← Акыда

Акыда · id 11326

فتح الله الحميد المجيد في شرح كتاب التوحيد

حامد بن محسن

Полный текст (486 стр.). Показаны 456–486 · переход к 461.

стр. 456

وفي الفقير أقبح؛ لأن دواعي الاستكبار عنه منتفية لحاجته إلى الناس. وكثرة الحلف تدل على هوان اسم الله عند الحالف وهذا إثم عظيم. وفي الصحيح عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم -قال عمران: فلا أدري أذَكَرَ بعد قرنه مرتين أو ثلاثاً- ثم إن بعدكم قوماً يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن" ١. وفيه عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته"٢. قال إبراهيم: كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار كي يؤتى بهما على الوجه المرضي الشرعي.

стр. 457

متن الباب ٦٢ باب: ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه وقول الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] . عن بريدة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، فقال: "اغزوا بسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال - أو خلال- فأيتهن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام فإن هم أجابوك فاقبل منهم، ثم ادعوهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله تعالى، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فاسألهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم. وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة

стр. 458

أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه. وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك. فإنك لا تدري، أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟ " رواه مسلم. فيه مسائل: الأولى: الفرق بين ذمة الله وذمة نبيه، وذمة المسلمين. الثانية: الإرشاد إلى أقل الأمرين خطراً. الثالثة: قوله: "اغزوا بسم الله في سبيل الله". الرابعة: قوله: "قاتلوا من كفر بالله". الخامسة: قوله: "استعن بالله وقاتلهم". السادسة: الفرق بين حكم الله وحكم العلماء. السابعة: في كون الصحابي يحكم عند الحاجة بحكم لا يدري أيوافق حكم الله أم لا؟.

стр. 459

شرح الباب ٦٢ باب ما جاء في بيان أجر من حفظ ذمة الله وذمة رسوله ﷺ وكبر إثم من خفر ذمة الله وذمة رسوله ﷺ من الكتاب والسنة. أما الكتاب فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ . [النحل: ٩١] . فأمر الله تعالى بحفظ العهد والوفاء به، ونهى عن نقض الأيمان بعد توكيدها، وذكر تعالى مآل الغدر ونقض الأيمان في قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . [النحل: ٩٤] . وقد علم بالضرورة العقلية والنقلية وتجارب الأمم الماضية أن الغدر، ونقض الأيمان، وخفر الذمة ما يورث إلا شرًّا. إياك والغدر كم من غادر وقع ... في شر ما كان قبل الغدر متخذل يقول ليت لم أغدر وليس له ... فك من شر والخسران والخذل أيضاً ولا تنقضوا الأيمان مدخلاً ... تزل الأقدام ناس بعد ذا الدخل كن ناصحاً وصدوقاً موفياً فطناً ... الصدق يعلو ونقض القول في السفل فكم محنة نزلت بالمسلمين بسبب شيء من ذلك رأيناه عياناً وسماعاً ولكن أين أولوا الألباب والأبصار ليعتبروا ولم يخذل المسلمون قديماً وحديثاً وسلط عليهم العدو وتشتتوا واختلوا إلا به وأمثاله من المعاصي ولكن لا حول ولا قوة إلا بالله، وأرجو أن الله يتوب على المسلمين ويوفقهم لما يحب ويرضى ويظهرهم على أعداء الدين في مشارق الأرض ومغاربها إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير. وأما من السنة وعن بريدة قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله ومن معه من

стр. 460

المسلمين خيراً، فقال: "اغزوا بسم الله، في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فآيتهن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم: ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فاسألهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوا أن تجعل ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا"، رواه مسلم١. قلت: وفي هذا دليل على جواز الاجتهاد لمن له قوة على

стр. 461

ذلك، وأيضاً فيه دليل على أن المجتهد يخطئ ويصيب، والخطأ إذا كان باجتهاد وعلم مغفور بل له على ذلك أجر إذا كانت النية صالحة ناصحة لله تعالى ولدينه ولرسوله. قال في فتح الباري: إن المصير إلى الرأي إنما يكون عند فقد النص وإلى هذا يومئ قول الشافعي فيما أخرجه البيهقي بسند صحيح إلى أحمد بن حنبل، سمعت الشافعي يقول: القياس عند الضرورة. ومع ذلك فليس القائل برأيه على ثقة من أنه وقع على المراد من الحكم في نفس الأمر وإنما عليه بذل الوسع في الاجتهاد ليؤجر، فمتى قصر المجتهد في اجتهاده أثم وفاقاً لتركه الواجب عليه من بذل وسعه فيه. قلت: القياس بيانه وتفسيره على ما فسره البخاري قال: باب من شبه أصلاً معلوماً بأصل مبين. قلت: وذلك كما قال النبي ﷺ للمرأة لما أخبرته أن أباها لم يحج: "أرأيت لو كان علي أبيك دين أكنت تقضيه؟ قالت: نعم، قال: فالله أحق بالقضاء" ١. فهذا هو عين القياس بطريق الأولوية. قال في فتح الباري: إنما سكت النبي ﷺ في أشياء مفصلة ليس لها أصل في الشريعة فلابد فيها من الإطلاع إلى الوحي، وإلا فقد شرع ﷺ لأمته القياس وأعلمهم كيفية الاستنباط في مسائل لها أصول وعان، فيريهم كيف يصنعون فيما لا نص فيه، والقياس هو تشبيه ما لا حكم فيه بما فيه حكم في المعنى، وقد شبه ﷺ الحمر بالخيل فقال: "ما أنزل الله شيئاً إلا هذه الآية الجامعة، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ . [الزلزلة: ٧- ٨] ". وقال للمرأة

стр. 462

التي أخبرته أن أباها لم يحج: " لو كان علي أبيك دين أكنت قاضيته فالله أحق بالقضاء ". انتهى كلامه في البخاري. عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا حكم الحاكم ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" ١. انتهى. قلت: الأصول أربعة: الكتاب، والسنة، والقياس عند فقد النص على ما مضى أي بطريق الأولوية، والإجماع. قال ابن حجر العسقلاني في شرح البخاري: الإجماع اتفاق المجتهدين من أمة محمد ﷺ على أمر من الأمور الدينية بشرط أن يكون بعد وفاته ﷺ فخرج بالمجتهدين العوام فإنه لا عبرة باتفاقهم.

стр. 463

متن الباب ٦٣ باب: ما جاء في الإقسام على الله عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله : من ذا الذي يتألى عليّ أن لا اغفر لفلان؟ إني قد غفرت له وأحبطت عملك" رواه مسلم. وفي حديث أبي هريرة أن القائل رجل عابد، قال أبو هريرة: تكلم بكلمة أو بقت دنياه وآخرته. فيه مسائل: الأولى: التحذير من التألي على الله. الثانية: كون النار أقرب إلى أحدنا من شراك نعله. الثالثة: أن الجنة مثل ذلك. الرابعة: فيه شاهد لقوله "إن الرجل ليتكلم بالكلمة" الخ. الخامسة: أن الرجل قد يغفر له بسبب هو من أكره الأمور إليه.

стр. 464

شرح الباب ٦٣ باب ما جاء في بيان الإقسام على الله وإثمه وعقوبته أما بيانه وعن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله : من ذا الذي يتألى عليّ أن لا اغفر لفلان إني قد غفرت له وأحبطت عملك". رواه مسلم١. وأما إثمه وعقوبته قوله: وأحبطت عملك كفى به إثماً وعقوبة، فالمؤمن ما يفعل فعلاً ولا يقول قولاً إلا وينظر هل هو شرعي أو لا، وإن لم ينظر فلابد أن يغفل ويقع في هذا الخطر وأمثاله كما ﷺ : "إن الرجل يتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله بها سخطه إلى يوم يلقاه". رواه الترمذي٢. وصححه. وعن أبي هريرة مرفوعاً: "أن العبد يتكلم بالكلمة من سخط الله ما يتبين فيها يزل بها إلى باب النار أبعد مما بين المشرق والمغرب"، أخرجه الشيخان في صحيحهما٣. وفيه تنبيه على أن الرجل قد يغفر له بسبب هو أكره الأمور إليه.

стр. 465

متن الباب ٦٤ باب: لا يستشفع بالله على خلقه عن جبير بن مطعم ﵁ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: نهكت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال، فاستسق لنا ربك، فإنا نستشفع بالله عليك وبك على الله، فقال النبي ﷺ : "سبحان الله! سبحان الله! " فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه؛ ثم قال النبي ﷺ : "ويحك، أتدري ما الله؟ إن شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه" وذكر الحديث. رواه أبو داود. فيه مسائل: الأولى: إنكاره على من قال: نستشفع بالله عليك. الثانية: تغيره تغيراً عرف في وجوه أصحابه من هذه الكلمة. الثالثة: أنه لم ينكر عليه قوله: "نستشفع بك على الله". الرابعة: التنبيه على تفسير "سبحان الله". الخامسة: أن المسلمين يسألونه الاستسقاء.

стр. 466

شرح الباب ٦٤ باب في بيان أنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه ومن يستشفع بالله على خلقه فإنه مَا عَظَّمَ الله، وما درى م شأن الله تعالى بل جهل عظمته، وكبرياءه، وجلال قدره. ومعلوم بالضرورة العقلية والنقلية ولو أن لَمَعَ له لَمْعَةٌ من ذلك لما استشفع بالله الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفراً أحد، الكامل من كل الوجوه، المنزه عن النقائص والعيوب المتصلة والمنفصلة، الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير - على أحد من خلقه المقهور المدبر. عن جبير بن مطعم قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله هلكت الأنفس وجاع العيال وهلكت الأموال فاستسق لنا ربك فإنا نستشفع بالله عليك وبك على الله، فقال النبي ﷺ : "سبحان الله سبحان الله، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال: ويحك أتدري ما الله إن شأن الله أعظم من ذلك إنه لا يستشفع بالله على أحد". رواه أبو داود١.

стр. 467

متن الباب ٦٥ باب: ما جاء في حماية النبي ﷺ حمى التوحيد، وسده طرق الشرك عن عبد الله بن الشخير ﵁، قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى النبي ﷺ فقلنا: أنت سيدنا، فقال: " السيد الله ﵎". قلنا: وأفضلنا فضلاً، وأعظمنا طولاً؛ فقال: "قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان" رواه أبو داود بسند جيد. وعن أنس ﵁، أن ناساً قالوا: يا رسول الله: يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: "يا أيها الناس، قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد، عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ". رواه النسائي بسند جيد. فيه مسائل: الأولى: تحذير الناس من الغلو. الثانية: ما ينبغي أن يقول من قيل له: أنت سيدنا. الثالثة: قوله: " ولا يستجرينكم الشيطان" مع أنهم لم يقولوا إلا الحق. الرابعة: قوله: "ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي".

стр. 468

شرح الباب ٦٥ باب ما جاء في بيان حماية المصطفى ﷺ حمى التوحيد وكشفه غمائم الشبه عن أفق أذهان أهل التجريد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك وكل ما يؤول إليه امتثالاً لأمر ربه القادر المقتدر ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ . [المدثر: ١- ٥] . فهو ﷺ شأنه وطريقته الدعوة إلى الله بالجد والجهد وما كان يبالي بما يأتيه من الأذى ممتثلاً لقول ربه تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ . [الأحقاف: ٣٥] . عن عبد الله بن الشخير قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنت سيدنا، فقال: "إنما السيد الله ﵎". قلت: لَمَّا أّنَّهُمْ قالوا: أنت السيد –معرفاً بالألف واللام- قال لهم الرسول ﷺ " السيد الله وذلك أن المحلى بالألف واللام إذا أطلق يترقى الذهن ويبتدر إلى ما هو أعظم وهذا يرى بديهة العقل والاستقراء، كما أن لفظ: "المدينة" إذا أطلق ما يبتدر الذهن إلا إلى ما هو أعظم في المدائن وهو مدينة الرسول ﷺ دون المدائن التي سواها، وأما غير المحلى بالألف واللام فلا، كما تقول رأيت مدينة بالتنوين أو تضيفه تقول مدينة بغداد أو مدينة البصرة والله أعلم فلما علموا عدم رضى الرسول ﷺ بما قالوا رجعوا عن قولهم ذاك إلى غيره قال: قلنا: وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً فقال: "قولوا بقولكم، أو بعض قولكم ولا يستهوينكم الشيطان" رواه أبو داود١. وعن أنس أن ناساً قالوا: يا رسول الله يا خيرنا

стр. 469

وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا فقال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس" خطاباً للكل لأنه مرسل للناس جميعاً فيلزمه التبليغ للجميع، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ . "قولوا بقولكم" وهذا يقرر ما ذكرت من أن المحلى بالألف واللام عند الإطلاق يبتدر الذهن إلى ما هو أعظم، وعند التنكير أو الإضافة فلا، فلهذا لما قالوا: أنت السيد قال السيد الله، ولما قالوا: أنت سيدنا بالإضافة قال: قولوا بقولكم. "ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد: عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ". رواه النسائي بسند جيد١. ومن حمايته ﷺ حمى التوحيد قوله لجويرية لما قالت: وفينا رسول الله يعلم ما في غد قال ﷺ : "دعي هذا وقولي ما كنت تقولين" ٢. أي لا تقولي لي ما لست له بأهل، فإن علم الغيب حق الله لا يعلمه إلا هو كما قال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ . [الأنعام: ٥٩] . وقوله: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ . [النمل: ٦٥] . وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ . [الأعراف: ١٨٨] . ومنها ما ثبت في المسند وغيره عن معاذ بن جبل لما رجع من الشام سجد للنبي ﷺ فقال: ما هذه يا معاذ، فقال: يا رسول الله رأيتهم يسجدون لأساقفتهم ويذكر ذلك عن أنبيائهم فقال ﷺ : "كذبوا

стр. 470

يا معاذ لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها، يا معاذ أرأيت إن مررت بقبري أكنت تسجد؟ قال: لا، قال: فلا تفعل" ١. ومنها ما ثبت في الصحيح من حديث جابر أن رسول الله ﷺ صلى بأصحابه قاعدا ًلمرض كان به، فصلوا قياماً فأمرهم بالجلوس وقال: "لا تعظموني كما تعظم النصارى بعضهم بعضاً" ٢ وقال: "من سره أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار"٣. ومنها ما ثبت في الصحيح عن زيد بن خالد قال: صلى بنا رسول الله صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماه من الليل فقال: "أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: قال تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب" ٤. ومنها ما ورد في السنن أن أعرابيًّا قال للنبي ﷺ : جهدت الأنفس وجاع العيال وهلك المال فادع لنا فإنا نستشفع بك على الله وبالله عليك، فسبح رسول الله حتى عرف ذلك في وجه أصحابه فقال ﷺ : "ويحك أتدري ما الله، إن شأن اله أعظم من ذلك إنه لا يستشفع

стр. 471

بالله على أحد". رواه أبو داود١. ومنها ما خرج البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله" ٢. ومنها قوله ﷺ : " اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد من دون الله، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ٣. ومنها في صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً، لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك " ٤. ومنها ما ثبت عن عائشة وعبد الله بن عباس ﵃ قالا: لما نزل برسول الله طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". يحذر ما صنعوا. متفق عليه٥. ومنها ما روى الإمام أحمد في سنده بإسناد جيد عن عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم

стр. 472

أحياء والذين يتخذون القبور مساجد" ١. ومنها ما ثبت عن ابن عباس ﵁ قال: لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج. رواه أحمد وأهل السير ٢. ومنها ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها". ومنها ما روى مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني رسول الله ﷺ ، ألا تدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته٣. ومناه ما روى مسلم في صحيحه عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبور وأن يقعد عليه أو يبني عليه بناء٤. ومنها ما روى أبو داود في سننه عن جابر أن رسول الله ﷺ نهى أن تجصص القبور وأن يكتب عليها، قال الترمذي٥: حديث حسن صحيح. وفي سنن أبي داود من حديث جابر أن رسول الله ﷺ نهى أن تجصص القبور٦ أو يزاد عليها. هذا حماية المصطفى ﷺ حمى التوحيد، وقد آل الأمر حتى جصصوا القبور، وبنوا عليها، وجعلوا لها سدنة، فيذرون لها،

стр. 473

ويذبحون عندها، ويستشفون، ويخضعون، ويركعون، ويسجدون عندها، ثم آل الأمر بهؤلاء المشركين أن شرعوا للقبور حجًّا، ووضعوا مناسك حتى صَنَّفَ بعضهم من غلاتهم في ذلك كتاباً وسماه (مناسك حج المشاهد) مضاهاة منه بالقبور لبيت الله الحرام، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام ودخول في دين عباد الأصنام. قال ابن تيمية ﵀: "اعلم أن العبادة مبناها على الاتباع لا على الابتداع فليس لأحد أن يصلى إلى قبر الرسول ﷺ ويقول: هو أحق بالصلاة إليه من الكعبة وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" ١. مع أن طائفة من غلاة العباد يصلون إلى قبور شيوخهم بل يستدبرون القبلة ويصلون إلى قبر الشيخ ويقولون هذه قبلة الخاصة والكعبة قبلة العامة، وآخرون أمثل من هؤلاء يرون الصلاة عند قبور شيوخهم أفضل من الصلاة في المساجد حتى المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وكثير من الناس يرى أن الدعاء عند قبور الأنبياء والصالحين أفضل من الدعاء في المساجد ويرى الصلاة في المساجد المبنية على القبور أفضل من المساجد التي لا قبور فيها، وهذا كله مما علم جميع أهل العلم بدين الإسلام أنه مناف لشريعة الإسلام، وأنه لم ينقله أحد من علماء الأمة بل هم متفقون على أنه لا فضيلة للصلاة عند القبور، ولا في المساجد المبنية التي على القبور التي تسمى المشهد بل ذلك مخالف لله ولرسوله ولشرعه كما مضى في الأحاديث المتقدمة، مع أن طائفة من الغالية من الشيعة ومن المنتسبين إلى السنة يرون السفر إلى القبور حجًّا، وقد صنف ابن

стр. 474

النعمان المفيد شيخ الرافضة كتاباً سماه "مناسك حج المشاهدة" وجعلوا فيها من العبادات ما هو أعظم من العبادات المشروعة في المسجد الحرام، ومن هؤلاء من يقول: إن الحج إلى القبور ويعظمها أعظم من حج البيت العتيق إلى أمثال هذه الأمور التي ابتدعها أهل الضلال وكثير من وقع فيها من الرجال، وقد صنف طائفة من المتفلسفة في هذا، فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه الرسول ﷺ وبين ما شرعه هؤلاء المقتدون بالمشركين والمتمسكون بهدي الشياطين وقصدوه من اتخاذ القبور مساجد وبناء المساجد عليها، وإيقافهم الوقوف على إيقاد السرج والقناديل عليها، وجعلهم القبور عيداً وتجصيص القبور عليها من الأحجار والآجر والجص والكتابة عليها وغير ذلك مما نشاهد عياناً وسماعاً، هذا فعل هؤلاء، والذي ثبت عنه ﷺ في زيارة القبور ما ذكره مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ أن جبريل أتى رسول الله ﷺ فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم، قالت: قلت: كيف أمرك ربك يا رسول الله؟ قال: "قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" ١. وفي الصحيح أيضاً عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: "السلام على أهل الديار، وفي لفظ: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية" ٢. وروى الإمام أحمد والنسائي عن بريدة قال: قال رسول

стр. 475

الله ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فمن أراد أن يزور فليزر ولا تقولوا هجراً" ١. ومن أعظم الهجر الشرك عندها قولاً وفعلا" انتهى.

стр. 476

باب: ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ... متن الباب ٦٦ باب: جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧] . عن ابن مسعود ﵁ قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد! إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك. فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧] . وفي رواية لمسلم: والجبال والشجر على إصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك، أنا الله. وفي رواية للبخاري: يجعل السماوات على إصبع، والماء والثرى على إصبع؛ وسائر الخلق على إصبع" أخرجاه. ولمسلم عن ابن عمر مرفوعاً: "يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين السبع ثم يأخذهن بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ".

стр. 477

وروي عن ابن عباس، قال: "ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم". وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: حدثني أبي، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس" قال: وقال أبو ذر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهراني فلاة من الأرض". وعن ابن مسعود قال: "بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم". أخرجه ابن مهدي عن حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، ورواه بنحوه عن المسعودي عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله. قاله الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى، قال: وله طرق. وعن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم قال: "بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة وكثف كل

стр. 478

سماء خمسمائة سنة، وبين السماء السابعة والعرش بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله فوق ذلك، وليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم" أخرجه أبو داود وغيره. فيه مسائل: الأولى: تفسير قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ . الثانية: أن هذه العلوم وأمثالها باقية عند اليهود الذين في زمنه ﷺ لم ينكروها ولم يتأولوها. الثالثة: أن الحبر لما ذكر للنبي ﷺ ، صدقه، ونزل القرآن بتقرير ذلك. الرابعة: وقوع الضحك من رسول الله ﷺ ، لما ذكر الحبر هذا العلم العظيم. الخامسة: التصريح بذكر اليدين، وأن السماوات في اليد اليمنى، والأرضين في الأخرى. السادسة: التصريح بتسميتها الشمال. السابعة: ذكر الجبارين والمتكبرين عند ذلك. الثامنة: قوله: "كخردلة في كف أحدكم". التاسعة: عظم الكرسي بالنسبة إلى السماوات. العاشرة: عظم العرش بالنسبة إلى الكرسي. الحادية عشرة: أن العرش غير الكرسي والماء. الثانية عشر: كم بين كل سماء إلى سماء.

стр. 479

الثالثة عشر: كم بين السماء السابعة والكرسي. الرابعة عشر: كم بين الكرسي والماء. الخامسة عشر: أن العرش فوق الماء. السادسة عشرة: أن الله فوق العرش. السابعة عشر: كم بين السماء والأرض. الثامنة عشر: كثف كل سماء خمسمائة عام. التاسعة عشر: أن البحر الذي فوق السماوات بين أعلاه وأسفله مسيرة خمسمائة عام. والله أعلم.

стр. 480

شرح الباب ٦٦ باب ما جاء في بيان أن الناس مِنْ ظُلْمِهِم وجَهْلِهِم ما قدروا الله حق قدره الذي هو أهله ويستحقه بل إنهم فعلوا به تعالى بنقيض ما هو لازم عليهم، عقلاً، ونقلاً، وأصلاً، وفرعاً، كما في الحديث الإلهي: "أنا والثقلين في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري، أرزق ويشكر غيري، خيري إليهم نازل وشرهم إلي صاعد" ١. الحديث. فمن ظلمهم وجهلهم تفرقوا واختلفوا وفرقوا دينهم وكانوا شيعاً على غير هدي كل حزب بما لديهم فرحون، ولم يلتفتوا إلى ما هو أولى وألزم عليهم من اتباع أمر سيدهم وعدم مخالفته ومشاققته، بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم، فمنهم من أذعن بالصانع الخلاق بالجنان وجحده باللسان ظلماً وعلوًّا كفرعون ونمرود، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ . ومنهم من أذعن بالجنان وأقر باللسان وشهد بالربوبية وأشرك في الألوهية كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ . ومنهم من يجعل الله خالق الخير ويجعل الشر أهْرَمَنْ يعني الشيطان منزهاً الله عن الشر بزعمهم، ووقعوا في شر من ذلك وهو جعل خالقين في الكون ، فهم كانوا كالمستجير من الرمضاء إلى النار كالمجوس وأشباههم. ومنهم من أنكروا قضاء الله وقدره كالقدرية الذين يقولون لا دخل لقدرة الله في أفعال العباد وتبعهم الجهمية على ذلك.

стр. 481

ومنم من نسب الطاعة والمعصية والكفر والتوحيد والإيمان والنفاق إلى الله تعالى وتقدس، وقال: إن الإنسان مجبور على أفعاله ولا قدرة للعبد أصلاً كالجبرية. ومنهم من وصفه بالنقص والعيب وقال: إنه الوجود المطلق مجرداً عن الأوصاف جميعها لا يعلم ولا يسمع ولا يبصر ولا يختار ولا يشاء وهو ابن سينا ومن نسب إلى أرسطوا اليوناني ووافقهم الجهمية على ذلك إلا أن الجهمية يصفونه بأنه الذات المجردة عن الصفات. ومنهم من يستخفي من الناس ولا يستخفي من الله فكأن الله تعالى عنده أهون الناظرين كالمنافقين كما قال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ . [النساء: ١٠٨] . ومنهم من ظن أن الله لا يعلم كثيراً مما يعمل كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ . ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ . [فصلت: ٢٢، ٢٣] . ومنم من ظن بالله ظن السوء أن الله لا ينصر رسوله ولا يظهر دينه على سائر الأديان، وأن ما جرى ليس بقضائه وقدره، وأن قدره ليس لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد. ومنهم من يحب غير الله كحب الله الذي خلقه ورزقه ولا يستغني عنه طرفة عين، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ . ويخشون غير الله كخشية الله الذي بيده ملكوت كل شيء وهو القاهر فوق عباده وله الملك وله الحمد والأمر قال تعالى: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ . [النساء: ٧٧] . ومنهم من أنكر البعث ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى

стр. 482

وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ . [التغابن: ٧] . ومنهم من اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله يطيعونهم فيما يحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله. قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً﴾ . [التوبة: ٣١] . ومنهم من يبارز الله بالمحاربة يعادي أولياء الله الذين آمنوا وكانوا يتقون الشرك والمعاصي كما في الحديث الإلهي: "من عادى وليًّا فقد بارزني بالمحاربة"١. ومنهم من يوالي أعداءه بطاعته للشيطان قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ . [الكهف: ٥٠] . ومنهم من يعدل بربه غيره في العبادة قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ . [الأنعام: ١] . ومنهم من يرضي الناس بسخط الله. ومنهم من يتقدم بين يدي الله ورسوله في القول والحكم. ومنهم من يجعل الله أهون الناظرين إليه. ومنهم من يجاهر بالمعاصي ولم يرتدع. ومنهم من يصر على المعاصي ولم يتب. ومنهم من يأمن مكر الله. قال تعالى: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ . [الأعراف: ٩٩] . ومنهم من يقنط من رحمة الله قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ

стр. 483

رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ . [الحجر: ٥٦] . ومنهم ومنهم والكل ما قدر الله حق قدره كما يدل قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧] . عن ابن مسعود قال: جاء رجل من الأحبار إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد إنا نجد أي في التوراة أن الله يجعل السماوات على إصبع والأرضين على إصبع والشجر على إصبع والماء على إصبع والثرى على إصبع وسائر الخلق على إصبع فيهزهن فيقول: أنا الملك، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . وفي رواية مسلم: والجبال والشجر على أصبع ثم يهزهن فيقول أنا الملك أنا الله. وفي رواية للبخاري: يجعل السماوات على إصبع، والماء والثرى على إصبع وسائر الخلق على إصبع" أخرجاه١. ولمسلم عن ابن عمر ﵄: "يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون ثم يطوي الأرضين

стр. 484

السبع ثم يأخذهن بشماله" ١. وروي عن ابن عباس ﵁ قال: "ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في كف أحدكم"، وقال ابن جرير: حدثني يونس أن ابن وهب قال: قال ابن زيد حدثني أبي قال: قال رسول الله ﷺ : "ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس" ٢، قال: وقال أبو ذر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهراني فلاة من الأرض "٣. وعن ابن مسعود قال: "بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام وبين كل سماء خمسمائة عام وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة، والعرش فوق الماء والله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم"، أخرجه ابن مهدي عن حماد بن سلمة عن عاصم عن زرّ عن عبد الله، ورواه بنحوه عن المسعودي عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله، قال الحافظ الذهبي وله طرق.

стр. 485

وعن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله ﷺ : "هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: بينهما مسيرة خمسمائة عام وبين كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة وبين السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله تعالى فوق ذلك وليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم" أخرجه أبو داود وغيره١. اعلم أنك إذا علمت علم اليقين أن الله عالم بكل شيء قادر على كل شيء ما استعظمت أمراً من أمور الله قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ . [الطلاق: ١٢] . فهو فعال لما يريد من الأمر ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . [يس: ٨٢] . تمت إذا كان رب العرش أرسل مرسلاً ... وأنزل معه البينات ليعلما وقال: أطيعوا ما يقول رسولنا ... إذا كنت عبدي طائعاً لي مسلما وإياكموا أن تخلفوا قوله ولو ... أتتكم طواغيت يضلون من عمى فكيف بقول الجهل: مالي سوى الذي ... أتى من ملالينا ومن هو مغمما بل قبلنا ناس مضوا هم أئمة ... وقد سطروا قول الرسول كما كما إذا كنت لا تفهم من الهدي الهدى ... عليك بما قالوا ترى الحق مفهما

стр. 486

وأما ملاليكم ذوو الجهل والرشا ... وكتب تعاويذ وسحر ليلقما فلا نحن نبغي الحكم منهم ولا ... ولا لأنهم أهل الضلالة والعمى هذه منظومة الشيخ المجاهد حامد بن محمد غفر لهما الله الصمد. والحمد لله رب العالمين. يقول الفقير إلى عفو الله بكر بن عبد الله أبو زيد ابن غيهب القضاعي: إنه بتاريخ ٢٥/١/١٤١٧. انتهيت –بحمد الله وتوفيقه من التصحيح، والتعليق، حسب الوسع والطاقة- على هذا الشرح المبارك غفر الله لمؤلفه ورحمه، ونفع بكتابه هذا المسلمين، وأسأله سبحانه أن يثيبني على إحياء هذا الأثر النفيس وأن يكتب لي، ولمن ساعدني في المقابلة، والتصحيح، والتعليق خير الجزاء وأوفاه. آمين. المصحح بكر بن عبد الله أبو زيد