Полный текст (179 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وقد أجمع العلماء على أنَّ العبدَ ليس أهلاً للخلافة، ويُحمل ما جاء في هذا الحديث وغيره من الأحاديث في معناه على المبالغة في لزوم السمع والطاعة للعبد إذا كان خليفة، وإن كان ذلك لا يقع، أو أنَّ ذلك يحمل على تولية الخليفة عبداً على قرية أو جماعة، أو أنَّه كان عند التولية حرًّا، وأُطلق عليه عبد باعتبار ما كان، أو على أنَّ العبدَ تغلَّب على الناس بشوكته واستقرَّت الأمور واستتبَّ الأمن؛ لِمَا في منازعته من حصول ما هو أنكر من ولايته.
٥ قوله: "فإنَّه مَن يعِش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً"، هذا من دلائل نبوَّته ﷺ ، حيث أخبر عن أمر مستقبَل وقع طبقاً لِمَا أخبر به ﷺ ؛ فإنَّ الذين طالت أعمارُهم من أصحاب النَّبيِّ ﷺ أدركوا اختلافاً كثيراً ومخالفة لِمَا كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، وذلك بظهور بعض فرق الضلال، كالقدرية والخوارج وغيرهم.
٦ قوله: "فعليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين المهديِّين، عضُّوا عليها بالنَّواجذ"، لَمَّا أخبر ﷺ بحصول التفرُّق وكثرته، أرشد إلى طريق السلامة والنجاة، وذلك بالتمسُّك بسنَّته وسنَّة خلفائه الراشدين، وخلفاؤه الراشدون هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، وقد وصف رسول الله ﷺ خلافتَهم بأنَّها خلافةُ نبوَّة، كما جاء في حديث سفينة ﵁: "خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي اللهُ الملكَ أو ملكَه من يشاء" رواه أبو داود (٤٦٤٦) وغيرُه، وهو حديث صحيح، أورده الألباني في السلسلة الصحيحة (٤٦٠) ، ونقل تصحيحه عن تسعة من العلماء، قال ابن رجب (٢/١٢٠) : "والسنَّة هي الطريقة المسلوكة، فيشمل ذلك التمسُّك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من
стр. 107
الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنَّة الكاملة، ولهذا كان السلف قديماً لا يطلقون اسم السنَّة إلاَّ على ما يشمل ذلك كلَّه، وروي معنى ذلك عن الحسن والأوزاعي والفضيل بن عياض، وكثير من العلماء المتأخرين يخصُّ اسمَ السنَّة بما يتعلَّق بالاعتقادات؛ لأنَّها أصلُ الدِّين، والمخالف فيها على خطر عظيم".
وقد حثَّ رسول الله ﷺ على التمسُّك بسنَّته وسنَّة خلفائه الراشدين بقوله: "فعليكم"، وهي اسم فعل أمر، ثم أرشد إلى شدَّة التمسُّك بها بقوله: "عضُّوا عليها بالنَّواجذ"، والنواجذ هي الأضراس، وذلك مبالغة في شدَّة التمسُّك بها.
٧ قوله: "وإيَّاكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ بدعة ضلالة"، في رواية أبي داود (٤٦٠٧) : "وإيَّاكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة"، محدثات الأمور ما أُحدِث وابتُدع في الدِّين مِمَّا لم يكن له أصل فيه، وهو يرجع إلى الاختلاف والتفرُّق المذموم الذي ذكره النَّبيُّ ﷺ بقوله: "فإنَّه مَن يَعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً"، وقد وصف النَّبيُّ ﷺ كلَّ البدع بأنَّها ضلال، فلا يكون شيءٌ من البدع حسناً؛ لعموم قوله: "وكل بدعة ضلالة"، وقد روى محمد بن نصر في كتابه السنة بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄ قال: "كلُّ بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة"، وذكر الشاطبي في الاعتصام عن ابن الماجشون قال: سمعت مالكاً يقول: "مَن ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أنَّ محمداً خان الرسالة؛ لأنَّ الله يقول: ﴿لْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ، فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً"، وقال أبو عثمان النيسابوري: "مَن أمَّر السنَّة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومَن أمَّر الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق
стр. 108
بالبدعة"، انظر: حلية الأولياء (١٠/٢٤٤) ، وأمَّا الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه (١٠١٧) : "مَن سنَّ في الإسلام سنَّة حسنة فله أجرها وأجر مَن عمل بها" فهو محمولٌ على القدوة الحسنة في الخير، كما هو واضح من سبب الحديث، وهو أنَّ رسول الله ﷺ حثَّ على الصدقة، فأتى رجلٌ من الأنصار بصُرَّة كبيرة، فتابعه الناسُ على الصدقة، فعند ذلك قال رسول الله ﷺ ما قال، وهو محمولٌ أيضاً على مَن أظهر سنَّة الرسول ﷺ وأحياها، كما حصل من عمر ﵁ في جمع الناس على صلاة التراويح في رمضان، فإنَّه إظهارٌ لسنَّته ﷺ ؛ لأنَّه ﷺ صلَّى بالناس قيام رمضان في بعض الليالي، وتركه خشية أن يُفرض عليهم، كما في صحيح البخاري (٢٠١٢) ، فلمَّا توفي رسول الله ﷺ ذهب ما كان يُخشى من الفرض لانقطاع التشريع بوفاته ﷺ ، فبقي الاستحباب، فأظهره عمر ﵁، وهو أيضاً من سنَّة الخلفاء الراشدين، وما جاء عنه ﵁ من قوله: "نعم البدعة"، كما في صحيح البخاري (٢٠١٠) يريد إظهار صلاة التراويح، يُراد به البدعة اللغوية، ومثل ذلك زيادة عثمان ﵁ الأذان يوم الجمعة، وقد وافقه عليه الصحابةُ ﵃، فهو من سنَّة الخلفاء الراشدين، وما جاء عن ابن عمر ﵄ أنَّه بدعة، فهو محمولٌ إن صحَّ على البدعة اللغوية.
٨ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ استحباب الموعظة والتذكير في بعض الأحيان؛ لِمَا في ذلك من التأثير على القلوب.
٢ حرص الصحابة ﵃ على الخير؛ لطلبهم الوصيَّة منه ﷺ .
стр. 109
٣ أنَّ أهمَّ ما يوصى به تقوى الله ، وهي طاعته بامتثال أمره واجتناب نهيه.
٤ أنَّ من أهمِّ ما يوصى به السمع والطاعة لولاة الأمور؛ لِمَا في ذلك من المنافع الدنيوية والأخروية للمسلمين.
٥ المبالغة في الحثِّ على لزوم السمع والطاعة، ولو كان الأمير عبداً.
٦ إخبار النَّبيِّ ﷺ عن وجود الاختلاف الكثير في أمَّته، ثم حصوله كما أخبر من دلائل نبوته ﷺ .
٧ أنَّ طريق السلامة عند الاختلاف في الدِّين لزوم سنَّته ﷺ وسنَّة الخلفاء الراشدين.
٨ بيان فضل الخلفاء الراشدين، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، وأنَّهم راشدون مهديُّون.
٩ التحذير من كلِّ ما أُحدث في الدِّين مِمَّا لم يكن له أصل فيه.
١٠ أنَّ البدع كلَّها ضلال، فلا يكون شيء منها حسناً.
١١ الجمع بين الترغيب والترهيب؛ لقوله في الترغيب: "فعليكم"، وفي الترهيب: "وإيَّاكم".
١٢ بيان أهميَّة الوصية بتقوى الله والسمع والطاعة لولاة الأمور، واتِّباع السنن وترك البدع؛ لكون النَّبيِّ ﷺ أوصى أصحابَه بها بعد قوله عن موعظته: "كأنَّها موعظة مودِّع فأوصنا".
стр. 110
الحديث التاسع والعشرون
عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يُدخلني الجنَّة ويُباعدني عن النار، قال: "لقد سألتَ عن عظيم، وإنَّه ليسير على مَن يسرَّه الله تعالى عليه؛ تعبد اللهَ لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألاَ أدلُّك على أبواب الخير؟ الصومُ جُنَّة، والصدقةُ تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماءُ النار، وصلاةُ الرجل في جَوف الليل، ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حتى بلغ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ ، ثم قال: ألاَ أخبرك برأس الأمر وعمودِه وذروة سَنَامه؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأسُ الأمر الإسلامُ، وعمودُه الصلاة، وذروة سَنَامه الجهاد، ثم قال: ألاَ أخبرك بمِلاكِ ذلك كلِّه؟ قلت: بلى يا رسول الله! فأخذ بلسانه، وقال: كُفَّ عليك هذا، قلت: يا نبيَّ الله! وإنَّا لمؤاخذون بما نتكلَّم به؟ فقال: ثكِلتك أمُّك! وهل يَكبُّ الناسَ في النَّار على وجوههم أو قال: على مناخرهم إلاَّ حصائدُ ألسنتهم؟ " رواه الترمذي وقال: "حديث حسن صحيح".
١ قوله: "قلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يُدخلني الجنَّة ويُباعدني عن النار"يدلُّ على حرص الصحابة على الخير ومعرفة الأعمال التي بها حصول الجنَّة والسلامة من النار، ويدلُّ على وجود الجنَّة والنار، وأنَّ أولياء الله يعملون الصالحات ليظفروا بالجنَّة ويسلموا من النار، وهذا بخلاف ما يقوله بعضُ الصوفية أنَّهم لا يعبدون الله رغبة في جنَّته ولا خوفاً من ناره، وهو باطل؛ لحرص الصحابة على معرفة الأعمال الموصلة إلى الجنَّة والمباعدة من النار، وقد قال الله عن خليله:
стр. 111
﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ ، ويدلُّ أيضاً على أنَّ الأعمالَ الصالحة سببٌ في دخول الجنَّة، وقد جاء في ذلك آياتٌ كثيرة، منها قول الله : ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ، وذلك لا يُنافي ما جاء في الحديث: "لن يدخل أحدكم بعمله الجنَّة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: ولا أنا، إلاَّ أن يتغمَّدني الله برحمة منه" رواه البخاري (٦٤٦٣) ، ومسلم (٢٨١٦) ، فإنَّ الباءَ في الحديث للمعاوضة، وفي الآيات للسببية، ودخول الجنَّات ليس عوضاً عن الأعمال، وإنَّما الأعمال الصالحة أسباب لها، والله تفضَّل بالتوفيق للسبب، وهو العمل الصالح، وتفضَّل بالجزاء الذي هو دخول الجنَّة، فرجع الفضل في السبب والمسبب إلى الله .
٢ قوله: "لقد سألت عن عظيم، وإنَّه ليسير على مَن يسَّره الله تعالى عليه"، فيه بيان عظيم منزلة هذا السؤال وأهميَّته والتشجيع على مثله؛ حيث وصف الرسول ﷺ المسئول عنه فيه بأنَّه عظيم، ومع عظمه ومشقَّة الإتيان به فقد أتبعه النَّبيُّ ﷺ بما يُبيِّن سهولته ويُسرَه على مَن يسَّره الله عليه، وهو يدلُّ على أنَّ المسلمَ يصبر على الطاعات ولو شقَّت على النفوس؛ لأنَّ عاقبة الصبر حميدة، وقد قال الله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ ، وقال ﷺ : "حُفَّت الجنَّة بالمكاره، وحُفَّت النَّار بالشهوات" رواه البخاري (٦٤٨٧) ، ومسلم (٢٨٢٢) .
٣ قوله: "تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت"، بيَّن النَّبيُّ ﷺ أنَّ أهمَّ شيء
стр. 112
يُتقرَّب به إلى الله ويحصل به الظفر بالجنَّة والسلامة من النار أداء الفرائض، وهي في هذا الحديث أركان الإسلام الخمسة التي جاءت في حديث جبريل وحديث ابن عمر: "بُني الإسلام على خمس"، وقد جاء في الحديث القدسي: "وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبُّ إليَّ مِمَّا افترضته عليه"، وقوله: "تعبد الله ولا تشرك به شيئاً" مشتملٌ على بيان حقِّ الله، وهو إخلاص العبادة لله، ويدخل في ذلك شهادة أنَّ محمداً رسول الله؛ لأنَّ عبادةَ الله لا تُعرف إلاَّ بتصديقه ﷺ ، والعمل بما جاء به، وكلُّ عمل يُتقرَّب به إلى الله لا ينفع صاحبَه إلاَّ إذا كان خالصاً لله ومبنيًّا على اتِّباع سنَّة رسول الله ﷺ ، والشهادتان متلازمتان، لا بدَّ مع شهادة أن لا إله إلاَّ الله من شهادة أنَّ محمداً رسول الله ﷺ ، وقد ذكِرت في الحديث هذه الأركان مرتَّبة حسب أهميَّتها، وقُدِّمت الصلاة لكونها صلة وثيقة بين العبد وبين ربِّه؛ لتكرُّرِها في اليوم والليلة خمس مرَّات، وذكر بعدها الزكاة؛ لأنَّها لا تأتي في العام إلاَّ مرَّة واحدة، ونفعها يحصل لدافع الزكاة والمدفوعة إليه، ثم بعد ذلك الصيام؛ لتكرُّره في كلِّ عام، وبعده الحج؛ لأنَّه لا يجب في العمر إلاَّ مرَّة واحدة.
٤ قوله: "ألاَ أدلُّك على أبواب الخير؟ الصومُ جُنَّة، والصدقةُ تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماءُ النار، وصلاةُ الرجل في جَوف الليل، ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ "، حتى بلغ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ لَمَّا بيَّن ﷺ الفرائضَ التي هي سبب في دخول الجنَّة والسلامة من النار، أرشد ﷺ إلى جملة من النوافل التي يحصل للمسلم بها زيادة الإيمان وزيادة الثواب وتكفير الذنوب، وهي الصدقة والصيام وقيام الليل، وقال عن الصوم: "الصومُ جُنَّة"، والجُنَّة هي الوقاية، والصوم وقاية في
стр. 113
الدنيا والآخرة، فهو وقاية في الدنيا من الوقوع في المعاصي، فعن عبد الله ابن مسعود ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "يا معشر الشباب! مَن استطاع منكم الباءة فليتزوَّج، فإنَّه أحصن للفرج وأغض للبصر، ومَن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنَّه له وِجاء" رواه البخاري (١٩٠٥) ، ومسلم (١٤٠٠) ، وهو وقاية في الآخرة من دخول النار، وقد جاء في الحديث:."مَن صام يوماً في سبيل الله بعَّد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً" رواه البخاري (٢٨٤٠) .
وقوله: "والصدقة تطفئ الخطيئة كما يُطفئ الماء النار"، فيه بيان عظم شأن الصدقة النافلة، وأنَّ الله تعالى يحطُّ بها الخطايا ويُطفئها بها كما يُطفئ الماءُ النارَ، والخطايا هي الصغائر، وكذلك الكبائر مع التوبة منها، وتشبيه النَّبيِّ ﷺ إطفاء الصدقة للخطايا بإطفاء الماء النار يدلُّ على زوال الخطايا كلّها؛ فإنَّ المشاهد في الماء إذا وقع على النار أنَّه يزيلها حتى لا يبقى لها وجود.
وقوله: "وصلاة الرَّجل في جوف الليل" هذا هو الأمر الثالث من أبواب الخير، التي يُتقرَّب إلى الله بها، وقد تلا رسول الله ﷺ عند ذلك قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ، وقد أخبر النَّبيُّ ﷺ أنَّ أفضلَ الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل، رواه مسلم (١١٦٣) ، وقد مهَّد النَّبيُّ ﷺ لبيان أبواب الخير هذه بالاستفهام، وذلك في قوله لمعاذ: "ألاَ أدلُّك على أبواب الخير؟ "؛ لِمَا في ذلك من لفت نظر معاذ إلى أهميَّة ما يُلقَى عليه، ليتهيَّأ لذلك ويستعدَّ لوعي كلِّ ما يُلقَى عليه.
стр. 114
٥ قوله: "ألاَ أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سَنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد"، المراد بالأمر الشأن الذي هو أعظم الشؤون، وهو الدِّين الذي بُعث به رسول الله ﷺ ، رأسه الإسلام وهو عام، يشمل الصلاة والجهاد وغيرهما، وقد ذكر الصلاة ووصفها بأنَّها عمود الإسلام، شبَّه ذلك بالبناء الذي يقوم على أعمدته، وهي أهمُّ العبادات البدنية القاصر نفعها على صاحبها، ثم ذكر الجهاد الذي يشمل جهاد النفس وجهاد الأعداء من كفَّار ومنافقين، ووصفه بأنَّه ذروة سنام الإسلام؛ وذلك أنَّ في الجهاد قوةَ المسلمين وظهورَ دينهم وعلوَّه على غيره من الأديان.
٦ قوله: "ألاَ أخبرك بمِلاكِ ذلك كلِّه؟ قلت: بلى يا رسول الله! فأخذ بلسانه، ثم قال: كُفَّ عليك هذا، قلت: يا نبيَّ الله! وإنَّا لمؤاخذون بما نتكلَّم به؟ فقال: ثكِلتك أمُّك! وهل يَكبُّ الناسَ في النَّار على وجوههم أو قال: على مناخرهم إلاَّ حصائدُ ألسنتهم؟! "، في هذا بيان خطر اللسان، وأنَّه الذي يوقع في المهالك، وأنَّ مِلاَك الخير في حفظه، حتى لا يصدر منه إلاَّ ما هو خير، كما قال ﷺ : "مَن يضمن لي ما بين لحْيَيْه ورِجليه أضمن له الجنَّة" رواه البخاري (٦٤٧٤) ، وقال ﷺ : "من كان يؤمن بالله اليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت"، قال ابن رجب في شرح هذا الحديث في جامع العلوم والحكم (٢/١٤٦ ١٤٧) : "هذا يدلُّ على أنَّ كَفَّ اللسان وضبطَه وحَبسَه هو أصلُ الخير كلِّه، وأنَّ مَن مَلَكَ لسانَه فقد ملَكَ أمرَه وأحكمَه وضبطَه"، وقال: "والمرادُ بحصائد الألسنة جزاءُ الكلام المحرَّم وعقوباته، فإنَّ الإنسان يزرع بقوله وعمله الحسنات والسيِّئات، ثم يحصد يوم القيامة ما زرع،
стр. 115
فمَن زرَع خيراً مِن قول أو عمل حصد الكرامةَ، ومَن زرع شرًّا من قول أو عمل حصد غداً النَّدامةَ، وظاهرُ حديث معاذ يدلُّ على أنَّ أكثرَ ما يدخل به الناسُ النارَ النطقُ بألسنتهم، فإنَّ معصيةَ النطق يدخل فيها الشركُ، وهو أعظم الذنوب عند الله ، ويدخل فيها القولُ على الله بغير علم، وهو قرين الشرك، ويدخل فيها شهادةُ الزور التي عدَلت الإشراك بالله ، ويدخل فيها السِّحر والقذف وغير ذلك من الكبائر والصغائر، كالكذب والغيبة والنَّميمة، وسائرُ المعاصي الفعلية لا يخلو غالباً من قول يقترن بها يكون معيناً عليها".
وقوله: "ثكلتك أمُّك" قال الشيخ ابن عثيمين في شرح هذا الحديث: "أي: فقدتك حتى كانت ثكلى من فقدك، وهذه الجملة لا يُراد بها معناها، وإنَّما يُراد بها الحثُّ والإغراء على فهم ما يُقال"، بل إنَّ ما جاء من ذلك في هذا الحديث وما يُماثله يكون من قبيل الدعاء لِمَن أضيف إليه، ويدلُّ له الحديث في صحيح مسلم (٢٦٠٣) عن أنس، وفيه قول الرسول ﷺ : "يا أمَّ سُليم! أمَا تعلمين أنَّ شرطي على ربِّي أنِّي اشترطتُّ على ربِّي، فقلت: إنَّما أنا بشر، أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيُّما أحد دعوت عليه من أمَّتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهوراً وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة"، ومن دقَّة الإمام مسلم ﵀ وحسن ترتيبه صحيحه أنَّه أورد عقب هذا الحديث حديثَ ابن عباس ﵄ في قوله في معاوية: "لا أشبع اللهُ بطنَه"، فيكون دعاءً له، وليس دعاء عليه.
стр. 116
٧ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ حرص الصحابة ﵃ على الخير ومعرفة ما يوصل إلى الجنَّة ويُباعد من النار.
٢ أنَّ الجنَّة والنار موجودتان، وهما باقيتان لا تفنيان.
٣ أنَّ عبادة الله يُرجى فيها دخول الجنَّة والسلامة من النار، وليس كما يقول بعض الصوفية إنَّ الله لا يُعبد رغبة في جنَّته ولا خوفاً من ناره.
٤ بيان أهميَّة العمل المسئول عنه، وأنَّه عظيم.
٥ أنَّ الطريقَ الموصل إلى النجاة شاق، وسلوكه يحصل بتيسير الله.
٦ أنَّ أهمَّ شيء كُلِّف به الثقلان عبادة الله ، وقد أُنزلت الكتب وأُرسلت الرسل لذلك.
٧ أنَّ عبادةَ الله لا تُعتبر إلاَّ إذا بُنيت على الشهادتين، وهما متلازمتان، ولا يُقبل العمل إلاَّ إذا كان خالصاً لله، ومطابقاً لِما جاء به رسول الله ﷺ .
٨ بيان عظم شأن أركان الإسلام؛ حيث دلَّ النَّبيُّ ﷺ معاذاً عليها من بين الفرائض التي فرضها الله.
٩ أنَّ هذه الفرائض مرتَّبة في أهميَّتها حسب ترتيبها في هذا الحديث.
١٠ الحثُّ على الإتيان بالنوافل مع الإتيان بالفرائض.
١١ أنَّ مِن أهمِّ ما يُتقرَّب به إلى الله بعد أداء الفرائض الصدقة والصوم وقيام الليل.
стр. 117
١٢ بيان عظم شأن الصلاة وأنَّها عمود الإسلام.
١٣ بيان فضل الجهاد، وأنَّه ذروة سنام الإسلام.
١٤ بيان خطورة اللسان، وأنَّه يُفضي إلى المهالك ويُوقع في النار.
стр. 118
الحديث الثلاثون
عن أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الله تعالى فرض فرائض فلا تضيِّعوها، وحدَّ حدوداً فلا تعتدوها، وحرَّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها" حديث حسن، رواه الدارقطني وغيرُه.
١ الحديث حسَّنه النووي ومِن قبله أبو بكر بن السمعاني كما قال ابن رجب، وفي سنده انقطاع، لكن ذكر ابن رجب ما يشهد لمعناه، فقال (٢/١٥٠ ١٥١) : "وقد روي معنى هذا الحديث مرفوعاً من وجوه أخر، خرَّجه البزار في مسنده والحاكم من حديث أبي الدرداء، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "ما أحلَّ الله في كتابه فهو حلال، وما حرَّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإنَّ الله لم يكن لينسى شيئاً، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ "، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال البزار: إسناده صالح".
٢ قال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/١٥٢ ١٥٣) : "فحديثُ أبي ثعلبة قسم فيه أحكام الله أربعة أقسام: فرائض، ومحارم، وحدود، ومسكوت عنه، وذلك يجمع أحكام الدِّين كلَّها، قال
стр. 119
أبو بكر ابن السمعاني: هذا الحديث أصل كبير من أصول الدِّين، قال: وحُكي عن بعضهم أنَّه قال ليس في أحاديث رسول الله ﷺ حديثٌ واحد أجمعَ بانفراده لأصول العلم وفروعِه من حديث أبي ثعلبة، قال: وحُكي عن واثلة المزني أنَّه قال: جمع رسول الله ﷺ الدِّين في أربع كلمات، ثم ذكر حديث أبي ثعلبة، قال ابن السمعاني: فمَن عمل بهذا الحديث فقد حاز الثواب، وأمن العقاب؛ لأنَّ مَن أدَّى الفرائضَ، واجتنب المحارمَ، ووقف عند الحدود، وترك البحث عما غاب عنه، فقد استوفى أقسامَ الفضل، وأوفى حقوق الدِّين؛ لأنَّ الشرائعَ لا تخرج عن هذه الأنواع المذكورة في هذا الحديث، انتهى".
٣ قوله: "إنَّ الله فرض فرائض فلا تضيِّعوها"، أي: أوجب أشياء وجعل فرضها حتماً لازماً، كالصلاة والزكاة والصيام والحجِّ، فيجب على كلِّ مسلم الإتيان بها كما أمر الله، دون ترك لها أو حصول إخلال في فعلها.
٤ قوله: "وحدَّ حدوداً فلا تعتدوها"، أي: شرع أموراً هي واجبة أو مستحبَّة أو مباحة، فلا يتجاوز تلك الحدود إلى غيرها، فيقع في أمر حرام، وذلك كالمواريث التي بيَّنها الله في كتابه، فلا يجوز لأحد أن يتعدَّاها وأن يأتي بقسمة تخالفها، وتأتي الحدود مراداً بها ما حرَّم الله، فيكون الواجب على المسلم أن لا يقرَبها، كما قال الله : ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾
٥ قوله: "وحرَّم أشياء فلا تنتهكوها"، أي: أنَّ ما حرَّمه الله لا يجوز للمسلمين أن يقعوا فيه، بل يتعيَّن عليهم تركه، كما قال ﷺ : "ما نهيتُكم عنه فاجتنبوه".
стр. 120
٦ قوله "وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها"، أي: هناك أمور لم يأت النصُّ عليها في الكتاب والسنَّة، فلا يُشتغل في البحث عنها والسؤال عنها، وذلك مثل السؤال عن الحجِّ في كلِّ عام الذي أنكره الرسول ﷺ على السائل، وقال: "ذروني ما تركتكم؛ فإنَّما أهلك مَن كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم"، وكالسؤال عن تحريم شيء لم يحرم، فيترتَّب عليه التحريم بسبب السؤال، كما ثبت بيان خطورته في الحديث عن رسول الله ﷺ ، وبعد زمنه ﷺ لا يسأل الأسئلة التي فيها تنطُّع وتكلُّف، والمعنى سكت عن أشياء فلم يفرضها ولم يوجبها ولم يحرمها، فلا يُسأل عنها، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾
قال ابن رجب (٢/١٦٣) : "وأمَّا المسكوتُ عنه، فهو ما لم يُذكر حكمُه بتحليل ولا إيجاب ولا تحريم، فيكون معفوًّا عنه لا حرج على فاعله، وعلى هذا دلَّت هذه الأحاديث المذكورة ههنا، كحديث أبي ثعلبة وغيره".
٧ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ أنَّ من شريعة الله ما هو فرض لازم، يجب فعله وعدم إضاعته.
٢ أنَّه يجب الوقوف عند الواجبات والمستحبَّات والمباحات، فلا تتجاوز إلى المحرَّمات.
٣ أنَّ كلَّ ما حرَّمه الله يتعيَّن على المسلم تركه والابتعاد عنه.
٤ أنَّ ما لم يأت فيه تحريم ولا تحليل فهو عفوٌ لا يُسأل عنه.
стр. 121
الحديث الواحد والثلاثون
عن أبي العباس سَهل بن سَعْد الساعدي ﵁ قال: "جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله! دُلَّني على عمل إذا عملته أحبَّني الله وأحبَّني الناسُ، فقال: "ازهد في الدنيا يُحبّك الله، وازهد فيما عند الناس يُحبّك الناس" حديث حسن، رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة.
١ أصحابُ رسول الله ﷺ أحرصُ الناس على كلِّ خير، وأسبقُ الناس إلى كلِّ خير، وقد حرص هذا الصحابيُّ على معرفة ما يجلبُ له محبَّةَ الله ومحبَّة الناس، فسأل النَّبيَّ ﷺ هذا السؤال.
٢ قوله: "ازهد في الدنيا يُحبّك الله"، بيَّن ﷺ أنَّ محبَّة الله تُحصَّلُ بالزهد في الدنيا، وأحسن ما قيل في بيان المراد بالزهد في الدنيا ترك الإنسان كلَّ ما يشغله عن الله، كما نقله الحافظ ابن رجب في شرحه جامع العلوم الحكم (٢/١٨٦) عن أبي سليمان الداراني، فقال: "وقال أبو سليمان الداراني: اختلفوا علينا في الزهد بالعراق، فمنهم مَن قال: الزهد في ترك لقاء الناس، ومنهم مَن قال: في ترك الشهوات، ومنهم مَن قال: في ترك الشِّبع، وكلامهم قريب بعضُه من بعض، قال: وأنا أذهب إلى أنَّ الزهدَ في ترك ما يشغلك عن الله . وهذا الذي قاله أبو سليمان حسن؛ وهو يجمع جميع معاني الزهد وأقسامه وأنواعه".
٣ قوله: "وازهد فيما عند الناس يُحبّك الناس"، الناسُ حريصون على المال والمتاع في الحياة الدنيا، والغالب عليهم إمساكُ ما في
стр. 122
أيديهم وعدم الجود به، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ، ولا يُعجبهم مَن يطمع فيما عندهم أو يتطلَّع إليه، فإذا استغنى الإنسانُ عنهم نال إعجابهم وظفر بمحبَّتهم، وإذا ظفر بمحبَّتهم سلم من شرِّهم.
٤ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ حرص الصحابة على ما يجلب لهم محبَّة الله ومحبَّة الناس.
٢ إثبات صفة المحبَّة لله .
٣ أنَّ الخيرَ للعبد في محبَّة الله إيَّاه.
٤ أنَّ مِمَّا يجلب محبَّة الله الزهدَ في الدنيا.
٥ أنَّ زهدَ المرء فيما في أيدي الناس سببٌ في محبَّتهم إيَّاه، فيحصِّل خيرَهم ويسلم من شرِّهم.
стр. 123
الحديث الثاني والثلاثون
عن أبي سعيد سَعد بن مالك بن سنان الخدري ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا ضرر ولا ضِرار" حديث حسن، رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسنداً، ورواه مالك في الموطأ مرسلاً عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ ، فأسقط أبا سعيد، وله طرق يقوِّي بعضُها بعضاً.
стр. 124
١ هذا الحديث مشتملٌ على قاعدة من قواعد الشريعة، وهي رفع الضرر والضرار، وهو خبرٌ بمعنى النهي عن الضرر والضرار، والضَّررُ قد يحصل من الإنسان بقصد أو بغير قصد، والضرار يكون مع القصد، قال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/٢١٢) : "واختلفوا هل بين اللَّفظتين أعني الضررَ والضرار فرق أم لا؟ فمنهم مَن قال: هما بمعنى واحد على وجه التأكيد، والمشهور أنَّ بينهما فرقاً، ثم قيل: إنَّ الضرر هو الاسم، والضرارَ الفعل، فالمعنى أنَّ الضرَرَ نفسه منتف في الشرع، وإدخال الضرر بغير حقٍّ كذلك، وقيل: الضررُ أن يُدخل على غيره ضرراً بما ينتفع هو به، والضرار أن يُدخل على غيره ضرراً بما لا منفعة له به، كمَن منع ما لا يضرُّه، ويتضرر به الممنوع، ورجَّح هذا القولَ طائفةٌ منهم ابن عبد البر وابن الصلاح، وقيل: الضررُ أن يضرَّ بمَن لا يضره، والضرار أن يضرَّ بمن قد أضرَّ به على وجه غير جائز، وبكلِّ حال فالنبي ﷺ إنَّما نفي الضرَرَ والضِرَارَ بغير حقٍّ، فأمَّا إدخالُ الضرر على أحد بحقٍّ، إمَّا لكونه تعدَّى حدودَ الله، فيُعاقَب بقدر جريمته، أو كونه ظَلَم نفسَه وغيرَه، فيطلب المظلوم مقابلته بالعدل، فهذا غيرُ مراد قطعاً، وإنَّما المراد إلحاق الضرر بغير حقٍّ، وهذا على نوعين:
أحدهما: أن لا يكون في ذلك غَرضٌ سوى الضرر بذلك الغير، فهذا لا ريب في قُبحه وتحريمه، وقد ورد في القرآن النهيُ عن المضارَّة في مواضع، منها في الوصية، قال الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ ".
إلى أن قال (٢/٢١٧) : "والنوع الثاني: أن يكون له غرض آخر صحيح، مثل أن يتصرَّف في ملكه بما فيه مصلحة له، فيتعدَّى ذلك إلى
стр. 125
ضرر غيره، أو يمنع غيرَه من الانتفاع بملكه توفيراً له، فيتضرَّر الممنوع بذلك".
٢ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ بيان كمال الشريعة وحسنها في رفع الضرر والإضرار.
٢ أنَّ على المسلم ألاَّ يضرَّ غيره ولا يضاره.
стр. 126
الحديث الثالث والثلاثون
عن ابن عباس ﵄، عن رسول الله ﷺ قال: "لو يُعطَى الناسُ بدعواهم، لادَّعى رجالٌ أموالَ قوم ودماءهم، لكن البيِّنة على المدَّعي، واليمين على مَن أنكر" حديث حسن، رواه البيهقي وغيره هكذا، وبعضه في الصحيحين.
١ حديث ابن عباس هذا أخرجه البخاري (٤٥٥٢) ، ومسلم (١٧١١) ، وأكثره في الصحيحين، والذي ليس فيهما: "البيِّنة على المدَّعي"، لكن ثبتت هذه الجملة فيهما من حديث الأشعث بن قيس عند البخاري (٤٥٥٠) ، ومسلم (١٣٨) في قصة له مع ابن عمٍّ له، قال له النَّبيُّ ﷺ : "بيِّنتك أو يَمينه".
٢ قال ابن دقيق العيد في شرح الأربعين: "وهذا الحديث أصل من أصول الأحكام، وأعظم مرجع عند التنازع والخصام، ويقتضي أن لا يُحكم لأحد بدعواه"، وقد بيَّن النَّبيُّ ﷺ فيه أنَّه لو أجيب كلُّ مدَّع على غيره شيئاً لأدَّى ذلك إلى ادِّعاء أموال الناس ودمائهم، لكن النَّبيَّ
стр. 127
صلى الله عليه وسلم أوضح ما يكون فيه الفصل بين الناس في ذلك، وهو طلب البيِّنة من المدَّعي، وهي كلُّ ما يبين الحقَّ ويدلُّ عليه، من شهود أو قرائن أو غيرها، فإذا أتى بالبيِّنة قُضي بها على المدَّعَى عليه، وإن لم توجد البيِّنة طُلب من المدَّعَى عليه اليمين، فإن حلف برئت ساحتُه، وإن نكل عن اليمين قُضي عليه بالنُّكول، وأُلزم بما ادَّعاه عليه خصمُه، وقال النووي في شرح الأربعين: "إنَّما كانت البيِّنة على المدَّعي؛ لأنَّه يدَّعي خلاف الظاهر، والأصل براءة الذِّمَّة"، ثم ذكر أنَّه يُستثنى مسائل كثيرة يُقبل فيها قول المدَّعي بلا بيِّنة، منها دعوى الأب حاجته إلى الإعفاف، ودعوى السفيه التَّوَقان إلى النكاح مع القرينة، ودعوى خروج المرأة من العدَّة بالأقراء ووضع الحمل، ودعوى الطفل البلوغ بالاحتلام، ودعوى المودع تلف الوديعة أو ضياعها بسرقة ونحوها، والمدَّعي هو الطالب الذي لو سكت تُرك، والمدَّعَى عليه هو المطلوب الذي لو سكت لم يُترك، قال ابن المنذر كما في جامع العلوم والحكم (٢/٢٣٠) : "أجمع أهل العلم على أنَّ البيِّنة على المدَّعي واليمين على المدَّعَى عليه، قال: ومعنى قوله: (البيِّنة على المدَّعي) يعني: يستحقُّ بها ما ادَّعى؛ لأنَّها واجبة عليه يؤخذ بها، ومعنى قوله: (اليمين على المدَّعَى عليه) ، أي: يبرأ بها؛ لأنَّها واجبة عليه، يؤخذ بها على كلِّ حال".
٣ وكما أنَّ المدَّعي عليه البيِّنة فيما يدَّعيه من الأمور الدنيوية، فإنَّ على المدَّعي البيِّنة في الأمور الأخرويَّة، فمَن ادَّعى محبَّةَ الله ورسوله ﷺ يكون صادقاً في دعواه إذا اتَّبع الرسول ﷺ ، كما قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "هذه الآية الكريمة حاكمةٌ على كلِّ مَن
стр. 128
ادَّعى محبَّة الله وليس هو على الطريقة المحمَّدية، فإنَّه كاذب في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمَّدي والدِّين النبوي في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"، ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ، أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبَّتكم إيَّاه، وهو محبَّته إيَّاكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض العلماء الحكماء: ليس الشأن أن تُحِب، إنَّما الشأن أن تُحَبَّ، وقال الحسن البصري وغيرُه من السلف: زعم قومٌ أنَّهم يُحبُّون الله، فابتلاهم الله بهذه الآية".
٤ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ اشتمال الشريعة على حفظ أموال الناس ودمائهم.
٢ بيان الرسول ﷺ الطرق التي يُفصَل فيها بين المتخاصمين.
٣ إذا لم يُقرَّ المدَّعى عليه، فإنَّ على المدَّعي إقامة البيِّنة على دعواه.
٤ إذا لم تُقم البيِّنة حُلِّف المدَّعى عليه وبرئت ساحتُه، وإن لم يحلف قُضي عليه بالنُّكول.
стр. 129
الحديث الرابع والثلاثون
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَن رأى منكم منكراً فليُغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان" رواه مسلم.
١ هذا الحديث مشتملٌ على درجات إنكار المنكر، وأنَّ مَن قدر
стр. 130
على التغيير باليد تعيَّن عليه ذلك، وهذا يكون من السلطان ونوابه في الولايات العامة، ويكون أيضاً من صاحب البيت في أهل بيته في الولايات الخاصة، ورؤية المنكر يحتمل أن يكون المراد منها الرؤية البصرية، أو ما يشملها ويشمل الرؤية العلمية، فإذا لم يكن من أهل التغيير باليد، انتقل إلى التغيير باللسان، حيث يكون قادراً عليه، وإلاَّ فقد بقي عليه التغيير بالقلب، وهو أضعفُ الإيمان، وتغيير المنكر بالقلب يكون بكراهة المنكر وحصول الأثر على القلب بسبب ذلك، ولا تنافي بين ما جاء في هذا الحديث من الأمر بتغيير المنكر، وقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ، فإنَّ المعنى: إذا قمتم بما هو مطلوب منكم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد أدَّيتم ما عليكم، ولايضرُّكم بعد ذلك ضلال مَن ضلَّ إذا اهتديتم، ولشيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ عند الكلام على هذه الآية في كتابه أضواء البيان تحقيقات جيِّدة في مسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من المناسب الرجوع إليها للاستفادة منها.
٢ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنَّ به صلاح العباد والبلاد.
٢ أن تغيير المنكر يكون على درجات، من قدر على شيء منها تعيَّن عليه ذلك.
٣ التفاوت في الإيمان، وأنَّ منه القويّ والضعيف والأضعف.
стр. 131
الحديث الخامس والثلاثون
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضُكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلمُ أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره، التقوى ههنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرَّات، بحسب امرئ من الشرِّ أن يَحقرَ أخاه المسلم، كلُّ المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه" رواه مسلم.
١ قوله: "لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضُكم على بيع بعض"، الحسدُ يكون في الأمور الدنيوية والأخروية، ويدخل تحته كراهة الحاسد النعمة التي أنعم الله بها على غيره، ويدخل فيه تَمنِّي زوال هذه النعمة عنه، وسواء تَمنَّى انتقالها إليه أو عدم انتقالها، وأمَّا إذا تَمنَّى مثلَ ما أنعم الله به على غيره دون كراهية حصولها لغيره، ودون تَمنِّي زوالها عنه، فهذا هو الغبطة، وليس بمذموم، والنَّجْشُ: أن يزيد في ثمن السِّلعة عند المناداة عليها، وهو لا يريد شراءها، بل يريد نفع البائع بزيادة الثمن له، أو الإضرار بالمشتري بزيادة الثمن عليه، والتباغض هو تعاطي أسباب البغضاء والإتيان بما يجلبها، والتدابر المقاطعة والتهاجر؛ فلا يحبُّ أن يلقى أخاه، بل يولِّي كلُّ واحد منهم دُبرَه بسبب ما يكون بينهما من تباغض، والبيع على بيع غيره أن يتبايع اثنان سلعة وهما في مدَّة الخيار، فيأتي آخر إلى المشتري فيقول له: اترك هذه السلعة وأنا أبيعك سلعة مثلها أو أحسن منها بثمن أرخص مِمَّا اشتريت به، وهذا العمل يسبِّب التباغض.
стр. 132
٢ قوله: "وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره، التقوى ههنا ويشير إلى صدره ثلاث مرَّات، بحسب امرئ من الشرِّ أن يحقرَ أخاه المسلم"، بعد نهيه ﷺ عن أمور محرَّمة، فيها التباغض بين المسلمين وتعاطي أسبابه، أرشد ﷺ إلى ما هو مطلوب من المسلمين أن يكونوا عليه، وهو أن يكونوا إخوةً متحابِّين متآلفين، يرفق بعضهم ببعض، ويُحسن بعضُهم إلى بعض، بإيصال النفع إليه ودفع الضرر عنه، وأكَّد ذلك بقوله: "المسلم أخو المسلم"، أي: أنَّ مقتضى الأخوة أن يحبَّ لغيره ما يحبُّ لنفسه، ويكره له ما يكره لها، فلا يظلم غيره بأن يعتدي عليه، أو يلحق أيَّ ضرر به، ولا يخذله عند حاجته إلى نصرته وهو قادر على أن ينصره، ولا يحدِّثه بحديث هو كاذب فيه، ولا يحقره بأن يستهين به ويستصغره، ثم بيَّن ﷺ قبح احتقار المسلم أخاه بقوله: "بحسب امرئ من الشرٍّ أن يحقرَ أخاه المسلم"، أي: يكفيه من الشرِّ احتقار أخيه لو لم يكن عنده شرٌّ غيره، ووسَّط ﷺ بين النهي عن الاحتقار وبيان عظمَ شرِّه قوله ﷺ : "التقوى ههنا" مشيراً إلى صدره ثلاث مرَّات، أي إلى القلب؛ لبيان أنَّ العبرة بما يقوم في القلوب من الإيمان والتقوى، وأنَّه قد يكون قلبُ مَن احتُقر معموراً بالتقوى، ويكون قلبُ مَن احتقره وتكبَّر عليه بخلاف ذلك، وأمَّا ما يقوله بعضُ مَن يقع في المعاصي الظاهرة إذا نبِّه على شيء منها أشار إلى صدره، وقال: "التقوى ههنا"، فيُقال له: إنَّ التقوى إذا صارت في القلب ظهر أثرُها على الجوارح بالاستقامة وترك المعصية، وقد قال ﷺ : "ألا إنَّ في الجسد مُضغة إذا صلحت صلح الجسد كلُّه وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه، ألا وهي القلب"، وقال ﷺ : "إنَّ الله لا
стр. 133
ينظر إلى صوَركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" رواه مسلم (٢٥٦٤) ، وجاء عن بعض السلف أنَّه قال: "ليس الإيمان بالتمنِّي ولا بالتحلِّي، ولكن ما وقر في القلوب وصدَّقته الأعمال".
٣ قوله: "كلُّ المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه"، يحرم الاعتداء على النفس بالقتل أو ما دونه، والاعتداء على المال بالسرقة والغصب وغير ذلك، والاعتداء على العِرض بالسبِّ والشتم والغيبة والنميمة وغير ذلك، وقد أكَّد النَّبيُّ ﷺ تحريم هذه الثلاثة في حجَّة الوداع، قارناً حرمتها بحرمة الزمان والمكان، حيث قال ﷺ : "إنَّ دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا".
٤ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ تحريم التحاسد والتناجش والبيع على بيع أخيه، وكذا الشراء على شرائه، وكذا كلُّ ما يجلب العداوة والبغضاء بين المسلمين.
٢ النهي عن تعاطي أسباب البغضاء، وكذا كلُّ ما يترتَّب على ذلك من تقاطع وتهاجر بين المسلمين.
٣ حثُّ المسلمين جميعاً على أن يكونوا إخوةً متحابِّين متآلفين.
٤ أنَّ الأخوَّةَ بين المسلمين تقتضي إيصالَ الخير إليهم ودفع الضرر عنهم.
٥ أنَّه يحرم على المسلم لأخيه ظلمه وخذلانه واحتقاره والكذب عليه.
٦ بيان خطورة احتقار المسلم لأخيه، وأنَّ ذلك كافٍ للمحتقِر من الشرِّ، وإن لم يكن عنده شرٌّ سواه.
стр. 134
٧ أنَّ الميزانَ في التفاضل بين الناس التقوى، كما قال الله : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
٨ أنَّ التقوى محلُّها القلب، كما في هذا الحديث، وكما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾
٩ أنَّ التقوى في القلوب تظهر آثارُها على الجوارح، وبصلاح القلوب يصلح بقيَّة الجسد.
١٠ تحريم الاعتداء على المسلمين في دمائهم وأموالهم وأعراضهم.
стр. 135
الحديث السادس والثلاثون
عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "مَن نَفَّس عن مؤمن كُربةً مِن كُرَب الدنيا نَفَّس اللهٌ عنه كُربةً من كُرَبِ يوم القيامة، ومَن يَسَّر على مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عليه في الدنيا والآخرة، ومَن سَتَرَ مسلماً ستره اللهُ في الدنيا والآخرة، واللهُ في عَون العبد ما كان العبدُ في عون أخيه، ومَن سَلَكَ طريقاً يَلتمس فيه علماً سَهَّلَ اللهُ له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله يتلون كتابَ الله ويتدارسونه بينهم إلاَّ نزلت عليهم السكينةُ، وغَشيتهم الرحمةُ، وحفَّتهم الملائكةُ، وذكَرَهم الله فيمَن عنده، ومَن بَطَّأَ به عملُه لَم يُسرع به نسبُه" رواه مسلم بهذا اللفظ.
١ قوله: "مَن نَفَّس عن مؤمن كُربةً مِن كُرَب الدنيا نَفَّس اللهٌ عنه كُربةً من كُرَبِ يوم القيامة"، الكُربةُ هي الشدَّة والضيق، وتنفيسها إزالتُها، والجزاء على تنفيس كربة في الدنيا أن ينفَّس عنه كُربة من كُرب
стр. 136
يوم القيامة، والجزاءُ من جنس العمل، ولا شكَّ أنَّ الجزاءَ فيه أعظم؛ لشدَّة كُرَب يوم القيامة وعظم الفائدة للمكروب في تنفيسها.
٢ قوله: " ومَن يَسَّر على مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عليه في الدنيا والآخرة"، وهذا أيضاً الجزاءُ فيه من جنس العمل، والعمل هو التيسير على المُعسر، وذلك بإعانته على إزالة عُسرته، فإن كان مَديناً ساعده بإعطائه ما يقضي به دينه، وإن كان الدَّين له أنظره إن لم يُبْرئه منه، والإبراء خيرٌ من الإنظار؛ لقول الله : ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، وقد بيَّن ﷺ أنَّ الجزاءَ على التيسير تيسيرٌ يحصل في الدنيا والآخرة.
٣ قوله: "ومَن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة"، وهذا أيضاً العمل فيه ستر في الدنيا، والجزاء عليه سترٌ في الدنيا والآخرة، والسترُ هو إخفاء العيب وعدم إظهاره، فمَن كان معروفاً بالاستقامة وحصل منه الوقوع في المعصية نوصِحَ وسُتر عليه، ومَن كان معروفاً بالفساد والإجرام، فإنَّ السترَ عليه قد يهوِّن عليه إجرامه، فيستمر عليه ويتمادى فيه، فالمصلحةُ في مثل هذا عدم الستر عليه؛ ليحصل له العقوبة التي تزجره عن العَوْد إلى إجرامه وعدوانه.
٤ قوله: "والله في عون العبد ما كان العبدُ في عون أخيه"، هذا فيه الحثُّ على إعانة المسلم أخاه المسلم، وأنَّه كلَّما حصل منه العون لإخوانه فإنَّه يحصِّل بذلك عون الله وتسديده، وهي كلمة جامعة من جوامع كلم الرسول ﷺ .
٥ قوله: "ومَن سلك طريقاً يلتمسُ فيه علماً سهَّل الله له به طريقاً
стр. 137
إلى الجنَّة"، فيه الحثُّ على طلب العلم الشرعيِّ وسلوك الطرق الموصلة إلى تحصيله، سواء كان ذلك بالسفر لطلبه؛ أو بالأخذ بأسباب تحصيله، من اقتناء الكتب المفيدة وقراءتها والاستفادة منها، وملازمة العلماء والأخذ عنهم وغير ذلك، والجزاء على ذلك من الله تسهيل الطريق التي يصل بها طالب العلم إلى الجنَّة، وذلك يكون بإعانته على تحصيل ما قصد، فيكون بذلك محصِّلاً للعلم، ويكون أيضاً بإعانته على العمل بما علمه من أحكام الشريعة، وذلك يفضي به إلى دخول الجنَّة.
٦ قوله: "وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلاَّ نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرَّحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمَن عنده"، بيوتُ الله هي المساجد، وإضافتها إلى الله إضافة تشريف، والمساجد هي أحبُّ البلاد إلى الله؛ لقوله ﷺ : "أحبُّ البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها" رواه مسلم (٦٧١) ، وفيه الحثُّ على الاجتماع في المساجد لتلاوة القرآن وتدارسه، ويكون ذلك بقراءة أحد المجتمعين والباقون يسمعون، وبقراءتهم بالتناوب ليقوِّم بعضُهم بعضاً في القراءة، ويستفيد كلُّ واحد منهم من غيره ما يحصِّل به إجادة القراءة وتدارك الخطأ إن وُجد، وإذا كان فيهم عالم بتفسيره علَّمهم، وإن كانوا من أهل العلم فيه تدارسوا معانيه، ورجعوا في ذلك إلى كتب التفسير في الرواية والدراية المبنية على ما كان عليه سلف هذه الأمَّة، والجزاء على الاجتماع في المساجد لتلاوة القرآن وتدارسه أربعة أمور، هي: نزول السكينة عليهم والطمأنينة، وأنَّ الرحمةَ تغشاهم، أي تشملهم وتغطِّيهم، وأنَّ الملائكة تحفُّهم أي: تحيط بهم، وأنَّ الله تعالى يذكرهم عند الملائكة.
стр. 138
٧ قوله: "ومَن بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه"، المعنى: مَن أخَّره عملُه عن دخول الجنَّة لم يسرع به نسبه إلى دخول الجنَّة؛ لأنَّ المعتبَر في ذلك الإيمان والتقوى، كما قال الله : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ، قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/٣٠٨) : "معناه أنَّ العملَ هو الذي يبلغ بالعبد درجات الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ ، فمَن أبطأ به عمله أن يبلغ به المنازل العالية عند الله تعالى لم يسرع به نسبه فيبلغه تلك الدرجات؛ فإنَّ الله رتَّب الجزاءَ على الأعمال لا على الأنساب، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ "، إلى أن قال: "وفي هذا المعنى يقول بعضهم:
لعمرك ما الإنسان إلاَّ بدينه فلا تترك التقوى اتِّكالاً على النسب
لقد رفع الإسلامُ سلمانَ فارسٍ وقد وضع الشرك النسيبَ أبا لهب".
٨ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ الترغيب في تنفيس الكرب في الدنيا، وأنَّ الله تعالى ينفِّس بها كرب يوم القيامة.
٢ أنَّ الجزاء من جنس العمل، فالعمل تنفيس كربة، والجزاء تنفيس كربة.
٣ الترغيب في التيسير على المعسرين، وأنَّ الجزاء عليه تيسير في الدنيا والآخرة.
٤ الترغيب في ستر العيوب حين تكون المصلحة في سترها، وأنَّ الجزاء عليها ستر في الدنيا والآخرة.
стр. 139
٥ الحثُّ على إعانة المسلم أخاه المسلم، وأنَّه كلَّما حصل منه العون لإخوانه فإنَّه يحصِّل بذلك عون الله وتسديده.
٦ بيان فضل طلب العلم الشرعي.
٧ فضل الاجتماع في المساجد لتلاوة القرآن وتدارسه.
٨ أنَّ الإيمانَ والعمل الصالح سبب دخول الجنَّة وبلوغ الدرجات العالية عند الله .
٩ أنَّ شرف النَّسب بدون عمل صالح لا يفيد صاحبَه عند الله.
стр. 140
الحديث السابع والثلاثون
عن ابن عباس ﵄، عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربِّه ﵎ قال: " إنَّ الله كتب الحسنات والسيِّئات، ثم بيَّن ذلك، فمَن هَمَّ بحسنة فلَم يعملها كتبها الله عنده حسنةً كاملة، وإن همَّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، وإن همَّ بسيِّئة فلَم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همَّ بها فعملها كتبها الله سيِّئة واحدة" رواه البخاري ومسلم في صحيحهما بهذه الحروف.
١ قوله: "إنَّ الله كتب الحسنات والسيِّئات، ثم بيَّن ذلك ... " إلخ، يُحتمل أن يكون المراد بالكتابة تقدير الله للأعمال والجزاء عليها على هذا التفصيل، ويُحتمل أن يُراد به كتابة الملائكة للحسنات والسيِّئات بأمر الله ، كما قال: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ
стр. 141
لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ، ويدلُّ لهذا ما جاء في حديث أبي هريرة في كتاب التوحيد من صحيح البخاري: "إذا أراد عبدي أن يعمل سيِّئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة"، ولا تنافي بين الكتابَتين؛ فإنَّ كلاًّ منهما حاصل.
٢ قوله: "فمَن هَمَّ بحسنة فلَم يعملها كتبها الله عنده حسنةً كاملة، وإن همَّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة"، أكَّد كتابة الحسنة إذا همَّ بها ولم يعملها بأنَّها كاملة؛ لئلاَّ يُتوهَّم نقصانها؛ لأنَّها في الهمِّ لا في العمل، وبيَّن أنَّ المضاعفة في الفعل إلى عشرة أضعاف، وإلى ما هو أكثر من ذلك، وذلك من فضل الله وإحسانه إلى عباده، وفيه مضاعفة الجزاء على العمل، دون الجزاء على الهمِّ، وهو واضح، وأمَّا حديث: "نيَّةُ المؤمن خيرٌ من عمله" فهو ضعيف، ذكر ذلك الحافظ في الفتح (٤/٢١٩) ، وانظر السلسلة الضعيفة للألباني (٢٧٨٩) .
٣ قوله: "وإن همَّ بسيِّئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همَّ بها فعملها كتبها الله سيِّئة واحدة"، وُصفت الحسنةُ على ترك المعصية المهموم بها بأنَّها كاملة؛ لئلاَّ يُتوهَّم نقصانها، ووُصفت السيِّئة المعمولة بواحدة؛ لئلاَّ يُتوهَّم زيادتها، وهذا من فضل الله وعدله، والثواب على ترك السيِّئة التي همَّ بها يحصل إذا كان تركها من أجل الله، أمَّا إذا كان حريصاً على فعل السيِّئة وقلبه متعلِّق بها، وهو مُصمِّم على فعلها لو قدر على ذلك، فهو مؤاخَذٌ على ذلك، قال ابن كثير في تفسيره عند تفسير قوله تعالى من سورة الأنعام: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ
стр. 142
عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ "واعلم أنَّ تاركَ السيِّئة الذي لا يعملها على ثلاثة أقسام: تارة يتركها لله، فهذا تُكتب له حسنة على كفِّه عنها لله تعالى، وهذا عمل ونيَّة، ولهذا جاء أنَّه يُكتب له حسنة، كما جاء في بعض ألفاظ الصحيح: "فإنَّه تركها من جرائي"، أي: من أجلي، وتارة يتركها نسياناً وذهولاً عنها، فهذا لا له ولا عليه؛ لأنَّه لم يَنْوِ خيراً ولا فَعَلَ شرًّا، وتارة يتركها عَجزاً وكسلاً عنها بعد السعي في أسبابها والتلبُّس بما يقرب منها، فهذا بمنزلة فاعلها، كما جاء في الحديث الصحيح عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله! هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنَّه كان حريصاً على قتل صاحبه".
٤ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ إثبات كتابة الحسنات والسيِّئات.
٢ أنَّ من فضل الله مضاعفة ثواب الحسنات.
٣ من عدل الله ألاَّ يُزاد في السيِّئات.
٤ أنَّ الله يُثيب على الهمِّ بالحسنة إذا لم يعملها بكتابتها حسنة كاملة.
٥ أنَّ مَن همَّ بسيِّئة وتركها من أجل الله يكتب له بتركها حسنة كاملة.
٦ الترغيب في فعل الحسنات والترهيب من فعل السيِّئات.
стр. 143
الحديث الثامن والثلاثون
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله تعالى قال: مَن عادى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مِمَّا افترضته، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحبَبْتُه كنتُ سمعَه الذي يَسمع به، وبصرَه الذي يُبصر به، ويدَه التي يَبطشُ بها، ورِجلَه التي يَمشي بها، ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه" رواه البخاري.
١ قوله: "من عادى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحرب"، هذا الحديث من الأحاديث القدسية التي يرويها الرسول ﷺ عن ربِّه، وقد أفرد الشوكاني شرحه في كتاب سمَّاه"قطر الوَلْي بشرح حديث الولي"، وأولياء الله هم المؤمنون المتَّقون، كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ومعنى"آذنتُه بالحرب"أعلمته أنَّني محاربٌ له، وهو يدلُّ على خطورة معاداة أولياء الله، وأنَّه من الكبائر.
٢ قوله: "وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مِمَّا افترضت عليه" في هذه الجملة وما بعدها بيان أنَّ ولاية الله إنَّما تحصل بالتقرُّب إليه بأداء الفرائض، والإتيان مع ذلك بالنوافل، وهو يدلٌُّ على أنَّ التقرُّبَ بأداء الفرائض أحبُّ إلى الله من النوافل؛ لأنَّ في ذلك فعل ما أوجب الله وترك ما حرَّم الله، والآتي بالواجبات التارك للمحرَّمات هو المقتصد، ومَن أتى بها وأتى بالنوافل معها فهو السابق بالخيرات.
стр. 144
٣ قوله: "ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه" إلخ، النوافل هي الإتيان بالأعمال الصالحة زيادة على الفرائض، وفعلها مع الاستمرار عليها يجلب محبَّة الله ، وإذا حصلت له المحبَّة ظفر بتسديد الله في تصرفاته، فلا يسمع إلاَّ ما هو حق، ولا يرى إلاَّ ما هو حق، ولا ينال إلاَّ ما هو حق، ولا يَمشي إلاَّ إلى ما هو حق، وأكرمه الله بإجابة دعوته إذا دعاه، وإعاذته مِمَّا استعاذه منه.
٤ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ بيان فضل أولياء الله، وشدَّة خطر معاداتهم.
٢ أنَّ ولايةَ الله تحصل بأداء الفرائض وفعل النوافل.
٣ أنَّ أحبَّ ما يُتقرَّب إلى الله به أداء الفرائض.
٤ إثبات صفة المحبَّة لله .
٥ تفاوت الأعمال في محبَّة الله إيَّاها.
٦ أنَّ فعل النوافل بعد أداء الفرائض يجلب محبَّة الله .
٧ أنَّ من ظفر بمحبَّة الله سدَّده في سمعه وبصره وبطشه ومشيه.
٨ أنَّ محبَّة الله تجلب للعبد إجابة دعائه وإعاذته مِمَّا يخاف.
٩ أنَّ ثوابَ الله للعبد يكون بإجابة مطلوبه والسلامة من مرهوبه.
стр. 145
الحديث التاسع والثلاثون
عن ابن عباس ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الله تجاوز لي عن أمَّتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه" حديث حسن، رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما.
١ أمَّةُ نبيِّنا محمد ﷺ أمَّتان: أمَّة دعوة وأمَّة إجابة، فأمَّة الدعوة هم كلُّ إنسيٍّ وجنيٍّ من حين بعثته إلى قيام الساعة، وأمَّة الإجابة هم الذين وفَّقهم الله للدخول في دينه الحنيف وصاروا من المسلمين، والمراد من الأمَّة في هذا الحديث أمَّة الإجابة، ومن أمثلة أمَّة الدعوة قوله ﷺ : "والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يَموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلاَّ كان من أصحاب النار" رواه مسلم (١٥٣) .
والخطأ: فعل الشيء من غير قصد، والنسيان: أن يكون ذاكراً لشيء فينساه عند الفعل، والإكراه: الإلجاء على قول أو فعل، والإثم مرفوع في هذه الثلاثة؛ وقد جاءت الأدلة من كتاب الله على رفع ذلك، قال الله : ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ، قال الله: "قد فعلت"أخرجه مسلم (١٢٦) ، وقال: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ، وقال: ﴿ِإلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً﴾ وأمَّا ما أتلفه لغيره فهو مضمون، كالقتل خطأ تجب فيه الدية مع الكفارة، وإذا أُكره على الزنا أو قَتْل معصوم فلا يجوز له ذلك؛ فلا يستبقي حياته بقتل غيره.
следующие страницы →