← Акыда

Акыда · id 11326

فتح الله الحميد المجيد في شرح كتاب التوحيد

حامد بن محسن

Полный текст (486 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قيوم" ١، "وأسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلك ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد" ٢. وإن كان لا يقسم به وإنما يتسبب به فليس في مجرد ذواتهم سبب يوجب تحصيل مقصوده لكن لابد من سبب منه كالإيمان بهم أو منهم كدعائهم، فمن قال: أسألك بإيماني بك وبرسولك ونحو ذلك أو بإيماني برسولك ومحبتي له ونحو ذلك فقد أحسن كما قال تعالى في دعاء المؤمنين الذين يقولون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ . [آل عمران: ١٦] . وقال تعالى عن الحواريين: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ . [آل عمران: ٥٣] . وكان ابن مسعود يقول: اللهم أمرتني فأطعتك ودعوتني فأجبتك وهذا سَحَرٌ فاغفر لي، ومن هذا الباب حديث الثلاثة الذين أصابهم المطر فأووا إلى الغار وانطبقت عليهم الصخرة ثم دعوا الله بأعمالهم الصالحة ففرج عنهم. وقد مضت السنة أن الحي يطلب منه الدعاء كما يطلب منه سائر ما يقدر عليه. وأما المخلوق الغائب والميت فلا يطلب منه شيء، قال الشيخ أبو الحسن القدوري: المسألة بخلقه لا تجوز لأنه لا حق للمخلوق على الخالق فلا تجوز أعني وفاقاً. وروي في كتاب الحلية لأبي نعيم أن داود ﵇ قال: يا رب بحق آبائي عليك إبراهيم وإسحاق ويعقوب. فأوحى الله إليه يا داود، أي حق لآبائك علي. هذا وإن لم يكن من الأدلة الشرعية فالإسرائيليات يعتضد بها ولا يعتمد عليها، انتهى كلامه رحمه الله تعالى. محصول الحاصل أن المأمور في الدعاء أن تدعو الله بأسمائه الحسنى وأعمالك الصالحة كما مضى.

стр. 422

قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ . [الأعراف: ١٨٠] . يلحدون في أسمائه يشركون ومنه سمي اللات من الإله والعزى من العزيز، وعن الأعمش فيها ما ليس منها انتهى.

стр. 423

متن الباب ٥١ باب: لا يقال: السلام على الله في "الصحيح" عن ابن مسعود ﵁ قال: كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان، فقال النبي ﷺ : "لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام". فيه مسائل: الأولى: تفسير السلام. الثانية: أنه تحية. الثالثة: أنها لا تصلح لله. الرابعة: العلة في ذلك. الخامسة: تعليمهم التحية التي تصلح لله.

стр. 424

شرح الباب ٥١ باب ما جاء في بيان أنه لا يقال السلام على الله لأنه تعالى هو السلام ومنه السلام فإذا سلمت على أحد فأنت طالب من الله أن يسلمه الله تعالى من الآفات والشرور ويرحمه ويبارك عليه وهذا المعنى لا يتصور في جانب الله تعالى لأنه هو السلام ومنه السلام لغيره وفي الصحيح عن ابن مسعود ﵁ قال: كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في الصلاة قلنا السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان فقال النبي ﷺ : "لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام" ١. وفي الدعاء المأثور دبر كل صلاة: " اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام" ٢.

стр. 425

متن الباب ٥٢ باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت في "الصحيح" عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له". ولمسلم: "وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه". فيه مسائل: الأولى: النهي عن الاستثناء في الدعاء. الثانية: بيان العلة في ذلك. الثالثة: قوله: "ليعزم المسألة". الرابعة: إعظام الرغبة. الخامسة: التعليل لهذا الأمر.

стр. 426

شرح الباب ٥٢ باب ما جاء في بيان أن قول: اللهم اغفر لي إن شئت منهي؛ لأن الله تعالى ما خلق عباده إلا لدعائه المسألة ودعاء العبادة، قال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ . [الفرقان: ٧٧] . في الحديث "والدعاء مخ العبادة" ١. وأنه تعالى أمرهم أن يدعوه فيما ينوبهم ووعدهم بالإجابة وأوعد من ترك دعاءه بجهنم قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ . [غافر: ٦٠] . فإذا علمت أن أكرم الأكرمين دعاك إلى فضله وإحسانه وأوعك على ترك ذلك العقوبة العظيمة فكيف يتصور قولك: اللهم اغفر إن شئت لأنه إن لم يشأ ما أمرك بالدعاء ولا أوعدك بجهنم إذا تركته. في الصحيح عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له"، ولمسلم: "وليعظم الرغبة فإنه لا يتعاظمه شيء أعطاه" ٢. فكيف والدنيا كلها ما تسوى عند الله جناح بعوضة كما ورد في الحديث: "لو تسوى الدنيا عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً شربة ماء" ٣.

стр. 427

متن الباب ٥٣ باب: لا يقول: عبدي وأمتي في "الصحيح" عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضىء ربك، وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي، وغلامي". فيه مسائل: الأولى: النهي عن قول: عبدي وأمتي. الثانية: لا يقول العبد: ربي، ولا يقال له: أطعم ربك. الثالثة: تعليم الأول قول: فتاي وفتاتي وغلامي. الرابعة: تعليم الثاني قول: سيدي ومولاي. الخامسة: التنبيه للمراد، وهو تحقيق التوحيد حتى في الألفاظ.

стр. 428

شرح الباب ٥٣ باب ما جاء في بيان أن العبودية لفظاً ومعنى يستحق من خلق ورزق ودبر وأبرم وأتقن، قائم بغيره، الغني عمن سواه، المفتقر إليه ما سواه، له الملك، وله الحمد، فلذا لا ينبغي لمسلم أن يقول لإنسان مثله جعله الله تحت يديه نعمة في حقه كسائر النعم عبدي وأمتي في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقل أحدكم أطعم ربك" تأدباً ولو أنه جائز إطلاق لفظ الرب على صاحب المال كما قال عبد المطلب لأبرهة: أنا رب الإبل وللبيت رب سيمنعه. "وضىء ربك ولا يقل العبد: ربي وليقل: سيدي ومولاي ولا يقل أحدكم عبدي وأمتي وليقل فتاي وفتاتي وغلامي" ١.

стр. 429

باب لا يرد من سأل بالله ... متن الباب ٥٤ باب: لا يرد من سأل الله عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى ترون أنكم قد كافأتموه". رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح. فيه مسائل: الأولى: إعاذة من استعاذ بالله. الثانية: إعطاء من سأل بالله. الثالثة: إجابة الدعوة. الرابعة: المكافأة على الصنيعة. الخامسة: أن الدعاء مكافأة لمن لم يقدر إلا عليه. السادسة: قوله: "حتى ترون أنكم قد كافأتموه".

стр. 430

شرح الباب ٥٤ باب ما جاء في بيان أنه لا يرد من سأل بالله لأنه أكبر من كل كبير كما قيل: رأيت الله أكبر كل شيء ... محاولة وأكثرهم جنوداً وهو قيم السموات والأرض ومن فيهن ومالك السموات والأرض ومن فيهن كما في الحديث الصحيح عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يقول إذا قام إلى الصلاة: "اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن" ١. الحديث. وأنه تعالى أعظم من كل عظيم لقد عظم السبع الطباق وما حوت ولله خلاق الخليقة أعظم مليك على الأكوان عال على الورى له الأمر فيها وهو بالخلق قيم: ولو لم يكن نور الذي خالق الورى لكان ... نهار الدهر كالليل أظلم فسبحانه سبحانه جل قدره ... فعنه لسان العقل والفهم أبكم تقاصرت الأفهام عن كنه ذاته ... ولكن رب الخلق بالخلق أعلم قال أبو موسى: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور لو كشفه لاحترقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" ٢. ثم قرأ: ﴿أن بورك﴾ . [النمل: ٨] . فاستنار ذلك بنور وجهه ولولاه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره، فمن هذا قدره وعظمته وجلاله

стр. 431

فرض أن يعظم حق العظمة ولا يرد من سأل بالله وقاراً وعظمة له وجلالاً. عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئوه به فادعوا له حتى ترون أنكم قد كافيتموه". رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح١. قلت: وفي هذا تنبيه على الترقي من الأدنى إلى الأعلى بطريق الأولوية وذلك إذا كان عبد مثلك إذا صنع إليك معروفاً يلزمك مكافأته فكيف بربك الذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ثم خلق العظام والمفاصل وكسا العظام لحماً ثم صورك أحسن الصور ثم رزقك من الطيبات فمكافأته عليه أولى وألزم بشكر نعمه وطاعته ومعصية عدوه إبليس.

стр. 432

متن الباب ٥٥ باب: لا يسأل بوجه الله إلا الجنة عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة". رواه أبو داود. فيه مسائل: الأولى: النهي عن أن يسأل بوجه الله إلا غاية المطالب. الثانية: إثبات صفة الوجه.

стр. 433

شرح الباب ٥٥ باب ما جاء في بيان أنه لا يسأل بوجه الله إلا الجنة لأنه غاية مطلوب العرفين وعبادته ومحبته نهاية منازل السائرين فكما أنه الغاية في الطلب فلا يسأل بوجهه من المخلوقات إلا ما هو الغاية في الفضل والإحسان وهو رضا الله والجنة. عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة". رواه أبو داود١.

стр. 434

باب ما جاء في اللوء ... متن الباب ٥٦ باب: ما جاء في اللو وقول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤] . وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] . في "الصحيح" عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا وكذا؛ ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان". فيه مسائل: الأولى: تفسير الآيتين في آل عمران. الثانية: النهي الصريح عن قول: لو، إذا أصابك شيء. الثالثة: تعليل المسألة بأن ذلك يفتح عمل الشيطان. الرابعة: الإرشاد إلى الكلام الحسن. الخامسة: الأمر بالحرص على ما ينفع مع الاستعانة بالله. السادسة: النهي عن ضد ذلك وهو العجز.

стр. 435

شرح الباب ٥٦ باب ما جاء في بيان أن المسلم ما ينبغي له إذا أصابه شيء من المصائب أن يقول: لو فعلت كذا لكان كذا لأن المقدر كائن لا محالة، ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك فإن صبرت فأنت مأجور، والمقدر كائن وإن ما صبر فأنت مأزور والمقدر كائن فلا يزيد المتردد في ذكر لو إلا الحسرة والندامة والأسف يدل على ذلك قال الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ . [آل عمران: ١٥٤] . وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ . [آل عمران: ١٦٨] . في "الصحيح" عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان"١. فتدخل في الشك في القدر وربما يؤول لى إنكاره فتهلك.

стр. 436

متن الباب ٥٧ باب: النهي عن سب الريح عن أبي بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح، وخير ما فيها، وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أمرت به" صححه الترمذي. فيه مسائل: الأولى: النهي عن سب الريح. الثانية: الإرشاد إلى الكلام النافع إذا رأى الإنسان ما يكره. الثالثة: الإرشاد إلى أنها مأمورة. الرابعة: أنها قد تؤمر بخير وقد تؤمر بشر.

стр. 437

شرح الباب ٥٧ باب ما جاء في بيان أن لله جنود السموات والأرض، والريح من جنوده، مأمورة منهية، فلا ينبغي لمسلم أن يسب الريح إذا جاءته بما يكره ولذا ورد النهي عن سب الريح، عن أبي بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك خير هذه الريح وخير ما فيها، وخير ما أمرت به ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به". صححه الترمذي١.

стр. 438

متن الباب ٥٨ ب اب: قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ . [آل عمران: ١٥٤] . وقوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ . [الفتح: ٦] . قال ابن القيم في الآية الأولى: فسر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وفسر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقدر الله وحكمته، ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله، وأن يظهره الله على الدين كله. وهذا هو الظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون في سورة الفتح، وإنما كان هذا ظن السوء؛ لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه، وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق، فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره أو أنكر أن يكون قدره بحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة، فذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار. وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته وموجب حكمته وحمده. فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله

стр. 439

ويستغفره من ظنه بربه ظن السوء، ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتاً على القدر وملامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك: هل أنت سالم؟ فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا إخالك ناجياً فيه مسائل: الأولى: تفسير آية آل عمران. الثانية: تفسير آية الفتح. الثالثة: الإخبار بأن ذلك أنواع لا تحصر. الرابعة: أنه لا يسلم من ذلك إلا من عرف الأسماء والصفات وعرف نفسه.

стр. 440

شرح الباب ٥٨ باب ما جاء في بيان أن الظانين بالله ظن السوء عليهم دائر السوء، وغضب الله عليهم ولعنهم ولهم عذاب أليم، لأن الله تعالى كامل من كل الوجوه ذاتاً وأسماء وصفاتٍ وأفعالاً وأقوالاً ذاته منزهة عن جميع العيوب والنقائص وأسماؤه حسنى فصفاته عليا وأفعاله حسنة جميلة وأقواله صدق وعدل وكلماته تامة فلا يعزى إليه سوء ولا شر ولا نقص ولا عيب ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فمن يظن به ظنًّا لا يليق بعظمته وجلاله فقد دخل في قال تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ . [آل عمران: ١٥٤] . وقوله تعالى: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ . [الفتح: ٦] . قال ابن القيم في الآية الأولى: "فسر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله وأن أمره سيضمحل وفسر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقدر الله وحكمته ففسر بإنكار الحكمة وإنكار القدر وإنكار أن يتم أمر رسوله وأن يظهره على الدين كله وهذا هو الظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون في سورة الفتح وإنما كان هذا ظن السوء لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره أو أنكر أن يكون قدره بحكمة بالغة يستحق عليها الحمد بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة فذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختصه بهم وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف

стр. 441

الله وأسماءه وصفاته وموجب وحمده حكمته، فليعنى اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله ويستغفره من ظنه بربه ظن السوء ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتاً على القدر وملامة له وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا فمستقل ومستكثر وفتش نفسك: هل أنت سالم: فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا إخالك ناجياً انتهى.

стр. 442

متن الباب ٥٩ باب: ما جاء في منكري القدر وقال ابن عمر: والذي نفس ابن عمر بيده، لو كان لأحدهم مثل أحد ذهباً، ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر. ثم استدل بقول النبي ﷺ : "الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره". رواه مسلم. وعن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه: "يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: رب، وماذا أكتب؟ قال: أكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة" يا بني؟ سمعت رسول الله صلى الله وسلم يقول: "من مات على غير هذا فليس مني". وفي رواية لأحمد: "إن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة". وفي رواية لابن وهب: قال رسول الله ﷺ : "فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار". وفي "المسند" و"السنن" عن ابن الديلمي قال: أتيت

стр. 443

أبي بن كعب، فقلت: في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله يذهبه من قلبي، فقال: "لو أنفقت مثل أحد ذهباً ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار". قال: فأتيت عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، فكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي ﷺ . حديث صحيح رواه الحاكم في "صحيحه". فيه مسائل: الأولى: بيان فرض الإيمان بالقدر. الثانية: بيان كيفية الإيمان به. الثالثة: إحباط عمل من لم يؤمن به. الرابعة: الإخبار بأن أحداً لا يجد طعم الإيمان حتى يؤمن به. الخامسة: ذكر أول ما خلق الله. السادسة: أنه جرى بالمقادير في تلك الساعة إلى قيام الساعة. السابعة: براءته ﷺ ممن لم يؤمن به. الثامنة: عادة السلف في إزالة الشبهة بسؤال العلماء. التاسعة: أن العلماء أجابوه بما يزيل الشبهة، وذلك أنهم نسبوا الكلام إلى رسول الله ﷺ فقط.

стр. 444

شرح الباب ٥٩ باب ما جاء في بيان أن منكري القدر قد خالفوا الكتاب والسنة، واتبعوا أهوائهم وأنهم في ضلال مبين وما لهم على الله إلا مجرد دعوة الشيطان كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ . [إبراهيم: ٢٢] . فقد بين الله تعالى أنه يخاطبهم بأنهم تبعوه بلا سلطان بل أن دعاهم إلى الباطل فاستجابوا له إما بمخالفتهم الكتاب فقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ . [الحديد: ٢٢] . أي نخلقها، وقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ . [الأنعام: ٣٨] . قال البغوي: أي في اللوح المحفوظ، وقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ . [القمر: ٥٣] . وقوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ . روي عن عمر أنه كان يطوف ويبكي ويقول: اللهم إن كنت كتبتني من أهل السعادة فاثبتني فيها، وإن كنت كتبتني في أهل الشقاوة فامحني واثبتني في أهل السعادة فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، ومعلوم بالضرورة أن المحو لم يكن إلا بعد الكتابة والقرينة عليه قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ . فإنه ورد في الحديث الثابت عنه ﷺ قال: " إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، قال: وماذا أكتب؟ قال: أكتب مقادير كل شيء فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة" ١. وقال ابن عمر: والذي نفس ابن عمر بيده لو كان لأحدهم مثل أحد ذهباً ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه

стр. 445

حتى يؤمن بالقدر، ثم استدل بقول النبي ﷺ : "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره". رواه مسلم١. وعن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، فقال: رب وماذا أكتب؟ قال: أكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة يا بني سمعت رسول الله صلى الله وسلم يقول: من مات على غير هذا فليس مني٢. وفي رواية لأحمد: "إن أول ما خلق الله تعالى القلم فقال اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة" ٣، وفي رواية لابن وهب قال: قال رسول الله ﷺ : "فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار" ٤. وفي المسند

стр. 446

والسنن عن ابن الديلمي قال: أتيت أبي بن كعب فقلت: في نفسي شيء من القدر فحدثني بشيء لعل الله يذهبه من قلبي، فقال: لو أنفقت مثل أحد ذهباً ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار، قال: فأتيت ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت، فكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي ﷺ . حديث صحيح رواه الحاكم في صحيحه١. قلت: وهذه السنة نطقت صريحاً بالقدر وماذا بعد الحق إلا الضلال ولكنهم كما قال تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ . [الروم: ٢٩] . قال أبو العباس ابن تيمية ﵀: إن الناس في الأمر الشرعي الديني والقضاء والمقدور الكوني انقسموا أربعة أقسام، فمنهم من يرى الأمر المقدور الكوني وتوحيد الربوبية الشامل للخليقة ويقر أن العباد كلهم تحت القضاء والقدر، ولكن لا يفرق بين المؤمنين وبين والفجار الكافرين، فهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى، لكن من الناس من يفرق بين المؤمن والكافر ولا يفرق بين البر والفاجر أو يفرق بين بعض الأبرار وبين بعض الفجار ولا يفرق بين الأبرار والفجار ويكون معه من الإيمان بدين الله تعالى والفارق بحسب ما فرق بين أوليائه وأعدائه. ومنهم من أقر بالأمر والنهي الدينيين دون

стр. 447

القضاء والقدر وذاك من القدرية والمعتزلة ونحوهم الذين هم مجوس هذه الأمة فهؤلاء يشبهون المجوس وأولئك يشبهون المشركين الذين هم شر من المجوس، ومن أقر بهما وكان معترضاً على ربه في أحكامه فهو كإبليس الذي اعترض على الرب وخاصمه. ومنهم من أقرّ الأمر الكوني المقدور والأمر الشرعي المأمور فيفعل المأمور ويترك المحظور ويصبر على ما يصيبه من المقدور وهؤلاء هم أهل إياك نعبد وإياك نستعين وإذا أذنب استغفر وتاب ولا يحتج بالقدر على ما يفعله من السيئات، ويؤمن بالقدر ولا يحتج به كما في الحديث الصحيح "سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت وأبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" ١. فيقر بنعمة الله عليه في الحسنات ويعلم أنه هداه ويسره لليسرى، ويقر بذنوبه من السيئات ويتوب منها كما ذكر عن بعضهم: أطعتك بفضلك والمنة لك وعصيتك بعلمك والحمد لك فأسألك بوجوب حجتك علي وانقطاع حجتي إلا غفرت لي، وفي الحديث الصحيح الإلهي: "يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" ٢. والقسم الرابع: شر الأقسام من لا يعبده ولا يستعينه فلا هو مع الشريعة الأمرية ولا مع القدرية. فائدة: قال بعض الصالحين: القدر التقدير والقضاء الخلق وهما أمران متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر لأن أحدهما بمنزلة الأخر

стр. 448

وهو القدر والأخر بمنزلة البنيان وهو القضاء، فمن رام التفصيل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه، وقال بعضهم: إن القدر كتقدير النقاش الصورة في ذهنه والقضاء تقديمه تلك الصورة للتلميذ ووضع التلميذ الأصباغ عليها متبعاً لرسم الأستاذ الذي هو الكتب والاختيار والتلميذ في اختياره لا يخرج عن رسم الأستاذ.

стр. 449

متن الباب ٦٠ باب: ما جاء في المصورين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة". أخرجاه. ولهما عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: "أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله". ولهما عن ابن عباس ﵄: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم". ولهما عنه مرفوعاً: "من صوَّر صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ". ولمسلم عن أبي الهياج قال: قال لي علي: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته". فيه مسائل: الأولى: التغليظ الشديد في المصورين. الثانية: التنبيه على العلة، وهو ترك الأدب مع الله

стр. 450

لقوله: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي". الثالثة: التنبيه على قدرته وعجزهم، لقوله: "فليخلقوا ذرة أو شعيرة". الرابعة: التصريح بأنهم أشد الناس عذاباً. الخامسة: أن الله يخلق بعدد كل صورة نفساً يعذب بها المصور في جهنم. السادسة: أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح. السابعة: الأمر بطمسها إذا وجدت.

стр. 451

شرح الباب ٦٠ باب ما جاء في بيان ما عند الله من الوعيد الشديد والتهديد الأكيد للمصورين الذين يضاهئون بخلق الله تصوير الصور جثثاً مجازية لا حقيقة لها. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة". أخرجاه١ ولهما عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله" ٢ ولهما عن ابن عباس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفساً يعذب بها في جهنم" ٣. ولهما عنه مرفوعاً: "من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ" ٤. قلت: تصوير الصورة مع ما فيه من الوعيد والتهديد ربما يؤول مآلها إلى عبادتها كما جرت في الأولين ود وسواع ويغوث ويعوق ونسرا، فإنهم صوروها على نية صحيحة ثم آل أمرها إلى أن عبدت، وقد مضى بيانها فيما قبل من هذا الكتاب ففيها المعصية والخطر العظيم.

стр. 452

ولمسلم عن أبي الهياج قال: قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : "ألا تدع صورة إلا طمستها ولا قبراً مشرفاً إلا سويته" ١. قلت: وهذان الأمران، أورثا الشرك قديماً، وحديثاً، ولو لم يكن في هذا الزمان: كَثْرَةُ تِمثَالٍ تُعْبَد، فقد كثرت الشرفات من القبور المقببات المزخرفات التي جُعِلَ لها السَّدنة، والنذورات، والذبائح قربة إليها، فكم ساجد، وراكع حولها يستشفي بها، ويطلب منها الحاجات من كشف الكربات، ودفع الملمات، وقد عمت البلوى وأرجو أن الله تعالى ينصر دينه الذي بعث به محمد بن عبد الله ﷺ وهو التوحيد عبادة الله وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه.

стр. 453

متن الباب ٦١ باب: ما جاء في كثرة الحلف وقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ . [المائدة: ٨٩] . عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب" أخرجاه. وعن سلمان ﵁ أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: أشيمط زان، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته، لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه" رواه الطبراني بسند صحيح. وفي "الصحيح" عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثاً؟ ثم إن بعدكم قوماً يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن". وفيه عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته". قال إبراهيم: كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار.

стр. 454

فيه مسائل: الأولى: الوصية بحفظ الأيمان. الثانية: الإخبار بأن الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للبركة. الثالثة: الوعيد الشديد فيمن لا يبيع ولا يشتري إلا بيمينه. الرابعة: التنبيه على أن الذنب يعظم مع قلة الداعي. الخامسة: ذم الذين يحلفون ولا يستحلفون. السادسة: ثناؤه ﷺ على القرون الثلاثة، أو الأربعة، وذكر ما يحدث بعدهم. السابعة: ذم الذين يشهدون ولا يستشهدون. الثامنة: كون السلف يضربون الصغار على الشهادة والعهد.

стр. 455

شرح الباب ٦١ باب ما جاء في بيان إثم كثرة الحلف وعقوبته وما يؤول إليه وبيان قال الله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ . [المائدة: ٨٩] . قيل: أي اتركوا الحلف، وقيل: إذا حلفتم فلا تحنثوا المراد حفظ اليمين عن الحنث هذا إذا لم تكن يمينه على ترك مندوب أو فعل مكروه، والأفضل أن يحنث نفسه ويكفِّر. عن عبد الرحمن بن سمرة عن النبي ﷺ أنه قال: "يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أوتيتها عن غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فكفِّر عن يمينك وأت الذي هو خير" ١. وأما ما يؤول إليه من المضار فعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للبركة" ٢. فذكر رسول الله ﷺ أن مآل الحلف الذي ليس له سبب شرعي محق للبركة مما حلف عليه وكفى بذلك عقوبة دنيوية. وأما العقوبة الأخروية وعن سلمان أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: أُشيمط زان وعائل مستكبر ورجل جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه" رواه الطبراني بسند صحيح٣. قلت: الزنى قبيح في الكل، ولكن في الشائب أقبح؛ لأن دواعي الشهوة منتفية عنه لضعف قواه. والاستكبار قبيح في الكل،

стр. 456

وفي الفقير أقبح؛ لأن دواعي الاستكبار عنه منتفية لحاجته إلى الناس. وكثرة الحلف تدل على هوان اسم الله عند الحالف وهذا إثم عظيم. وفي الصحيح عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم -قال عمران: فلا أدري أذَكَرَ بعد قرنه مرتين أو ثلاثاً- ثم إن بعدكم قوماً يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن" ١. وفيه عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته"٢. قال إبراهيم: كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار كي يؤتى بهما على الوجه المرضي الشرعي.

стр. 457

متن الباب ٦٢ باب: ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه وقول الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] . عن بريدة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، فقال: "اغزوا بسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال - أو خلال- فأيتهن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام فإن هم أجابوك فاقبل منهم، ثم ادعوهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله تعالى، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فاسألهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم. وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة

стр. 458

أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه. وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك. فإنك لا تدري، أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟ " رواه مسلم. فيه مسائل: الأولى: الفرق بين ذمة الله وذمة نبيه، وذمة المسلمين. الثانية: الإرشاد إلى أقل الأمرين خطراً. الثالثة: قوله: "اغزوا بسم الله في سبيل الله". الرابعة: قوله: "قاتلوا من كفر بالله". الخامسة: قوله: "استعن بالله وقاتلهم". السادسة: الفرق بين حكم الله وحكم العلماء. السابعة: في كون الصحابي يحكم عند الحاجة بحكم لا يدري أيوافق حكم الله أم لا؟.

стр. 459

شرح الباب ٦٢ باب ما جاء في بيان أجر من حفظ ذمة الله وذمة رسوله ﷺ وكبر إثم من خفر ذمة الله وذمة رسوله ﷺ من الكتاب والسنة. أما الكتاب فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ . [النحل: ٩١] . فأمر الله تعالى بحفظ العهد والوفاء به، ونهى عن نقض الأيمان بعد توكيدها، وذكر تعالى مآل الغدر ونقض الأيمان في قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . [النحل: ٩٤] . وقد علم بالضرورة العقلية والنقلية وتجارب الأمم الماضية أن الغدر، ونقض الأيمان، وخفر الذمة ما يورث إلا شرًّا. إياك والغدر كم من غادر وقع ... في شر ما كان قبل الغدر متخذل يقول ليت لم أغدر وليس له ... فك من شر والخسران والخذل أيضاً ولا تنقضوا الأيمان مدخلاً ... تزل الأقدام ناس بعد ذا الدخل كن ناصحاً وصدوقاً موفياً فطناً ... الصدق يعلو ونقض القول في السفل فكم محنة نزلت بالمسلمين بسبب شيء من ذلك رأيناه عياناً وسماعاً ولكن أين أولوا الألباب والأبصار ليعتبروا ولم يخذل المسلمون قديماً وحديثاً وسلط عليهم العدو وتشتتوا واختلوا إلا به وأمثاله من المعاصي ولكن لا حول ولا قوة إلا بالله، وأرجو أن الله يتوب على المسلمين ويوفقهم لما يحب ويرضى ويظهرهم على أعداء الدين في مشارق الأرض ومغاربها إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير. وأما من السنة وعن بريدة قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله ومن معه من

стр. 460

المسلمين خيراً، فقال: "اغزوا بسم الله، في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فآيتهن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم: ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فاسألهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوا أن تجعل ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا"، رواه مسلم١. قلت: وفي هذا دليل على جواز الاجتهاد لمن له قوة على
следующие страницы →