Полный текст (179 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الحديث الخامس
عن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ" رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم: "مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ".
١ هذا الحديث أصل في وزن الأعمال الظاهرة، وأنَّه لا يُعتدُّ بها إلاَّ إذا كانت موافقة للشرع، كما أنَّ حديث "إنَّما الأعمال بالنيات" أصلٌ في الأعمال الباطنة، وأنَّ كلّ عملٍ يتقرّب فيه إلى الله لا بدَّ أن يكون خالصاً لله، وأن يكون معتبراً بنيّته.
стр. 37
٢ إذا فُعلت العبادات كالوضوء والغسل من الجنابة والصلاة وغير ذلك، إذا فُعلت على خلاف الشرع فإنَّها تكون مردودة على صاحبها غير معتبرة، وأنَّ المأخوذ بالعقد الفاسد يجب ردّه على صاحبه ولا يُملك، ويدلُّ لذلك قصةُ العسيف الذي قال النَّبيُّ ﷺ لأبيه: "أمَّا الوليدة والغنم فردٌّ عليك" رواه البخاري (٢٦٩٥) ومسلم (١٦٩٧) .
٣ ويدلُّ الحديثُ على أنَّ من ابتدع بدعة ليس لها أصل في الشرع فهي مردودة، وصاحبها مستحق للوعيد، فقد قال النَّبيُّ ﷺ في المدينة: "من أحدث فيها حدَثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" رواه البخاري (١٨٧٠) ومسلم (١٣٦٦) .
٤ الرواية الثانية التي عند مسلم أعمّ من الرواية التي في الصحيحين؛ لأنّها تشمل من عمل البدعة، سواء كان هو المحدث لها أو مسبوقاً إلى إحداثها وتابع من أحدثها.
٥ معنى قوله في الحديث: "ردّ" أي مردودٌ عليه، وهو من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول، مثل: خَلْق بمعنى مخلوق، ونَسْخ بمعنى منسوخ، والمعنى: فهو باطل غير معتد به.
٦ لا يدخل تحت الحديث ما كان من المصالح في حفظ الدين، أو موصلاً إلى فهمه ومعرفته، كجمع القرآن في المصاحف، وتدوين علوم اللغة والنحو، وغير ذلك.
٧ الحديث يدلّ بإطلاقه على ردِّ كلِّ عملٍ مخالفٍ للشرع، ولو كان قصدُ صاحبه حسناً، ويدل عليه قصّة الصحابي الذي ذبح أضحيته قبل صلاة العيد، وقال له النَّبيُّ ﷺ : " شاتُك شاة لحم" رواه البخاري (٩٥٥) ومسلم (١٩٦١) .
стр. 38
٨ هذا الحديث يدل بمنطوقه على أنَّ كلَّ عمل ليس عليه أمر الشارع فهو مردود، ويدل بمفهومه على أنَّ كلَّ عمل عليه أمره فهو غير مردود، والمعنى أنَّ من كان عمله جارياً تحت أحكام الشرع موافقاً لها فهو مقبول، ومن كان خارجاً عن ذلك فهو مردود.
٩ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ تحريم الابتداع في الدين.
٢ أنَّ العمل المبني على بدعة مردود على صاحبه.
٣ أنَّ النهي يقتضي الفساد.
٤ أنَّ العمل الصالح إذا أُتي به على غير الوجه المشروع، كالتنفل في وقت النهي بغير سبب، وصيام يوم العيد، ونحو ذلك، فإنَّه باطل لا يُعتدُّ به.
٥ أنَّ حكم الحاكم لا يُغيّر ما في باطن الأمر؛ لقوله: "ليس عليه أمرنا".
٦ أنَّ الصلح الفاسد باطل، والمأخوذ عليه مستحق الرد، كما في حديث العسيف.
стр. 39
الحديث السادس
عن أبي عبد الله النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: "إنَّ الحلالَ بيِّن، وإنَّ الحرامَ بيِّن، وبينهما أمورٌ مشتبهات لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناس، فمَن اتَّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومَن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحِمَى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإنَّ لكلِّ ملِك حِمى، ألا وإنَّ حِمى الله محارمه، ألا وإنَّ في الجسد مُضغة، إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه، ألا وهي القلب" رواه البخاري ومسلم.
١ قوله: "إنَّ الحلالَ بيِّن، وإنَّ الحرامَ بيِّن، وبينهما أمورٌ مشتبهات لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناس"، فيه تقسيم الأشياء إلى ثلاثة أقسام:
الأول: الحلالُ البيِّن، كالحبوب والثمار وبهيمة الأنعام، إذا لم تصل إلى الإنسان بطريق الحرام.
الثاني: الحرامُ البيِّن، كشرب الخمر وأكل الميتة ونكاح ذوات المحارم، وهذان يعلمهما الخاصُ والعام.
الثالث: المشتبهات المتردِّدة بين الحلِّ والحرمة، فليست من الحلال البيِّن ولا من الحرام البيِّن، وهذه لا يعلمها كثير من الناس، ويعلمها بعضُهم.
٢ قوله: "فمَن اتَّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومَن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحِمَى يوشك أن
стр. 40
يرتع فيه، ألا وإنَّ لكلِّ ملِك حِمى، ألا وإنَّ حِمى الله محارمه"، هذا يرجع إلى القسم الثالث، وهو المشتبهات، فيتجنَّبها الإنسانُ، وفي ذلك السلامة لدينه فيما بينه وبين الله، والسلامة لعرضه فيما بينه وبين الناس، فلا يكون لهم سبيل إلى النَّيل من عرضه بسبب ذلك، وإذا تساهل في الوقوع في المشتبهات قد يجرُّه ذلك إلى الوقوع في المحرَّمات الواضحات، وقد ضرب النَّبيُّ ﷺ لذلك المثل بالراعي يرعى حول الحِمى، فإنَّه إذا كان بعيداً من الحمى سلم من وقوع ماشيته في الحمى، وإذا كان قريباً منه أوشك أن تقع ماشيته فيه وهو لا يشعر.
والمراد بالحمى ما يحميه الملوك وغيرُهم من الأراضي المخصبة، ويَمنعون غيرَهم من قربها، فالذي يرعى حولها يوشك أن يقع فيها، فيعرض نفسه للعقوبة، وحِمى الله المحارم التي حرَّمها، فيجب على المرء الابتعاد عنها، وعليه أن يبتعد عن المشتبهات التي قد تؤدِّي إليها.
٣ قوله: "ألاَ وإنَّ في الجسد مُضغة، إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه، ألا وهي القلب"، المضغة: القطعة من اللحم على قدر ما يمضغه الآكل، وفي هذا بيان عظم شأن القلب في الجسد، وأنَّه ملك الأعضاء، وأنَّها تصلح بصلاحه، وتفسد بفساده.
٤ قال النووي: "قوله ﷺ : (فمَن وقع في الشبهات وقع في الحرام) يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يقع في الحرام وهو يظنُّ أنَّه ليس بحرام.
والثاني: أن يكون المعنى قد قارب أن يقع في الحرام، وكما قال:
стр. 41
المعاصي بريد الكفر؛ لأنَّ النفسَ إذا وقعت في المخالفة تدرَّجت من مفسدة إلى أخرى أكبر منها، قيل: وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ، يريد أنَّهم تدرَّجوا بالمعاصي إلى قتل الأنبياء، وفي الحديث: "لعن الله السارق يسرق البيضة فتُقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده"، أي: يتدرَّج من البيضة والحبل إلى السرقة".
٥ النعمان بن بشير ﵄ من صغار الصحابة، وقد توفي رسول الله ﷺ وعمره ثمان سنوات، وقد قال في روايته هذا الحديث: "سمعت رسول الله ﷺ يقول"، وهو يدلُّ على صحَّة تحمُّل الصغير المميِّز، وأنَّ ما تحمَّله في حال صغره، وأدَّاه في حال كبره، فهو مقبول، ومثله الكافر إذا تحمَّل في حال كفره، وأدَّى في حال إسلامه.
٦ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ بيان تقسيم الأشياء في الشريعة إلى حلال بيِّن، وحرام بيِّن، ومشتبه متردّد بينهما.
٢ أنَّ المشتبه لا يعلمه كثير من الناس، وأنَّ بعضَهم يعلم حكمَه بدليله.
٣ ترك إتيان المشتبه حتى يُعلم حلُّه.
٤ ضرب الأمثال لتقرير المعاني المعنوية بتشبيهها بالحسيَّة.
٥ أنَّ الإنسانَ إذا وقع في الأمور المشتبهة هان عليه أن يقع في الأمور الواضحة.
стр. 42
٦ بيان عظم شأن القلب، وأنَّ الأعضاءَ تابعةٌ له، تصلح بصلاحه وتفسد بفساده.
٧ أنَّ فسادَ الظاهر دليلٌ على فساد الباطن.
٨ أنَّ في اتِّقاء الشبهات محافظة الإنسان على دينه من النقص، وعرضه من العيب والثلب.
стр. 43
الحديث السابع
عن أبي رقية تَميم بن أوس الداري ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﵌ قال: "الدِّينُ النصيحة، قلنا: لِمَن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمَّة المسلمين وعامَّتهم" رواه مسلم.
١ قوله: "الدِّين النصيحة"، هذه كلمة جامعة تدلُّ على أهميَّة النصيحة في الدِّين، وأنَّها أساسه وعماده، ويدخل تحتها ما جاء في حديث جبريل من تفسير الرسول ﷺ الإسلام والإيمان والإحسان، وأنَّه سمَّى ذلك ديناً، وقال: "هذا جبريل أتاكم يعلِّمكم دينكم"، ويشبه هذه الجملة قوله ﷺ : "الحجُّ عرفة"؛ وذلك لأنَّه الركن الأعظم في الحجِّ، الذي يفوت الحجُّ بفواته.
٢ جاء في مستخرج أبي عوانة أنَّ النَّبيَّ ﷺ كرَّر هذه الجملة: "الدِّين النصيحة" ثلاثاً، وهي في صحيح مسلم بدون تكرار، ولَمَّا سمع الصحابة هذه العناية والاهتمام بالنصيحة، وأنَّها بهذه المنزلة
стр. 44
العظيمة، قالوا: لِمَن يا رسول الله؟ فأجابهم بالخمس المذكورة في الحديث، وقد جاء عن جماعة من أهل العلم تفسير هذه الخمس، ومن أحسن ذلك ما جاء عن أبي عمرو بن الصلاح في كتابه صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط، وحمايته من الإسقاط والسَّقط، قال (ص:٢٢٣ ٢٢٤) : "والنصيحة كلمةٌ جامعةٌ تتضمَّن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادةً وفعلاً، فالنصيحة لله ﵎: توحيدُه ووصفه بصفات الكمال والجلال جمع، وتنزيهه عمَّا يُضادُّها ويخالفها، وتجنُّب معاصيه، والقيام بطاعاته ومَحابِّه بوصف الإخلاص، والحبِّ فيه والبغض فيه، وجهاد مَن كَفَرَ به تعالى، وما ضاهى ذلك، والدعاء إلى ذلك والحثِّ عليه، والنصيحة لكتابه: الإيمانُ به وتعظيمه وتنزيهه، وتلاوته حقَّ تلاوته، والوقوف مع أوامره ونواهيه، وتفهُّم علومه وأمثاله، وتدبُّر آياته والدعاء إليه، وذبُّ تحريف الغالين وطعن الملحدين عنه، والنصيحة لرسوله ﷺ قريب من ذلك: الإيمانُ به وبما جاء به، وتوقيره وتبجيله، والتمسُّك بطاعته، وإحياء سنَّته، واستشارة "كذا وفيما نقله عنه ابن رجب: استثارة" علومها ونشرها، ومعاداة مَن عاداه وعاداها، وموالاة من والاه ووالاها، والتخلُّق بأخلاقه، والتأدُّب بآدابه، ومحبةُ آله وصحابته ونحو ذلك، والنصيحة لأئمة المسلمين، أي لخلفائهم وقادتهم: معاونتُهم على الحقِّ وطاعتُهم فيه، وتنبيههم وتذكيرهم برفق ولطف، ومجانبة الخروج عليهم، والدعاءُ لهم بالتوفيق، وحثُّ الأغيار على ذلك، والنصيحة لعامة المسلمين، وهم ها هنا مَن عدا أولى الأمر منهم: إرشادُهم إلى مصالحهم، وتعليمهم أمور دينهم
стр. 45
ودنياهم، وستر عوراتهم، وسدُّ خلاتهم، ونصرتهم على أعدائهم، والذَّبُّ عنهم، ومجانبة الغِش والحسد لهم، وأن يُحبَّ لهم ما يُحب لنفسه، ويكره لهم ما يكرهه لنفسه، وما شابه ذلك".
٣ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ بيان عظم شأن النصيحة وعظيم منزلتها من الدِّين.
٢ بيان لِمَن تكون النصيحة.
٣ الحثُّ على النصيحة في الخمس المذكورة في الحديث.
٤ حرص الصحابة على معرفة أمور الدِّين، وذلك بسؤالهم لِمَن تكون النصيحة.
٥ أنَّ الدِّينَ يُطلق على العمل؛ لكونه سمَّى النصيحة ديناً.
стр. 46
الحديث الثامن
عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنَّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمداً رسول الله، ويُقيموا الصلاةَ، ويؤتوا الزكاةَ، فإذا فعلوا ذلك عصموا منِّي دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقِّ الإسلام، وحسابُهم على الله تعالى" رواه البخاري ومسلم.
١ قوله: "أُمرت" الآمرُ لرسول الله ﷺ هو الله؛ لأنَّه لا آمر له غيره، وإذا قال الصحابي: أُمرنا بكذا، أو نُهينا عن كذا، فالآمر والناهي لهم رسول الله ﷺ .
стр. 47
٢ لَمَّا توفي رسول الله ﷺ ، واستُخلف أبو بكر ﵁، وارتدَّ مَن ارتدَّ من العرب، وامتنع مَن امتنع من دفع الزكاة، عزم أبو بكر ﵁ على قتالهم؛ بناءً على أنَّ من حقِّ الشهادتين أداء الزكاة، ولم يكن عنده الحديث بإضافة الصلاة والزكاة إلى الشهادتين، كما في هذا الحديث، فناظره عمر في ذلك، وجاءت المناظرة بينهما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم (٢٠) ، قال: "لَمَّا توفي رسول الله ﷺ ، واستُخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناسَ وقد قال رسول الله ﷺ : "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله، فمن قال لا إله إلاَّ الله فقد عصم منِّي مالَه ونفسه إلاَّ بحقِّه، وحسابهم على الله تعالى"، فقال أبو بكر: والله! لأقاتلنَّ مَن فرَّق بين الصلاة والزكاة؛ فإنَّ الزكاة حقُّ المال، والله! لو مَنَعوني عقالاً كانوا يؤدُّونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فوالله! ما هو إلاَّ أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنَّه الحقُّ".
قال الحافظ في الفتح (١/٧٦) : "وقد استبعد قومٌ صحته بأنَّ الحديثَ لو كان عند ابن عمر لَمَا ترك أباه ينازع أبا بكر في قتال مانعي الزكاة، ولو كانوا يعرفونه لَما كان أبو بكر يُقرُّ عمر على الاستدلال بقوله ﵊: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله" وينتقل عن الاستدلال بهذا النص إلى القياس؛ إذ قال: لأقاتلنَّ مَن فرَّق بين الصلاة والزكاة؛ لأنَّها قرينتُها في كتاب الله، والجواب: أنَّه لا يلزم من كون الحديث المذكور عند ابن عمر أن يكون استحضره في تلك الحالة، ولو كان مستحضراً له فقد يحتمل أن لا يكون حَضَر
стр. 48
المناظرةَ المذكورة، ولا يمتنع أن يكون ذكرَه لهما بعد، ولَم يستدلَّ أبو بكر في قتال مانعي الزكاة بالقياس فقط، بل أخذه أيضاً من قوله ﵊ في الحديث الذي رواه: "إلاَّ بحقِّ الإسلام"، قال أبو بكر: والزكاة حقُّ الإسلام، ولَم ينفرد ابن عمر بالحديث المذكور، بل رواه أبو هريرة أيضاً بزيادة الصلاة والزكاة فيه، كما سيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في كتاب الزكاة، وفي القصَّة دليلٌ على أنَّ السنَّةَ قد تخفي على بعض أكابر الصحابة ويطَّلع عليها آحادُهم، ولهذا لا يُلتفت إلى الآراء ولو قويت مع وجود سنة تخالفها، ولا يقال كيف خَفي ذا على فلان، والله الموفق".
٣ يُستثنى من عموم مقاتلة الناس حتى الإتيان بما ذكِر في الحديث: أهل الكتاب إذا دفعوا الجزية لدلالة القرآن، وغيرهم إذا دفعها لدلالة السنَّة على ذلك، كما في حديث بريدة بن الحُصيب الطويل في صحيح مسلم (١٧٣١) ، وأوله: "كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميراً على جيش أو سريَّة أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومَن معه من المسلمين خيراً.."الحديث.
٤ يكفي للدخول في الإسلام الشهادتان، وهما أوَّل واجب على المكلَّف، ولا التفات لأقوال المتكلِّمين في الاعتماد على أمور أخرى، كالنَّظر أو القصد إلى النظر، قال ابن دقيق العيد في شرح هذا الحديث: "وفيه دلالة ظاهرة لمذهب المحققين والجماهير من السلف والخلف أنَّ الإنسانَ إذا اعتقد دين الإسلام اعتقاداً جازماً، لا تردُّد فيه كفاه ذلك، ولا يجب عليه تعلُّم أدلَّة المتكلِّمين ومعرفة الله بها".
стр. 49
٥ المقاتلة على منع الزكاة تكون لِمَن امتنع منها وقاتل عليها، أمَّا إذا لم يقاتل فإنَّها تؤخذ منه قهراً.
٦ قوله: "وحسابهم على الله"، أي: أنَّ مَن أظهر الإسلامَ وأتى بالشهادتين فإنَّه يُعصم ماله ودمه، فإن كان صادقاً ظاهراً وباطناً نفعه ذلك عند الله، وإن كان الباطن خلاف الظاهر وكان أظهر ذلك نفاقاً، فهو من أهل الدَّرك الأسفل من النار.
٧ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ الأمر بالمقاتلة إلى حصول الشهادتين والصلاة والزكاة.
٢ إطلاق الفعل على القول؛ لقوله: "فإذا فعلوا ذلك"، ومِمَّا ذكِر قبله الشهادتان وهما قول.
٣ إثبات الحساب على الأعمال يوم القيامة.
٤ أنَّ مَن امتنع عن دفع الزكاة قوتل على منعها حتَّى يؤدِّيها.
٥ أنَّ مَن أظهر الإسلامَ قُبل منه، ووُكل أمر باطنه إلى الله.
٦ التلازم بين الشهادتين وأنَّه لا بدَّ منهما معاً.
٧ بيان عظم شأن الصلاة والزكاة، والصلاة حق البدن، والزكاة حقُّ المال.
стр. 50
الحديث التاسع
عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله تعالى عنه قال: سمعتُ رسول الله ﵌ يقول: "ما نهيتُكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم؛ فإنَّما أهلك مَن كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم" رواه البخاري ومسلم.
١ اتَّفق الشيخان على إخراج هذا الحديث، وهو بهذا اللفظ عند مسلم في كتاب الفضائل (١٧٣٧) ، وقد جاء بيان سبب الحديث عنده في كتاب الحج (١٣٣٧) عن أبي هريرة قال: "خطبنا رسول الله ﷺ فقال: أيُّها الناس! قد فرض الله عليكم الحجَّ فحُجُّوا، فقال رجل: أكلَّ عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله ﷺ : لو قلت نعم لوجبت، ولَمَا استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتُكم؛ فإنَّما هلك مَن كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتُكم عن شيء فدعوه".
٢ قوله: "ما نهيتُكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم" فيه تقييد امتثال الأمر بالاستطاعة دون النهي؛ وذلك أنَّ النهيَ من باب التروك، وهي مستطاعة، فالإنسانُ مستطيعٌ ألاَّ يفعل، وأمَّا الأمر فقد قُيِّد بالاستطاعة؛ لأنَّه تكليف بفعل، فقد يستطاع ذلك الفعل، وقد لا يُستطاع، فالمأمور يأتي بالمأمور به حسب استطاعته، فمثلاً لَمَّا نهي عن شرب الخمر، والمنهي مستطيع عدم شربها، والصلاة مأمور بها، وهو يصليها على حسب استطاعته من قيام وإلاَّ فعن جلوس، وإلاَّ فهو مضطجع، ومِمَّا يوضحه في الحسيَّات ما لو قيل لإنسان: لا تدخل
стр. 51
من هذا الباب، فإنَّه مستطيع ألاَّ يدخل؛ لأنَّه ترك، ولو قيل له: احمل هذه الصخرة، فقد يستطيع حملها وقد لا يستطيع؛ لأنَّه فعل.
٣ ترك المنهيات باق على عمومه، ولا يُستثنى منه إلاَّ ما تدعو الضرورة إليه، كأكل الميتة لحفظ النفس، ودفع الغصَّة بشرب قليل من الخمر.
٤ النهي الذي يجب اجتنابه ما كان للتحريم، وما كان للكراهة يجوز فعله، وتركه أولى من فعله.
٥ المأمور به يأتي به المكلَّف على قدر طاقته، لا يكلِّف الله نفساً إلاَّ وسعها، فإذا كان لا يستطيع الإتيان بالفعل على الهيئة الكاملة، أتى به على ما دونها، فإذا لم يستطع أن يصلي قائماً صلَّى جالساً، وإذا لم يستطع الإتيان بالواجب كاملاً أتى بما يقدر عليه منه، فإذا لَم يكن عنده من الماء ما يكفي للوضوء توضَّأ بما عنده وتيَمَّم للباقي، وإذا لم يستطع إخراج صاع لزكاة الفطر، وقدر على إخراج بعضه أخرجه.
٦ قوله: " فإنَّما أهلك مَن كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم" المنهيُّ عنه في الحديث ما كان من المسائل قي زمنه يترتَّب عليه تحريم شيء على الناس بسبب مسألته، وما يترتَّب عليه إيجاب شيء فيه مشقَّة كبيرة وقد لا يُستطاع، كالحجِّ كلَّ عام، والمنهيُّ عنه بعد زمنه ما كان فيه تكلُّف وتنطُّع واشتغال به عمَّا هو أهم منه.
٧ قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/٢٤٨ ٢٤٩) : "وقد انقسم الناس في هذا الباب أقساماً: فمِن أتباع أهل الحديث مَن سَدَّ بابَ المسائل حتى قلَّ فقهُه وعلمُه بحدود ما أنزل الله على رسوله،
стр. 52
وصار حاملَ فقه غيرَ فقيه، ومِن فقهاء أهل الرأي مَن توسَّعَ في توليد المسائل قبل وقوعها، ما يقع في العادة منها وما لا يقع، واشتغلوا بتكلُّف الجواب عن ذلك وكثرة الخصومات فيه والجدال عليه، حتى يتولَّد من ذلك افتراقُ القلوب ويستقرَّ فيها بسببه الأهواءُ والشحناء والعداوة والبغضاء، ويقترن ذلك كثيراً بنيَّة المغالبة وطلب العلوِّ والمباهاة وصرف وجوه الناس، وهذا مِمَّا ذمَّه العلماءُ الربَّانيُّون، ودلَّت السنَّةُ على قُبحه وتَحريمه، وأما فقهاءُ أهل الحديث العاملون به، فإنَّ معظمَ همِّهم البحث عن معاني كتاب الله وما يفسِّره من السنن الصحيحة وكلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وعن سنَّة رسول الله ﷺ ومعرفة صحيحها وسقيمها، ثم التفقه فيها وتفهُّمها والوقوف على معانيها، ثم معرفة كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان في أنواع العلوم من التفسير والحديث ومسائل الحلال والحرام، وأصول السنة والزهد والرقائق وغير ذلك، وهذا هو طريقة الإمام أحمد ومَن وافقه مِن علماء الحديث الربانيِّين، وفي معرفة هذا شغلٌ شاغلٌ عن التَّشاغل بما أحدث من الرأي مِمَّا لا ينتفع به ولا يقع، وإنَّما يورثُ التَّجادلُ فيه الخصومات والجدال، وكثرة القيل والقال، وكان الإمام أحمد كثيراً إذا سُئل عن شيء من المسائل المولَّدات التي لا تقع يقول: دعونا من هذه المسائل المحدثة".
إلى أن قال: "ومَن سلك طريقة طلب العلم على ما ذكرناه تَمكَّن من فهم جواب الحوادث الواقعة غالباً؛ لأنَّ أصولَها توجد في تلك الأصول المشار إليها، ولا بدَّ أن يكون سلوكُ هذا الطريق خلف أئمة أهله المجمع على هدايتهم ودرايتهم، كالشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد ومَن سلك مسلكهم، فإنَّ مَن ادَّعى سلوك هذا الطريق على غير
стр. 53
طريقهم وقع في مفاوز ومهالك، وأخذ بما لا يجوز الأخذُ به، وترك ما يجبُ العملُ به، وملاك الأمر كلِّه أن يقصد بذلك وجهَ الله والتقرُّبَ إليه، بمعرفة ما أنزل على رسوله، وسلوك طريقه والعمل بذلك ودعاء الخلق إليه، ومَن كان كذلك وفَّقه الله وسدَّده وألْهَمَه رشدَه وعلَّمه ما لَم يكن يعلم، وكان من العلماء الممدوحين في الكتاب في قوله تعالى: ﴿ِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ومن الراسخين في العلم".
إلى أن قال: "وفي الجملة فمَن امتثل ما أمر به النبي ﷺ في هذا الحديث، وانتهى عمَّا نهى عنه، وكان مشتغلاً بذلك عن غيره، حصل له النجاةُ في الدنيا والآخرة، ومَن خالف ذلك، واشتغل بخواطره وما يستحسنه، وقع فيما حذَّر منه النبي ﷺ من حال أهل الكتاب الذين هلكوا بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، وعدم انقيادهم وطاعتهم لرسلهم".
٨ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ وجوب ترك كلِّ ما حرَّمه الله ورسول الله ﷺ .
٢ وجوب الإتيان بكلِّ ما أوجبه الله ورسوله ﷺ .
٣ التحذير من الوقوع فيما وقع فيه أهل الكتاب مِمَّا كان سبباً في هلاكهم.
٤ أنَّه لا يجب على الإنسان أكثر مِمَّا يستطيع.
٥ أنَّ مَن عجز عن بعض المأمور كفاه أن يأتي بما قدر عليه منه.
٦ الاقتصار في المسائل على ما يُحتاج إليه، وترك التنطُّع والتكلُّف في المسائل.
стр. 54
الحديث العاشر
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌: "إنَّ الله تعالى طيِّب لا يقبل إلاَّ طيِّباً، وإنَّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسَلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾ ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ثم ذكر الرَّجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يَمدُّ يديه إلى السماء: يا ربِّ! يا ربِّ! ومطعمُه حرام، ومشربُه حرام، وملبسُه حرام، وغُذي بالحرام، فأنَّى يُستجاب له" رواه مسلم.
١ قوله: "إنَّ الله تعالى طيِّب لا يقبل إلاَّ طيِّباً" يدلُّ على أنَّ من أسماء الله الطيِّب، ويقبل من الأعمال ما كان موصوفاً بالطِّيب، وهو عام في جميع الأعمال، ومنها الكسب، فلا يعمل المرء إلاَّ صالحاً، ولا يكتسب إلاَّ طيِّباً، ولا ينفق إلاَّ من الطيِّب.
٢ قوله: "وإنَّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسَلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾ ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ "في الآيتين أمر المرسَلين والمرسَل إليهم بالأكل من الطيِّبات، وكما أنَّ المرسَلين لا يأكلون إلاَّ الطيِّب، فإنَّ على أتباعهم ألاَّ يأكلوا إلاَّ طيِّباً.
٣ قوله: "ثم ذكر الرَّجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يَمدُّ يديه إلى السماء: يا ربِّ! يا ربِّ! ومطعمُه حرام، ومشربُه حرام، وملبسُه حرام، وغُذي بالحرام، فأنَّى يُستجاب له"، لَمَّا بيَّن النَّبيُّ ﷺ أنَّ الله لا يقبل إلاَّ طيِّباً، وأنَّ المرسلين والمؤمنين أُمروا بالأكل من الطيِّبات، بيَّن أنَّ من
стр. 55
الناس مَن يخالف هذا المسلك، فلا يكون أكله طيِّباً، بل يعمد إلى اكتساب الحرام واستعماله في جميع شؤونه من مأكل وملبس وغذاء، وأنَّ ذلك من أسباب عدم قبول دعائه، مع كونه أتى بأسباب قبول الدعاء، وهي في هذا الحديث أربعة: السفر مع إطالته، وكونه أشعث أغبر، وكونه يَمدُّ يديه بالدعاء، وكونه ينادي الله بربوبيَّته، مع إلحاحه على ربِّه بتكرار ذلك، ومعنى قوله: "فأنَّى يُستجاب لذلك"استبعاد حصول الإجابة لوجود الأسباب المانعة من قبول الدعاء.
٤ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ أنَّ من أسماء الله الطيِّب، ومعناه المنَزَّه عن النقائص، وأنَّ من صفاته الطيب؛ لأنَّ أسماء الله كلَّها مشتقَّة، وتدلُّ على صفات مشتقَّة منها.
٢ أنَّ على المسلم أن يأتي بالطيب من الأعمال والمكاسب.
٣ أنَّ الصدقة لا تُقبل إلاَّ من مال حلال، وقد ثبت عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول" رواه مسلم (٢٢٤) .
٤ تفضُّل الله على عباده بالنِّعم، وأمْرهم بأن يأكلوا من الطيبات.
٥ أنَّ أكل الحرام من أسباب عدم قبول الدعاء.
٦ أنَّ من أسباب قبول الدعاء السفر، وكون الداعي أشعث أغبر.
٧ أنَّ من أسباب قبوله أيضاً رفع اليدين بالدعاء.
٨ أنَّ من أسبابه أيضاً التوسل بالأسماء.
٩ أنَّ من أسبابه الإلحاح على الله فيه.
стр. 56
الحديث الحادي عشر
عن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب سبط رسول الله ﷺ وريحانته ﵄ قال: حفظت من رسول الله ﷺ : "دَع ما يريبُك إلى ما لا يريبك" رواه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
١ هذا الحديث فيه الأمرُ بترك ما يرتاب المرءُ فيه ولا تطمئنّ إليه نفسه، ويحدث قلقاً واضطراباً في النفس، وأن يصير إلى ما يرتاح إليه قلبُه وتطمئنّ إليه نفسه.
وهذا الحديث شبيه بما تقدَّم في حديث النعمان بن بشير: "فمن اتَّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام"، وهما يدلاَّن على أنَّ المتَّقي ينبغي له ألاَّ يأكل المال الذي فيه شبهة، كما يحرم عليه أكل الحرام.
٢ قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/٢٨٠) : "ومعنى هذا الحديث يرجع إلى الوقوف عند الشبهات واتِّقائها؛ فإنَّ الحلالَ المحضَ لا يحصلُ للمؤمن في قلبه منه ريب، والريب بمعنى القلق والاضطراب، بل تسكن إليه النفس، ويطمئنّ به القلب، وأمَّا المشتبهات فيحصل بها للقلوب القلق والاضطراب الموجب للشكِّ".
وقال أيضاً (١/٢٨٣) : "وها هنا أمرٌ ينبغي التفطُّن له، وهو أنَّ التدقيق في التوقف عن الشبهات إنَّما يصلح لِمَن استقامت أحواله كلُّها، وتشابهت أعماله في التقوى والورع، فأمَّا مَن يقع في انتهاك المحرَّمات الظاهرة، ثم يريد أن يتورَّع عن شيء من دقائق الشُّبَه، فإنَّه لا
стр. 57
يحتمل له ذلك، بل يُنكر عليه، كما قال ابن عمر لِمَن سأله عن دم البعوض من أهل العراق: "يسألوني عن دم البعوض وقد قتلوا الحسين، وسمعت النَّبيَّ ﷺ يقول: (هما ريحانتاي من الدنيا) ".
٣ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ ترك ما يكون فيه ريبة، والأخذ بما لا ريبة فيه.
٢ أنَّ تركَ ما يُرتاب فيه فيه راحة للنفس وسلامتها من القلق.
стр. 58
الحديث الثاني عشر
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مِن حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" حديث حسن، رواه الترمذي وغيره هكذا.
١ معنى هذا الحديث أنَّ المسلمَ يترك ما لا يهمُّه من أمر الدِّين والدنيا في الأقوال والأفعال، ومفهومه أنَّه يجتهد فيما يعنيه في ذلك.
٢ قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/٢٨٨ ٢٨٩) : "ومعنى هذا الحديث أنَّ مَن حَسُنَ إسلامُه ترك ما لا يعنيه من قول وفعل، واقتصر على ما يعنيه من الأقوال والأفعال، ومعنى (يعنيه) أنَّه تتعلق عنايته به، ويكون من مقصده ومطلوبه، والعناية شدَّة الاهتمام بالشيء، يُقال عناه يعنيه إذا اهتمَّ به وطلبه، وليس المراد أنَّه يترك ما لا عناية له ولا إرادة بحكم الهوى وطلب النفس، بل بحكم الشرع والإسلام، ولهذا جعله مِن حسن الإسلام، فإذا حَسُن إسلامُ المرء ترك
стр. 59
ما لا يعنيه في الإسلام من الأقوال والأفعال، فإنَّ الإسلامَ يقتضي فعلَ الواجبات كما سبق ذكره في شرح حديث جبريل ﵇، وإنَّ الإسلامَ الكامل الممدوح يدخل فيه ترك المحرَّمات، كما قال ﷺ : (المسلم مَن سلم المسلمون من لسانه ويده) ، وإذا حسن الإسلام اقتضى ترك ما لا يعني كلَّه من المحرمات والمشتبهات والمكروهات وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها، فإنَّ هذا كلَّه لا يعني المسلم إذا كمُل إسلامُه وبلغ إلى درجة الإحسان، وهو أن يعبد الله تعالى كأنَّه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه، فمَن عبَدَ الله على استحضار قربه ومشاهدته بقلبه، أو على استحضار قرب الله منه واطلاعه عليه، فقد حسن إسلامه، ولزم من ذلك أن يترك كلَّ ما لا يعنيه في الإسلام، ويشتغل بما يعنيه فيه، فإنَّه يتولَّد من هذين المقامين الاستحياء من الله، وترك كلِّ ما يُستحيى منه".
٣ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ ترك الإنسان ما لا يعنيه في أمور الدِّين والدنيا.
٢ اشتغال الإنسان بما يعنيه من أمور دينه ودنياه.
٣ أنَّ في ترك ما لا يعنيه راحةً لنفسه وحفظاً لوقته وسلامة لعرضه.
٤ تفاوت الناس في الإسلام.
стр. 60
الحديث الثالث عشر
عن أبي حمزة أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه خادم رسول الله ﷺ ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "لا يُؤمنُ أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه" رواه البخاري ومسلم.
١ في هذا الحديث نفيُ كمال الإيمان الواجب عن المسلم حتى يحبَّ لأخيه المسلم ما يُحبُّ لنفسه، وذلك في أمور الدنيا والآخرة، ويدخل في ذلك أن يُعاملَ الناسَ بمثل ما يحبُّ أن يُعاملوه به، فقد جاء في صحيح مسلم (١٨٤٤) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ في حديث طويل: "فمَن أحبَّ أن يُزحزح عن النار ويُدخل الجنَّة، فلتأته منيَّتُه وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحبُّ أن يُؤتَى إليه"، وقال الله : ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾
٢ قال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/٣٠٦) : "وحديث أنس يدلُّ على أنَّ المؤمنَ يَسرُّه ما يسرُّ أخاه المؤمن، ويريد لأخيه المؤمن ما يريده لنفسه من الخير، وهذا كلُّه إنَّما يأتي من كمال سلامة الصدر من الغلِّ والغِشِّ والحسد، فإنَّ الحسدَ يقتضي أن يكره الحاسدُ أن يفوقَه أحدٌ في خير، أو يساويه فيه؛ لأنَّه يُحبُّ أن يَمتاز على الناس بفضائله، وينفرد بها عنهم، والإيمان يقتضي خلافَ ذلك، وهو أن يشركه المؤمنون كلُّهم فيما أعطاه الله من الخير، من غير أن ينقص عليه منه شيء"، وقال (١/٣٠٨) : "وفي الجملة فينبغي للمؤمن أن يُحبَّ للمؤمنين ما يُحبُّ لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، فإن رأى في أخيه
стр. 61
المسلم نقصاً في دينه اجتهد في إصلاحه".
٣ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ أن يحبَّ المسلمُ لأخيه المسلم ما يحبُّ لنفسه، ويكره له ما يكره لها.
٢ الترغيب في ذلك؛ لنفي كمال الإيمان الواجب عنه حتى يكون كذلك.
٣ أنَّ المؤمنين يتفاوتون في الإيمان.
٤ التعبير ب"أخيه"فيه استعطاف للمسلم لأنْ يحصل منه لأخيه ذلك.
стр. 62
الحديث الرابع عشر
عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحلُّ دمُ امرئ مسلم إلاَّ بإحدى ثلاث: الثيِّب الزاني، والنفسُ بالنفس، والتاركُ لدينه المفارق للجماعة" رواه البخاري ومسلم.
١ قوله: "الثيِّب الزاني" الثيِّب هو المحصَن، وحكمه الرَّجم كما ثبتت به السنَّة عن رسول الله ﷺ ، وكما دلَّت عليه آيةُ الرجم التي نُسخت تلاوتها وبقي حكمها.
٢ قوله: "والنفس بالنفس"، أي: القتل قصاصاً، كما قال الله : ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ الآية، وقال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾
стр. 63
٣ قوله: "التاركُ لدينه المفارقُ للجماعة" والمراد به المرتدُّ عن الإسلام؛ لقوله ﷺ : "مَن بدَّل دينه فاقتلوه" رواه البخاري (٣٠١٧) .
٤ ذكر الحافظ ابن رجب قتل جماعة غير مَن ذكِر في الحديث، وهم القتل في اللواط، ومَن أتى ذات محرم، والساحر، ومَن وقع على بهيمة، ومَن ترك الصلاة، وشارب الخمر في المرة الرابعة، والسارق في المرة الخامسة، وقتل الآخِر من الخليفتين المبايَع لهما، ومَن شَهَر السِّلاح، والجاسوس المسلم إذا تجسَّس للكفار على المسلمين.
٥ ومِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ عصمةُ دم المسلم إلاَّ إذا أتى بواحدة من هذه الثلاث.
٢ أنَّ حكمَ الزاني المحصن القتل رجماً بالحجارة.
٣ قتل القاتل عمداً قصاصاً إذا توفَّرت شروط القصاص.
٤ قتل المرتدِّ عن دين الإسلام، سواء كان ذكراً أو أنثى.
стр. 64
الحديث الخامس عشر
عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليَقُل خيراً أو ليصمت، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرِم جارَه، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرِم ضيفَه" رواه البخاري ومسلم.
١ جمع رسول الله ﷺ بين ذكر الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر في هذه الأمور الثلاثة؛ لأنَّ الإيمانَ بالله هو الأساسُ في كلِّ شيء يجب
стр. 65
الإيمانُ به، فإنَّ أيَّ شيء يجب الإيمان به تابعٌ للإيمان بالله، وأمَّا الإيمانُ باليوم الآخر ففيه التذكير بالمعَاد والجزاء على الأعمال، إن خيراً فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرٌّ.
٢ قوله: "مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليَقُل خيراً أو ليصمت"، هذه كلمةٌ جامعةٌ من جوامع كَلِمه ﷺ ، مقتضاها وجوب حفظ اللسان من الكلام إلاَّ في خير، قال النووي في شرح هذا الحديث: "قال الشافعي رحمه الله تعالى: معنى الحديث إذا أراد أن يتكلَّم فليُفكِّر، فإن ظهر أنَّه لا ضرر عليه تكلَّم، وإن ظهر أنَّ فيه ضرراً وشكَّ فيه أمسك، وقال الإمام الجليل أبو محمد بن أبي زيد إمام المالكية بالمغرب في زمنه: جميعُ آداب الخير تتفرَّع من أربعة أحاديث: قول النَّبيِّ ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) ، وقوله ﷺ : (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) وقوله ﷺ للذي اختصر له الوصيَّة: (لا تغضب) ، وقوله: (لا يؤمن أحدُكم حتَّى يُحبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه) "، ونقل النووي عن بعضهم أنَّه قال: "لو كنتم تشترون الكاغَد للحفظة لسكتُّم عن كثير من الكلام".
٣ الخير اسمٌ يُقابله الشر، ويأتي أيضاً"خير"أفعل تفضيل حذفت منه الهمزة، وقد جاء الجمع بينهما في قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾
٤ قوله: "ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرِم جارَه"، حقُّ الجار من الحقوق المؤكَّدة على جاره، وقد جاءت أحاديث كثيرة في الترغيب في إكرام الجار والترهيب من إيذائه وإلحاق الضرر به، ومنها
стр. 66
حديث عائشة ﵂: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنَّه سيُورِّثه" رواه البخاري (٦٠١٤) ، ومسلم (٢٦٢٤) ، وحديث: "والله لا يؤمن! والله لا يؤمن! قالوا: مَن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جارُه بوائقَه" رواه البخاري (٦٠١٦) ، ومسلم (٧٣) .
وإكرامُه يكون بأن يصل إليه برُّه، وأن تحصل له السلامةُ من شرِّه، والجيران ثلاثة:
جارٌ مسلم ذو قربى، له ثلاثة حقوق: حق الجوار، وحق القرابة، وحق الإسلام.
وجارٌ مسلم ليس بذي قُربى، له حق الإسلام والجوار.
وجار ليس بمسلم ولا ذي قُربى، له حقُّ الجوار فقط.
وأولى الجيران بالإحسان مَن يكون أقربَهم باباً؛ لمشاهدته ما يدخل في بيت جاره، فيتطلَّع إلى إحسانه إليه.
٥ قوله: "ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرِم ضيفَه"، إكرامُ الضيف من الحقوق التي للمسلمين على المسلمين، وهو من مكارم الأخلاق، وفي صحيح البخاري (٦٠١٩) من حديث أبي شُريح قال: سمعتْ أذناي وأبصرتْ عيناي حين تكلَّم النَّبيُّ ﷺ ، فقال: "مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرِم جارَه، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرِم ضيفَه جائزته، قيل: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يومٌ وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، وما وراء ذلك فهو صدقة عليه".
٦ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ الترغيب في الكلام فيما هو خير.
стр. 67
٢ الترغيب في الصمت إذا لم يكن التكلُّم بخير.
٣ التذكير عند الترغيب والترهيب باليوم الآخر؛ لأنَّ فيه الحساب على الأعمال.
٤ الترغيب في إكرام الجار، والتحذير من إيذائه.
٥ الحثُّ على إكرام الضيف والإحسان إليه.
стр. 68
الحديث السادس عشر
عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رجلاً قال للنَّبيِّ ﷺ : أوصِني، قال: "لا تغضب، فردَّد مراراً قال: لا تغضب" رواه البخاري.
١ قال الحافظ في الفتح (١٠/٥٢٠) : "قال الخطابي: معنى قوله: "لا تغضب" اجْتنب أسبابَ الغضب ولا تتعرَّض لِمَا يجلبُه، وأمَّا نفس الغضب فلا يتأتَّى النهي عنه؛ لأنَّه أمرٌ طبيعي لا يزول من الجِبلَّة"، وقال أيضاً: "وقال ابن التين: جمع ﷺ في قوله: "لا تغضب" خيرَ الدنيا والآخرة؛ لأنَّ الغضبَ يؤول إلى التقاطع ومنع الرِّفق، وربَّما آل إلى أن يؤذي المغضوب عليه فينتقص ذلك من الدِّين".
٢ مدح الله الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، وأخبر النَّبيُّ ﷺ أنَّه: "ليس الشديد بالصُّرعة، إنَّما الشديد الذي يَملك نفسَه عند الغضب"رواه البخاري (٦١١٤) ، وعلى المرء إذا غضب أن يكظم غيظه، وأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، كما في البخاري (٦١١٥) ، وأن يجلس أو يضطجع، كما في سنن أبي داود (٤٧٨٢) عن أبي ذر أنَّ
стр. 69
رسول الله ﷺ قال: "إذا غضب أحدُكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلاَّ فليضطجع"، وهو حديث صحيح، رجاله رجال مسلم.
٣ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ حرصُ الصحابة على الخير؛ لطلب هذا الصحابي الوصيَّة من رسول الله ﷺ .
٢ التحذير من أسباب الغضب والآثار المترتِّبة عليه.
٣ تكرار الوصية بالنهي عن الغضب دالٌّ على أهميَّة تلك الوصية.
стр. 70
الحديث السابع عشر
عن أبي يعلى شدَّاد بن أوس ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الله كتب الإحسانَ على كلِّ شيء، فإذا قتلتُم فأحسنوا القِتْلَة، وإذا ذبحتُم فأحسنوا الذِّبْحة، وليحدَّ أحدُكم شفرَتَه، وليُرح ذبيحتَه" رواه مسلم.
١ قوله: "إنَّ الله كتب الإحسانَ على كلِّ شيء"، الإحسانُ ضدُّ الإساءة، وكتب بمعنى شرع وأوجب، فالكتابة دينية شرعيَّة، والإحسان فيها يكون عامًّا للإنسان والحيوان.
٢ ثمَّ أمر الرسول ﷺ بإحسان القِتلة والذِّبحة، وإحداد الشفرة وإراحة الذبيحة، وهذا مثال من أمثلة إيقاع الإحسان عند قتل الإنسان المستحقِّ للقتل وذبح الحيوان، وذلك بسلوك أسهل الطرق التي يكون بها إزهاق النفس من غير تعذيب.
стр. 71
٣ قال ابن رجب في جامع العلوم الحكم (١/٣٨١ ٣٨٢) : "وهذا الحديث يدلُّ على وجوب الإحسان في كلِّ شيء من الأعمال، لكن إحسان كلِّ شيء بحسبه، فالإحسانُ في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنة الإتيانُ بها على وجه كمال واجباتها، فهذا القدر من الإحسان فيها واجب، وأمَّا الإحسان فيها بإكمال مستحبَّاتها فليس بواجب، والإحسانُ في ترك المحرَّمات، الانتهاءُ عنها وتركُ ظاهرها وباطنها، كما قال تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ ، فهذا القدرُ من الإحسان فيها واجبٌ، وأمَّا الإحسانُ في الصبر على المقدورات، فأن يأتي بالصبر عليها على وجهه، من غير تَسَخُّط ولا جَزَعٍ، والإحسانُ الواجب في معاملة الخَلق ومعاشرتهم، القيامُ بما أوجب الله من حقوق ذلك كلِّه، والإحسان الواجب في ولاية الخَلق وسياستهم، القيامُ بواجبات الولاية كلِّها، والقدرُ الزائد على الواجب في ذلك كلِّه إحسانٌ ليس بواجب، والإحسان في قتل ما يَجوز قتله من الناس والدَّواب، إزهاقُ نفسه على أسرع الوجوه وأسهلِها وأوحاها يعني أسرعها من غير زيادة في التعذيب، فإنَّه إيلامٌ لا حاجة إليه، وهذا النوعُ هو الذي ذكره النَّبيُّ ﷺ في هذا الحديث، ولعلَّه ذكَره على سبيل المثال، أو لحاجته إلى بيانه في تلك الحال، فقال: "إذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذبَحتم فأحسنوا الذِّبحة"، والقِتلةُ والذِّبحة بالكسر، أي: الهيئة، والمعنى: أحسنوا هَيئة الذَّبح وهيئةَ القتل، وهذا يدلُّ على وجوب الإسراعِ في إزهاق النفوس التي يُباح إزهاقُها على أسهل الوجوه".
٤ الإحسانُ في القتل مطلوب بدون تعذيب أو تمثيل، سواء كان في قتال الكفار أو القتل قصاصاً أو حدًّا، إلاَّ أنَّه عند القتل قصاصاً يُفعل
стр. 72
بالقاتل كما فَعَلَ بالمقتول، كما جاء عن النَّبيِّ ﷺ في قتل اليهوديِّ الذي رضَّ رأس جارية بين حَجرين، رواه البخاري (٢٤١٣) ، ومسلم (١٦٧٢) ، وكما جاء في قصة العُرنيِّين، رواه البخاري (٦٨٠٢) ، ومسلم (١٦٧١) ، وأمَّا ما جاء في حدِّ الزاني المُحصَن، وهو الرَّجم، فهو إمَّا مستثنَى من عموم هذا الحديث، أو محمول على أنَّ الإحسانَ يكون في موافقة الشرع، ورجم المحصَن منه.
٥ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ وجوب الإحسان في كلِّ شيء.
٢ وجوب الإحسان عند القتل بسلوك أيسر سبيل لإزهاق النفس.
٣ وجوب الإحسان عند ذبح الحيوان كذلك.
٤ تفقد آلة الذَّبح قبل مباشرته؛ لقوله ﷺ : "وليُحدِّ أحدُكم شفرته، وليُرح ذبيحَتَه".
стр. 73
الحديث الثامن عشر
عن أبي ذر جُندب بن جُنادة وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنهما، عن رسول الله ﷺ قال: "اتَّق الله حيثما كنت، وأتْبع السيِّئةَ الحسنةَ تَمحُها، وخالِق الناسَ بخُلُق حسن" رواه الترمذي، وقال: " حديث حسن"، وفي بعض النسخ: "حسن صحيح".
١ هذا الحديث اشتمل بجُملِه الثلاث على ما هو مطلوب من المسلم لربِّه ولنفسه ولغيره.
стр. 74
٢ قوله: "اتَّق الله حيثما كنت"، أصلُ التقوى في اللغة: أن يجعل بينه وبين الذي يخافه وقاية تقيه منه، مثل اتِّخاذ النِّعال والخفاف للوقاية مِمَّا يكون في الأرض من ضرر، وكاتِّخاذ البيوت والخيام لاتِّقاء حرارة الشمس، ونحو ذلك، والتقوى في الشرع: أن يجعلَ الإنسانُ بينه وبين غضب الله وقاية تقيه منه، وذلك بفعل المأمورات وترك المنهيات، وتصديق الأخبار، وعبادة الله وفقاً للشرع، لا بالبدع والمحدثات، وتقوى الله مطلوبةٌ في جميع الأحوال والأماكن والأزمنة، فيتَّقي الله في السرِّ والعلن، وبروزه للناس واستتاره عنهم، كما جاء في هذا الحديث: "اتَّق الله حيثما كنت".
٣ قوله: "وأتْبع السيِّئة الحسنةَ تَمحُها"، عندما يفعل المرءُ سيِّئةً فإنَّه يتوب منها، والتوبةُ حسنة، وهي تجبُّ ما قبلها من الكبائر والصغائر، ويكون أيضاً بفعل الحسنات، فإنَّها تمحو الصغائر، وأمَّا الكبائر فلا يمحوها إلاَّ التوبة منها.
٤ قوله: "وخالِق الناسَ بخُلُق حسن"، فإنَّه مطلوب من الإنسان أن يُعامل الناسَ جميعاً معاملة حسنة، فيُعاملهم بمثل ما يحبُّ أن يُعاملوه به؛ لقوله ﷺ : "لا يؤمن أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه"، وقوله ﷺ : "فمَن أحبَّ أن يُزحزح عن النار ويُدخل الجنَّة، فلتأته منيَّتُه وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحبُّ أن يُؤتَى إليه"، فقد وصف الله نبيَّه ﷺ بأنَّه على خُلُق عظيم، وجاء عن عائشة ﵂ أنَّ خلقَه ﷺ القرآن، رواه مسلم (٧٤٦) ، أي: أنَّه يقوم بتطبيق ما فيه، وجاء في السنة أحاديث كثيرة تدلُّ على فضل حسن الخُلُق، وتحثُّ على التخلُّق بالأخلاق الحسنة، وتحذِّر من الأخلاق السيِّئة.
стр. 75
٥ مِمَّا يُستفاد من الحديث:
١ كمال نصح الرسول ﷺ لأمَّته، ومن ذلك ما اشتمل عليه هذا الحديث من هذه الوصايا الثلاث العظيمة الجامعة.
٢ الأمر بتقوى الله في جميع الأحوال والأمكنة والأزمان.
٣ الحثُّ على إتباع السيِّئات بالحسنات.
٤ أنَّ الحسنات تمحو السيِّئات.
٥ الحثُّ على مخالقة الناس بالأخلاق الحسنة.
следующие страницы →