← Фатава

Фатава · id 11324

فتاوى ومسائل (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الرابع)

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (125 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ ١، وهم لم يغلقوا الباب، بل تحيلوا بالصرام في وقت لا ٢ يأتي فيه المساكين. وأما تأخير الزكاة فلا يجوز، ومن استدل بحديث: " هي علي، ومثلها معها " ٣، فقد أخطأ خطأً واضحاً: الأول: أن ظني أن الحديث لا يدل على المسألة المسؤول عنها. فإن المسألة المسئول عنها (أن) ٤ صاحب المال هل يحل له تأخير الزكاة عن وقتها لحاجة أو غيرها؟ والمسألة التي قال بعض أهل العلم: الحديث يدل عليها، ليست هذه، بل إذا رأى الإمام أو الساعي أن يؤخر الزكاة لمصلحة; وهذه مسألة غير الأولى. والدليل على هذا ٥ أن أحمد سئل عن تأخير الزكاة، فمنعه وشدد فيه، وسئل عن الساعي إذا أراد تأخيرها في سنة مجدبة، فرخص له واستدل بفعل عمر. مثال ذلك: أن ولي اليتيم إذا قيل له: إنه يجوز (له) ٦ بيع عقاره لمصلحة ٧، هل يحل لأحد أن يستدل بهذه المسألة، إذا كان عندهم ليتيم دار أو عقار، لا يعلم بها وليه، فأراد أن يعطي الولي أو اليتيم عنها لمصلحة المعطى، هل يقول أحد إن هذا جائز؟ ولو استدل أحد على جوازه ببيع وليه عقاره لمصلحة، لعده الناس ضحكة! فينبغي لطالب العلم أن يتفطن لصورة المسألة في الدليل الذي يدل عليها، ويجيل ٨ نظره في ذلك؛ فإن كثيرًا من الأغاليط وقعت

стр. 37

في مسألة واضحة جدًا، ويستدل بشيء من القرآن أو السنة، وهو لا يدل على ذلك، كما فعله الرافضة والقدرية والجهمية وغيرهم، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ١ الآية. فنسأل الله تعالى أن يهدينا لما يحبه ويرضاه.

стр. 38

المسألة السابعة سئل الشيخ، ﵀: عن توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الصفا، فأجاب: توحيد الربوبية: هو الذي أقر به الكفار، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ١. وأما توحيد الألوهية: فهو إخلاص العبادة لله وحده، عن ٢ جميع الخلق، لأن الإله في كلام العرب هو الذي يقصد للعبادة; وكانوا يقولون: إن الله سبحانه هو إله الآلهة، لكن يجعلون معه آلهة أخرى، مثل: الصالحين والملائكة وغيرهم، يقولون: إن الله يرضى هذا، ويشفعون لنا عنده. فإذا عرفت هذا معرفة جيدة، تبين لك غربة الدين. وقد استدل عليهم سبحانه بإقرارهم بتوحيد الربوبية على بطلان مذهبهم، لأنه، إذا كان هو المدبر وحده، وجميع من سواه لا يملكون مثقال ذرة، فكيف يدعون معه غيره مع إقرارهم بهذا؟ وأما توحيد الصفات: فلا يستقيم توحيد الربوبية ولا توحيد الألوهية إلا بالإقرار بالصفات، لكن الكفار أعقل ممن أنكر الصفات. والله أعلم.

стр. 39

المسألة الثامنة سئل الشيخ، ﵀: ما قول الشيخ في تسمية المعبودات أربابًا، إذ الرب يطلق على المالك، والمعبود على الإله، وكل اسم من أسمائه جل وعلا له معنى يخصه بالتخصيص، دون التداخل بالتعميم؟ الجواب: الرب والإله في صفة الله ﵎ متلازمة غير مترادفة. الرب من الملك والتربية بالنعم، والإله من التأله وهو: القصد لجلب النفع ودفع المضرة بالعبادة. (ولذلك) ١ صارت العرب تطلق الرب على الإله، فسموا معبوداتهم أربابًا من دون الله لأجل ذلك، أي: لكونهم يسمون الله ربًا بمعنى إلهًا.

стр. 40

المسألة التاسعة سئل، ﵀، عن مسائل: الأولى: أحاديث الوعد والوعيد، وقول وهب بن منبه: " مفتاح الجنة: لا إله إلا الله ... إلخ". الثانية: حديث أنس: " من صلى صلاتنا ... إلخ". الثالثة والرابعة: شيء من أحاديث الوعد والوعيد. الخامسة: الحديث الذي فيه: " يخرج من ثقيف كذاب ... إلخ". السادسة والسابعة: قوله: " ألا أخبركم بأهل الجنة ... إلخ". فأجاب: الحمد لله الذي يجب العلم به أن كل ما قال الرسول حق يجب الإيمان به ولو لم يعرف الإنسان معناه، وفي القرآن آيات الوعد والوعيد ١ كذلك؛ وأشكل الكل على كثير من الناس من السلف ومن بعدهم. ومن أحسن ما قيل في ذلك: أمرّوها كما جاءت ٢. معناه: لا تتعرضوا لها بتفسير ٣ لا علم لكم به. وبعض الناس تكلم فيها رداً لكلام الخوارج والمعتزلة الذين يكفّرون بالذنوب ويخلّدون أصحابها في النار، أنه ينفي الإيمان عن بعض الناس لكونه لم يتمّه، كقوله للأعرابي: " صلِّ فإنك لم تصلِّ " ٤. والجواب الأول أصوب وأهون وأوسع، وهو الموافق لقوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ٥ الآية.

стр. 41

إذا فهمت تلك، فالمسألة الأولى واضحة، ومراده الرد على من ظن دخول الجنة بالتوحيد وحده بدون أعمال. وأما إذا أتى به وبالأعمال، وأتى بسيئات ترجح على حسناته أو تحبط عمله، فلم يتعرض وهب لذلك بنفي ولا إثبات، لأن السائل لم يرده ١. وأما الثانية، وهي قوله: " من صلى صلاتنا ... إلخ "، فهو على ظاهره، فمعناه: ٢ لو عرف منه النفاق، فما أظهر يحمي دمه وماله ٣، وإلا فمعلوم أن من صدق مسيلمة، أو أنكر البعث، أو أنكر شيئًا من القرآن، أو غير ذلك من أنواع الردة، أنه لم يدخل في الحديث. وأما الثالثة والرابعة التي فيها أحاديث الوعد والوعيد، فسبق الجواب عنهما ٤. وأما قوله: أما الكذاب فقد عرفناه هو رجل من ثقيف، خرج يطلب بدم الحسين وأهل البيت، وانتصر وقتل من قتلهم، ثم ملك العراق، وغلظ أمره، فسير إليه ابن الزبير عسكرًا فقتلوه، وفتحوا العراق، لأنه أظهر الزندقة وادعى النبوة. وأما المبير وهو الذي يفني الناس بالقتل، فهو الحجاج المعروف. وأما السادسة: فلا علمت أن الحديث صحيح.

стр. 42

وأما السابعة، فقوله: "ضعيف" ١ فهو ضد القوي. والمتضعف قيل: إنه المتواضع. والعتل قيل: هو الغليظ الجافي. والزنيم: المعروف بالشر. المستكبر معروف. والذي لا زبر له، فسره بقوله: لا يبتغون أهلاً ولا مالاً، والشنظير فسره بالفاحش ٢. وباقي الأوصاف في الخير والشر معروفة. والله أعلم.

стр. 43

المسألة العاشرة سئل، ﵀: عن الوعيد فيمن حفظ القرآن ثم نسيه، هل هو صحيح، أم غير ذلك؟ أيضاً، نبهني عبد الوهاب في خطه للموصلي ١ أنك ما رضيت قوله: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك في مشيئته وإرادته، حتى إني أفكر فيها ولا بان لي فيها شيء أيضًا سوى المذكور عند النوم ٢ " اللهم إني أسلمت نفسي إليك ... إلخ "، بين لي معناه، جزاك الله خيرًا. الجواب: الوعيد فيمن حفظ القرآن ثم نسيه ثابت عند أهل الحديث، فإن كنت قد حفظت القرآن أو شيئًا منه ثم نسيته، فودّي أن تعود إليه. وأما قوله في الخطبة: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك في مشيئته وإرادته، فعجب كيف يخفى عليك هذا، والشهادة للألوهية ٣، والمذكور في الخطبة توحيد الربوبية الذي أقر به الكفار؟ وأما قوله: " اللهم إني أسلمت نفسي إليك ... إلخ" ٤، فترجع ٥ إلى الإخلاص والتوكل، ولو كان بينهما فروق لطيفة. والله أعلم.

стр. 44

المسألة ١ الحادية عشرة قال السائل: عفا الله عنك، خطبتُ ووقفتُ على "يوم يبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور"، ثم قلت: جعلنا الله وإياك من الآمنين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، بارك الله لي ولكم ... إلخ ... ولا فطنت إلا بعد ما انقضت الصلاة. وأردت أن آمر المؤذن يؤذنن ونعيد الخطبة والصلاة، ثم تأملت يوم "يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور"، وإذا كأنها آية تقوم بالمعنى وتجزي، ثم كثر علي الهم والتردد. وأيضاً، عفا الله عنك، عندي دبيش ولي عييل وحاير تطمع نفسي لمنزلة الفقراء ولو لم يكن إلا سبقهم إلى الجنة بما ذكر، ويعارض ذلك، أي الفقير الصابر والغني الشاكر أفضل؟ وقوله ﷺ : " أن تذر ورثتك ... إلخ". أيضاً ٢، بيّن لي حد الشكر وحد الصبر. وأيضاً قوله ﷺ : " من قال: "لا إله إلا الله" صادقًا " ٣ الحديث، واللفظ الآخر: " مخلصًا دخل الجنة "، ما معنى الصدق والإخلاص، والفرق بينهما. أيضاً حديث البطاقة وما معه من سجلات الذنوب حتى وضعت في كفة والبطاقة في كفة، فرجحت بتلك السجلات لما تضمنت من الإخلاص.

стр. 45

وما تقول فيمن خالف شيئًا من واجبات الشريعة، ماذا يقع عليه؟ وما معنى: "كل ذنب عصي الله به شرك"، وهل يقع في جزء من الكفر، والمراد به: الكفر بالله أو بآلائه ١، مع صغره؟ وما معنى قول من قال: كفر دون كفر؟ وقول من قال: كفر نعمة، أي نعمة؟ أيضًا، وماذا ترى في الرؤيا التي ذكرت لك؟ أيضاً، تفكرت في الإيمان، قوته وضعفه، وأن محله القلب ٢، وأن التقوى ثمرته مركبة عليه، فبقوته تقوى، وبضعفه تضعف؛ وهذا فهمي، ولكن ورد علي شبهة: أعرف من خالف دين الإسلام وصد عنه تقوى عن بعض التعديات ولا سيما أموال الناس، وإلا العبادة البدنية (والمالية) ٣، مثل الصلاة والزكاة تكون عادة وفطرة، أي شيء ترى في ذلك منه؟ وما ذكرت لك في أول السؤال، صحيح أم لا؟ الجواب، وبالله التوفيق: أما مسألة الخطبة في الجمعة، فلا علمت فيها خلافاً، وأرجو أنها تامة ٤. وأما مسألة الغني والفقير والشاكر، كل منهما من أفضل المؤمنين، وأفضلهما أتقاهما، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٥.

стр. 46

وأما حد الصبر وحد الشكر، فلا عندي علم إلا المشهور بين العلماء أن الصبر: عدم الجزع، والشكر: أن تطيع الله بنعمته التي أعطاك. وأما قوله: " من قال: "لا إله إلا الله" صادقاً"، والحديث الآخر: " مخلصا"، فمسألة الصدق والإخلاص كبيرة. ولما ذكر الإمام أحمد الصدق والإخلاص، قال: بهما ارتفع القوم. ولكن يقربها إلى الفهم التفكر في بعض أفراد العبادة، مثل الصلاة والإخلاص؛ فالإخلاص فيها يرجع إلى إفرادها عما يخالف كثيرًا من الرياء والطبع والعادة ١، وغير ذلك. والصدق يرجع إلى إيقاعها على المشروع، ولو أبغضه الناس لذلك ٢. وحديث البطاقة، ذكر الشيخ أنه رزق عند الخاتمة قولها على ذلك الوجه، والأعمال بالخواتيم، مع أن عليَّ بقيّةُ إشكال. والله أعلم. وأما معنى: "كل ذنب عصي الله تعالى به شرك أو كفر"، فالشرك والكفر نوع، والكبائر نوع آخر، والصغائر نوع آخر. ومن أصرح ما فيه: حديث أبي ذر فيمن لقي الله بالتوحيد قوله: " وإن زنى وإن سرق " ٣، مع أن الأدلة كثيرة. وإذا قيل: من فعل كذا فقد أشرك أو كفر، فهو فوق الكبائر. وما رأيت ما يخالف مما ذكرت لك، فهو بمعنى الذي هو أخفى من دبيب النمل. وقول القائل: "كفر نعمة": خطأ، رده الإمام أحمد وغيره.

стр. 47

ومعنى: (كفر دون كفر) ١ أنه ليس يخرج من الملة مع كبره. والرؤيا أرجو أنها من البشرى، ولكن الرؤيا تسر المؤمن ولا تضره. وقولك: إن الإيمان محله القلب، فالإيمان بإجماع ٢ السلف محله القلب ٣ والجوارح جميعاً، كما ذكر الله تعالى في سورة الأنفال وغيرها. وأما كون الذي في القلب والذي في الجوارح يزيد وينقص، فذاك شيء معلوم; والسلف يخافون على الإنسان، إذا كان ضعيف الإيمان، النفاق ٤ أو سلب الإيمان كله. وأما الشبهة التي وردت عليك: إذا كان الرجل مخالفًا دين الإسلام، ويصد عنه، ولكن فيه ورع عن بعض المحرمات، فأنت خابر أن الإنسان يكفر بكلمة واحدة، فكيف الصد عن سبيل الله؟ واذكر قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ٥. فإذا كانت الكراهية تحبط الورع الذي تذكر، فكيف الصد مع الكراهة؟ واليهود والنصارى فيهم أهل زهد أعظم من الورع. والله أعلم.

стр. 48

والمسألة الثانية عشرة سئل عفا الله عنه ١: عن معنى قول النبي ﷺ في حديث معاذ: " حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ... إلخ، إلى أن قال: أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا " ٢، ومعنى: " لا يدخل أحد الجنة بعمله". أيضاً، ما معنى: عقد اللحية. والضرب بالأرض هو الذي نعرف أن بعضهم يخط خطوطاً ثم يعدها: إن ظهرت شفعًا فكذا، وإن ظهرت وترًا فكذا، أم غير ذلك؟ وتفسير الحسن "الجبت" برنة الشيطان، ما رنة الشيطان؟ وحديث: " من ردته الطيرة فقد أشرك، وكفارة ذلك هو ٣ أن تقول: اللهم لا طير إلا طيرك ... إلخ"، أم كيف يزول ذلك الشرك بهذا ٤ اللفظ، مع أن الطيرة مخامرة باطنة، واللفظ وحده لا يفيد، أو فائدة قليلة؟ وما معنى: الفخر والطعن؟ وما معنى مكر الله بالعبد؟ وما الفرق بين الروح والرحمة؟ وما معنى: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب ... " ذات أورثتها المتابعة ومعرفة الدين، أو إيثار معرفة ٥ متابعة الأمر والنهي عن ورود الشهوات ٦. وأيضا كسوة المرأة إذا كانت كسوة عرس، هل للمرأة أن تطلب ٧ من الزوج كسوة بدن، أم هي كسوة بدن حتى يحول عليها الحول؟

стр. 49

وأيضاً، قيد الكسوة بالحول صواب؟ وأيضاً، إذا كان صوابًا فهل هو بكل أحد للعالي والمتوسط والداني، أم فيها تفصيل؟ وأيضًا، إذا عريت قبل مضي الحول يجب على الزوج أن يكسوها أم لا؟ وأيضاً، إن مضى بعض الحول؟ الجواب: أما حديث معاذ فالمعنى عند السلف على ظاهره ١، وهو من الأمور التي يقولون: أمروها كما جاءت، أعني نصوص الوعد والوعيد، لا يتعرضون للمشكل منه. وأما قوله: " لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله "، فتلك مسألة أخرى على ظاهرها، وهو أن الله لو يستوفي حقه كما يستوفي السيد من عبده ٢ لم يدخل أحد الجنة، ولكن كما قال الله تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ ٣ الآية. وعقد اللحية لا أعلمه، لكن ذكر في الآداب ما يقتضي أنه شيء يفعله بعض الناس في الحرب، على وجه التكبر ٤. وأما الضرب بالأرض ٥، فهو مشهور جداً، حتى أن بعض الناس يخط، فمن وافق خطه فذاك. والذي يبدو للذهن أنه عام في كل أنواع الخط،

стр. 50

وخط ذلك النبي عدم لا يوجد من يعرفه. ورنة الشيطان، لا أعرف مقصود الحسن؛ بل عادة السلف يفسرون اللفظ العام ببعض أفراده، وقد يكون السامع يعتقد أن ذلك ليس من أفراده، وهذا كثير في كلامهم جدًا ينبغي التفطن له. وقوله في الطيرة:" وكفارة ذلك أن تقول ... إلخ"، فالطيرة تعم أنواعًا، منها ما لا إثم فيه، كما قال عبد الله: " وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل". فإذا وقع في القلب شيء وكرهه، ولم يعمل به بل خالفه، وقال، لم يضره، فإن قال من الحسنات شيئًا، فهو أبلغ وأتم في الكفارة. فلو قدرنا أن تلك الطيرة من الشرك الخفي أو الظاهر، ثم تاب وقال هذا الكلام على طريق التوبة، فكذلك. وأما الفخر بالأحساب، فالأحساب: الذي يذكر من ١ مناقب الآباء السالفين التي نسميها بالمراجل. إذا تقرر هذا، ففخر الإنسان بعمله منهي عنه، فكيف افتخاره بعمل غيره؟ وأما الطعن في الأنساب ففسر بالموجود في زماننا: ينتسب إنسان إلى قبيلة، ويقول بعض الناس: ليس منهم، من غَيْر بينة، بل الظاهر أنه منهم. وأما مكر الله، فهو: أنه إذا عصاه ٢ وأغضبه، أنعم عليه بأشياء يظن أنها من رضاه عليه. وأما الفرق بين الروْح والرحمة، فلا أعرفه، ولعله فرق لطيف، لأن الروْح فسر بالرحمة في مواضع.

стр. 51

وأما قوله: " لا يؤمن أحدكم ... إلخ"، ففسر بأن المراد: اعتقاد ذلك بالقلب، والعمل بذلك الاعتقاد؛ فإذا كان في القلب ضده وكرهه، وصار الكلام والعمل بمقتضى الأمر الممدوح، فهو ذلك. وأما كسوة العرس، وتقييد الكسوة بالحول مطلقًا ومقيدًا، فالذي يفتى به أن هذه الأمور ترجع إلى عرف الناس؛ وهو مذهب الشيخ وابن القيم وأظنه المنقول عن السلف. وأما في ١ العدة: فعليه الكسوة والنفقة. والله أعلم.

стр. 52

المسألة الثالثة عشرة وسئل، عفا الله عنه: عن كون الأذان أوله التكبير وختم بالتكبير. كذلك قول الله عزوجل: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ﴾ ١ إلى قوله سبحانه: ﴿لا إِلَهَ إِلاََّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢، ما معنى التكرار؟ هل هو تأكيد، أم غير ذلك؟ وعن الإيمان والإسلام، هل هما نوع واحد أو ٣ نوعان؟ وعن حديث القرض، يقال إنه بثمانية عشر ضعفًا، صحيح أم لا؟ الجواب: ذكروا أن التكبير مناسب في الأذان، لأنه مشروع على الأمكنة العالية، كقوله: " كنا إذا هبطنا سبحنا، وإذا علونا كبّرنا " ٤. وأما قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ......﴾ إلخ، فذكروا في تفسيرها: أن الكلمة الأولى إعلام بأنه سبحانه شهد بهذا، كذلك كل عالم يشهد به، وليس هذا ثناء على نفسه مجردًا، بل هو قيام بالقسط. وأما الكلمة الثانية، فهي تعليم وإرشاد. وأما الإسلام والإيمان، هل هما نوع واحد؟ فذكر العلماء أن الإسلام إذا ذُكر وحده دخل فيه الإيمان، كقوله: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ٥، وكذلك الإيمان إذا أُفرد، كقوله

стр. 53

في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ ١، فيدخل فيه الإسلام، وإذا ذُكِرَا ذُكرا معاً كقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ٢، فالإسلام: الأعمال الظاهرة، والإيمان: الأعمال الباطنة، كما في الحديث: " الإسلام علانية، والإيمان في القلب " ٣، وقوله سبحانه في الحديث: " أخرجوا من النار مَن في قلبه مثقال ذرة ... إلخ" ٤ يوافق ما ذكرناه. فإن الإيمان أعلى من الإسلام، فيخرج الإنسان من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلا الكفر، فيخرج الإنسان من الإيمان إلى الإسلام الذي ينفعه وإن كان ناقصًا، كما في آية الحجرات، وفيها: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً﴾ ٥.وحقيقة الأمر، أن الإيمان يستلزم الإسلام قطعًا، وأما الإسلام فقد يستلزمه وقد لا يستلزمه. وحديث القرض لا يصححه الحفاظ. والله أعلم.

стр. 54

المسألة الرابعة عشرة سئل، ﵀، عن مسائل: الأولى: قوله في باب حكم المرتد: أو استهزأ بالله أو كتبه أو رسله، كفَر، فما وصف ١ هذا الاستهزاء المكفِّر؟ الثانية: قول الشيخ: أو كان مبغضًا لما جاء به الرسول اتفاقًا، فما معنى هذا؟ وقوله: أو جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم، ما وصف هذه الوسائط، والتوكل والدعاء والسؤال؟ الثالثة: قولهم: أو أتى بقول أو فعل صريح في الاستهزاء بالدين، كفَر، فما وصف هذا الدين ٢ والقول المكفِّر؟ الرابعة: قوله: أو نطق بكلمة كفْر ولم يعلم معناها، فلا يكفر بذلك، هل المعنى: نطق بها ولم يعرف شرحها، أو نطق بها ولم يعلم أنها تكفِّره؟ الخامسة: قولهم: ومن أطلق الشارع كفره، كدعواه إلى غير الله ... إلخ، فللعلماء فيه أقوالن أيها أقرب إلى الصواب؟ السادسة: الذبح للجن، قال الشيخ: وأما ما يذبحه الآدمي خوفًا

стр. 55

من الجن، فمنهيّ عنه. ونحن لم نفهم من النهي إلا هذا ١، فإذا قلنا: يكفر من ذبح للجن، فما دليلنا على المخالف؟ السابعة: قولهم: إذا دعاه إمام أو نائبه، وقولهم: ولا يكفر ولا يقاتل قبل الدعاية، هل المتغلب على بلد حكمه حكم الإمام في الدعاية وإقامة الحدود، أم لا؟ يلزمه ذلك شرعًا، أم لا؟ فإذا تركه وهو يقدر عليه، فما حكمه؟ الثامنة: المسائل الفروعية من الطهارات والصلاة والزكاة والحج والمعاملات والأنكحة والدعاوى وغيرها، نحن ٢ عندنا أن تعلّمها وتعليمها بعد معرفة الله وتوحيده وإفراد العبادة له، أنه هو الفقه المتفق على فضله، وهو العلم النافع، وهو الأفضل بعد الجهاد. وهل الفتوى، من كتب الترجيح المسماة عند أهل العلم، أفردوا فيها الراجح عندهم، وأوردوا القول المقابل المقوي عندهم في بعض المسائل؟ أم الفتوى من المطولات؟ فربما أطلقوا الأقوال، فلم ندر ما نفتي به أو نعمل به من الأقوال إلا من كتب المتأخرين وكتب أهل الترجيح. ونحن فرضنا ٣ التقليد، فما نفتي به منه؟ التاسعة: بعض الناس يحتج علينا أن المرتد لا يُقتل إلا بعد الاستتابة وقبلها ثبوت الردة، فما الجواب؟ العاشرة: قولهم في الاستسقاء: لا بأس بالتوسل بالشيوخ والعلماء المتقين، وقولهم: يجوز أن يستشفع إلى الله برجل صالح، وقيل:

стр. 56

يستحب، قال أحمد إنه يتوسل بالنبي ﷺ في دعائه، وقال أحمد وغيره في قوله ﵇: " أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق "١: الاستعاذة لا تكون بمخلوق، فما معنى هذا الكلام؟ وما العمل عليه منهما أم على قوله؟ فما المعنى؟ وقولهم في الشرح: قال إبراهيم الحربي: الدعاء عند قبر معروف الترياق المجرب ٢، فما معنى هذا الكلام؟ قال في الفروع: قال شيخنا: قصده الدعاء عنده رجاء الإجابة: بدعة لا قربة، باتفاق الأئمة، فما معنى هذا الكلام؟ الحادية عشرة: قال في الإقناع، في آخر الجنائز: ولا بأس بلمسه – أي: القبر - باليد، وأما التمسح به، والصلاة عنده، وقصده لأجل الدعاء عنده معتقدًا أن الدعاء هناك أفضل من الدعاء في غيره، أو النذر له ونحو ذلك -قال الشيخ -: فليس هذا من دين المسلمين، بل هو مما أُحدث من البدع القبيحة التي هي من شعب الشرك. فهل هذا شرك أصغر أم أكبر؟ مع قوله هناك في باب النذر: قال الشيخ: النذر للقبور وأهل القبور، كالنذر لإبراهيم، ﵇، أو الشيخ فلان: نذر معصية لا يجوز الوفاء به، مع قوله في الجنائز قبله في الشرح: يكره البناء على القبور - إلى أن قال - قال ابن القيم: يجب هدم القباب - إلى أن قال - ويكره المبيت عنده، وتجصيصه وتزويقه ... إلخ- إلى أن قال - فالظاهر من هذه الكراهة أو التحريم. فهل يترتب على هذا غير الكراهة أو التحريم؟

стр. 57

أفدنا جزاك الله خيرًا. فأجاب، رحمه الله تعالى، بقوله: بعد السلام، فسرّني ما ذكرت، ألهمك الله التوفيق. ولا تعتذر من السؤال، فإن هذا هو الواجب عليك وعلى غيرك، كما قالوا: مفتاح العلم السؤال. ولكنن اعلم أن المسائل والعلوم المهجورة (لا) ١ يفهمها الإنسان إلا بعد المراجعة والمذاكرة، ولو كانت واضحة. وهذه المسائل من العلوم المهجورة، كما ذكرت فعل الطلبة في باب حكم المرتد، مع أن معرفة الله ومعرفة حقه أجلّ العلوم وأشرفها، فلا تستح من المراجعة وكثرة السؤال، ما بقي في نفسك شيء من الإشكال ٢. وقولك: إن أهل العلم لم يشرحوها، فكثير من الكتب لم يوجد عندكم، وإلا جميع ما ذكرت قد شرحوه. فأما المسألة الأولى: فالعلماء استدلوا عليها بقوله تعالى ٣ في حق بعض المسلمين المهاجرين في غزوة تبوك: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ ٤، فذكر السلف والخلف أن معناها عام إلى يوم القيامة، فيمن استهزأ بالله والقرآن أو الرسول. وصفة كلامهم أنهم قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء. يعنون بذلك رسول الله والعلماء من أصحابه. فلما نقل الكلام عوف بن مالك، أتى القائل يعتذر أنه قاله على وجه اللعب، كما يفعل المسافرون ٥.

стр. 58

فنزل الوحي: أن هذا كفر بعد الإيمان، ولو كان على وجه المزح. والذي يعتذر يظن أن الكفر، إذا قاله جادًا لا لاعباً ١. إذا فهمت أن هذا هو الاستهزاء، فكثير من الناس يتكلم في الله عزوجل بالكلام الفاحش عند وقوع المصائب على وجه الجد، وأنه لا يستحق هذا، وأنه ليس بأكبر الناس ذنبًا. وكذلك من يدعي العلم والفقه، إذا استدللنا عليه بآيات الله، أظهر الاستهزاء. وهذه المسألة لعلك لا تحررها تحريرًا تامًا إلا من الرأس، إذا أوقفناك على نصوص أهل العلم، ذكروا أشياء لعل كثيرًا من الناس لا ينكرها لو سمعها. الثانية: قوله: أو كان مبغضًا لما جاء به الرسول، ولم يشرك بالله، لكن أبغض السؤال عنه ودعوة الناس إليه، كما هو حال من يدعي العلم، ويقرر أنه دين الله ورسوله، ويبغضونه أكثر من بغض دين اليهود والنصارى، بل يعادون من التفت إليه، ويحلّون دمه وماله، ويرمونه عند الحكام. وكذلك الرسول أتى بالإنذار عن الشرك، بل هو أول ما أنذر عنه، وأعظم ما أنذر عنه، ويقرون أنه أتى بهذا، ويقولون: خلق الله ما يتيهون ٢، وينصرون بالقلب واللسان واليد. والتكفير بالاتفاق فيمن أبغض النهي عنه، وأبغض الأمر بمعاداة أهله، ولو لم يتكلم ولم ينصر، فكيف إذا فعل ما فعل. وكذلك من جعل بينه وبين الله وسائط: يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم، إجماعًا؛ وذكروا أن هذا بعينه هو الذي يفعله أهل زمانهم عند القبور، فكيف بزماننا؟ يبينه لك قول الشارح لما ذكر هذا، وذكر بعده أنواعًا من

стр. 59

الكفر المخرج عن الملة، قال: وقد ١ عمت البلوى بهذه الفرق، وأفسدوا كثيرًا من عقائد أهل التوحيد; نسأل الله العفو والعافية. انتهى كلامه في شرح الإقناع. فإذا كان هذا في زمنه، لم يذكره عن عشرة أو مائة، بل عمت به البلوى في مصر والشام في زمن الشارح، فأظنك تقطع أن أهل القصيم ليسوا بخير من أهل مصر والشام في زمن الشارح. فتفطن لهذه المعاني، وتدبرها جيدًا. واعلم أن هذه المسألة أم المسائل، ولها ما بعدها؛ فمن عرفها معرفة تامة تبين له الأمر، خصوصًا إذا عرف ما فعل المويس وأمثاله مع قبة الكواز وأهلها، وما فعله هو وابن إسماعيل وابن ربيعة وعلماء نجد في مكة سنة الحبس مع أهل قبة أبي طالب٢، وإفتائهم بقتل من أنكر ذلك، وأن قتلهم وأخذ أموالهم قربة إلى الله، وأن الحرم الذي يحرم اليهودي والنصراني لا يحرمهم. ثم تفكر في الأحياء الذين صالوا معهم، هل تابوا من فعلهم ذلك وأسلموا، وعرفوا ٣ أن عشر معشار ما فعلوا ردة عن الإسلام بإجماع المذاهب كلها؟ أم هم اليوم على ما كانوا عليه بالأمس؟ والمويس وابن إسماعيل وأضرابهما إلى اليوم علماء يعظَّمون ويُترحم عليهم، ومن دعا الناس إلى التوحيد وترك الشرك هم الخوارج الذين خرجوا من الدين اليوم!! فالله الله! استعن بالله في فهم هذه المسألة، واحرص على ذلك لعلك أن تخلص من هذه الشبكة. فلو يسافر ٤ المسلم

стр. 60

إلى أقصى المشرق أو المغرب في تحرير هذه المسألة، لم يكن ١ كثيرًا. والفكرة فيها في أمرين: أحدهما: في صورة المسألة، وما قاله الله ورسوله وما ٢ قال العلماء. والفكرة الثانية: إذا عرفت التوحيد الذي دعت إليه الرسل، أولهم نوح ﵇ وآخرهم محمد ﷺ ، وأقر به من أقر، كيف فعلوا: هل أحبوه ودخلوا فيه ٣؟ أم عادوْه وصدوا الناس عنه؟ وكذلك لما عرفوا ٤ ما جاء به الرسول من إنكار الشرك والوسائط، وعرفوا قول العلماء إنه الذي عمت به البلوى في زمانهم، هل فرحوا بالسلامة منه، ونهوا الناس عنه؟ أم زينوه للناس، وزعموا أن أهله السواد الأعظم، وثبتوه بما قدروا عليه من الأقوال والأعمال، وجاهدوا في تثبيته كجهاد الصحابة في زواله؟ فالله! الله! بادر ثم بادر ثم بادر، فقد قال النبي ﷺ : " بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا ٥ كما بدأ ". فأنت تعرف بدْأه يوم قيل ٦ للنبي ﷺ : "من معك على هذا؟ قال: حر وعبد، ومعه يومئذ أبو بكر وبلال " ٧. وقد قال الفضيل بن عياض في زمانه، وهو قبل الإمام أحمد: لا تترك ٨ طريق

стр. 61

الحق لقلة السالكين، ولا يغرك الباطل لكثرة الهالكين. ومع هذا وأمثاله وأمثاله من البيان، وأضعاف أضعافه،: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً﴾ ١. وما أشكل ٢ عليك من هذا فراجع فيه، فإن كلام العلماء في أنه الشرك الأكبر، وأنه اشتهر عند كثير من زمانهم أكثر من أن يحصر ٣. وأما الثالثة: فالقول الصريح في الاستهزاء بالدين مثل ما قدمت لك. وأما الفعل، فمثل مد الشفة، وإخراج اللسان، أو رمز العين ٤، مما يفعله كثير من الناس عندما يؤمر بالصلاة والزكاة، فكيف بالتوحيد؟ الرابعة: إذا نطق بكلمة الكفر ولم يعلم معناها، صريح واضح أنه يكون نطق بما لا يعرف معناه. وأما كونه أنه لا يعرف أنها تكفِّره ٥ فيكفي فيه قوله: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ٦، فهم يعتذرون للنبي ﷺ ظانين أنها لا تكفِّرهم، والعجب ممن يحملها على هذا، وهو يسمع قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ ٧،: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ

стр. 62

أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ١، ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٢، أيظن أن هؤلاء ليسوا كفارًا؟ ولكن لا تستنكر الجهل الواضح لهذه المسائل لأجل غربتها. ومن أحسن ما يكشف لك الإشكال: ما قدمت لك بإجماع العلماء أن هذا كثر في زمانهم ٣، وأيضاً علماء بلدانهم أكثر من علماء بلدانكم. الخامسة: أن من أطلق الشارع كفره ٤ بالذنوب، فالراجح فيها قولان: أحدهما: ما عليه الجمهور: أنه لا يخرج من الملة. والثاني: الوقف، كما قال الإمام أحمد: أمرّوها كما جاءت; يعني لا يقال: يخرج، ولا ما يخرج ٥، وما سوى هذين القولين غير صحيح. السادسة: قوله: الذبح للجن منهي عنه، فاعرف قاعدة أهملها أهل زمانك، وهي: أن لفظ "التحريم" و"الكراهة" وقوله: "لا ينبغي": ألفاظ عامة تستعمل في المكفرات، والمحرمات التي هي دون الكفر، وفي كراهة التنزيه التي هي دون الحرام. مثل استعمالها في المكفِّرات: قولهم: لا إله إلا ٦ الذي لا تنبغي العبادة إلا له، وقوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ ٧. ولفظ التحريم مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ ٨. وكلام العلماء

стр. 63

لا ينحصر في قولهم: "يحرم كذا" لما صرحوا في مواضع أخر أنه كفر، وقولهم: "يكره"، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ ١ إلى قوله: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ ٢. وأما كلام الإمام أحمد في قوله: "أكره كذا"، فهو عند أصحابه على التحريم. إذا فهمت هذا، فهم صرحوا أن الذبح للجن مرة تخرج، وقالوا: الذبيحة حرام ولو سمى عليها; قالوا: لأنها يجتمع فيها مانعان: الأول: أنها مما أُهل به لغير الله، والثاني: أنها ذبيحة مرتد، والمرتد لا تحل ذبيحته وإن ذبحها للأكل وسمَّى عليها. وما أشكل عليك في هذا، فراجعني، وأذكر لك لفظهم بعينه. السابعة: إذا دعاه إمام أو نائبه، فالأئمة مجمعون من ٣ كل مذهب على أن من تغلب على بلد أو بلدان، له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا، لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا، ما اجتمعوا على إمام واحد، ولا يُعرف أن أحدًا من العلماء ذكر أن شيئًا من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم. وقولك: هل يجب عليك، فنعم، يجب على كل من قدر عليه، وإن لم يفعل أثم. ولكن أعداء الله يجعلون هذه الشبهة حجة في رد ما لا يقدرون على جحده، كما أني لما أمرت برجم الزانية، قالوا: لا بد من إذن الإمام، فإن صح كلامهم لم يصح، ولا يتهم القضاء ولا الإمامة ولا غيرها.

стр. 64

الثامنة: مسائل الحلال والحرام، والبيوع والأنكحة وغيرها، من أهم أمور الدين وأفضل الأعمال، ولكن تفصيل ما ذكرت من الراجح يحتاج إلى تفصيل ١ لا تحتمله الأوراق، ولعله بالمذاكرة إذا التقينا إن شاء الله. التاسعة: لا يقتل ٢ المرتد إلا بعد الاستتابة، فهذا صحيح، ولم نفعل ٣ ذلك مع أحد قاتلناه إلا بعد اللتيا والتي من الاستتابة ٤. التوسل بالصالحين العاشرة: قولهم في الاستسقاء: لا بأس بالتوسل بالصالحين، وقول أحمد: يتوسل بالنبي ﷺ خاصة، مع قولهم: إنه لا يستغاث بمخلوق، فالفرق ظاهر جدًا، وليس الكلام مما نحن فيه؛ فكون بعض يرخص بالتوسل بالصالحين وبعضهم يخصه بالنبي ﷺ ، وأكثر العلماء ينهى عن ذلك ويكرهه، فهذه المسألة من مسائل الفقه ٥، ولو كان الصواب عندنا: قول الجمهور: إنه مكروه، فلا ننكر على من فعله؛ ولا إنكار في مسائل الاجتهاد، لكن إنكارنا على من دعا لمخلوق أعظم مما يدعو الله تعالى، ويقصد القبر يتضرع عند ضريح الشيخ عبد القادر أو غيره، يطلب فيه تفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وإعطاء الرغبات. فأين هذا ممن يدعو الله مخلصًا له الدين لا يدعو مع الله أحدًا، ولكن يقول في دعائه: أسألك بنبيك، أو بالمرسلين، أو بعبادك الصالحين، أو يقصد

стр. 65

قبر معروف أو غيره يدعو عنده، لكن لا يدعو (إلا) ١ الله مخلصًا له الدين، فأين هذا مما نحن فيه؟ المسألة الحادية عشرة: في لمس القبر أو قصده للدعاء عنده، فليس هذا من دين المسلمين، فهذا هو الصواب بلا ريب. وكون الشارح ذكر كلام الحربي أن قبر معروف الترياق المجرب، فهذا لا ينكر لأن العلماء يذكرون في المسألة القولين أو أكثر، ويرجحون الراجح، أو يتوقف بعضهم، ولكن كلام الشيخ بضد كلام الحربي مخالف له، منكر له. ولكن ليكن منك على بال ما أخرجاه ٢ في الصحيحين: " أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن، قال له: إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: أن يوحدوا الله. فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات " ٣، فتدبر هذا، وأرعه سمعك، وأحضر قلبك. إذا كان الرسول ﷺ ما أمره أن لا يدعوهم إلى الصلوات الخمس إلا إن استجابوا للتوحيد، فكيف بمن لا يهمه في دينه إلا بعض مسائل الاجتهاد، مع ما يراه من سب الناس للتوحيد، واستحلالهم دم من دان به وماله، ودعوتهم إلى الشرك الأكبر، ودعواهم أن أهله السواد الأعظم، ثم مع هذا إذا أخذهم السيف كرهًا، قالوا: ما خالفنا، والناس يكذبون علينا وعرفنا الكذب، وإلا جميع ما جرى منهم لم يقروا به، ولم يتوبوا منه؛ والرسول ﷺ هذه وصيته لمعاذ. فالله الله! ٤ في تدبر هذا الحديث، وتدبر ما عليه أعداء الله من العداوة للتوحيد.

стр. 66

وأما المسائل التي ذكر في الجنائز: من لمس القبر، والصلاة عنده، وقصده لأجل الدعاء، أو كذا وكذا، فهذا أنواع: أما بناء القباب عليها فيجب هدمها، ولا علمت أنه يصل إلى الشرك الأكبر، وكذلك الصلاة عنده، وقصده لأجل الدعاء، فكذاك لا أعلمه يصل إلى ذلك؛ ولكن هذه الأمور من أسباب حدوث الشرك، فيشتد نكير العلماء لذلك، كما صح عنه ﷺ أنه قال: " لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ١. وذكر العلماء أنه يجب التغليظ في هذه الأمور، لأنه يفتح باب الشرك; كما أنه أول ما حدث في الأرض بسبب ود وسواع ويعوق ونسر، لما عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم يتذكرون بها الآخرة، ثم بعد ذلك بقرون عبدوا؛ فكذلك في هذه الأمة كما قال ﷺ : " لتتبعنّ سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه " ٢. فأول ما حدث الصلاة عند القبور والبناء عليها من غير شرك، ثم بعد ذلك بقرون وقع الشرك. وأول ما جرى من هذا: أن بني أمية - لما بنوا مسجد الرسول ﷺ وسعوه واشتروا بيوتًا حوله، ولم يمكنهم إدخال بيت النبي ﷺ الذي فيه قبره وقبر صاحبيه، ولكن أدخلوا البيت في المسجد لأجل توسيع المسجد ولم يقصدوا تعظيم الحجرة بذلك، لكن قصدوا تعظيم المسجد، ومع هذا أنكره علماء المدينة، حتى قُتل خبيب بن عبد الله بن الزبير بسبب إنكاره ذلك. فانظر إلى سد العلماء الذرائع. وأما النذر له، ودعاؤه والخضوع له، فهو من الشرك الأكبر، فتأمل ما ذكره البغوي في تفسير سورة نوح في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ

стр. 67

آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً﴾ ١ الآية، وما ذكر أيضاً في سورة النجم في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى﴾ ٢، أن اللات قبر رجل صالح. فتأمل الأصنام التي بعثت الرسل بتغييرها، كيف تجد فيها قبور الصالحين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 68

المسألة الخامسة عشرة سئل، ﵀: عن الجد، هل يكون بمنزلة الأب في الميراث؟ وما حجة من قال بذلك؟ وعن قسم المال جزافًا؟ وما معنى الاحتساب في نفقة الأهل؟ وعن قول إبراهيم ﵇: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ ١، وقوله في كلام البقر والذيب: " آمنت به أنا وأبو بكر " ... إلخ. فأجاب، ﵀: أما كون الجد أباً، فرجح بأمور: الأول: ٢ العموم، واستدل ابن عباس على ذلك بقوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ الثاني: محض القياس، كما ابن عباس: " ألا يتقي الله زيد؟ يجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل أبا الأب أباً؟ ". الثالث: أنه مذهب أبي بكر الصديق، وهو هو ٣. الرابع: أن الذين ورثوا الأخوة معه اختلفوا في كيفية ذلك، كما قال البخاري لما ذكر قول الصديق: ويذكر عن علي وابن مسعود وزيد أقاويل مختلفة. الخامس: أن الذين ورثوهم، لم يجزموا بل معهم شك، وأقروا أنهم لم يجدوه في النص لا بعموم ولا غيره.

стр. 69

السادس، وهو أبينها كلها: أن هذا التوريث وكيفياته لو كان من الله لم يتصور أن يهمله النبي ﷺ بالكلية مع صعوبته ١ والاختلاف فيه ٢. وأما حجة المخالف منهم، فمقرون أنه محض رأى لا حجة فيه إلا قياسًا فيما زعموا. وأما قسم المال جزافًا، فأرجو أنه لا بأس به، كما في ثمرة النخل. وأما المساقاة على الزرع ٣ كما أردتم، فلا أدري، وأنا أكرهه. وأما معنى الاحتساب في نفقة الأهل، فمشكل علي. وأما قوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ ٤، فمن أعظم الأدلة على تفاوت الإيمان ومراتبه، حتى الأنبياء: فهذا طلب الطمأنينة مع كونه مؤمنًا، فإذا كان محتاجًا إلى الأدلة التي توجب له الطمأنينة، فكيف بغيره؟ ولذلك قال رسول الله ﷺ في الصحيح:" نحن أحق بالشك من إبراهيم " ٥. وأما قوله في كلام البقرة والذيب: " آمنت به أنا وأبو بكر وعمر " وليسا في ذلك المكان، فكان هذا من الإيمان بالغيب المخالف للمشاهدة؛ وذلك أن الناس يشاهدون البهائم لا تتكلم، فلما أخبر ﷺ أن هذا جرى فيما مضى، تعجبوا من ذلك مع إيمانهم، فقال: " آمنت به أنا وأبو بكر وعمر "، فلما ذكرهما لهذا المقام العظيم الذي طلب إبراهيم في مثله العيان ليطمئن قلبه، مع كونهما ليسا في المجلس محل ذلك، على أن إيمانهما أعلى من

стр. 70

إيمان غيرهما، خصوصًا لما قرنهما بإيمانه ﷺ . ومع هذا، فأمور الإيمان من الأمور الميتة، لكن لعلكم تفقهون ١ منها شيئًا إذا قرأتم في كتاب الإيمان. والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

стр. 71

المسألة السادسة عشرة سئل، رحمه الله تعالى: عن قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً﴾ ١ الآية. فأجاب، ﵀: اعلم، رحمك الله: أن الله سبحانه عالم بكل شيء، يعلم ما يقع على خلقه وما يقعون فيه، وما يرد عليه من الواردات إلى يوم القيامة. وأنزل هذا الكتاب المبارك الذي جعله تبيانًا لكل شيء، وجعله هدى لأهل القرن الثاني عشر ومَن بعدهم، كما جعله لأهل القرن الأول ومَن بعدهم. ومن أعظم البيان الذي فيه: بيان الحجج الصحيحة، والجواب عما يعارضها، وبيان بطلان الحجج الفاسدة ونفيها. فلا إله إلا الله! ماذا حُرمه المعرضون عن كتاب الله من الهدى والعلم! ولكن لا معطي لما منع الله. وهذه التي سألت عنها فيها بيان ٢ بطلان شبهة يحتج بها بعض أهل النفاق والريب في زماننا هذا في قضيتنا هذه. وبيان ذلك: أن هذه في آخر قصة ٣ آدم وإبليس، وفيها من العبر والفوائد العظيمة لذريتهما ما يجل عن الوصف. فمن ذلك: أن الله أمر إبليس بالسجود لآدم، ولو فعل لكان فيه طاعة لربه وشرف له، ولكن سولت له نفسه أن ذلك نقص في حقه، إذا خضع لواحد دونه في السن ودونه

стр. 72

في الأصل على زعمه، فلم يطع الأمر، واحتج على فضله بحجة، وهي: أن الله خلقه من أصل خير من أصل آدم، ولا ينبغي أن الشريف يخضع لمن دونه، بل العكس. فعارض النص الصريح بفعل الله الذي هو الخلق، فكان في هذا عبرة عظيمة لمن رد شيئًا من أمر الله ورسوله، واحتج بما لا يجدي. فلما فعل، لم يعذره الله بهذا التأويل، بل طرده، ورفع آدم، وأسكنه الجنة. فكان مع عدو الله من الحفظ والفطنة ودقة المعرفة ما يجل عن الوصف، فتحيل على آدم حتى ترك شيئاً من أمر الله، وذلك بالأكل من الشجرة، واحتج لآدم بحجج. فلما أكل، لم يعذره الله بتلك الحجج، بل أهبطه إلى الأرض، وأجلاه من وطنه، ثم قال: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ ١. يقول تعالى: لأجلينّكم عن وطنكم، فإن بعد هذا الكلام، وهو أني أرسل إليكم هدى من عندي، لا أكلكم إلى رأيكم ولا رأي علمائكم، بل أنزل عليكم العلم الواضح الذي يبين الحق من الباطل، والصحيح من الفاسد، والنافع من الضار،: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ٢. ومعلوم أن الهدى هو هذا القرآن. فمن زعم على أن القرآن لا يقدر على الهدى منه إلا من بلغ رتبة الاجتهاد، فقد كذَّب الله بخبره أنه هدى؛ فإنه على هذا القول الباطل لا يكون في حق الواحد من الآلاف المؤلفة ٣، وأما أكثر الناس فليس هدى في حقهم، بل الهدى في حقهم أن كل فرقة تتبع ما وجدت

стр. 73

عليه الآباء. فما أبطل هذا من قول! وكيف يصح لمن يدعي الإسلام أن يظن بالله وكتابه هذا الظن؟ ولما عرف سبحانه أن هذه الأمة سيجري عليها ما جرى على مَن قبلها من اختلافهم على أكثر من سبعين فرقة، وأن الفرَق كلها تترك هدى الله إلا فرقة واحدة، وأن كل الفرَق يقرون أن كتاب الله هو الحق لكن يعتذرون بالعجز، وأنهم لو يتعلمون كتاب الله ويعملون به لم يفهموا لغموضه ١ قال: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ ٢، وهذا تكذيب هؤلاء الذين ظنوا في القرآن ظن السوء. قال ابن عباس: " تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه، ألا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة ". وبيان هذا، أن هؤلاء الذين يزعمون أنهم لو تركوا طريقة الآباء، واقتصروا ٣ على الوحي، لم يهتدوا بسبب أنهم لا يفهمون، كما قالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ ٤، فرد الله عليهم بقوله: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ ٥، فضمن لمن اتبع القرآن أنه لا يضل كما ضل من اتبع الرأي; فتجدهم في المسألة الواحدة يحكون سبعة أقوال أو ستة، ليس منها قول صحيح، والذي ذكره الله في كتابه في تلك المسألة بعينها لا يعرفونه. والحاصل: أنهم يقولون: لا نترك القرآن إلا خوفًا من الخطإ، ولم نقبل على ما نحن فيه إلا للعصمة، فعكس الله كلامهم، وبين أن العصمة في اتباع القرآن إلى يوم القيامة.

стр. 74

وأما قوله: ﴿وَلا يَشْقَى﴾ ، فهم يزعمون أن الله يرضى بفعلهم، ويثيبهم عليه في الآخرة، ولو تركوه واتبعوا القرآن لغلطوا وعوقبوا؛ فذكر الله ١ أن من اتبع القرآن أمن من المحذور الذي هو الخطأ عن الطريق، وهو الضلال، وأمن من عاقبته وهو الشقاء في الآخرة. ثم ذكر الفريق الآخر الذي أعرض ٢ عن القرآن فقال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ ٣. وذكر الله هو: القرآن الذي بين الله لخلقه فيه ما يحب ويكره، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ ٤ الآيتين. فذكر الله لمن أعرض عن القرآن وأراد الفقه من غيره عقوبتين: إحداهما: المعيشة الضنك، وفسرها السلف بنوعين: أحدهما: ضنك الدنيا، وهو أنه، إن كان غنيًا، سلط عليه خوف الفقر، وتعب القلب والبدن في جميع الدنيا، حتى يأتيه الموت، ولم يتهن بعيش. الثاني: الضنك في البرزخ، وهو عذاب القبر ٥. وفسر الضنك في الدنيا أيضا بالجهل، فإن الشك والحيرة لهما من القلق وضيق الصدر ما لهما، فصار في هذا مصداق قوله في الحديث عن القرآن: " من ابتغى الهدى من غيره، أضله الله " ٦. فبان لك أن الله عاقبهم بضد قصدهم؛ فإنهم قصدوا معرفة الفقه، فجازاهم بأن أضلهم وكدر عليهم معيشتهم بعذاب قلوبهم لخوف الفقر

стр. 75

وقلة غنى أنفسهم، وعذاب أبدانهم بأن سلط عليهم الظلم والفقر، وأغرى بينهم العداوة والبغضاء. فإن أعظم الناس تعاديًا هؤلاء الذين ينتسبون إلى المعرفة. ثم قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ ١، والعمى نوعان: عمى القلب، وعمى البصر ٢. فهذا المعرض عن القرآن - لما عميت بصيرته في الدنيا عن القرآن - جازاه الله أنْ حشَره يوم القيامة أعمى. قال بعض السلف: أعمى عن الحجة، لا يقدر على المجادلة بالباطل، كما كان يصنع في الدنيا. ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً﴾ ٣، فذكر الله أنه يقال له: هذا بسبب إعراضك عن القرآن في الدنيا، وطلبك العلم من غيره. قال ابن كثير في الآية: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ ٤: أي: خالف أمري وما أنزلته على رسولي، أعرض عنه وتناساه، وأخذ من غيره هداه. ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ ٥: أي: في الدنيا فلا طمأنينة له ولا انشراح ولا تنعم. وظاهره: أن قوماً أعرضوا عن الحق، وكانوا في سعة من الدنيا، فكانت معيشتهم ضنكًا; وذلك أنهم كانوا يرون أن الله ليس مخالفًا لهم معاشهم من سوء ظنهم بالله. ثم ذكر كلامًا طويلاً، وذكر ما ذكرته من أنواع الضنك. والله أعلم.
следующие страницы →