Полный текст (179 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
٣ قال ابن رجب في جامع العلوم الحكم (١/٣٨١ ٣٨٢) : "وهذا الحديث يدلُّ على وجوب الإحسان في كلِّ شيء من الأعمال، لكن إحسان كلِّ شيء بحسبه، فالإحسانُ في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنة الإتيانُ بها على وجه كمال واجباتها، فهذا القدر من الإحسان فيها واجب، وأمَّا الإحسان فيها بإكمال مستحبَّاتها فليس بواجب، والإحسانُ في ترك المحرَّمات، الانتهاءُ عنها وتركُ ظاهرها وباطنها، كما قال تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ ، فهذا القدرُ من الإحسان فيها واجبٌ، وأمَّا الإحسانُ في الصبر على المقدورات، فأن يأتي بالصبر عليها على وجهه، من غير تَسَخُّط ولا جَزَعٍ، والإحسانُ الواجب في معاملة الخَلق ومعاشرتهم، القيامُ بما أوجب الله من حقوق ذلك كلِّه، والإحسان الواجب في ولاية الخَلق وسياستهم، القيامُ بواجبات الولاية كلِّها، والقدرُ الزائد على الواجب في ذلك كلِّه إحسانٌ ليس بواجب، والإحسان في قتل ما يَجوز قتله من الناس والدَّواب، إزهاقُ نفسه على أسرع الوجوه وأسهلِها وأوحاها يعني أسرعها من غير زيادة في التعذيب، فإنَّه إيلامٌ لا حاجة إليه، وهذا النوعُ هو الذي ذكره النَّبيُّ ﷺ في هذا الحديث، ولعلَّه ذكَره على سبيل المثال، أو لحاجته إلى بيانه في تلك الحال، فقال: "إذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذبَحتم فأحسنوا الذِّبحة"، والقِتلةُ والذِّبحة بالكسر، أي: الهيئة، والمعنى: أحسنوا هَيئة الذَّبح وهيئةَ القتل، وهذا يدلُّ على وجوب الإسراعِ في إزهاق النفوس التي يُباح إزهاقُها على أسهل الوجوه".
٤ الإحسانُ في القتل مطلوب بدون تعذيب أو تمثيل، سواء كان في قتال الكفار أو القتل قصاصاً أو حدًّا، إلاَّ أنَّه عند القتل قصاصاً يُفعل
стр. 72
بالقاتل كما فَعَلَ بالمقتول، كما جاء عن النَّبيِّ ﷺ في قتل اليهوديِّ الذي رضَّ رأس جارية بين حَجرين، رواه البخاري (٢٤١٣) ، ومسلم (١٦٧٢) ، وكما جاء في قصة العُرنيِّين، رواه البخاري (٦٨٠٢) ، ومسلم (١٦٧١) ، وأمَّا ما جاء في حدِّ الزاني المُحصَن، وهو الرَّجم، فهو إمَّا مستثنَى من عموم هذا الحديث، أو محمول على أنَّ الإحسانَ يكون في موافقة الشرع، ورجم المحصَن منه.
٥ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ وجوب الإحسان في كلِّ شيء.
٢ وجوب الإحسان عند القتل بسلوك أيسر سبيل لإزهاق النفس.
٣ وجوب الإحسان عند ذبح الحيوان كذلك.
٤ تفقد آلة الذَّبح قبل مباشرته؛ لقوله ﷺ : "وليُحدِّ أحدُكم شفرته، وليُرح ذبيحَتَه".
стр. 73
الحديث الثامن عشر
عن أبي ذر جُندب بن جُنادة وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنهما، عن رسول الله ﷺ قال: "اتَّق الله حيثما كنت، وأتْبع السيِّئةَ الحسنةَ تَمحُها، وخالِق الناسَ بخُلُق حسن" رواه الترمذي، وقال: " حديث حسن"، وفي بعض النسخ: "حسن صحيح".
١ هذا الحديث اشتمل بجُملِه الثلاث على ما هو مطلوب من المسلم لربِّه ولنفسه ولغيره.
стр. 74
٢ قوله: "اتَّق الله حيثما كنت"، أصلُ التقوى في اللغة: أن يجعل بينه وبين الذي يخافه وقاية تقيه منه، مثل اتِّخاذ النِّعال والخفاف للوقاية مِمَّا يكون في الأرض من ضرر، وكاتِّخاذ البيوت والخيام لاتِّقاء حرارة الشمس، ونحو ذلك، والتقوى في الشرع: أن يجعلَ الإنسانُ بينه وبين غضب الله وقاية تقيه منه، وذلك بفعل المأمورات وترك المنهيات، وتصديق الأخبار، وعبادة الله وفقاً للشرع، لا بالبدع والمحدثات، وتقوى الله مطلوبةٌ في جميع الأحوال والأماكن والأزمنة، فيتَّقي الله في السرِّ والعلن، وبروزه للناس واستتاره عنهم، كما جاء في هذا الحديث: "اتَّق الله حيثما كنت".
٣ قوله: "وأتْبع السيِّئة الحسنةَ تَمحُها"، عندما يفعل المرءُ سيِّئةً فإنَّه يتوب منها، والتوبةُ حسنة، وهي تجبُّ ما قبلها من الكبائر والصغائر، ويكون أيضاً بفعل الحسنات، فإنَّها تمحو الصغائر، وأمَّا الكبائر فلا يمحوها إلاَّ التوبة منها.
٤ قوله: "وخالِق الناسَ بخُلُق حسن"، فإنَّه مطلوب من الإنسان أن يُعامل الناسَ جميعاً معاملة حسنة، فيُعاملهم بمثل ما يحبُّ أن يُعاملوه به؛ لقوله ﷺ : "لا يؤمن أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه"، وقوله ﷺ : "فمَن أحبَّ أن يُزحزح عن النار ويُدخل الجنَّة، فلتأته منيَّتُه وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحبُّ أن يُؤتَى إليه"، فقد وصف الله نبيَّه ﷺ بأنَّه على خُلُق عظيم، وجاء عن عائشة ﵂ أنَّ خلقَه ﷺ القرآن، رواه مسلم (٧٤٦) ، أي: أنَّه يقوم بتطبيق ما فيه، وجاء في السنة أحاديث كثيرة تدلُّ على فضل حسن الخُلُق، وتحثُّ على التخلُّق بالأخلاق الحسنة، وتحذِّر من الأخلاق السيِّئة.
стр. 75
٥ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ كمال نصح الرسول ﷺ لأمَّته، ومن ذلك ما اشتمل عليه هذا الحديث من هذه الوصايا الثلاث العظيمة الجامعة.
٢ الأمر بتقوى الله في جميع الأحوال والأمكنة والأزمان.
٣ الحثُّ على إتباع السيِّئات بالحسنات.
٤ أنَّ الحسنات تمحو السيِّئات.
٥ الحثُّ على مخالقة الناس بالأخلاق الحسنة.
стр. 76
الحديث التاسع عشر
عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال كنت: خلف النَّبيِّ ﷺ يوماً فقال لي: "يا غلام! إنِّي أعلِّمك كلمات: احفظ اللهَ يَحفظك، احفظ اللهَ تَجده تجاهك، إذا سألتَ فاسأل اللهَ، وإذا استعنتَ فاستعِن بالله، واعلم أنَّ الأمَّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لَم ينفعوك إلاَّ بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضرُّوك بشيء لَم يضروك إلاَّ بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلامُ وجَفَّت الصُّحف" رواه الترمذي وقال: "حديث حسن صحيح"، وفي رواية غير الترمذي: "احفظ الله تَجده أمامَك، تعرَّف إلى الله في الرَّخاء يعرفك في الشِّدَّة، واعلم أنَّ ما أخطأك لَم يكن ليصيبَك، وما أصابَك لَم يكن لِيُخطئك، واعلمْ أنَّ النَّصرَ مع الصبر، وأنَّ الفَرَجَ مع الكَرْبِ، وأنَّ مع العُسر يُسراً".
стр. 77
١ قوله: "احفظ الله يحفظك"، أي: احفظ حدود الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وتصديق الأخبار، وعبادته وفقاً لِمَا شرع، لا بالأهواء والبدع، يحفظك الله في أمور دينك ودُنياك جزاءً وفاقاً، أي: أنَّ الجزاءَ من جنس العمل، فالعملُ حفظٌ والجزاءُ حفظٌ.
٢ قوله: "احفظ الله تجده تجاهك" تُجاهك بمعنى أمامك، كما في الرواية الأخرى: "احفظ الله تجده أمامك"، والمعنى: تجده يحوطُك ويرعاك في أمور دينك ودنياك.
٣ قوله: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله"، هذا مطابقٌ لقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ؛ فإنَّ سؤال الله دعاء، والدعاءُ هو العبادة، والمعنى أنَّ المسلمَ يعبد الله وحده، ويسأله قضاء حاجاته، ويستعين به في جميع أموره الدنيوية والأُخروية، ويأخذ بالأسباب المشروعة، ويسأل الله أن ينفع بالأسباب، كما قال ﷺ : "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز" رواه مسلم (٢٦٦٤) .
٤ قوله: "واعلم أنَّ الأمَّة لو اجتمعت على أن ينفعوك" إلى قوله: "رُفعت الأقلام وجفَّت الصُّحف"، بعد أن ذكر أنَّ السؤال لله وحده والاستعانة بالله وحده، أخبرَ أنَّ كلَّ شيء بيده، وأنَّه لا مانع لِمَا أعطى، ولا مُعطي لِمَا منع، وأنَّ كلَّ شيء لا يخرج عن إرادته ومشيئته، وأنَّ العبادَ لا يُمكنهم أن ينفعوه بشيء لم يُقدِّره الله، ولا أن يضرُّوه بشيء لم يُقدِّره الله، وأنَّ كلَّ شيء يقع أو لا يقع سبق به القضاء والقدر، ولهذا قال: "رُفعت الأقلام وجفَّت الصحف"، أي: أنَّ كلَّ كائن قد فُرغ منه وكُتب، ولا بدَّ من وقوعه، والمراد برفع الأقلام وجفاف الصُّحُف الانتهاء من كلِّ شيء مقدَّر بكتابته في اللوح المحفوظ، فلا بدَّ أن
стр. 78
يقع وفقاً لِمَا قُدِّر، وهذه الجُمَل فيها إثبات الإيمان بالقدر، وهو أحد أصول الإيمان الستة المبيًَّنة في حديث جبريل المشهور.
٥ قوله: "تعرَّف إلى الله في الرَّخاء يعرفك في الشدَّة"، المعنى: أنَّ مَن أخلصَ عملَه لله في حال رخائه وسعته يجدُ الخيرَ من الله، ودَفْعَ الضرِّ عنه في حال شدَّته وكربه، كما قال الله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ، وقال: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ، وكما في قصَّة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار، فانحدرت صخرةٌ وسدَّت باب الغار، وتوسَّلوا إلى الله بأعمال لهم صالحة عملوها في حال رخائهم، فتوسَّل أحدُهم ببرِّه والديه، وتوسَّل الثاني بحفظه للأمانة وتنميتها وردِّها لصاحبها، وتوسَّل الثالث بتركه الفاحشة من أجل الله بعد قُدرته عليها، فكشف الله ما بهم من كرب، وأزال ما حلَّ بهم من ضرر، فتزحزحت الصخرةُ حتَّى تمكَّنوا من الخروج من ذلك الغار، رواه البخاري (٥٩٧٤) ، ومسلم (٢٧٤٣) .
٦ قوله: "واعلم أنَّ ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليُخطئك"، المعنى: أنَّ ما قدَّر الله سلامتك منه فإنَّه لا يحصل لك، وما قدَّر حصوله لك فلا بدَّ من وقوعه؛ لأنَّه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وكلُّ شيء قدَّر الله حصولَه لا بدَّ أن يوجد ولا يتخلَّف، وكلُّ شيء لم يُقدَّر لك، لا سبيل إلى حصولك عليه ووصولك إليه.
٧ قوله: "واعلم أنَّ النَّصرَ مع الصبر، وأنَّ الفرَج مع الكرب، وأنَّ مع العُسر يسراً"، في هذه الجُمل الثلاث بيان حصول النصر مع الصبر، والفرَج مع الكرب، واليُسر مع العُسر، وأنَّ الصبرَ ينتجُ عنه النَّصر بإذن الله،
стр. 79
وأنَّ الكربَ والشدَّة يكشفها الله بالفرَج الذي يعقبها، وأنَّ العُسر يعقبه اليسر من الله .
٨ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ أنَّ مَن حفظ حدودَ الله حفظه في دينه ودنياه.
٢ أنَّ مَن أضاع حدودَ الله لا يحصل له الحفظُ من الله، كما قال: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾
٣ أنَّ الجزاءَ من جنس العمل، فالعمل حفظ، والجزاء حفظ.
٤ أنَّ العبدَ يخصُّ ربَّه بالعبادة والاستعانة.
٥ الإيمان بالقدر.
٦ أنَّ العبادَ لا ينفعون ولا يضرُّون إلاَّ إذا كان النفعُ والضَّرر مقدَّرَين من الله.
٧ أنَّه لا يحصل لأحد نفعٌ إلاَّ إذا كان مقدَّراً، ولا يندفع عنه ضرر إلاَّ إذا كان مقدَّراً، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
٨ أنَّ الصبر يعقبه النصر.
٩ أنَّ الكرب يعقبه الفرَج.
١٠ أنَّ العُسرَ يعقبه اليُسر.
١١ تواضعه ﷺ وملاطفته الصغار.
١٢ التقديم بين يدي ذكر الأمر المهمِّ بما يحفز النفوس إليه؛ لقوله: "ألاَ أعلِّمك كلمات".
стр. 80
الحديث العشرون
عن أبي مسعود عُقبة بن عمرو الأنصاري البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ مِمَّا أدرك الناس من كلام النُّبوة الأولى: إذا لَم تستح فاصنع ما شئتَ" رواه البخاري.
١ الحديث يدلُّ على أنَّ الحياءَ ممدوحٌ، وكما هو في هذه الشريعة فهو في الشرائع السابقة، وأنَّه من الأخلاق الكريمة التي توارثتها النبوات حتى انتهت إلى هذه الأمَّة، والأمر فيه للإباحة والطلب إذا لم يكن المستحيا منه ممنوعاً شرعاً، وإن كان ممنوعاً فهو للتهديد، أو أنَّ مثل ذلك لا يحصل إلاَّ مِمَّن ذهب حياؤه أو قلَّ، قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/٤٩٧) : "فقوله ﷺ : "إنَّ مِمَّا أدرك الناس من كلام النبوة الأولى" يشير إلى أنَّ هذا مأثورٌ عن الأنبياء المتقدِّمين، وأنَّ الناس تداولوه بينهم وتوارثوه عنهم قرناً بعد قرن، وهذا يدلُّ على أنَّ النبوةَ المتقدِّمة جاءت بهذا الكلام، وأنَّه اشتهر بين الناس حتى وصل إلى أوَّل هذه الأمَّة".
إلى أن قال: "وقوله: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" في معناه قولان:
أحدهما: أنَّه ليس بمعنى الأمر أن يصنعَ ما شاء، ولكنَّه على معنى الذمِّ والنهي عنه، وأهلُ هذه المقالة لهم طريقان، أحدهما: أنَّه أمرٌ بمعنى التهديد والوعيد، والمعنى: إذا لم يكن لك حياءٌ فاعمل ما شئتَ، فإنَّ الله يجازيك عليه، كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ، وقوله: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ ... هذا اختيارُ جماعة منهم أبو العباس ثعلب.
стр. 81
والطريق الثاني: أنَّه أمرٌ ومعناه الخبر، والمعنى: أنَّ مَن لم يستح صَنعَ ما شاء، فإنَّ المانعَ مِن فعل القبائح هو الحياء، فمَن لم يكن له حياءٌ انهمك في كلِّ فحشاء ومنكر، وما يَمتنع من مثله مَن له حياء على حدِّ قوله ﷺ : "من كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار"، فإنَّ لفظَه لفظُ الأمر، ومعناه الخبر، وأنَّ مَن كذب عليه تبوأ مقعده من النار، وهذا اختيار أبي عُبيد القاسم بن سلام ﵀ وابن قتيبة ومحمد بن نصر المروزي وغيرهم، وروى أبو داود عن الإمام أحمد ما يدلُّ على مثل هذا القول ...
والقول الثاني في معنى قوله: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) أنَّه أمرٌ بفعل ما يشاء على ظاهر لفظه، والمعنى إذا كان الذي تريد فعله مِمَّا لا يستحيا مِن فعله لاَ من الله ولا من الناس؛ لكونه من أفعال الطاعات أو مِن جميل الأخلاق والآداب المستحسنة، فاصنع منه حينئذ ما شئتَ، وهذا قول جماعة من الأئمة منهم أبو إسحاق المروزي الشافعي وحكي مثله عن الإمام أحمد".
وقال (١/٥٠١ ٥٠٢) : "واعلم أنَّ الحياء نوعان: أحدهما ما كان خُلُقاً وجِبلَّةً غير مكتسب، وهو مِن أجل الأخلاق التي يَمنحها الله العبد ويجبله عليها، ولهذا قال ﷺ : (الحياءُ لا يأتي إلاَّ بخير) ؛ فإنَّه يَكُفُّ عن ارتكاب القبائح ودناءة الأخلاق، ويَحثُّ على استعمال مكارم الأخلاق ومعاليها، فهو مِن خصال الإيمان بهذا الاعتبار ...
والثاني: ما كان مكتسَباً مِن معرفة الله ومعرفة عَظمته وقربه من عباده، واطِّلاعه عليهم وعلمه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، فهذا مِن
стр. 82
أعلى خصال الإيمان بل هو مِن أعلى درجات الإحسان ...
وقد يتولَّد الحياءُ من الله مِن مطالعة نعمه ورؤية التقصير في شكرها، فإذا سُلب العبدُ الحياء المكتسب والغريزي لم يبق له ما يمنعه من ارتكاب القبيح والأخلاق الدنيئة، فصار كأنَّه لا إيمان له".
٢ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ أنَّ خلق الحياء من الأخلاق الكريمة المأثورة عن النبوات السابقة.
٢ الحثُّ على الحياء والتنويه بفضله.
٣ أنَّ فقدَ الحياء يوقع صاحبَه في كلِّ شر.
стр. 83
الحديث الواحد والعشرون
عن أبي عَمرو وقيل أبي عَمرة سفيان بن عبد الله ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! قُل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك؟ قال: "قل آمنتُ بالله، ثم استقم" رواه مسلم.
١ أصحابُ رسول الله ﷺ أشدُّ الناس حرصاً على معرفة الدِّين، وهم أسبقُ إلى كلِّ خير، وهذا السؤال من سفيان بن عبد الله ﵁ واضحٌ في ذلك؛ إذ سأل النَّبيَّ ﷺ هذا السؤال العظيم، الذي يريد جوابه جامعاً واضحاً لا يحتاج فيه إلى أحد بعد رسول الله ﷺ .
٢ أجاب النَّبيُّ ﷺ هذا الصحابيَّ بجواب قليل اللفظ واسع المعنى، وهو من جوامع كلمه ﷺ ، فقال: "قل آمنتُ بالله، ثم استقم"، فأمره
стр. 84
أن ينطق بلسانه بإيمانه بالله الشامل للإيمان به ، وبما جاء عنه في كتابه وسنة رسوله ﷺ ، فيدخل في ذلك الأمور الباطنة والأمور الظاهرة؛ لأنَّ الإيمانَ والإسلامَ من الألفاظ التي إذا جُمع بينها في الذِّكر قُسِّم المعنى بينهما، وصار للإيمان الأمورُ الباطنة، وللإسلام الأمورُ الظاهرة، وإذا أُفرد أحدُهما عن الآخر كما هنا شمل الأمورَ الباطنة والظاهرة، وبعد إيمانه ويقينه وثباته أُمر بالاستقامة على هذا الحقِّ والهُدى والاستمرار على ذلك، كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ، أي: دوموا على طاعة الله وطاعة رسوله، حتى إذا وافاكم الأجل يوافيكم وأنتم على حال حسنة، وقد بيَّن الله في كتابه ثواب مَن آمن واستقام، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ، وقال:. ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
٣ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ حرص الصحابة على السؤال عن أمور دينهم.
٢ حُسن السؤال من سفيان بن عبد الله الدَّال على كمال عقله ورغبته في الوصية الجامعة.
٣ الإيمانُ بالله وبما جاء في كتابه وسنَّة رسوله ﷺ .
٤ ملازمة الاستقامة على الحقِّ والهدى حتى بلوغ الأجل.
стр. 85
الحديث الثاني والعشرون
عن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاريِّ ﵄: أنَّ رجلاً سأل رسول الله ﷺ ، فقال: "أرأيتَ إذا صلَّيتُ المكتوبات، وصُمتُ رمضان، وأحللتُ الحلال، وحرَّمتُ الحرامَ، ولَم أزد على ذلك شيئاً، أدخل الجنَّة؟ قال: نعم" رواه مسلم، ومعنى حرَّمت الحرام: اجتنبته، ومعنى أحللت الحلال: فعلته معتقداً حلَّه.
١ جاء في بعض طرق الحديث في صحيح مسلم (١٥) تسمية الرَّجل السائل النعمان بن قَوقَل.
٢ قول السائل: "أرأيت"معناه: أخبرني إذا فعلت هذه الأمور أدخل الجنَّة؟
٣ الأمور التي سأل عن دخوله الجنَّة إذا فعلها: الصلاة، والصيام، وإحلال الحلال، وتحريم الحرام، وليس فيها ذكر الزكاة والحج، فيُحتمل أنَّ الحجَّ لم يُذكر لأنَّه لم يكن قد فُرض، ولم تُذكر الزكاة لاحتمال أن يكون فقيراً ليس عنده مال يُزكَّي، ويحتمل أن تكون الزكاة والحجُّ داخلين تحت إحلال الحلال وتحريم الحرام.
٤ في الحديث ذكر القيام بالواجبات، وليس فيه ذكر المستحبَّات، ومَن كان كذلك فهو المقتصد في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ، وفعل الواجبات وترك المحرَّمات سبب في دخول الجنَّة، لكن الإتيان بالنوافل مع الفرائض يكمَّل بها الفرائض إذا لم يكن
стр. 86
أتَمَّها، وجاء بذلك حديث صحيح عن رسول الله ﷺ ، رواه أبو داود (٨٦٤) ، والترمذي (٤١٣) ، وابن ماجه (١٤٢٥) ، وأيضاً فالنوافل هي كالسياج للفرائض، ومَن كان محافظاً عليها كان أشدَّ محافظة على الفرائض، ومَن تساهل بها قد يجرُّه ذلك إلى الإخلال بالفرائض.
٥ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ حرص الصحابة على معرفة الأعمال التي تُدخِل الجنَّة.
٢ أنَّ الأعمال سبب في دخول الجنَّة.
٣ بيان أهميَّة الصلوات الخمس، وقد جاء في الحديث أنَّها عمود الإسلام.
٤ بيان أهميَّة صيام رمضان.
٥ أنَّ المسلمَ يُحلُّ الحلالَ معتقداً حلَّه، ويجتنب الحرام معتقداً حرمته.
٦ بيان بطلان قول من زعم من الصوفية أنَّ الإنسانَ لا يعبد الله رغبة في الجنَّة وخوفاً من النار، وقد قال عن خليله: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾
стр. 87
الحديث الثالث والعشرون
عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الطُّهورُ شَطْرُ الإيمان، والحمدُ لله تَملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تَملآن أو تَملأُ ما بين السماء والأرض، والصلاةُ نور، والصدقةُ برهان، والصبرُ ضياء، والقرآنُ حجَّةٌ لك أو عليك، كلُّ الناس يغدو، فبائعٌ نفسه فمُعتقها أو موبقها" رواه مسلم.
١ الطُّهور فُسِّر بترك الشِّرك والذنوب والمعاصي والتخلِّي عنها، وفُسِّر بالوضوء للصلاة، وفسِّر الإيمانُ بالصلاة، كما قال الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، ويرجِّحُ تفسيرَ"الطُّهور"بالوضوء روايةُ الترمذي للحديث (٣٥١٧) ، وفيه بدل"الطهور""الوضوء"، ورواية ابن ماجه (٢٨٠) بلفظ: "إسباغ الوضوء"، والشطر فُسِّر بالنصف، وفسِّر بالجزء، وإن لم يكن نصفاً، وشرط الصلاة الوضوء كما جاء في الحديث: "لا تُقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول" رواه مسلم (٢٢٤) ، والطُّهور بالضمِّ اسمٌ للفعل وهو التطهُّر، وبالفتح اسمٌ للماء الذي يُتطَّهر به، ومثل ذلك لفظ الوضوء والسحور والوجور والسعوط.
٢ قوله: "والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تَملآن أو تَملأ ما بين السماء والأرض"، الميزان: هو ميزان الأعمال، وهو يدلُّ على فضل التحميد والتسبيح، والتسبيح هو تنزيه الله عن كلِّ نقص، والتحميد وصفُه بكلِّ كمال.
стр. 88
وقوله: "تملآن أو تملأ" يحتمل أن يكون مَلأُ ما بين السموات والأرض للتسبيح والتحميد معاً أو لأحدهما، ويُحتمل أنَّ مَلأَ ما بين السماء والأرض لهما معاً، والخبر جاء على الشكِّ من الراوي، هل هو بالتثنية أو بدونها.
٣ قوله: "والصلاة نور" يشمل النور في القلب، والنور في الوجه، ونور الهداية، والنور يوم القيامة.
٤ قوله: "والصدقة برهان" أي: دليل على إيمان صاحبها وصِدقه؛ وذلك أنَّ النفوسَ تشحُّ بالمال، فمَن وُقي شحَّ نفسه وتصدَّق كان علامةً على إيمانه، ولأنَّ المنافق قد يُصلي رياء، ولا تسمح نفسه بإخراج الصدقة لبخله وحرصه على المال.
٥ قوله: "والصبر ضياء" أي: الصبر على الطاعات ولو شقَّت على النفوس، وعن المعاصي ولو مالت إليها النفوس، وعلى أقدار الله المؤلمة فلا يجزع ولا يتسخَّط، وحصول ذلك من المسلم يدلُّ على قوة إيمانه ونور بصيرته، ولهذا وُصف الصبر بأنَّه ضياء.
٦ قوله: "والقرآنُ حجَّةٌ لك أو عليك"، أي أنَّ القرآنَ إمَّا حُجَّة للإنسان إذا قام بما يجب عليه وما هو مطلوب منه في القرآن، من تصديق الأخبار، وامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، وتلاوته حقَّ تلاوته، وإمَّا حُجَّة عليه إذا أعرض عنه ولم يقُم بما هو مطلوب منه، ومثل هذا الحديث قوله ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه (٨١٧) : "إنَّ الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضَع به آخرين".
стр. 89
٧ قوله: "كلُّ الناس يغدو، فبائعٌ نفسه فمُعتقها أو موبقها"، معناه: أنَّ الناسَ يغدون ويسعون، فينقسمون إلى قسمين؛ قسم يبيع نفسَه على الله، بفعل الطاعات واجتناب المعاصي، فيُعتقُها بذلك من النار، ويُبعدها عن إضلال الشيطان وإغوائه، وقسمٌ يُوبقها بارتكاب الذنوب والمعاصي؛ وذلك بوقوعه في الشهوات المحرَّمة التي توصله إلى النار.
٨ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ بيان فضل الطُّهور.
٢ بيان فضل التحميد والتسبيح.
٣ إثبات الميزان ووزن الأعمال.
٤ فضل الصلاة، وأنَّها نورٌ في الدنيا والآخرة.
٥ فضل الصدقة، وأنَّها علامةٌ على إيمان صاحبها.
٦ فضل الصبر، وأنَّه ضياءٌ للصابرين.
٧ الحثُّ على العناية بالقرآن تعلُّماً وتدبُّراً وعملاً؛ ليكون حُجَّة للإنسان.
٨ التحذيرُ من الإخلال بما يجب نحو القرآن؛ لئلاَّ يكون حجَّة عليه.
٩ الحثُّ على كلِّ عمل صالح يُعتق الإنسانُ نفسَه به من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
١٠ التحذير من كلِّ عمل سيِّء يجعل صاحبَه من أولياء الشيطان، ويُفضي بصاحبه إلى النار.
стр. 90
الحديث الرابع والعشرون
عن أبي ذر الغفاريِّ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ فيما يرويه عن ربه أنَّه قال: "يا عبادي! إنِّي حرَّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلته بينكم مُحرَّماً، فلا تظالَموا، يا عبادي! كلُّكم ضالٌّ إلاَّ مَن هَديته، فاستهدوني أهْدِكم، يا عبادي! كلُّكم جائعٌ إلاَّ مَن أطعمته، فاستطعموني أُطْعمكم، يا عبادي! كلُّكم عارِ إلاَّ مَن كَسوته، فاستكسوني أَكْسُكُم، يا عبادي! إنَّكم تُخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفرُ الذنوبَ جميعاً، فاستغفروني أغفرْ لكم، يا عبادي! إنَّكم لن تَبلُغوا ضُرِّي فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنسَكم وجِنَّكم كانوا على أتقى قلبِ رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في مُلكي شيئاً، يا عبادي! لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنسَكم وجِنَّكم كانوا على أفجَر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من مُلكي شيئاً، يا عبادي! لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنسَكم وجِنَّكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيتُ كلَّ واحد مسألتَه، ما نقص ذلك مِمَّا عندي إلاَّ كما ينقص المِخْيَط إذا أُدخل البحر، ياعبادي! إنَّما هي أعمالُكم أُحصيها لكم، ثمَّ أوَفِّيكم إيَّاها، فمَن وَجَدَ خيراً فليحمَد الله، ومَن وَجَدَ غيرَ ذلك فلا يَلُومنَّ إلاَّ نفسه" رواه مسلم.
١ قوله: "عن النَّبيِّ ﷺ فيما يرويه عن ربِّه"هذا من الأحاديث القدسية، وهذه العبارة من العبارات التي يُعبَّر بها عن الحديث القدسي، ومثلها عبارة: "قال الله فيما يرويه عنه رسوله ﷺ "، والحديث القدسي هو ما يسنده رسول الله ﷺ إلى ربِّه تعالى ويضيفه
стр. 91
إليه، ويشتمل على ضمائر التكلُّم التي تعود إليه .
٢ قوله: "يا عبادي! إنِّي حرَّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلته بينكم مُحرَّماً، فلا تظالَموا"، الظلم وضعُ الشيء في غير موضعه، وقد حرَّمه الله على نفسه ومنَعها منه، مع قدرته عليه وعلى كلِّ شيء، فلا يقع منه الظلم أبداً؛ لكمال عدله ، قال الله : ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ﴾ ، وقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً﴾ ، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ ، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً﴾ ، أي: لا يخاف نقصاً من حسناته ولا زيادة في سيّئاته، أو تحميله سيِّئات غيره، ونفيُ الظلم عن الله في هذه الآيات متضمِّنٌ إثبات كمال عدله سبحانه، قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/٣٦) : "وكونُه خَلَقَ أفعالَ العباد وفيها الظلم لا يقتضي وصفه بالظلم ، كما أنَّه لا يُوصف بسائر القبائح التي يفعلها العباد، وهي خَلْقُهُ وتقدِيرُه، فإنَّه لا يُوصَف إلاَّ بأفعاله، لا يوصف بأفعال عباده، فإنَّ أفعالَ عباده مخلوقاته ومفعولاته، وهو لا يوصف بشيء منها، إنَّما يوصف بما قام به مِن صفاته وأفعاله، والله أعلم".
وقد حرَّم الله تعالى على عباده الظلم، فلا يظلمُ أحد نفسَه ولا يظلم غيرَه.
٣ قوله: "يا عبادي! كلُّكم ضالٌّ إلاَّ مَن هَديته، فاستهدوني أهْدِكم"، قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/٣٩ ٤٠) : "قد ظنَّ بعضُهم أنَّه معارض لحديث عياض بن حمار عن النَّبيِّ ﷺ : (يقول الله : خلقت عبادي حُنفاء وفي رواية: مسلمين فاجتالتهم
стр. 92
الشياطين) ، وليس كذلك، فإنَّ الله خلق بني آدم وفطَرَهم على قبول الإسلام والميل إليه دون غيره، والتهيؤ لذلك والاستعداد له بالقوَّة، لكن لا بدَّ للعبد من تعليم الإسلام بالفعل، فإنَّه قبل التعليم جاهلٌ لا يعلم شيئاً، كما قال : ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ ، وقال لنبيِّه ﷺ : ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى﴾ ، والمراد وَجَدَك غيرَ عالِم بما علَّمك من الكتاب والحكمة، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ﴾ ، فالإنسانُ يُولَد مفطوراً على قبول الحقِّ، فإن هداه الله سبَّب له مَن يعلِّمه الهدى، فصار مهتدياً بالفعل، بعد أن كان مهتدياً بالقوة، وإن خذله الله قيَّض له مَن يعلِّمه ما يغيِّر فطرتَه، كما قال ﷺ : (كلُّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه ويُنَصِّرانه ويُمَجِّسانه) ".
وفي هذا الحديث الأمر بسؤال الله الهداية، وهي تشمل هداية الدلالة والإرشاد وهداية التوفيق والتسديد، وحاجة العباد إلى الهداية أشدُّ من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وقد جاء في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ، فهم يسألون الله أن يُثبِّتَهم على الهداية الحاصلة، وأن يزيدهم هدى على هدى.
٤ قوله: "يا عبادي! كلُّكم جائعٌ إلاَّ مَن أطعمته، فاستطعموني أُطْعمكم، يا عبادي! كلُّكم عار إلاَّ مَن كَسوته، فاسْتكسوني أَكْسُكُم"، في هاتَين الجملتين بيان شدَّة افتقار العباد إلى ربِّهم، وحاجتهم إليه في تحصيل أرزاقهم وكسوتهم، وأنَّ عليهم أن يسألوه طعامهم وكسوتهم.
стр. 93
٥ قوله: "يا عبادي! إنَّكم تُخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفرُ الذنوبَ جميعاً، فاستغفروني أغفرْ لكم"، أوجب الله على العباد امتثال الأوامر واجتناب المنهيات، والعباد يحصل منهم التقصير في أداء ما وجب عليهم، والوقوع في شيء مِمَّا نُهوا عنه، وطريق السلامة من ذلك رجوعهم إلى الله، وتوبتهم من ذنوبهم، وسؤال الله أن يغفرها لهم، وفي الحديث: "كلُّ بني آدم خطَّاء، وخير الخطَّائين التوَّابون" حديث حسن، أخرجه ابن ماجه (٤٢٥١) وغيرُه.
٦ قوله: "يا عبادي! إنَّكم لن تَبلُغوا ضُرِّي فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني"، قال ابن رجب (٢/٤٣) : "يعني أنَّ العبادَ لا يقدرون أن يوصلوا نفعاً ولا ضرًّا؛ فإنَّ الله تعالى في نفسه غنيٌّ حميد، لا حاجة له بطاعات العباد، ولا يعود نفعها إليه، وإنَّما هم ينتفعون بها، ولا يتضرَّر بمعاصيهم، وإنَّما هم يتضرَّرون بها، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً﴾ ، وقال: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً﴾ ".
٧ قوله: "يا عبادي! لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنسَكم وجِنَّكم كانوا على أتقى قلبِ رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في مُلكي شيئاً، يا عبادي! لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنسَكم وجِنَّكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً"، في هاتين الجملتين بيان كمال ملك الله ، وكمال غناه عن خلقه، وأنَّ العبادَ لو كانوا كلُّهم على أتقى ما يكون أو أفجر ما يكون، لَم يزد ذلك في ملكه شيئاً، ولم ينقص شيئاً، وأنَّ تقوى كلّ إنسان إنَّما تكون نافعةً لذلك المتَّقي، وفجورَ كلّ فاجر إنَّما يكون ضررُه عليه.
стр. 94
٨ قوله: "يا عبادي! لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنسَكم وجِنَّكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيتُ كلَّ واحد مسألتَه، ما نقص ذلك مِمَّا عندي إلاَّ كما ينقص المِخْيَط إذا أُدخل البحر"، هذا يدلُّ على كمال غنى الله وافتقار عباده إليه، وأنَّ الجنَّ والإنسَ لو اجتمعوا أوَّلُهم وآخرُهم، وسأل كلٌّ ما يريد، وحقَّق الله لهم ذلك، لم ينقص ذلك مِمَّا عند الله إلاَّ كما ينقص المِخيَط إذا أُدخل البحر، والمعنى أنَّه لا يحصل نقصٌ أصلاً؛ لأنَّ ما يعلق بالمخيَط وهو الإبرة من الماء لا يُعتبَر شيئاً، لا في الوزن ولا في رأي العين.
٩ قوله: "ياعبادي! إنَّما هي أعمالُكم أُحصيها لكم، ثمَّ أوَفِّيكم إيَّاها، فمَن وَجَدَ خيراً فليحمَد الله، ومَن وَجَدَ غيرَ ذلك فلا يَلُومنَّ إلاَّ نفسه"، الناسُ في هذه الحياة مكلَّفون بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، وكلُّ ما يحصل منهم من عمل خيراً أو شرًّا فهو مُحصًى عليهم، وسيجدُ كلٌّ أمامه ما قدَّم، إن خيراً فخير، وإن شرًّا فشر، قال الله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ ، فمَن قدَّم خيراً وجد ثوابه أمامه، والثواب من فضل الله على العبد، وفعل الخير في الدنيا هو من توفيق الله للعبد، فله الفضل أوَّلاً وآخراً، ومَن وَجَدَ أمامه غير الخير فإنَّما أُتي العبد من قبل نفسه ومعصيته لربِّه وجنايته على نفسه، فإذا وجد أمامه العذاب فلا يلومنَّ إلاَّ نفسه.
١٠ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ أنَّ من الأحاديث ما يرويه الرسول ﷺ عن ربِّه يشتمل على ضمائر التكلُّم ترجع إلى الله، ويُقال له الحديث القدسي.
стр. 95
٢ تحريم الله الظلم على نفسه وتنزيهه عنه، مع إثبات كمال ضدِّه وهو العدل.
٣ تحريم الله الظلم على العباد لأنفسهم ولغيرهم.
٤ شدَّة حاجة العباد إلى سؤال ربِّهم الهُدى والطعام والكسوة وغير ذلك من أمور دينهم ودنياهم.
٥ أنَّ الله يحبُّ من عباده أن يسألوه كلَّ ما يحتاجون إليه من أمور الدنيا والدِّين.
٦ كمال ملك الله ، وأنَّ العبادَ لا يبلغون نفعه وضرَّه، بل يعود نفعُهم وضرُّهم إلى أنفسهم.
٧ أنَّ العباد لا يسلمون من الخطأ، وأنَّ عليهم التوبة من ذلك والاستغفار.
٨ أنَّ التقوى والفجور يكونان في القلوب؛ لقوله: "على أتقى قلب رجل"، و"على أفجر قلب رجل".
٩ أنَّ ملكَ الله لا تزيده طاعة المطيعين، ولا تنقصه معاصي العاصين.
١٠ كمال غنى الله وكمال ملكه، وأنَّه لو أعطى عبادَه أوَّلَهم وآخرَهم كلَّ ما سألوه لم ينقص من ملك الله وخزائنه شيئاً.
١١ حثُّ العباد على الطاعة، وتحذيرهم من المعصية، وأنَّ كلَّ ذلك محصى عليهم.
١٢ أنَّ من وفَّقه الله لطريق الخير ظفر بسعادة الدنيا والآخرة، والفضل لله للتوفيق لسلوك سبيل الهُدى، ولحصول الثواب على ذلك.
١٣ أنَّ مَن فرَّط وأساء العمل ظفر بالخسران، وندم حيث لا ينفع النَّدم.
стр. 96
الحديث الخامس والعشرون
عن أبي ذر ﵁ أيضاً: أنَّ أناساً من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا للنَّبيِّ ﷺ : "ذهب أهلُ الدُّثور بالأجور، يُصلُّون كما نصلِّي، ويصومون كما نصوم، ويتصدَّقون بفضول أموالهم، قال: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدَّقون؟ إنَّ بكلِّ تسبيحة صدقة، وكلِّ تكبيرة صدقة، وكلِّ تحميدة صدقة، وكلِّ تهليلة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بُضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدُنا شهوتَه ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر" رواه مسلم.
١ أصحابُ رسول الله ﷺ أحرصُ الناس على كلِّ خير، وأسبقهم إلى كلِّ خير، يتنافسون في الأعمال الصالحة، ويحبُّ بعضُهم أن يلحق في الأجر بمن سبقه منهم، ولهذا ذكر جماعة من فقراء أصحاب رسول الله ﷺ مشاركتهم للأغنياء بالصلاة والصيام، وكون الأغنياء تميَّزوا عليهم بالصدقة بفضول أموالهم، وقد أرشدهم النَّبيُّ ﷺ إلى أنَّ هناك أنواعاً من الصدقات يقدر الفقراء على الإتيان بها، كالأذكار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
٢ الصدقات التي أرشد النَّبيُّ ﷺ الفقراء إلى الإتيان بها تنقسم إلى قسمين:
قسم يقتصر نفعه عليهم، وهو التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل، وقسم يتعدَّاهم إلى غيرهم، يكون نفعه لهم ولغيرهم، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجماع.
стр. 97
٣ أنَّ ما يأتيه الإنسان من المباحات التي فيها حظُّ للنفس تكون قربةً بالنيَّة الصالحة، مثل قضاء الإنسان شهوته إذا قصد بذلك إعفاف نفسه وإعفاف أهله وتحصيل الأولاد.
٤ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ حرص الصحابة على فعل الأعمال الصالحة والتنافس في الخيرات.
٢ أنَّ الصدقة لا تقتصر على الصدقة بالمال، وإن كانت أصلاً في ذلك.
٣ الحثُّ على التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل، وأنَّ ذلك صدقة من المسلم على نفسه.
٤ أنَّ مَن عجز عن فعل شيء من الطاعات لعدم قدرته عليه، فإنَّه يُكثر من الطاعات التي يقدر عليها.
٥ الحثُّ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنَّه صدقةٌ من المسلم على نفسه وعلى غيره.
٦ أنَّ قضاءَ الإنسان شهوته بنيَّة صالحة يكون صدقة منه على نفسه وعلى غيره.
٧ مراجعة العالِم فيما قاله للتثبُّت فيه.
٨ إثبات القياس؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ شبَّه ثبوت الأجر لِِمَن قضى شهوته في الحلال بحصول الإثم لِمَن قضاها في الحرام، والذي في هذا الحديث من قبيل قياس العكس.
стр. 98
الحديث السادس والعشرون
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كلُّ سُلامى من الناس عليه صدقة كلَّ يوم تطلع فيه الشمس، تَعدلُ بين اثنين صدقة، وتعين الرَّجل في دابَّته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعَه صدقة، والكلمةُ الطيِّبة صدقة، وبكلِّ خطوة تَمشيها إلى الصلاة صدقة، وتُميط الأذى عن الطريق صدقة" رواه البخاري ومسلم.
١ قوله: "كلُّ سُلامى من الناس عليه صدقة كلَّ يوم تطلع فيه الشمس" السلامى المفاصل، وهي ستون وثلاثمائة، جاء تفسيرها بذلك في صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ (١٠٠٧) ، والمعنى أنَّ كلَّ يوم تطلع فيه الشمس فعلى جميع تلك السلامى صدقة في ذلك اليوم، ثم ذكر بعد ذلك أمثلة مِمَّا تحصل به الصدقة، وهي فعلية وقولية، وقاصرة ومتعدِّية، وجاء في صحيح مسلم من حديث أبي ذر (٧٢٠) : "ويُجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى"؛ وذلك أنَّ صلاةَ هاتين الركعيتن يحصل بهما تحرك المفاصل في هذه العبادة وهي الصلاة، فتكون مجزئة عن الصدقات في هذا اليوم.
٢ كلُّ قُربة يأتي بها الإنسانُ سواء كانت قولية أو فعلية فهي صدقة، وما ذكره النَّبيُّ ﷺ في هذا الحديث هو من قبيل التمثيل لا الحصر، فالعدل بين الاثنين يكون في الحكم أو الصلح بين متنازعين بالعدل، وهو قوليٌّ متعدٍّ، وإعانة الرَّجل في حمله على دابَّته أو حمل متاعه عليها هو فعليٌّ متعدٍّ، وقول الكلمة الطيِّبة يدخل تحته كلُّ كلام طيِّب
стр. 99
من الذِّكر والدعاء والقراءة والتعليم والأمر والمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك، وهو قوليٌّ قاصرٌ ومتعدٍّ، وكلُّ خطوة يمشيها المسلم إلى الصلاة صدقة من المسلم على نفسه، وهو فعليٌّ قاصر، وإماطة الأذى عن الطريق من شوك أو حجر أو زجاج وغير ذلك، وهو فعليٌّ متعدٍّ.
٣ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ أنَّ على كلِّ سلامى من الإنسان كلَّ يوم صدقة، سواء كانت قاصرة أو متعدِّية.
٢ الحثُّ على الإصلاح بين متنازعين بالعدل.
٣ حثُّ المسلم على إعانة غيره بما يحتاج إليه، كحمله على دابَّته أو حمل متاع عليها.
٤ الترغيب في كلِّ كلام طيِّب من ذكر وقراءة وتعليم ودعوة وغير ذلك.
٥ فضل المشي إلى المساجد، وقد جاء في حديث آخر أنَّه يُكتب له مَمشاه في ذهابه وإيابه، رواه مسلم (٦٦٣) .
٦ فضل إماطة الأذى عن الطريق، وقد جاء في حديث آخر أنَّه من شعب الإيمان، رواه مسلم (٥٨) .
стр. 100
الحديث السابع والعشرون
عن النواس بن سمعان ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "البرُّ حُسن الخُلق، والإثمُ ما حاك في النفس وكرهتَ أن يطَّلع عليه الناس" رواه مسلم.
وعن وابصة بن معبَد ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ ، فقال: "جئتَ تسأل عن البرِّ والإثم؟ قلت: نعم! قال: استفت قلبَك، البرُّ ما اطمأنت إليه النفس واطمانَّ إليه القلب، والإثمُ ما حاك في النفس وتردَّد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك" حديث حسن، رويناه في مسندي الإمامَين أحمد بن حنبل والدارمي بإسناد حسن.
١ حديث النواس رواه مسلم، وحديث وابصة رواه أحمد والدارمي وفي إسناده مقال، لكن له شواهد بأسانيد جيِّدة، ذكرها الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم، وهو في الجملة مُماثل لحديث النواس بن سمعان.
٢ البرُّ كلمةٌ جامعة تشمل الأمور الباطنة التي في القلب والأمور الظاهرة التي تكون على اللسان والجوارح، وآية ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ واضحة الدلالة على ذلك؛ فإنَّ أوَّلَها مشتمل على الأمور الباطنة، وآخرَها مشتمل على الأمور الظاهرة، ويُطلق البرُّ على خصوص برِّ الوالدين، لا سيما إذا قُرن بالصلة، فإنَّه يُراد بهما بر الوالدين وصلة الأرحام، ويأتي البرُّ مقروناً بالتقوى، كما في قول الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ، فعند اجتماعهما كما في هذه الآية يُفسَّر البرُّ بفعل الطاعات، والتقوى بترك المنهيات، فإذا أُفرد أحدهما
стр. 101
عن الآخر بالذِّكر شمل المعنيين جميعاً، وهذا نظير الإسلام والإيمان، والفقير والمسكين.
٣ جاء في حديث النواس "البرُّ حسن الخلق" وحُسنُ الخُلُق يحتمل أن يكون المراد به خصوص الخلق الكريم المعروف بهذا الاسم، ويكون تفسير البرِّ به لأهميَّته وعظيم شأنه، وهو نظير "الدِّين النصيحة"، و "الحجُّ عرفة"، ويُمكن أن يُراد به العموم والشمول لكلِّ ما هو خير، ويدلُّ عليه وصف أمِّ المؤمنين عائشة ﵂ لِخُلق الرسول ﷺ بأنَّه القرآن، والمعنى أنَّه يتأدَّب بآدابه، ويمتثل أوامره، ويجتنب نواهيه.
٤ قوله: "والإثمُ ما حاك في نفسك وكرهت أن يطَّلع عليه الناس"، من الإثم ما يكون واضحاً جليًّا، ومنه ما يحوك في الصدر ولا تطمئنُّ إليه النفس، ويكره الإنسانُ أن يطَّلع عليه الناس؛ لأنَّه مِمَّا يُستحيا من فعله، فيخشى صاحبُه ألسنةَ الناس في نيلهم منه، وهو شبيه بما جاء في الأحاديث الثلاثة الماضية: "فمَن اتَّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه"، و "دع ما يريبُك إلى ما لا يريبك"، و "إنَّ مِمَّا أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت".
والإثمُ يُراد به عموم المعاصي الواضحة والمشتبهة، ويأتي مقترناً بالعدوان، كما في قول الله : ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ، فيُفسَّر العدوان بالاعتداء والظلم، فيدخل فيه الاعتداء على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم.
٥ فُسِّر البرُّ في حديث وابصة بما اطمأنَّت إليه النفس واطمأنَّ إليه القلب، ولا يظهر لي فرقٌ بينهما، فقد تكون الجملة الثانية مؤكِّدةً
стр. 102
للجملة الأولى؛ لاتِّفاقهما في المعنى، وفُسِّر فيه الإثم بما يُقابل ذلك، وهو بمعنى ما فُسِّر به الإثم في حديث النواس.
٦ قوله في أول حديث وابصة: "استفت قلبك" وفي آخره: "وإن أفتاك الناس وأفتوك" يدلُّ على أنَّ ما كان فيه شبهة وريبة ولا يطمئنُّ إليه القلب، أنَّ السلامةَ في تركه ولو حصل إفتاء الناس به، والمقصود أنَّ من كان من أهل الإيمان يخاف الله ويتَّقيه فإنَّه لا يُقدِم على الشيء الذي لا يطمئنُّ إليه قلبه، وقد يكون الإفتاء مِمَّن لا علم عنده، وقد يكون مِمَّن عنده علم، ولكن ليس في المسألة دليل بيِّن يُعوَّل عليه في الفعل، أمَّا إذا كان في المسألة دليل من الكتاب والسنَّة فالمتعين المصير إليه، واستفتاء القلب لا يكون من أهل الفجور والمعاصي؛ فإنَّ من أولئك مَن قد يُجاهر بالمعاصي ولا يستحيي من الله ولا من خلقه، فمثل أولئك يقعون في الحرام البيِّن، ومن باب أولى المشتبه.
٧ ما جاء في حديث وابصة من إخبار النَّبيِّ ﷺ له بالذي جاء يسأل عنه قبل أن يُبدي سؤاله محمول والله أعلم على علم سابق للنَّبيِّ ﷺ باهتمام هذا الصحابيِّ بمعرفة البرِّ والإثم، فلعلَّه حصل له مراجعة النَّبيِّ ﷺ من قبل في شيء من ذلك.
٨ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ بيان عظم شأن حسن الخلق.
٢ أنَّ البرَّ والإثمَ من الكلمات الجامعة.
٣ أنَّ المسلمَ يُقْدِم في أمور دينه على فعل ما هو واضح الحلِّ دون ما هو مشتبه.
стр. 103
٤ أنَّ المؤمن الذي يخاف الله لا يفعل ما لا يطمئن إليه قلبه، ولو أُفتي به، ما لم يكن أمراً واضحاً في الشرع كالرخص.
٥ حرص الصحابة ﵃ على معرفة الحلال والحرام والبر والإثم.
стр. 104
الحديث الثامن والعشرون
عن أبي نجيح العرباض بن سارية ﵁ قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظةً بليغة وجلت منها القلوب، وذرَفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنَّها موعظةُ مودِّع فأوصِنا، قال: "أُوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة وإن تأمَّر عليكم عبد، فإنَّه مَن يَعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنَّتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديِّين، عضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ بدعة ضلالة" رواه أبو داود والترمذي، وقال: "حديث حسن صحيح".
١ قول العرباض: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظةً بليغة وجلت منها القلوب، وذرَفت منها العيون"، الموعظة ما كان من الكلام فيه ترغيب وترهيب، يؤَثّر على النفوس ويبلغ القلوب، فتوجل من مخافة الله، وقد وصف العرباض ﵁ هذه الموعظة بهذه الصفات الثلاث، التي هي البلاغة ووجل القلب وذرف العيون، قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/١١١) : "والبلاغة في الموعظة مستحسنة؛ لأنَّها أقربُ إلى قبول القلوب واستجلابها، والبلاغة هي التوصُّل إلى إفهام
стр. 105
المعاني المقصودة وإيصالها إلى قلوب السامعين بأحسن صورة من الألفاظ الدَّالة عليها، وأفصحها وأحلاها للأسماع وأوقعها في القلوب".
وقد وصف الله المؤمنين بوجل قلوبهم وذرف عيونهم عند ذكر الله، قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ، وقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾
٢ قوله: "قلنا: يا رسول الله! كأنَّها موعظة مودِّع فأوصنا"أي: أنَّ هذه الوصية تشبه موعظة المودِّع، لذا فقد طلب الصحابة الكرام وهم الحريصون على كلِّ خير وصيَّة جامعة يعهد بها إليهم رسول الله ﷺ ، يتمسَّكون بها ويُعوِّلون عليها؛ لأنَّ الوصيَّة عند الوداع لها وقع في النفوس، ولعلَّ هذه الموعظة كان فيها ما يشعر بالتوديع، لذا طلبوا هذه الوصيَّة.
٣ قوله: "أوصيكم بتقوى الله"، تقوى الله أن يجعل المرء بينه وبين غضب الله وقاية تقيه منه، وذلك بفعل الطاعات واجتناب المعاصي، وتصديق الأخبار، وهي وصيَّة الله للأولين والآخرين، كما قال الله : ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ ، وهي سبب كلِّ خير وفلاح في الدنيا والآخرة، ويأتي الأمر بتقوى الله في كثير من الآيات، لا سيما الآيات المبدوءة ب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ، وكذلك في وصايا رسول الله ﷺ لأصحابه.
٤ قوله: "والسمع والطاعة وإن تأمَّر عليكم عبد" وهي وصيَّة بالسمع والطاعة لولاة الأمور في غير معصية الله، ولو كان الأمير عبداً،
стр. 106
وقد أجمع العلماء على أنَّ العبدَ ليس أهلاً للخلافة، ويُحمل ما جاء في هذا الحديث وغيره من الأحاديث في معناه على المبالغة في لزوم السمع والطاعة للعبد إذا كان خليفة، وإن كان ذلك لا يقع، أو أنَّ ذلك يحمل على تولية الخليفة عبداً على قرية أو جماعة، أو أنَّه كان عند التولية حرًّا، وأُطلق عليه عبد باعتبار ما كان، أو على أنَّ العبدَ تغلَّب على الناس بشوكته واستقرَّت الأمور واستتبَّ الأمن؛ لِمَا في منازعته من حصول ما هو أنكر من ولايته.
٥ قوله: "فإنَّه مَن يعِش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً"، هذا من دلائل نبوَّته ﷺ ، حيث أخبر عن أمر مستقبَل وقع طبقاً لِمَا أخبر به ﷺ ؛ فإنَّ الذين طالت أعمارُهم من أصحاب النَّبيِّ ﷺ أدركوا اختلافاً كثيراً ومخالفة لِمَا كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، وذلك بظهور بعض فرق الضلال، كالقدرية والخوارج وغيرهم.
٦ قوله: "فعليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين المهديِّين، عضُّوا عليها بالنَّواجذ"، لَمَّا أخبر ﷺ بحصول التفرُّق وكثرته، أرشد إلى طريق السلامة والنجاة، وذلك بالتمسُّك بسنَّته وسنَّة خلفائه الراشدين، وخلفاؤه الراشدون هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، وقد وصف رسول الله ﷺ خلافتَهم بأنَّها خلافةُ نبوَّة، كما جاء في حديث سفينة ﵁: "خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي اللهُ الملكَ أو ملكَه من يشاء" رواه أبو داود (٤٦٤٦) وغيرُه، وهو حديث صحيح، أورده الألباني في السلسلة الصحيحة (٤٦٠) ، ونقل تصحيحه عن تسعة من العلماء، قال ابن رجب (٢/١٢٠) : "والسنَّة هي الطريقة المسلوكة، فيشمل ذلك التمسُّك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من
стр. 107
الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنَّة الكاملة، ولهذا كان السلف قديماً لا يطلقون اسم السنَّة إلاَّ على ما يشمل ذلك كلَّه، وروي معنى ذلك عن الحسن والأوزاعي والفضيل بن عياض، وكثير من العلماء المتأخرين يخصُّ اسمَ السنَّة بما يتعلَّق بالاعتقادات؛ لأنَّها أصلُ الدِّين، والمخالف فيها على خطر عظيم".
وقد حثَّ رسول الله ﷺ على التمسُّك بسنَّته وسنَّة خلفائه الراشدين بقوله: "فعليكم"، وهي اسم فعل أمر، ثم أرشد إلى شدَّة التمسُّك بها بقوله: "عضُّوا عليها بالنَّواجذ"، والنواجذ هي الأضراس، وذلك مبالغة في شدَّة التمسُّك بها.
٧ قوله: "وإيَّاكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ بدعة ضلالة"، في رواية أبي داود (٤٦٠٧) : "وإيَّاكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة"، محدثات الأمور ما أُحدِث وابتُدع في الدِّين مِمَّا لم يكن له أصل فيه، وهو يرجع إلى الاختلاف والتفرُّق المذموم الذي ذكره النَّبيُّ ﷺ بقوله: "فإنَّه مَن يَعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً"، وقد وصف النَّبيُّ ﷺ كلَّ البدع بأنَّها ضلال، فلا يكون شيءٌ من البدع حسناً؛ لعموم قوله: "وكل بدعة ضلالة"، وقد روى محمد بن نصر في كتابه السنة بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄ قال: "كلُّ بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة"، وذكر الشاطبي في الاعتصام عن ابن الماجشون قال: سمعت مالكاً يقول: "مَن ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أنَّ محمداً خان الرسالة؛ لأنَّ الله يقول: ﴿لْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ، فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً"، وقال أبو عثمان النيسابوري: "مَن أمَّر السنَّة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومَن أمَّر الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق
стр. 108
بالبدعة"، انظر: حلية الأولياء (١٠/٢٤٤) ، وأمَّا الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه (١٠١٧) : "مَن سنَّ في الإسلام سنَّة حسنة فله أجرها وأجر مَن عمل بها" فهو محمولٌ على القدوة الحسنة في الخير، كما هو واضح من سبب الحديث، وهو أنَّ رسول الله ﷺ حثَّ على الصدقة، فأتى رجلٌ من الأنصار بصُرَّة كبيرة، فتابعه الناسُ على الصدقة، فعند ذلك قال رسول الله ﷺ ما قال، وهو محمولٌ أيضاً على مَن أظهر سنَّة الرسول ﷺ وأحياها، كما حصل من عمر ﵁ في جمع الناس على صلاة التراويح في رمضان، فإنَّه إظهارٌ لسنَّته ﷺ ؛ لأنَّه ﷺ صلَّى بالناس قيام رمضان في بعض الليالي، وتركه خشية أن يُفرض عليهم، كما في صحيح البخاري (٢٠١٢) ، فلمَّا توفي رسول الله ﷺ ذهب ما كان يُخشى من الفرض لانقطاع التشريع بوفاته ﷺ ، فبقي الاستحباب، فأظهره عمر ﵁، وهو أيضاً من سنَّة الخلفاء الراشدين، وما جاء عنه ﵁ من قوله: "نعم البدعة"، كما في صحيح البخاري (٢٠١٠) يريد إظهار صلاة التراويح، يُراد به البدعة اللغوية، ومثل ذلك زيادة عثمان ﵁ الأذان يوم الجمعة، وقد وافقه عليه الصحابةُ ﵃، فهو من سنَّة الخلفاء الراشدين، وما جاء عن ابن عمر ﵄ أنَّه بدعة، فهو محمولٌ إن صحَّ على البدعة اللغوية.
٨ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ استحباب الموعظة والتذكير في بعض الأحيان؛ لِمَا في ذلك من التأثير على القلوب.
٢ حرص الصحابة ﵃ على الخير؛ لطلبهم الوصيَّة منه ﷺ .
стр. 109
٣ أنَّ أهمَّ ما يوصى به تقوى الله ، وهي طاعته بامتثال أمره واجتناب نهيه.
٤ أنَّ من أهمِّ ما يوصى به السمع والطاعة لولاة الأمور؛ لِمَا في ذلك من المنافع الدنيوية والأخروية للمسلمين.
٥ المبالغة في الحثِّ على لزوم السمع والطاعة، ولو كان الأمير عبداً.
٦ إخبار النَّبيِّ ﷺ عن وجود الاختلاف الكثير في أمَّته، ثم حصوله كما أخبر من دلائل نبوته ﷺ .
٧ أنَّ طريق السلامة عند الاختلاف في الدِّين لزوم سنَّته ﷺ وسنَّة الخلفاء الراشدين.
٨ بيان فضل الخلفاء الراشدين، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، وأنَّهم راشدون مهديُّون.
٩ التحذير من كلِّ ما أُحدث في الدِّين مِمَّا لم يكن له أصل فيه.
١٠ أنَّ البدع كلَّها ضلال، فلا يكون شيء منها حسناً.
١١ الجمع بين الترغيب والترهيب؛ لقوله في الترغيب: "فعليكم"، وفي الترهيب: "وإيَّاكم".
١٢ بيان أهميَّة الوصية بتقوى الله والسمع والطاعة لولاة الأمور، واتِّباع السنن وترك البدع؛ لكون النَّبيِّ ﷺ أوصى أصحابَه بها بعد قوله عن موعظته: "كأنَّها موعظة مودِّع فأوصنا".
стр. 110
الحديث التاسع والعشرون
عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يُدخلني الجنَّة ويُباعدني عن النار، قال: "لقد سألتَ عن عظيم، وإنَّه ليسير على مَن يسرَّه الله تعالى عليه؛ تعبد اللهَ لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألاَ أدلُّك على أبواب الخير؟ الصومُ جُنَّة، والصدقةُ تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماءُ النار، وصلاةُ الرجل في جَوف الليل، ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حتى بلغ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ ، ثم قال: ألاَ أخبرك برأس الأمر وعمودِه وذروة سَنَامه؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأسُ الأمر الإسلامُ، وعمودُه الصلاة، وذروة سَنَامه الجهاد، ثم قال: ألاَ أخبرك بمِلاكِ ذلك كلِّه؟ قلت: بلى يا رسول الله! فأخذ بلسانه، وقال: كُفَّ عليك هذا، قلت: يا نبيَّ الله! وإنَّا لمؤاخذون بما نتكلَّم به؟ فقال: ثكِلتك أمُّك! وهل يَكبُّ الناسَ في النَّار على وجوههم أو قال: على مناخرهم إلاَّ حصائدُ ألسنتهم؟ " رواه الترمذي وقال: "حديث حسن صحيح".
١ قوله: "قلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يُدخلني الجنَّة ويُباعدني عن النار"يدلُّ على حرص الصحابة على الخير ومعرفة الأعمال التي بها حصول الجنَّة والسلامة من النار، ويدلُّ على وجود الجنَّة والنار، وأنَّ أولياء الله يعملون الصالحات ليظفروا بالجنَّة ويسلموا من النار، وهذا بخلاف ما يقوله بعضُ الصوفية أنَّهم لا يعبدون الله رغبة في جنَّته ولا خوفاً من ناره، وهو باطل؛ لحرص الصحابة على معرفة الأعمال الموصلة إلى الجنَّة والمباعدة من النار، وقد قال الله عن خليله:
следующие страницы →