الجزاء" ١. وللإمام أحمد عن ابن مسعود مرفوعاً "من ردته الطيرة حاجته فقد أشرك" قالوا: يا رسول الله ما كفارة ذلك؟ فقال: "أن يقول أحدهم: اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك" ٢. وللإمام أحمد عن أبي موسى أنه خطب فقال: أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل، فقام عبد الله بن حزن، وقيس بن المضارب فقالا: لتخرجن مما قلت، أو لنأتين عمر مأذون لنا أو غير مأذون. قال: بل أخرج مما قلت خطبنا رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: "أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل " فقال له من شاء الله أن يقول: كيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: "قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئاً نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه" ٣. وقد روي من وجه آخر أن السائل هو الصِّدِّيق. وعن أبي هريرة قال: قال أبو بكر: يا رسول الله علمني شيئاً أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعي. قال: "قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه" ٤. رواه أبو داود والترمذي، والنسائي، وصححه.
стр. 72
ورواه الإمام أحمد من حديث أبي بكر الصديق، وزاد في آخره: " وأن اقترف على نفسي سوءاً أو أجرّه إلى مسلم" ١.
تفسير الآية الخامسة
ثم استدل الشيخ -رحمه الله تعالى- بما يدل على تحريم الشرك من الكتاب والسنة، قال -رحمه الله تعالى-: وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ الآية. تنبيه وتوبيخ:
أما النبيه: أن الحق اللازم الأولى في حق العبيد أن ينتظروا أمر سيدهم وخالقهم، الذي خلقهم من تراب، وربهم الذي رباهم بنعمته، ولا يستغنوا عنه طرفة عين، فيمتثلوا به، ويتوقعوا نهيه؛ ليجتنبوه. فعلى هذا الصنف: قال تعالى: ﴿تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ فإذا تستوجبوا غضبه وعذابه، أي: أشركتم به شيئاً، ومن أعظم ما أمر به أن توحدوا الله تعالى بالعبادة، ولا تشركوا به شيئاً فيحبط أعمالكم، وتستوجبوا الخلود في النار. قال تعالى: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ . [الزمر: ٦٥] . وقال تعالى: قال تعالى: ﴿َقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ . [المائدة: ٧٢] . وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ . [النساء: ٤٨ و١١٦] . وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ . [التوبة: ٢٨] .
وأما التوبيخ: فيوبخ الله المشركين على أنهم قابلوا شكر نعم
стр. 73
ربهم الذي رباهم بنعمه بالشرك به، والكفر، وهذا أمر ينكره العقل، والنقل، والفطرة، كيف لا، والعقل يشهد بمجازاة الإحسان بالإحسان، والنقل كذلك، قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ﴾ . [الرحمن: ٦٠] . والفطرة فطرت على الإحسان إلى من أحسن إليه والمشركون قد خالفوا الكل. واعلم أن المشركين كانوا على أديان مختلفة، ومعابيد شتى، فمنهم من يعبد اللات، والعزى، ومناة. قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ . [النجم: ١٩،٢٠] .
قال ابن القيم: "قال غير واحد من السلف: أن اللات كان رجلاً صالحاً يلتّ السويق للحاج فمات، فعكفوا على قبره" وأما العزى، فعلى ما ذكره المفسرون: أنها ثلاث سمرات في وادي نخلة تقصدها العرب. وأما مناة: فحجارة معروفة يهلّون منها للحج، ويستمطرون بها الأنواء. ومنهم من يعبد الأنبياء والصالحين، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ . [الإسراء: ٥٦،٥٧] . ذكر المفسرون أن هذه الآية نزلت في ناس يعبدون عيسى وعزيزاً. ومنهم من يعبدون الملائكة، يريدون منهم الشفاعة قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ . [سبأ: ٤٠،٤١] . ومنهم من يعبد الجن، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ . [الجن: ٦] . ذكر المفسرون أنهم إذا نزلوا الوادي قالوا: "إنا نعوذ بسيد هذا القوم من سفهائهم" ومنهم من يعبد الشمس والقمر، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا
стр. 74
تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ . [فصلت: ٣٧] . ومنهم من يعبد صوراً مصورة على صور الصالحين، ودًّأ، وسواعاً، ويغوث، ويعوق، ونسراً. وكانوا يقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ . [نوح: ٢٣] .
وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . [يونس: ١٨] .
واعلم أن المشركين مع شركهم وكفرهم، كانوا يخلصون لله في الشدائد، ويشركون في الرخاء، قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ . [العنكبوت: ٦٥] . وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ . [الروم: ٣٣، ٣٤] . قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: "إن الكفار المشركين كانوا إذا ركبوا في السفن ألقوا ما معهم من الأصنام وعلموا أن آلهتهم لا تنفعهم" انتهى.
فإذا علمت معابيد المشركين في الجملة، وعرفت أنهم لا يشركون دائماً، بل يشركون في حال الرخاء، وأما في الشدائد فيخلصون لله تعالى، فاعلم أن في آخر الزمان وقع ما هو أشد وأدهى من فعل المشركين بوجوه:
الوجه الأول: أنه ما كان في المشركين إلا قبة واحدة، وهي قبة اللات، والآن في كل مكان قبائب بها يُلاذ ويستعان، كما قيل:
وعند ثقيف كان قبة لاتهم ... والآن في كل المواطن ذا الصنع
ففي كل أرض قبة مثل لاتهم ... ليرجى ويدعى لانتفاع وللدفع
стр. 75
وأيضاً عندهم العزى لا سواها، والآن كم من شجرة تقصد؟ كما قيل:
وفي نخلة العزى زمان قريشهم ... وكم سدرة الآن تقصد للنفع
هناك مناة كم مناة زماننا ... فكم صخرة الآن تقصد للدفع
وإن نزلوا الوادي استعاذت قريشهم ... والآن كل يستعيذ من الجمع
فكم ذبحت للجن سود دجاجة ... وكم بيضة كم من بسيس من الوجع
وقد زاد في ذات الوقت أهل زماننا ... تعلقهم بالروث والضرس والودع
وبالعين جحر النمل موطا لصالح ... وبالبيض عظم الرأس في النخل والزرع
معابيدهم شتى مقاصدهم شتى ... فكل له مولى إذا ناب من فجع
ومهما أرادوا حاجة قصدوا لهم ... مقاماً وشيئاً من ضرى الكلب والضبع
وقالوا بها نقضي معاضل أمرنا ... بقصد صحيح بالخضوع وبالخشع
فكم ذبحت للقبر خير ذبيحة ... وكم صار نذر للقبور من الفجع
وكم سجدوا حول القبور لحاجة ... وكم راكع مهما أتاها وكم ينع
وكم هتفوا باسم المشائخ عندما ... رأوا ضرة بحراً وبراً من الفزع
فكل ترى داع إلهاً لقصده ... إذا اشتدت الحاجات والكرب والجزع
إلهي رأينا كل هذي معايناً ... فقد خالفوا التوحيد في القصد والوضع
وقد جاء رسول الله ينفي فعالهم ... فهم أثبتوها عكس ما جا من الشرع
ومع ذا يقول الحق عندي وأنني ... على الدين والتوحيد بالسبق والسرع
الوجه الثاني: أن الأولين ما أشركوا إلا في الرخاء، وأكثر هؤلاء يشركون في البحر والبر، وفي الشدائد والرخاء، حتى إذا تكلم قال يا فلان، ولم يذكر الله الذي خلقه ودبره.
الوجه الثالث: أن الأولين كانوا يعبدون شجراً، أو حجراً، أو شمساً، أو قمراً، لا يعصون الله، أو يعبدون أنبياء وصالحين، يرجون شفاعتهم. وأكثر أهل زماننا يعبدون فسقة فجرة، يعاينون فسقهم
стр. 76
وفجورهم، ومع ذلك يتبركون بهم، ويستشفون منهم.
الوجه الرابع: أن الأولين ما أرادوا من معابدهم إلا القربة، والشفاعة، وأكثر أهل زماننا يطلبون منهم الربوبية، كالعيال، والأولاد، والرزق، والسعة، والرحمة، والمغفرة، والنصر على الأعداء من دون سبب، ونظم في ذلك بعضهم في بعض معابيدهم:
يا عمدتي يا صفى الدين يا سندي ... يا عمدتي بل ويا ذخري ومفتخري
أنت الملاذ لما أخشى مضرته ... وأنت لي ملجأ من حادث الدهر
وامنن علي بتوفيق وعافية ... وخير خاتمة مهما انقضى عمري
وكف عني ألف الظالمين إذا ... امتدت بسوء وأمر مولمٍ نكري
فإنني عبدك الراجي بودك ما ... أملته يا صفي السادة الغرر
قال بعض العلماء: فأي معنى اختص به الخالق بعد هذه المنزلة؟ وماذا أبقى هذا المتكلم الخبيث لخالقه من الأمر؟ فإن المشركين أهل الأوثان وما يؤمنون في مَنْ عبدوه بشيء من هذا، وهذا بعض كلامهم. ولو ذهبنا نذكر ما يشبهه نظماً ونثراً لطال الكلام، وما وسعه المقام، وفاتنا ما قصدنا من النظام لهذا فكيف الإيمان بهذا وشبهه، والإيمان بقوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . [يونس: ١٠٦، ١٠٧] . وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾ . [الجن: ٢١] . وقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . [الأعراف: ١٨٨] . وقوله ﷺ في حديث أبي هريرة: "يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله
стр. 77
شياً ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً ويا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً" ١. فهل يجتمع الإيمان بقول هؤلاء المشركين وما جاء به الرسول ﷺ من إخلاص العبادة لله تعالى؟ لا والله لن يجتمعا في قلب عبد، إلا كما يجتمع أن موسى صادق على الحق، وأن فرعون صادق على الحق، وأن فرعون صادق على الحق، بل كما القائل:
سارت مشرِّقة وسرت مغرِّباً ... شتان بين مشرِّق ومغرِّب
صم وبكم عن حقيقة دينهم ... عمي عن القول المصيب الطيب
قد أغرقوا في بحر شرك لجة ... في ظلمة فيها صواعق صيب
أعاذنا الله من الشرك والكفر والنفاق وبرأنا من أهلها.
شرح حديث ابن مسعود:
ولما استكمل الشيخ -رحمه الله تعالى- الاستدلال على توحيد الألوهية بالآيات القرآنية، وشرع يستدل عليه بالأحاديث النبوية، فقال -رحمه الله تعالى-: عن ابن مسعود من أراد أن ينظر إلى وصية محمد التي عليها خاتمة فليقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ
стр. 78
بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . [الأنعام: ١٥١،١٥٣] . ومعلوم بالضرورة شرعاًً وعقلاً أنه إذا أراد أحد أن يسافر، أو كان مريضاً، أن يوصي أهله، وولده، ومن تبعه، بما يصلحهم من أمر دينهم ودنياهم، فكيف سيد المرسلين المبعوث إلى الخلق أجمعين المخاطب ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ . [المائدة: ٦٧] . فكان هو ﷺ أحق وأولى بالوصية لأمته بما يصلحهم في أمر دينهم الذي بعث إليهم لأجله، ولكن بحكمة أحكم الحاكمين حال بينه وبين وصيته ﷺ ما حال.
خرَّج البخاري في صحيحه ثنا إبراهيم بن موسى نا هشام عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: لما حضر النبي ﷺ وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ﵁ قال: "هلم بدواة وقلم أو نحو ذلك أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده". قال عمر: إن النبي ﷺ غلبه على الوجع، وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله. واختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما كثر اللغط والاختلاف عند النبي ﷺ قال: "قوموا عني". قال عبيد الله فكان ابن عباس يقول إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك من اختلافهم ولغطهم١.
هذا ولكن ابن مسعود ﵁ – علم من غرز علمه –المكتسب من صحبة الرسول ﷺ ، المقتبس من نور علم الرسول
стр. 79
صلى الله عليه وسلم- أنه ليس للرسول ﷺ وصية غير وصية الله، فقال: من أراد أن ينظر إلى وصية محمد إلخ.
قلت: هذه الوصية لما اشتملت على الأحكام الأصلية، والفرعية، والباطنية، والظاهرية، والدنيوية، والأخروية، والعلمية، والأدبية، ذكرها ابن مسعود –﵁:
فأما الأحكام الأصلية: فدلالتها على التوحيد وشُعبه الذي هو أصل الأديان، وأساسها كلها. وأما الأحكام الفرعية: فما عدا التوحيد من الأوامر، والنواهي التي هي تابعة للتوحيد.
وأما الأحكام الظاهرية: فقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ﴾ والفاحش: ما استفحشه الشرع والعقل، كالزنا، واللواط، وقول الزور، والكذب، وقذف المحصنات، والسحر، وأشباه ذلك من الذي يستفحشه الشرع والعقل.
وأما الأحكام الباطنية: فقوله: ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ كالرياء، والنفاق الاعتقادي، والكبر، والعجب، والحسد، والحقد، وحب أعداء الله، وبغض أوليائه، وغير ذلك من الأمور الباطنية المخالفة للوحيين.
وأما الأحكام الدنيوية: فعلى نوعين: نوع يتعلق بالأنفس، ونوع بالأموال. فأما ما يتعلق بالأنفس: فقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ . [الإسراء: ٣١] . فالأولاد زينة الدنيا، كما قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ . [الكهف: ٤٦] . وأمرك الله بإبقائها وأما ما يتعلق بالأموال: فقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ فأرشد الله تعالى إلى إبقاء ما يزينهم جمالاً، مع أنه الرازق للكل، المعطي، المانع، المنعم، المتفضل.
وأما الأحكام الأخروية: فجميع الأحكام المأمور بها، والمنهي عنها؛ لأن جزاءها في الآخرة، ولو حصل للمطيع بعض الجزاء في
[النساء: ١٦٤] . وقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ . [مريم: ٥٢] . وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ . [التوبة: ٦] . وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ . [الحشر: ٢١] . وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ . [النحل: ١٠١] . وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ . [القيامة: ٢٢،٢٣] . وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ . [يونس: ٢٦] .
هذا الباب في كتاب الله كثير من تدبر القرآن طالباً للهدي تبين له طريق الحق منه ومما وصف الرسول به ربه من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة ووجب الإيمان به كما يجب الإيمان بما ورد في القرآن مثل قوله ﷺ : "ينزل ربنا في كل ليلة" ١ إلخ وقوله: "لله أشد فرحاً بتوبة عبده من واجد راحلته بعدما فقدها" ٢. وقوله: "يضحك الله إلى رجلين أحدهما يقتل الآخر كلاهما يدخل الجنة" ٣. متفق عليه وقوله: "عجب ربنا من قنوط عباده" ٤. الحديث وقوله: "لا تزال جهنم يلقى فيها فنقول هل من مزيد حتى يضع فيها رب العزة قدمه فينزوي بعضها إلى بعض فتقول قط قط" ٥. وقوله: "ما منكم
стр. 84
من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان" ١. وقوله في رقية المريض: "ربنا الذي في السماء" ٢. إلخ قوله: "والعرش فوق ذلك والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه " ٣. وقوله للجارية: "أين الله؟ قالت: في السماء" ٤. وقوله: "أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيث ما كنت"٥. وقوله: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قِبَلَ وجهه فلا يبصقن قِبَلَ وجهه، ولا عن يمينه، ولكن عن يساره أو تحت قدمه" ٦. متفق عليه. وقوله لما رفع أصحابه أصواتهم بالذكر قال: "يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً بصيراً، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق
стр. 85
راحلته" ١.متفق عليه، وقوله: "إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون" ٢. الحديث.
فإن الفرقة الناجية، -أهل السنة والجماعة- يؤمنون بذلك، كما أخبر الله به في كتابه من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، بل هم الوسط في فرق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم. وهم وسط في باب صفات الله تعالى، بين أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل المشبهة. وهم وسط في باب أفعال الله تعالى، بين القدرية والجبرية. وفي باب وعيد الله، بين المرجئة وبين الوعيدية من القدرية وغيرهم. وفي باب الإيمان والدين، بين الحرورية وبين المعتزلة وبين المرجئة والجهمية. وفي أصحاب رسول الله، بين الروافض وبين الخوارج.
ومن الإيمان بالله وكتبه: أن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية من كلام، أو عبارة، بل إن قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف لم يخرج بذلك من أن يكون كلام الله سبحانه حقيقة؛ فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئاً لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً، وهو كلام الله حروفه ومعانيه، ودخل في الإيمان به وبكتبه وبرسله الإيمان بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة عياناً بأبصارهم. ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فيؤمنون بفتنة القبر، وبعذاب القبر، فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، والمرتاب يقول:
стр. 86
آه آه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته فيضرب بمزربة من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، وفي الحشر تعاد الأرواح إلى أجسادهم فتقوم الناس حفاة عراة وتدنو الشمس منهم، ويلجمهم العرق، وينصب الميزان للأعمال فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون وينشر الدواوين أي: الصحائف، كما قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً﴾ . [الإسراء: ١٣] . وكل يجازى بعمله إن خيراً فخير، وإن شراًّ فشر، وفي عرصة القيامة الحوض المورود لمحمد ﷺ ، والصراط على متن جهنم يمر الناس على قدر أعمالهم فمن مر على الصراط دخل الجنة. وأول من يستفتح باب الجنة محمد ﷺ وأول من يدخل من أمم أمته التابعين لسنته.
وفي القيامة ثلاث شفاعات:
الأولى: في أهل الموقف حتى يقضى بينهم.
الثانية: في أهل الجنة أن يدخلوها وهاتان الشفاعتان خاصتان له.
والثالثة: فيمن استحق النار فهذه له ولسائر الأنبياء والصديقين وغيرهم؛ فيشفع فيمن استحقها أن لا يدخلها وفيمن دخلها أن يخرج منها، ويخرج أقواماً من النار بغير شفاعة؛ بل بفضله ورحمة منه، ويبقى فضل في الجنة فينشئ الله أقواماً فيدخلهم الجنة.
وتؤمن الفرق الناجية بالقدر خيره وشره وهو على درجتين، الأولى: الإيمان بأن الله علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، وفي اللوح مقادير الخلائق، فما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن
стр. 87
ليصيبه. والجنين قبل أن تنفخ فيه الروح يبعث الله تعالى ملكاً فيؤمر بأربع كلمات: رزقه وأجله وعلمه، وشقي أو سعيد، ونحو ذلك. والقدر ينكره بعض غلاة القدرية قديماً ومنكره اليوم قليل. والثانية فهو مشيئته النافذة، وقدرته الشاملة ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن لا خالق غيره ولا وارث سواه وأمر العباد بطاعته وطاعة رسوله، ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد. والعباد فاعلون حقيقة والله خالق أفعالهم، وخالق قدرتهم وإرادتهم، وهذه الدرجة تكذب عامة القدرية الذين سماهم الرسول ﷺ مجوس هذه الأمة١. ويغلو فيها قوم حتى سلبوا العبد قدرته واختياره.
ويؤمنون أن الإيمان قول وفعل ونية، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ولا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما فعله الخوارج؛ بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، كما قال في القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ . [البقرة: ١٧٨] . وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ . [الحجرات: ٩] . ولا يسلبون الفاسق اسم الإيمان بالكلية فيخلدونه في النار كما تقوله المعتزلة، بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان قال تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ . [النساء: ٩٢] . ولا يدخل في الاسم الإيمان المطلق، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ . [الأنفال: ٢] . وقول النبي ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو
стр. 88
مؤمن" ١. ويقولون هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، ولا يعطى اسم الإيمان المطلق ولا يسلب اسم مطلق الإيمان ومن أصولهم: سلامة قلوبهم وألسنتهم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . [الحشر: ١٠] .
يقولون بما جاء به الكتاب والسنة في فضائل الصحابة، ومراتبهم. وأن الخليفة بعد رسول الله أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. ومن طعن في خلافة أحد هؤلاء فهو أضل من حمار أهله. ويحبون أهل البيت، ويحفظون فيهم وصيته، حيث قال يوم غدير خُمّ: "أذكّركم الله في أهل بيتي"٢. وقال للعباس عمه –وقد شكا إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم- فقال: "والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبونكم لله ثم لقرابتي" ٣. ويتبرؤن من طريق الروافض، الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريق النواصب، الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل. ويمسكون عما شجر بين الصحابة، وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل أحد من الصحابة معصوم عن كبائر وصغائر؛ بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة ولهم في السوابق والفضل؛ بل ما يوجب مغفرة ما صدر حتى إنهم يُغفر لهم من السيئات
стр. 89
ما لا يغفر لمن بعدهم فكيف بالأمور التي هم مجتهدون؟ إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور. ثم القدرية ينكرون فعل بعضهم وخطؤهم مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح، فمن نظر بعين البصيرة علم أنهم خير القرون١، كما قاله الرسول ﷺ .
ثم طريق الفرقة الناجية اتباع آثار الرسول ﷺ ظاهراً وباطناً، وابتاع سبيل السابقين الأولين من الأنصار والمهاجرين، واتباع وصية رسول الله ﷺ حيث قال: فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" ٢.
ويقدمون كلام الله على غيره من أصناف الكلام، ويقدمون هدي النبي على هدي كل أحد، ولهذا سُمُّوا: أهل الكتاب والسنة، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة، ويرون إقامة الحج، والجهاد، والجُمع، والأعياد، مع الأمراء، أبراراً، وفجاراً. ويحافظون على الجماعات، ويدينون بالنصيحة وأنهم: "كالبنيان يشد
стр. 90
بعضه بعضاً" ١. أو: "كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" ٢. كما قال الرسول ﷺ . ويأمرون ببرِّ الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والإحسان إلى اليتامى والمساكين، وابن السبيل، والرفق بالمملوك، وينهون عن الفخر والخيلاء، والبغي والاستطالة على الخلق بغير حق، ويأمرون بمعالي الأخلاق ومكارمها، ومحاسن الأعمال، وينهون عن سفاسفها، وهم في ذلك متبعون للكتاب والسنة، وفيهم الصديقون، والشهداء، والصالحون، ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى، وهم الطائفة المنصورة التي قال فيهم النبي ﷺ : " لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة" ٣. فنسأل الله العظيم المنان أن يجعلنا منهم، وأن لا يزغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ويهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب. انتهى كلام الشيخ ابن تيمية ﵀ في العقيدة، عقيدة الفرقة الناجية إلا أني اكتفيت عن تعداد الدلائل بالدليل الواحد اختصاراً.
شرح حديث معاذ
ثم استدل الشيخ ﵀ على توحيد الألوهية؛ بحديث معاذ المصرِّ بحقيْن؛ حق فرضي لزومي، وهو حق السيد الخالق المدبر المربي بالنعم على العبد، وحق تفضلي، وهو حق العبد على المولى إذا قام بأمره واجتنب نواهيه:
قال -رحمه الله تعالى-: وعن معاذ بن جبل قال: كنت رديف النبي ﷺ على حمار فقال لي: "يا معاذ أتدري ما حق الله على
стр. 91
العباد؟ " ١. قلت: قوله ﷺ : ما حق الله على العباد؟ مستفهماً مشعر بالتفخيم والتعظيم، وهو كذلك، وكيف لا؟ وهو الله الذي خلقهم أولاً من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ثم صوره فأحسن صوره؛ فخلق العظام ثم كسا العظام لحما ثم نفخ فيه الروح طوراً بعد طور في ظلمات ثلاث: ظلمة الصلب، وظلمة البطن، وظلمة الرحم، ثم أخرجك من أضيق المكان وجعل فيك قوة الغاذية واستخدم لها أربع قوى:
قوة الجاذبية للمنافع، بمعنى: أنه يجذب كل عرق من العروق حقه من الشراب والطعام بعد الطبخات الثلاث.
والثانية: قوة الماسكة، أي يمسك الشراب والطعام في المعدة مدة الطبخ المقدرة على التراتيب المقدرة.
والثالثة: قوة الهاضمة تهضم الأشياء وتنقلها من حال إلى حال، ولولا ذلك لما حصلت المنفعة.
الرابعة: قوة الدافعة، تدفع الفضلات المضرة بعدما يؤخذ قوتها ونفعها بأمر الملك القيوم، واستخدم لها الله تعالى من فضله الواسع كيفيات أربع: الحرورة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، ولولا ذلك لما اعتدل الطبع والمزاج، فالحرورة تدفع ضرر البرودة، والبرودة تفع ضرر الحرورة، والرطوبة تدفع ضرر اليبوسة واليبوسة تدفع ضرر الرطوبة.
وركبت فيك المدركات العشر: خمس في الظاهر، وخمس في الباطن.
أما اللواتي في الظاهر فهي: قوى خمس؛ كالجواسيس التي
стр. 92
توصل العلم وتنتهي الأخبار بها للمدركات الباطنية، الأولى: قوة البصر، وموضعها تقاطع الصليبين بين العصبتين الآتيتين إلى العينين، من شأنها إدراك الألوان والأضواء والأشكال، والثانية: قوة السمع، وموضعها العصب المفروش على الصماغ، من شأنها إدراك الأصوات المختلفة، والثالثة: قوة الشم، وموضعها العصبتان الزائدتان الشبيهتان بحلمتي الثدي؛ من شأنها إدراك الروائح المتصعدة من الهواء، والرابعة: قوة الزوق، وموضعها العصب الذي في جرم اللسان؛ من شأنها إدراك الطعوم، والخامسة: قوة اللمس، وموضعها الجلد واللحم الذي تحته من شأنها إدراك الملموسات في حرها وبردها، ورطوبتها ويبوستها، وخشونتها وملاستها، ولينها وصلابتها، وكل ذلك فضل من الله تعالى ومنّ على عبده ليذكره ولا ينساه ويشكره ولا يكفره ويطيعه ولا يعصيه، فسبحان من له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين.
وأما اللواتي في الباطن فمنها مدركة للصورة المحسوسة بإدراك الحواس الظاهرة وهي الحس المشترك وموضعها مقدم البطن المقدم من الدماغ وخزانته الخيال وموضع الخيال مؤخر البطن المقدم، ومنها مدركة للمعاني القائمة بتلك الصور وهي الوهم وموضعها البطن الأوسط وخزانته الحافظة وموضع الحافظة البطن المؤخر ومنها متصرفة ويسمى استخدام النفس الناطقة لها في المعاني الكلية مفكرة لتصرفها في المواد الفكرية والخامسة العقل وهو رئيس المدركات الظاهرية والباطنية هذا وقد ركبك الخلاق جل وعلا من مائتي واثنين وخمسين عظماً حشيت به المفاصل فأولها تحف الرأس وهي مركبة من سبعة أعظم أربعة كالجدران وواحدة كالقاعدة والباقيات يتألف منها القحف وبعضها مثقوب إلى بعض بدروز الرأس ويقال لها: اشئون وهي
стр. 93
العظام تسمى قبائل الرأس، وأما الأعلى من اللحي فالأعلى مركب من أربعة عشر عظماً والأسفل من عظمتين واثنين وثلاثين سناًّ، وأما اليدان فكل واحدة مركبة من كتف مؤلف من عظمين وعضد وساعد مؤلف من عظمتين متلاصقين يسميان الزندين الأعلى والأسفل ورسغ مؤلف من ثمانية أعظم وكف مؤلف من أربعة عشر عظماً وخمس أصابع مؤلفة من خمسة عشر عظماً وأما العنق فمركب من سبعة أعظم هي فقار العنق، وأما الترقوة فمركبة من عظمين، وأما الصدر فمركب من سبعة أعظم وهي أعظم القفص وأما الظهر فمركب من سبع عشرة فقرة وأربع وعشرين ظلعاً، وأما العجز فمركب من ثلاث فقرات ويتلوه عظمان يسميان عظم العانة وأما الرجلان فكل واحدة منهما مركبة من فخذ وساق وقدم، أما الفخذ فأعظم العظام في حق الورك وأما الساق فمركبة من عظمين متلاصقين يسميان العقبتين الكبرى والصغرى والقدم مركب من كعب وعقب وزورقي ويزدي وأربعة أعظم للرسغ وخمسة للمشط وخمسة أصابع مركبة من خمسة عشر عظماً فهذه عظام جملة البدن ومنفعتها شديدة بينة جداّ ًعند من له عقل سليم.
وقد ذكر ابن القيم ﵀ من منافعها ما ذكر في "مفتاح دار السعادة" فمن أرادها فليراجعها هناك، فسبحان من خلق الإنسان في أحسن تقويم. ثم بعدما أخرجك من بطن أمك جعل رزقك في ثدي أمك ما يناسب لحالك حليباً سائغاً إلى حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة، ثم أنبت لك أسناناً منها كالسكاكين لقطع ما يحتاج للقطع ومنها كالرحى لطن ما يحتاج للطحن فتبارك الله أحسن الخالقين، ثم خلق لك من الأنعام والآلاء والنعماء ما هو ذائع وشائع لا يمكن حصره كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ . [إبراهيم: ٣٤] . ثم خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل
стр. 94
بينكم مودة ورحمة فضلاً منه ومنًّا قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . [الروم: ٢١] . ثم من فضله وكرمه جعل لكم من الأزواج بنين وبنات وحفدة قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ . [النحل: ٧٢] . ومع هذا كله فلا تستغم يا ابن آدم عن الله طرفة عين لا في دنياك ولا في آخرتك فمن كان هذا من بعض فعائله الجميلة فما حقه على العباد وما حق العباد على الله قال معاذ: قلت: الله ورسوله أعلم وهذا لجواب هو الحقيقة وهو الصواب لأن الله هو عالم غيب السموات والأرض وأنه قد أحاط بكل شيء علماً ثم رسوله ﷺ أعلم الخلق لأنه يوحى إليه من الله تعالى هذا في زمان حياته ﷺ لتوالي الوحي عليه شيئاً فشيئاً في بيان كل شيء قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ . [النحل: ٨٩] . وأما بعد موته ﷺ فلا، بل يجزم بأنه لا علم لأحد دون الله بكليات الأمور ولا جزئياتها ولا تجاميلها ولا تفاصيلها على الحقيقة إلا الله وحده قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ . [الجن: ٢٧،٢٦] . وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ . [الأنعام: ٥٩] . وقوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ . [النمل: ٦٥] .
قال الرسول ﷺ : حق الله على العباد أي لزوماً ووجوباً عقلاً ونقلاً أن يعبدوه بالذي شرع لهم ولم يشركوا به شيئاً أي لا في الأقوال ولا في الأفعال ولا في الإرادات
стр. 95
والنيات وهي ملة أبيكم إبراهيم التي قال الله تعالى لرسوله ﷺ ﴿اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ . [النحل: ١٢٣] .
وحق العباد على الله فضلاً منه كرماً أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً قلت: قوله: شيئاً نكرة بعد النفي والنكرة بعد النفي تفيد العموم يعم القليل والكثير فيفيدك هذا خوفاً شديداً لعموميته أن تقع فيه ولم تشعر كما قال ﷺ : "الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل" فقال أبو بكر فكيف ننجو منه قال: "قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك به شيئاً وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم" ١.
ويزيدك خوفاً إذا تدبرت قول إبراهيم الخليل: ﴿اجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ . [إبراهيم: ٣٥] . فإذا كان هذا خوف الخليل منه فمن يأمن على نفسه من الشرك بعده وكيف لا يخاف منه وقد قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ . [المائدة: ٧٢] . وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ . [النساء: ٤٨، ١١٦] .
فإذا علمت ذلك أغراك على تعلم الشرك وأنواعه لتحذره ورغبك في التوحيد الذي إن جئت به لا يعذبك الله تعالى بالنار قال معاذ: فقلت أفلا أبشر الناس بفضل التوحيد وفصل من تمسك به عند الله قال: "لا تبشرهم فيتكلوا". على ذلك ويتركوا العمل وقد قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
стр. 96
وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ . [العصر] . فإن الله تعالى أثبت الربح والفلاح لمن استقام على هذه الأربع: الإيمان بالله وحده، والعمل الصالح والتواصي بالحق –أي النطق به وتعليمه- والتواصي بالصبر إذا أوذي في الله.
стр. 97
متن الباب ١
باب: فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ . [الأنعام: ٨٢] .
عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل". أخرجاه. ولهما في حديث عتبان: "فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "قال موسى: يا رب، علمني شيئاً أذكرك وأدعوك به. قال يا موسى: قل لا إله إلا الله. قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا. قاليا موسى، لو أن السموات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله". رواه ابن حبان، والحاكم وصححه.
وللترمذي وحسنه عن أنس ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: يا ابن آدم؛ لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك
стр. 98
بقُرابها مغفرة".
فيه مسائل:
الأولى: سعة فضل الله.
الثاني: كثرة ثواب التوحيد عند الله.
الثالثة: تكفيره مع ذلك للذنوب.
الرابعة: تفسير الآية "٨٢" التي في سورة الأنعام.
الخامسة: تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة.
السادسة: أنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان وما بعده تبين لك معنى قول: "لا إله إلا الله" وتبين لك خطأ المغرورين.
السابعة: التنبيه للشرط الذي في حديث عتبان.
الثامنة: كون الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل لا إله إلا الله.
التاسعة: التنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات، مع أن كثيراً ممن يقولها يخف ميزانه.
العاشرة: النص على أن الأرضين سبع كالسموات.
الحادية عشرة: أن لهن عماراً.
الثانية عشرة: إثبات الصفات، خلافاً للأشعرية.
الثالثة عشرة: أنك إذا عرفت حديث أنس، عرفت أن قوله في حديث عتبان: "فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله، ينبغي بذلك وجه الله" أنه ترك الشرك، ليس
стр. 99
قولها باللسان.
الرابعة عشرة: تأمل الجمع بين كون عيسى ومحمد عبدي الله ورسوليه.
الخامسة عشرة: معرفة اختصاص عيسى بكونه كلمة الله.
السادسة عشرة: معرفة كونه روحاً منه.
السابعة عشرة: معرفة فضل الإيمان بالجنة والنار.
الثامنة عشرة: معرفة قوله: "على ما كان من العمل".
التاسعة عشرة: معرفة أن الميزان له كفتان.
العشرون: معرفة ذكر الوجه.
стр. 100
شرح الباب١
باب في بيان فضل التوحيد عند الله وما يكفر من الذنوب بالكتاب والسنة
أما الكتاب وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ . أي صدقوا وأذعنوا بأنه الرب الملك المعبود وحده لا شريك له في ربوبيته وملكه وعبادته ولا في أسمائه وصفاته وأنه قيم السموات والأرضين ومن فيهن قائم بذاته فهو الغني عمن سواه وقيوم بالخلق والخلق فقراء إليه قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ . [فاطر: ١٥] . وأيضاً وآمنوا بملائكته على ما وصفهم رسول الله ﷺ لاسيما جبريل فإنه أمين على الوحي وميكائيل موكل على الأقطار وعزرائيل١ فإنه موكل على قبض الأرواح وإسرافيل فإنه موكل على نفخ الصور وآمنوا بكتبه أنها مائة صحيفة وأربع كتب: التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن، وكلها كلام الله منزلة غير مخلوقة وآمنوا برسله وأنبيائه مجموعهم وأربع وعشرون ألفاً والرسل ثلاثة مائة وثلاثة عشرة رسولاً وأولوا العزم منهم خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين، وقد نظمت الجميع مجملاً:
الأنبياء كلهم عجم وأولهم ... نوح وآخرهم من كان من مضر
جا عُرْبُهُم ستة نوح وصالحهم ... هود ولوط وشعيب سيد البشر
أيضاً أولو عزمهم موسى وآدمهم ... عيسى محمد إبراهيم فادكر
ما أنزل الله ممَّا سُمِّيَ الصحف ... عدت لنا مائة بالنقل والخبر
وما أتى كتباً في العد أربعة ... هذا التجاميل والنقصان واختبر
стр. 101
وآمنُوا باليوم الآخر: أن الله يبعث الخلق كلهم؛ لفصل القضاء.
وآمنوا بالقضاء والقدر: "أن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب قال: وماذا أكتب قال: اكتب مقادير كل شيء فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة" ١ قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ِلكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ . [الحديد: ٢٢، ٢٣] . وهم مع ذلك لم يلبسوا إيمانهم بظلم أي لم يشوبوه ولم يخلطوه بشرك بل أخلصوا لله تعالى أعمالهم وأقوالهم وإراداتهم ونياتهم ولم يقربوا حمى الشرك بل ابتعدوا منه أشد الابتعاد حذراً من وقعهم فيه أولئك لهم الأمن في الدارين:
أما في الدنيا فيدفع عنهم بأمره الكوني وأمره الشرعي السوء أما أمره الشرعي يأمرهم بتوحيده وطاعته لئلا لا يقعوا في غضبه وناره، وأما أمره الكوني إما عامًّا يعم الأسواء والشرور كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ . [الحج: ٣٨] .
وإما خاصًّا بشيء كما يدفع عنهم الذل والخذلان ويؤيدهم بالعز والنصر كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ . [غافر: ٥١] . ويدفع عنهم الضلال قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ . [العنكبوت: ٦٩] . ويدفع عنهم كيد العدو والكرب قال تعالى: ﴿وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ . [الأنبياء: ٧٦] . ويدفع عنهم الضر والأذى قال تعالى:
стр. 102
﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ . [الأنبياء: ٨٣، ٨٤] . ويدفع عنهم الهم والغم قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ . [الأنبياء: ٨٧، ٨٨] . ويدفع عنهم السوء والفحشاء قال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ . [يوسف: ٢٤] . ويدفع عنهم عند الأجل الخوف والحزن ببشراء يرسل إليهم ملائكته يبشرونهم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ . [فصلت: ٣٠] . ويدفع عنهم الضيق والكرب عند نزع الروح من الجسد كما في مسند الإمام أحمد من حديث البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ ، في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولمّا يُلْحَد، فجلس رسول الله ﷺ ، فجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به الأرض، فرفع رأسه فقال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر". مرتين أو ثلاثاً ثم قال: "إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة أنزل الله ملائكته من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: اخرجي أيتها النفس الطيبة المطمئنة إلى مغفرة من الله ورضوان، فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط ويخرج
стр. 103
كأطيب نفحة مسك وجدت في الأرض، فيصعدون فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء التي تليها حتى ينتهوا إلى السماء السابعة، فيقول الله – : اكتبوا كتاب عبدي في عليِّين وأعيدوه في الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها نخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: رسول الله ﷺ ، فيقولان: ما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله وآمنت به وصدقت به، فينادي منادٍ من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له باباً من الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها ويُفسح له في قبره مدّ بصره، قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول له: من أنت، فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: ربّ أقم الساعة، رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي" ١.
ويدفع عنهم في الآخرة عسر الحساب، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ . [الانشقاق: ٧-٩] . ويدفع عنهم كرب الموقف ويدخلهم الجنة، قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ
стр. 104
أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ . [الزمر: ٧٣] . فبين الله أن المؤمن آمنٌ من كل ضر وسوء ومكروه في الدنيا إلا إذا أراد الله استخباره بما هو خير له وصلاح، إما رفعاً لدرجته وكفارة لسيئاته أو أنه يؤول إلى حسن العاقبة استخبره بالبلايا والمحن، قال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ . [العنكبوت: ١، ٣] . وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ . [البقرة: ٢١٤] . وفي الحديث قال النبي ﷺ : "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله سبحانه إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فعليه السخط" ١. رواه الترمذي.
وهذا في الحقيقة خيرة لهم ولكن الناس لا يعلمون، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ . [البقرة: ٢١٦] . وأما غير المؤمن فبعكس ما هو للمؤمن، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ . [طه: ١٢٤-١٢٦] . فبين أنه في سوء حال الدنيا والآخرة، ولو زخرفت لهم الدنيا فهم في ضنكها وشقائها وعنائها.
قال ابن القيم ﵀: "اعلم أن يقال تعذيبهم بها هو الأمر
стр. 105
المشاهد من تعذيب طلاب الدنيا ومحبيها ومؤثريها على الآخرة، بالحرص على تحصيلها والتعب العظيم في جمعها، ومقاساة أنواع المشاق كما قال بعض السلف: من أحب الدنيا فليوطن نفسه على تحمل المصائب، ومحبها لا ينفك من ثلاث: هَمٌّ لازم، وتَعَبٌ، وحسرة لا تنقضي، وذلك أن محبها لا ينال منها شيئاً إلا طمحت نفسه إلى ما هو فوقه كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : "لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لها ثالثاً" ١. فطالبها لا تستريح نفسه من التعب كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته إلى مكروه، سرورها مشوب بالحزن، أمانيها كاذبة، وآمالها باطلة، وصفوها إلى كدور، وعيشها نكد كما قيل:
فما في الأرض أشقى من محب ... وإن وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكياً في كل حال ... مخافة فرقة أو اشتياق
فيبكي إن نأى شوقاً إليه ... ويبكي إن دنا حذر الفراق
فتسخن عينه عند التلاقي ... وتسخن عينه عند الفراق
ولهذا قال النبي ﷺ ، في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره: "الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه" ٢.
الحاصل أن مؤثر الدنيا على الآخرة في شقاء وعناء لا يكاد يوصف في الدنيا وفي الآخرة في عذاب مقيم.
قال ابن القيم ﵀: وقد دل العقل، والنقل، والفطر
стр. 106
السليمة، وتجارب الأمم على اختلاف أجناسها، وأهلها، ونِحَلِها: أن التقرب إلى رب العباد، وطلب مرضاته، والبر، والإحسان إلى خلقه، من أعظم الأسباب لكل خير وأضدادها من أكبر الأسباب لكل شر، فما استجلبت نعم قط ولا استدفعت نقم بمثل طاعته والتقرب إليه والإحسان إلى خلقه وقد رتب الله تعالى حصول الخيرات في الدنيا والآخرة على الطاعات ورتب حصول الشر والمكروهات في الدنيا والآخرة على المعاصي وفي بعض الآثار عن الله ﵎: "وعزتي وجلالي لا يكون عبد من عبيدي على ما أحبه ثم ينتقل إلى ما أكره إلا انتقلت له ما يحب إلى ما يكره ولا يكون عبد من عبيدي على ما أكره ثم ينتقل عنه إلى ما أحب إلا انتقلت له ما يكره إلى ما يحب" فإن الطاعة حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين من عقوبات الدنيا والآخرة، ومن خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل جانب، فمن أطاع الله انقلبت المخاوف في حقه مأمن، ومن عصاه انقلبت مآمنه مخاوف وذلك قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ . [الأنعام: ٨٢] .
عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له" أي شهد أنه أحد لا جزء له وواحد لا ثاني له ووتر لا شفع له ورب لا مضاد له، وملك لا مماثل له، وإله لا شريك له في العبادة، له الملك وله الحمد وله الخلق وله الأمر قيم السموات والأرضيين ومن فيهن وربُّ كل شيء ومليكه، وكل شيء غيره مخلوق له مقهور تحت تصرفه وقهره لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرًّا، ولا يملك موتاً ولا حياة ولا نشوراً، ألا كل شيء ما خلا الله باطل، وقال آخر: وكل إله غيره فهو باطل وإن قال بعض الناس ذاك وسماه فحاشاه مما قال فيه مشبه وحاشاه من إفك المعطل حاشاه ومن
стр. 107
ولد ظن، ومن والدة، ومن ذكر يعزى إليه وانثاه فسبحانه في ذاته وصفاته ويكفيك في تنزيهه: ﴿قل هو الله﴾ يشهد يذلك كله لأنها من لوازم الألوهية فمن أخل بشيء من ذلك لا تنفعه الشهادة لأن الشهادة المعهودة اعتراف بالجنان وبالوحدانية المطلقة ونطق باللسان وعمل على وفقها بالأركان ويشهد:
أن محمداً عبده ورسوله ويلزم مع ذلك أن تطيعه فيما قال وفيما ينهى، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ . [الحشر: ٧] . فإن لم يطعه لم تنفعه الشهادة.
"وأن عيسى عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق" أي ثبوتها وما ذكر الله ورسوله في وصفها.
ويشهد أن: "النار حق" بثبوتها وما ذكر الله تعالى ورسوله ﷺ في وصفها أدخله الله من فضله وكرمه الجنة، قال رسول الله ﷺ : "لن يدخل أحد الجنة بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه" ١. على ما كان من العمل بعد أداء الفرائض وذلك لأنه تاركها أو بعضها إما مستحل لتركها فكافر على الإطلاق وإما مستهين بها فكافر أيضاً، وإما متكاسل عنها فقد أوعده الله بالويل في فرض الصلاة قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ . [الماعون: ٤، ٥] .
فسر بثلاثة تفاسير: فُسِّر بتضييع الأوقات وقد أمر الله بمحافظتها، قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ . [البقرة: ٢٣٨] .
وفسر بتضييع الأركان لا يطمئن في أركانها ولا يأتي بها على
стр. 108
المشروع، قال رسول الله ﷺ : "أسرق السرقة من يسرق من صلاته قالوا: كيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها" ١.
وفسر بعدم حضور القلب، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ . [المؤمنون: ١، ٢] . أخرجاه أي البخاري ومسلم.
ثم استدل الشيخ ﵀ بما يدل على أن المراد ليس من لا إله إلا الله، لقلقة اللسان، وقعقعة الحروف، بل إنها لا تنفع قائلها إلا إذا قالها وهو يبتغي بذلك وجه الله أي يقولها إيماناً واحتساباً وذا في كل عمل كما قال ﷺ : "من صام رمضان إيماناً واحتساباً" ٢. بمعنى أن يفعله عبادة لا عادة أي الباعث له حب الله وخوفه ورجاؤه وإلا مجرد لفظها بلا معرفة معناها والعمل بمقتضاها لا تنفع فإن المنافقين قالوا وشهدوا أن محمداً رسول الله وكذبهم الله قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ . [المنافقون:١] . وقالت الأعراب: آمنا، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ . [الحجرات: ١٤] . فبان أن القول باللسان من دون اعتراف بالجنان وعمل بالأركان لا ينفع، كما قيل:
ما احترق لسان أحد بقوله نار ... ولا استغنى أحد بقوله ألف دينار
وكل قول له حقيقة فإن جئت بحقيقته فَصَدَقْتَ وصُدِّقت، وقبل منك وإلا فلا.
стр. 109
ويزيدك وضحاً ما ذكر ما ذكر أن وفد الأزد وفدوا على رسول الله ﷺ قال ﷺ : "من الوافد ومن القوم؟ قالوا: إنا مؤمنون ,قال ﷺ : لكل قول حقيقة فما حقيقة إيمانكم"؟ قالوا: إنا مؤمنون بخمسة عشر خصلة، خمس أمرتنا رسلك أن نؤمن بها، وخمس أمرتنا رسلك أن نفعلها وخمس كنا عليها في الجاهلية، قال ﷺ : ما الخمس التي أمرتكم رسلي أن تؤمنوا بها؟ قالوا: أمرتنا رسلك أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، قال: وما الخمس التي أمرتكم رسلي أن تفعلوها؟ قالوا: أمرتنا رسلك أن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن نصلي ونزكي ونصوم ونحج، قال ﷺ : وما الخمس التي كنتم عليها في الجاهلية؟ قالوا: الصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء والرضا بمر القضاء، والثبات عند اللقاء، وترك شماتة الأعداء، قال: حكماء فقهاء كادوا يكونون من فقههم أنبياء، قال ﷺ : أنا أزيدكم بخمس: لا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبنوا ما لا تسكنون، وازهدوا فيما عنه راحلون، وارغبوا فيما عليه مقبلون، وتوبوا إلى الله الذي أنتم أليه ترجعون". فتأمل.
قال الشيخ ﵀: ولهما في حديث عتبان مرفوعاً "فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" ١.
قلت: وهذا صريح في أن المقصود من لا إله إلا الله ليس مجرد قولها؛ بل ينبغي أن يقصد بقولها وجه الله أي ينفي الآلهة من حيث الجملة ويثبت الألوهية للأحد الواحد الصمد القيوم المعبود الذي
стр. 110
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . [الشورى: ١١] . ويعمل بمقتضى ذلك فيحب ويبغض، ويوالي وبعادي عليه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ . [الزخرف: ٢٦-٢٨] . قالوا: الكلمة هي لا إله إلا الله جعلها في عقبه، وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ . [الممتحنة: ٤] . فهذه الآية هي معنى لا إله إلا الله كالآية التي قبلها، والعمل بمقتضى ذلك أن تستقيم عليه إلى أن يأتيك اليقين أي الموت، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ . [فصلت: ٣٠] .
هذه حقيقة لا إله إلا الله، وإن أردت أن تأتي بها على أكمل الوجوه ينبغي أن تلاحظ فيها عشرة أمور: منها وفيها وبها وعنها، والعشرة: لفظها، ومعناها، وحقها، وحقيقتها، وحكمها، ولازمها، وفائدتها، مقتضاها، ونواقضها، ومتمماتها١.