله ﷺ ؛ فإن معنى ذلك في الإنسان الذي يداوي المريض بالقرآن، فيأخذ على الطب والدواء، لا على الحكم وإيصال الحق إلى مستحقه. ويدل عليه اللفظ الآخر: " كلْ. فمن أكل برقية باطل، فقد أكلتَ برقية حق " ١. والقصة شاهدة بذلك توضحه. الوجه الخامس: وهو أن يقال لهذا الجاهل المركب: ٢ من استدل قبلك بهذا الحديث على أن الحاكم إذا أراد أن يوصل الحق إلى مستحقه يجوز له أن يشترط لنفسه شرطاً ٣، فإن حصل له، وإلا لم يفعل؟ فإن كان وجده في كتاب الله، فليبين مأخذه. وما ظنه بأهل العلم الأولين والآخرين الذين أجمعوا على ذلك؟ لا يجوز أن يظن أن إجماعهم باطل، وأنهم لم يفهموا كلام نبيهم حتى فهمه هو. وأما استدلاله بأن الناس فرضوا لأبي بكر ﵁ لما ولي عليهم، كل يوم درهمين، فهذا من أعجب ٤ جهله. ومثل هذا مثل من يدعي حل الزنى الذي لا شبهة فيه، ويستدل على ذلك بأن الصحابة يطؤون زوجاتهم! وهذا الاستدلال مثل هذا، سواء بسواء! وذلك أن استدلاله بقصة

стр. 19

أبي بكر ﵁ تدل على شدة جهله بحال السلف الصالح؛ فإن النبي ﷺ كان يعطي العمال من بيت المال، وكان الخلفاء الراشدون يأكلون من بيت المال، ويفرضون لعمالهم؛ ولا أعلم عاملاً في زمن الخلفاء الراشدين لا ١ يأكل من ذلك، بل الزكاة التي هي للفقراء جعل الله فيها نصيباً للعمال الأغنياء، ولكن أبا بكر ﵁ لما ولي واشتغل بالخلافة عن الحرفة، وضع رأس ماله في بيت المال، واحترف للمسلمين فيه، فأكل بسبب وضع ماله في بيت المال وبسبب الحرفة. فأين هذا من أكل الرشوة التي حرمها الله ورسوله؟ وأين هذا من الحاكم الذي إذا وقعت الخصومة، فأكثرهم برطيلاً يغلب صاحبه؟ سبحانك هذا بهتان عظيم! فإن قالوا: لما عدم بيت المال، أكلنا من هذا. قلنا: هذا مثل من يقول: أنا أزني لأني أعزب لا زوجة لي؛ فهو هذا من غير مجازفة. وقولهم: نفعل هذا لأجل مصلحة الناس. فنقول: ما على الناس أضر من إبليس ومنكم، أذهبتم دنياهم وآخرتهم، والناس يشهدون عليكم بذلك. هؤلاء أهل شقرا شرطوا لابن إسماعيل كل سنة ثلاثة وثلاثين أحمر، ويسكت عن الناس ويريحهم من أذاه، ولا يحكم بين اثنين، ولا يفتي; فلم يفعل واختار حرفته الأولى. وأما جوابه لمن استدل عليه: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ ٢، بقوله: نزلت في كعب بن الأشرف، فهذا ترس قد أعده هؤلاء ٣ الجهال الضلال لرد كلام الله؛ إذا قال لهم أحد: قال الله كذا، قالوا: نزلت في اليهود ونزلت في النصارى، نزلت في فلان.

стр. 20

وجواب هذه الشبهة الجاهلة، الظالمة الفاسدة، من وجوه: الأول: أن يقال: معلوم أن القرآن نزل بأسباب، فإن كان لا يستدل به إلا في تلك الأسباب، بطل استدلاله بالقرآن ١؛ وهذا خروج من الدين. الثاني: أنك تقول: لا يجوز تفسير القرآن٢، فكيف فسرت هذه الآية بأنها خاصة بابن الأشرف؟ الثالث: ٣ من نقلت عنه من العلماء أن الآية إذا نزلت في رجل كافر أنها لا تعم من عمل بها من المسلمين؟ من قال بهذا القول قبلك؟ وعمن نقلته؟ الرابع: أن هذا خروج من الإجماع، فما زال العلماء من عصر الصحابة فمن بعدهم يستدلون بالآيات التي نزلت في اليهود وغيرهم على من يعمل بها؛ ولكن هذا شأن الجاهلين الظالمين ٤ الذين يحاجون ٥ في الله من بعد ما استجيب له، حجتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غضب، ولهم عذاب شديد. فأما الكلام في الطواغيت، مثل: إدريس وآل شمسان، فالكلام على هذا طويل. ولكن هؤلاء الذين يخاصمونك لا يعبؤون بكلام الله ولا كلام

стр. 21

رسوله ١، ولا عندكم إلا ٢ ما في كتابهم، فقل: إذا كان كتابكم قد صرح تصريحًا لا مزيد عليه، ونقل الإجماع على أن من فعل عشر معشار فعل هؤلاء الطواغيت، أنه كافر حلال الدم والمال، وقد صرح بأن من شك في كفرهم فهو كافر، فكيف إذا مدحهم وأثنى عليهم؟ فكيف إذا ضم إلى ذلك مدح طريقتهم، مثل ما يفعله ناس من الظالمين في الرياض: يمدحون طريقتهم ويمدحونهم، ويذمون دين الإسلام ويسبونه وأهله، ويسمونهم السبابة; ومنهم من ينصر مذهب ابن عربي وابن الفارض ويدعون إليه، وهؤلاء عند المجادل الذي يدعي أنه يعرف الإقناع ويعمل به، من الخواص؛ ولو يقال: لا يصلى خلفهم، ولا تقبل شهادتهم، وأنهم فسقة، لأنكر علينا هذا الذي يدعي أنه فقيه، بل هم أحبابه وأصحابه وأنصاره; فكيف لو يقال: إنهم كفار مرتدون، يجب قتلهم إن لم يتوبوا! فخاصمه بكتابه. فإن بيّن من العبادات غير ما فهمنا ٣ فيذكره بدليله، وإن زعم أن كتابه باطل فيذكر الدليل على بطلانه، وإن ذكر جوابًا آخر يريد أن يجمع بين كتابه وبين عدم تكفير هؤلاء فهو كمن يريد أن يجمع بين المجوسية والإسلام. فإن قال: ما رأيناهم فعلوا، قلنا: وأنت أيضاً ما رأيت فرعون ولا هامان كفروا، ولا رأيت أبا جهل وأبا لهب، ولا رأيت ظلم الحجاج، ولا رأيت الذين ضربوا الإمام أحمد، وأنت تشهد بهذا كله! فإن قال: هذا متواتر، قلنا: وكفر هؤلاء وادعاؤهم الربوبية متواتر عند الخاص والعام، والرجال والنساء، وهم الآن يعبدون ويدعون الناس إلى

стр. 22

ذلك، ومع هذا كله، ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً﴾ ١، ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ ٢، ولكن إذا أمر الله بجهاد الكفار والمنافقين فلا بد من ذلك. والله أعلم.

стр. 23

المسألة الخامسة سئل، ﵀، عن هذه المسائل المفيدة: الأولى: إذا رأينا حديثًا في بعض الكتب، مثل الآداب، أو شرح الأربعين لابن حجر الهيثمي ١، أو المنازل، أو المشارق، أو الإقناع، أو المنتهى، ونسبه صاحبه إلى الصحيحين أو بعض المساند، هل يسوغ الأخذ به والعمل به، ولو لم نقف على الأصل؟ الثانية: إذا وجدنا روايتين عن الإمام أحمد مختلفتين، أو أقوالاً لأصحاب مختلفة، وكل يدلي بدليل، هل يجوز العمل بكل منهما؟ وإذا حكى بعض العلماء مثل صاحب الفروع أو غيره، كلامًا للإمام أحمد أو للأصحاب وأمثالهم في مسألة، ولم يذكر استدلالهم على ذلك بشيء، أو ذكر أن فلانًا قال: كذا، وفلانًا قال: كذا، بضد القول الأول، ما الحكم في ذلك؟ إذا قال: الصحيح أو المذهب كذا، هل يعمل به؟ الثالثة: إذا فسر بعض الأصحاب معنى حديث، واستدل به على حكم، وفسره آخر بضده، واستدل به على حكم يقابل الأول، أو نقل عن الإمام تفسير حديث، أو نقل آخر عنه ضده، مثل حديث "الإغلاق" ٢، قال

стр. 24

ابن القيم عن الإمام أحمد أنه فسره بالغضب، ونقل غيره أنه - أي: الإمام أحمد - فسره بالإكراه. الرابعة: قولهم: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، وعلى من اجتهد أو قلد مجتهداً حيًا أو ميتًا، وإذا ورد حديثان متضادان في الحكم، مثل حديث "القلتين" و "بئر بضاعة"، ذكر العلماء ١ أن حديث "بئر بضاعة" مطلق، وحديث "القلتين" مقيد، فيحمل المطلق على المقيد، وذكر غيره أن هذا -أي حديث القلتين - (بالمفهوم والمطلق منطوق ما يسوغ لمثلنا) ٢، وحديث القلتين استدلوا على صحته، وأن غيره يحمل عليه، بأنه ﵇ سئل عن إناء ولغ فيه كلب فأمر بإراقته، ولم يسأل هل تغير أم لا. الخامسة: الثلاث طلقات ٣ المجموعة، ذكر الشيخ منصور في شرح الإقناع وقوعها، يُروى عن ابن عباس، وعن عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر قال: وعن مالك بن الحارث قال: " جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثًا، فقال: إن عمك عصى الله وأطاع الشيطان؛ فلم يجعل له مخرجًا ". وروى النسائي بإسناده عن محمود بن لبيد قال: " أُخبر رسول الله ﷺ أن رجلاً طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فغضب وقال: أيُلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟! حتى قام رجل فقال: يا رسول الله، أفلا أقتله؟ " ٤. انتهى. وأما ما روى طاووس عن ابن عباس

стр. 25

قال: " كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وخلافة أبي بكر، وصدر من خلافة عمر: الثلاث واحدة ... إلخ" ١، فقال الأثرم: ٢ سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس بأي شيء تدفعه؟ ٣ قال: أدفعه برواية الناس عن ابن عباس بوجوه خلافه، ثم ذكر عن ابن عباس خلافه من وجوه أنها ثلاث. انتهى. السادسة: قول أهل العلم: إن اتفاق الأئمة حجة واختلافهم رحمة، فما معنى كون اختلافهم رحمة؟ واحتج بهذه من اتبع بعض ٤ المجتهدين. السابعة: الحلف بالطلاق، ذكر الشيخ منصور في شرح الإقناع نقلاً عن اختيارات أبي العباس، قال: قال أبو العباس: تأملت نصوص أحمد، فرأيته يأمر باعتزال الرجل امرأته في كل يمين حلف الرجل عليها. انتهى. فهذا من أبي العباس يدل على أن مذهب الإمام أحمد يدل على صحة الحلف بالطلاق. الثامنة: مسألة الوقف على الأولاد، ذكر مصنف المنتهى في شرحه عن مسند الحميدي: " أن أبا بكر وسعداً وعمرو بن العاص وحكيم بن حزام تصدقوا على أولادهم بدور المدينة ". التاسعة: قوله ﵎: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ

стр. 26

الْجَاهِلِيَّةِ﴾ ١، وقوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ ٢، وقوله: ٣ ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ ٤، ما معنى: سوء الظن بالله؟ وقوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ ٥، ما معناه؟ وما معنى إدخال البخاري إياه في كتاب الطب؟ وكذلك الحديث الذي أورده: " ما من مسلم يصيبه أذى " ٦، فإن فسرتم "الأذى" بجميع المكروهات كما هو المشهور من معنى اللفظ الأخير: " ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى " ٧، فعطف "الأذى" على ما تقدم، والعطف يقتضي المغايرة؛ هل المراد: المسلم ٨ الذي لم يصدر منه شرك بالكلية، أم لا؟ وما معنى قولهم: من الشرك: التصنع للمخلوق ٩، وخوفه ورجاؤه؟ وهل المراد به: الشرك الأكبر أو الأصغر؟ ١٠. وقوله: " أنا عند ظن عبدي بي: إن ظن بي خيرًا فله، وإن ظن بي شرًا فله " ١١، ما معناه؟ والحديث الذي فيه النهي عن قيل وقال، وعن كثرة السؤال وإضاعة المال، وقوله ﵇: " الشؤم في ثلاثة: في المرأة، والدار، والفرس " ١٢، ما معناه؟ وترك الخارص الثلث أو الربع، هل هو صحيح أم لا؟ فإن قلتم: لا، فما معنى الحديث

стр. 27

الذي استدل به مَن جوّزه، وهو قوله للعباس: " هي علي، ومثلها معها "؟ وقوله: " الماهر بالقرآن ١ مع السفرة الكرام البررة. والذي يقرؤه وهو عليه شاق له أجران "، هل المراد: حفظ حروفه، ويحصل الفضل بذلك أم لا؟ والحفظ مع فهم المعاني؟ وما معنى المشقة والتعاهد؟ وما معنى قوله: ٢ " طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة " ٣. أفتونا مأجورين. فأجاب، ﵀: اعلم - أرشدك الله -: أن الله بعث محمدًا ﷺ بالهدى الذي هو: العلم النافع، ودين الحق الذي هو: العمل الصالح؛ إذا كان من ينتسب إلى الدين: منهم من يتعانى بالعلم والفقه ويقول ٤ به كالفقهاء، ومنهم من يتعانى العبادة وطلب الآخرة كالصوفية، فبعث الله نبيه بهذا الدين الجامع للنوعين. ومن أعظم ما امتن الله ٥ به عليه وعلى أمته، أن أعطاه جوامع الكلم، فيذكر الله تعالى في كتابه كلمة واحدة تكون قاعدة جامعة يدخل تحتها من المسائل ما لا يحصى; وكذلك يتكلم رسول الله ﷺ بالكلمة الجامعة. ومن فهم هذه المسألة فهمًا جيدًا، فهم قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ٦، وهذه الكلمة أيضاً من جوامع الكلم، إذ الكامل لا يحتاج إلى زيادة. فعلم منه بطلان كل محدث بعد رسول الله ﷺ وأصحابه، كما أوصانا بقوله:

стр. 28

" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي! تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل محدثة بدعة ١، وكل بدعة ضلالة "، وفهم أيضاً معنى قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ٢. فإذا كان الله سبحانه قد أوجب علينا أن نرد ما تنازعنا فيه إلى الله، أي: إلى كتابه، وإلى الرسول، أي: إلى سنته، علمنا قطعًا أن من رد إلى الكتاب والسنة ما تنازع فيه الناس، وجد فيه ما يفصل النزاع. وهذه كلمات يسيرة تحتاج إلى بسط طويل، وتشير إلى حظ جليل، وإنما قدمتها لأن من عرفها انجلى عنه إشكالات كثيرة في مسائل لا تحصر، منها بعض هذه المسائل المسؤول عنها، من ذلك جواب: المسألة الثانية: إذا اختلف كلام أحمد وكلام أصحابه، فنقول: في محل النزاع، التراد إلى الله والرسول، لا إلى كلام أصحابه، ولا إلى الراجح المرجح من الروايتين والقولين، خطأ قطعًا، وقد يكون صوابًا. وقولك: إذا استدل كل منهما بدليل، فالأدلة ٣ الصحيحة لا تتناقض، بل يصدق بعضها بعضًا، لكن قد يكون أحدهما أخطأ في الدليل: (لأنه) ٤ إما استدل بحديث لم يصح، وإما (لأنه) ٥ فهم من كلمة صحيحة مفهومًا مخطئًا.

стр. 29

وبالجملة، ١ فمتى ٢ رأيت الاختلاف، فرُدَّه إلى الله والرسول، فإذا تبين لك الحق فاتبعه، فإن لم يتبين واحتجت إلى العمل، فقلد من تثق بعلمه ودينه؛ وهل يتخير الرجل عند ذلك أو يتحرى أو يقلد الأعلم أو الأورع؟ فيه كلام ليس هذا موضعه. فتبين بهذا جواب المسألة الثانية والثالثة والرابعة. وأما المسألة الأولى: فإن كان صاحب الكتاب ٣ ثقة مأمونًا، ونسبه إلى الصحيحين وغيرهما، جاز العمل بقوله، ولا أحد منع ذلك. وأما المسألة الخامسة وهي قول من قال: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، فجوابها يعلم من القاعدة المتقدمة. فإن أراد القائل مسائل الخلاف كلها، فهذا باطل يخالفه إجماع الأمة؛ فما زال الصحابة ومن بعدهم ينكرون على من خالف أو أخطأ كائنًا من كان، ولو كان أعلم الناس وأتقاهم. وإذا كان الله قد بعث محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق، وأمرنا باتباعه وترك ما خالفه، فمن تمام ذلك أن من خالفه من العلماء مخطئًا نبِّه على خطئه، وأُنكر عليه. وإن أريد بمسائل الاجتهاد ومسائل الخلاف التي لم يتبين فيها الصواب، فهذا كلام صحيح، لا يجوز للإنسان أن ينكر الشيء لكونه مخالفاً لمذهبه أو لعادة الناس؛ فكما لا يجوز للإنسان أن يأمر إلا بعلم، لا يجوز أن ينكر

стр. 30

إلا بعلم. وهذا كله داخل في قوله تعالى ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ١. وأما المسألة السادسة ، وهي قولك: إذا ورد حديثان متضادان مثل حديث "القلتين" وحديث ٢ "بئر بضاعة" ... إلخ، وهذه عبارة لا ينبغي أن تقال، وحاشا كلام الله وكلام رسوله من التضاد، بل كله حق يصدق بعضه بعضًا. والواجب على المؤمن في ٣ مثل هذا أن يحسن الظن بكلام الله وكلام رسوله، ويقول كما أمر الله: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ٤، فإذا تبين له الحق فليقلْ به وليعملْ به، وإلا فليمسكْ وليقل: الله ورسوله أعلم؛ فإن الله تعالى ابتلى الناس بالمتشابه كما ابتلاهم بالمحكم، ليعلم من يقف حيث وقفه الله، ومن يقول على الله بلا علم. نعم قد يرد حديثان متضادان، ولكن أحدهما ليس بصحيح، وقد يكون أحدهما ناسخًا، لكنه قليل جدًا، ومع ذلك لا يرد المنسوخ إلا وقد يرد ما يبينه ٥. وأما قولك: ما يسوغ لمثلنا; فالذي يسوغ بل يجب، ما وصفت لك، وهو: طلب علم ما أنزل الله على رسوله، ورد ما تنازع فيه المسلمون إليه ٦. فإن علمه الله شيئاً فليقل به، وإلا فليمسك، ويقول: الله أعلم، ويجعله من العلم الذي لا يعرفه. فلو بلغ الإنسان في العلم ما بلغ لكان ٧

стр. 31

ما علمه قليلاً بالنسبة إلى ما لم يعلمه. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّّ قَلِيلاً﴾ ١. وأما المسألة السابعة، فكونها مروية عن الصحابة فمسلم، ويكفي في ذلك ما ورد عن المحدث الملهم الذي أُمرنا باتباع سنته، ثاني الخلفاء: عمر ابن الخطاب؛ ولكن ليس في هذا ما يرد القول الآخر. وأما الحديث: " أيُلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ " ٢، فهذا يدل على أن جمع الثلاث لا يجوز؛ وأما كونه ألزم بها فلم يذكر في الحديث. والذي يقول: إنها واحدة، لا يقول: إن التلفظ بها يجوز، بل يقول: هو منكر من القول وزور، كما في الحديث. وأما رد الإمام أحمد، ﵀، ذلك بمخالفة راويه ٣ له، فهذه مبنية على مسألة أصولية، وهي: أن الصحابي إذا أفتى بخلاف ما روى، هل يقدح فيه؟ والصحيح أنه لا يقدح فيه؛ فإن الحجة في روايته لا في رأيه. وبالجملة فالمسألة مسألة طويلة، لعل المذاكرة تقع فيها شفاهًا. وأما المسألة الثامنة، وهي قول من قال: اتفاق العلماء حجة واختلافهم رحمة، فليس المراد به الأئمة الأربعة، بإجماع الأئمة كلهم، وهم علماء الأمة. وأما قولهم: اختلافهم رحمة، فهذا باطل، بل الرحمة في الجماعة، والفرقة عذاب، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ ٤، فلما " سمع عمر أن ابن مسعود وأبيًّا اختلفا في صلاة الرجل في الثوب الواحد، صعد المنبر وقال: اثنان من أصحاب رسول الله صلى الله

стр. 32

عليه وسلم، فعن أي فتياكم ١ يصدر المسلمون؟ لا أجد اثنين اختلفا بعد مقامي ٢ هذا، إلا فعلت وفعلت ". لكن قد روي عن بعض التابعين أنه قال: " ما أحسب اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ إلا رحمة للناس، لأنهم لو لم يختلفوا لم يكن رخصة "، ومراده شيء آخر غير ما نحن فيه; ومع هذا فهو قول مستدرك، لأن الصحابة بأنفسهم ذكروا أن اختلافهم عقوبة وفتنة. وأما المسألة التاسعة، وهي مسألة الحلف بالطلاق، فغاية ما ذكره أنه مذهب أحمد، ومذهب غيره يخالفه، ومن كانت الحجة معه فهو المصيب. وأما مسألة الوقف، فالكلام فيها طويل يحتاج إلى مذاكرة. وبالجملة: فلا ننكر إلا ما خالف أمر الله ورسوله، وطريقة الصحابة وأتباعهم، وأما ما فعله الصحابة فعلى الرأس والعين. وأما قوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ ٣، وقوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ ٤، فقد بسط الكلام عليها في الهدي على وقعة أحد، وقد فسره بأشياء كثيرة نقولها ونعتقدها، ولا نظن إلا أنها عقل وصواب، فتأمل كلامه تأملاً جدًا. وأما قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ ٥، وإدخال البخاري لها في كتاب الطب، فمراد البخاري أن هذه الأمراض التي يكرهها العبد هي مما يكفّر الله بها عن المؤمن سيئاته ويطهّره بها، لأن قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ ٦ عام في جزاء الدنيا والآخره.

стр. 33

وأما إدخاله هذا في كتاب الطب فواضح، وأهل العلم يذكرون في الباب ما هو أبعد من هذا تعلقًا واستطرادًا. وأما قوله: " ما من مسلم يصيبه أذى " ١ فهو عام. وأما عطف الأذى على الوصب والنصب والهم، فمن عطف العام على الخاص، وهو كثير جدًا في كلام العرب وفي كلامنا. وأما سؤالكم: هل هذا في المسلم الذي لم يصدر منه شرك بالكلية، فنقول: ٢ أما الشرك الذي يصدر من المؤمن وهو لا يدري، مع كونه مجتهدًا في اتباع أمر الله ورسوله، فأرجو أن لا يخرجه هذا من الوعد. وقد صدر من الصحابة أشياء من هذا الباب: كحلفهم بآبائهم، وحلفهم بالكعبة ٣، وقولهم: ما شاء الله وشاء محمد، وقولهم: اجعل لنا ذات أنواط؛ ولكن إذا بان لهم الحق اتبعوه، ولم يجادلوا فيه حمية الجاهلية لمذهب الآباء والعادات. وأما الذي يدعي الإسلام وهو يفعل من الشرك الأمور العظام، فإذا تليت عليه آيات الله استكبر عنها، فهذا ليس بالمسلم ٤. وأما الإنسان الذي يفعلها بجهالة، ولم يتيسر له من ينصحه، ولم يطلب العلم الذي أنزله الله على رسوله، بل أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فلا أدري ما حاله. وأما قول من قال: من الشرك: التصنع للمخلوق، فلعل مراده: التصنع بطاعة الله الذي يسمى الرياء، وهو كثير جدًا، فهذا صحيح في أمور

стр. 34

لا يفطن لها صاحبها. وأما خوف المخلوق، فالمراد به: الخوف الذي يحملك أن تترك ما فرض الله عليك، وتفعل ما حرم الله عليك، خوفاً من ذلك المخلوق. وأما الرجاء فلعل المراد: الذي يخرج العبد عن التوكل على الله والثقة بوعده. وكل هذه الأمور كثيرة جدًا. (وأما قولك: هل المراد به الشرك الأصغر أو الأكبر؟ فهذا يختلف باختلاف الأحوال؛ وقد يتصنع لمخلوق فيخافه أو يرجوه، فيدخل في الشرك الأصغر. وقد يتزايد ذلك ويتوغل فيه حتى يصل إلى الشرك الأكبر) ١. وأما قوله: الشؤم في الثلاث ... إلخ. فهذا أشكل على من قبلنا، حتى إن عائشة كذبته وقالت: هذا كلام أهل الجاهلية، ولكنه صح. وقد تكلموا في تفسيره ولم يتبين لي معناه، والله أعلم بمراد رسوله. وأما ترك الخارص الثلث، فقد سمع الجماعة فيها ما تيسر; وبالجملة، فأرجح الأقوال فيها عندي: قول أكثر أهل العلم إنه غير مقدر ٢، بل يترك له ٣ قدر ما يأكله ويخرجه رطبًا باجتهاد الخارص. وعلى هذا تجتمع الأدلة ويصدق بعضها بعضًا. وأما ما ورد من الفضل في حفظ القرآن: هل المراد حفظه مع حفظ المعاني؟ فلا يحضرني جواب يفصل المسألة، ولكن حفظه مع عدم الفهم

стр. 35

لا يوجد في زمن النبي ﷺ والخلفاء، إلا شيئاً لا أعلمه ١، وأظنه لو وجد في زمانهم لكان مشهورًا (كشهرة الرجل) ٢ الذي يسمى عندنا (حمار) ٣، الفروع، لما ذكر أنه يحفظ الفروع ولا يفهمه، وقد قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ ٤، وذكر ابن القيم أن هذه لو نزلت في التوراة، فالقرآن كذلك، لا فرق بينهما. ولذلك ذم الله ٥ الذين يقرؤون بلا فهم، كقوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ ٦ أي: تلاوة بلا فهم! والمراد من إنزال القرآن: فهمُ معانيه والعمل به، لا مجرد تلاوته. وأما قوله: " طعام الواحد يكفي الاثنين ... إلخ"، فلا أعلم له معنى غير ظاهره. وأما إغلاق الباب أيام ٧ الجذاذ ٨، فلا أتجسر على الجزم بتحريمه، ولكن أظنه لا يجوز في هذا المعنى، ومن ٩ الكتاب والسنة وكلام أهل العلم، من ذلك ما ذكرها الله في سورة "ن" عن أصحاب الجنة: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا

стр. 36

لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ ١، وهم لم يغلقوا الباب، بل تحيلوا بالصرام في وقت لا ٢ يأتي فيه المساكين. وأما تأخير الزكاة فلا يجوز، ومن استدل بحديث: " هي علي، ومثلها معها " ٣، فقد أخطأ خطأً واضحاً: الأول: أن ظني أن الحديث لا يدل على المسألة المسؤول عنها. فإن المسألة المسئول عنها (أن) ٤ صاحب المال هل يحل له تأخير الزكاة عن وقتها لحاجة أو غيرها؟ والمسألة التي قال بعض أهل العلم: الحديث يدل عليها، ليست هذه، بل إذا رأى الإمام أو الساعي أن يؤخر الزكاة لمصلحة; وهذه مسألة غير الأولى. والدليل على هذا ٥ أن أحمد سئل عن تأخير الزكاة، فمنعه وشدد فيه، وسئل عن الساعي إذا أراد تأخيرها في سنة مجدبة، فرخص له واستدل بفعل عمر. مثال ذلك: أن ولي اليتيم إذا قيل له: إنه يجوز (له) ٦ بيع عقاره لمصلحة ٧، هل يحل لأحد أن يستدل بهذه المسألة، إذا كان عندهم ليتيم دار أو عقار، لا يعلم بها وليه، فأراد أن يعطي الولي أو اليتيم عنها لمصلحة المعطى، هل يقول أحد إن هذا جائز؟ ولو استدل أحد على جوازه ببيع وليه عقاره لمصلحة، لعده الناس ضحكة! فينبغي لطالب العلم أن يتفطن لصورة المسألة في الدليل الذي يدل عليها، ويجيل ٨ نظره في ذلك؛ فإن كثيرًا من الأغاليط وقعت

стр. 37

في مسألة واضحة جدًا، ويستدل بشيء من القرآن أو السنة، وهو لا يدل على ذلك، كما فعله الرافضة والقدرية والجهمية وغيرهم، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ١ الآية. فنسأل الله تعالى أن يهدينا لما يحبه ويرضاه.

стр. 38

المسألة السابعة سئل الشيخ، ﵀: عن توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الصفا، فأجاب: توحيد الربوبية: هو الذي أقر به الكفار، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ١. وأما توحيد الألوهية: فهو إخلاص العبادة لله وحده، عن ٢ جميع الخلق، لأن الإله في كلام العرب هو الذي يقصد للعبادة; وكانوا يقولون: إن الله سبحانه هو إله الآلهة، لكن يجعلون معه آلهة أخرى، مثل: الصالحين والملائكة وغيرهم، يقولون: إن الله يرضى هذا، ويشفعون لنا عنده. فإذا عرفت هذا معرفة جيدة، تبين لك غربة الدين. وقد استدل عليهم سبحانه بإقرارهم بتوحيد الربوبية على بطلان مذهبهم، لأنه، إذا كان هو المدبر وحده، وجميع من سواه لا يملكون مثقال ذرة، فكيف يدعون معه غيره مع إقرارهم بهذا؟ وأما توحيد الصفات: فلا يستقيم توحيد الربوبية ولا توحيد الألوهية إلا بالإقرار بالصفات، لكن الكفار أعقل ممن أنكر الصفات. والله أعلم.

стр. 39

المسألة الثامنة سئل الشيخ، ﵀: ما قول الشيخ في تسمية المعبودات أربابًا، إذ الرب يطلق على المالك، والمعبود على الإله، وكل اسم من أسمائه جل وعلا له معنى يخصه بالتخصيص، دون التداخل بالتعميم؟ الجواب: الرب والإله في صفة الله ﵎ متلازمة غير مترادفة. الرب من الملك والتربية بالنعم، والإله من التأله وهو: القصد لجلب النفع ودفع المضرة بالعبادة. (ولذلك) ١ صارت العرب تطلق الرب على الإله، فسموا معبوداتهم أربابًا من دون الله لأجل ذلك، أي: لكونهم يسمون الله ربًا بمعنى إلهًا.

стр. 40

المسألة التاسعة سئل، ﵀، عن مسائل: الأولى: أحاديث الوعد والوعيد، وقول وهب بن منبه: " مفتاح الجنة: لا إله إلا الله ... إلخ". الثانية: حديث أنس: " من صلى صلاتنا ... إلخ". الثالثة والرابعة: شيء من أحاديث الوعد والوعيد. الخامسة: الحديث الذي فيه: " يخرج من ثقيف كذاب ... إلخ". السادسة والسابعة: قوله: " ألا أخبركم بأهل الجنة ... إلخ". فأجاب: الحمد لله الذي يجب العلم به أن كل ما قال الرسول حق يجب الإيمان به ولو لم يعرف الإنسان معناه، وفي القرآن آيات الوعد والوعيد ١ كذلك؛ وأشكل الكل على كثير من الناس من السلف ومن بعدهم. ومن أحسن ما قيل في ذلك: أمرّوها كما جاءت ٢. معناه: لا تتعرضوا لها بتفسير ٣ لا علم لكم به. وبعض الناس تكلم فيها رداً لكلام الخوارج والمعتزلة الذين يكفّرون بالذنوب ويخلّدون أصحابها في النار، أنه ينفي الإيمان عن بعض الناس لكونه لم يتمّه، كقوله للأعرابي: " صلِّ فإنك لم تصلِّ " ٤. والجواب الأول أصوب وأهون وأوسع، وهو الموافق لقوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ٥ الآية.
следующие страницы →