← Акыда

Акыда · id 11326

فتح الله الحميد المجيد في شرح كتاب التوحيد

حامد بن محسن

Полный текст (486 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

السليمة، وتجارب الأمم على اختلاف أجناسها، وأهلها، ونِحَلِها: أن التقرب إلى رب العباد، وطلب مرضاته، والبر، والإحسان إلى خلقه، من أعظم الأسباب لكل خير وأضدادها من أكبر الأسباب لكل شر، فما استجلبت نعم قط ولا استدفعت نقم بمثل طاعته والتقرب إليه والإحسان إلى خلقه وقد رتب الله تعالى حصول الخيرات في الدنيا والآخرة على الطاعات ورتب حصول الشر والمكروهات في الدنيا والآخرة على المعاصي وفي بعض الآثار عن الله ﵎: "وعزتي وجلالي لا يكون عبد من عبيدي على ما أحبه ثم ينتقل إلى ما أكره إلا انتقلت له ما يحب إلى ما يكره ولا يكون عبد من عبيدي على ما أكره ثم ينتقل عنه إلى ما أحب إلا انتقلت له ما يكره إلى ما يحب" فإن الطاعة حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين من عقوبات الدنيا والآخرة، ومن خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل جانب، فمن أطاع الله انقلبت المخاوف في حقه مأمن، ومن عصاه انقلبت مآمنه مخاوف وذلك قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ . [الأنعام: ٨٢] . عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له" أي شهد أنه أحد لا جزء له وواحد لا ثاني له ووتر لا شفع له ورب لا مضاد له، وملك لا مماثل له، وإله لا شريك له في العبادة، له الملك وله الحمد وله الخلق وله الأمر قيم السموات والأرضيين ومن فيهن وربُّ كل شيء ومليكه، وكل شيء غيره مخلوق له مقهور تحت تصرفه وقهره لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرًّا، ولا يملك موتاً ولا حياة ولا نشوراً، ألا كل شيء ما خلا الله باطل، وقال آخر: وكل إله غيره فهو باطل وإن قال بعض الناس ذاك وسماه فحاشاه مما قال فيه مشبه وحاشاه من إفك المعطل حاشاه ومن

стр. 107

ولد ظن، ومن والدة، ومن ذكر يعزى إليه وانثاه فسبحانه في ذاته وصفاته ويكفيك في تنزيهه: ﴿قل هو الله﴾ يشهد يذلك كله لأنها من لوازم الألوهية فمن أخل بشيء من ذلك لا تنفعه الشهادة لأن الشهادة المعهودة اعتراف بالجنان وبالوحدانية المطلقة ونطق باللسان وعمل على وفقها بالأركان ويشهد: أن محمداً عبده ورسوله ويلزم مع ذلك أن تطيعه فيما قال وفيما ينهى، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ . [الحشر: ٧] . فإن لم يطعه لم تنفعه الشهادة. "وأن عيسى عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق" أي ثبوتها وما ذكر الله ورسوله في وصفها. ويشهد أن: "النار حق" بثبوتها وما ذكر الله تعالى ورسوله ﷺ في وصفها أدخله الله من فضله وكرمه الجنة، قال رسول الله ﷺ : "لن يدخل أحد الجنة بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه" ١. على ما كان من العمل بعد أداء الفرائض وذلك لأنه تاركها أو بعضها إما مستحل لتركها فكافر على الإطلاق وإما مستهين بها فكافر أيضاً، وإما متكاسل عنها فقد أوعده الله بالويل في فرض الصلاة قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ . [الماعون: ٤، ٥] . فسر بثلاثة تفاسير: فُسِّر بتضييع الأوقات وقد أمر الله بمحافظتها، قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ . [البقرة: ٢٣٨] . وفسر بتضييع الأركان لا يطمئن في أركانها ولا يأتي بها على

стр. 108

المشروع، قال رسول الله ﷺ : "أسرق السرقة من يسرق من صلاته قالوا: كيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها" ١. وفسر بعدم حضور القلب، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ . [المؤمنون: ١، ٢] . أخرجاه أي البخاري ومسلم. ثم استدل الشيخ ﵀ بما يدل على أن المراد ليس من لا إله إلا الله، لقلقة اللسان، وقعقعة الحروف، بل إنها لا تنفع قائلها إلا إذا قالها وهو يبتغي بذلك وجه الله أي يقولها إيماناً واحتساباً وذا في كل عمل كما قال ﷺ : "من صام رمضان إيماناً واحتساباً" ٢. بمعنى أن يفعله عبادة لا عادة أي الباعث له حب الله وخوفه ورجاؤه وإلا مجرد لفظها بلا معرفة معناها والعمل بمقتضاها لا تنفع فإن المنافقين قالوا وشهدوا أن محمداً رسول الله وكذبهم الله قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ . [المنافقون:١] . وقالت الأعراب: آمنا، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ . [الحجرات: ١٤] . فبان أن القول باللسان من دون اعتراف بالجنان وعمل بالأركان لا ينفع، كما قيل: ما احترق لسان أحد بقوله نار ... ولا استغنى أحد بقوله ألف دينار وكل قول له حقيقة فإن جئت بحقيقته فَصَدَقْتَ وصُدِّقت، وقبل منك وإلا فلا.

стр. 109

ويزيدك وضحاً ما ذكر ما ذكر أن وفد الأزد وفدوا على رسول الله ﷺ قال ﷺ : "من الوافد ومن القوم؟ قالوا: إنا مؤمنون ,قال ﷺ : لكل قول حقيقة فما حقيقة إيمانكم"؟ قالوا: إنا مؤمنون بخمسة عشر خصلة، خمس أمرتنا رسلك أن نؤمن بها، وخمس أمرتنا رسلك أن نفعلها وخمس كنا عليها في الجاهلية، قال ﷺ : ما الخمس التي أمرتكم رسلي أن تؤمنوا بها؟ قالوا: أمرتنا رسلك أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، قال: وما الخمس التي أمرتكم رسلي أن تفعلوها؟ قالوا: أمرتنا رسلك أن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن نصلي ونزكي ونصوم ونحج، قال ﷺ : وما الخمس التي كنتم عليها في الجاهلية؟ قالوا: الصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء والرضا بمر القضاء، والثبات عند اللقاء، وترك شماتة الأعداء، قال: حكماء فقهاء كادوا يكونون من فقههم أنبياء، قال ﷺ : أنا أزيدكم بخمس: لا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبنوا ما لا تسكنون، وازهدوا فيما عنه راحلون، وارغبوا فيما عليه مقبلون، وتوبوا إلى الله الذي أنتم أليه ترجعون". فتأمل. قال الشيخ ﵀: ولهما في حديث عتبان مرفوعاً "فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" ١. قلت: وهذا صريح في أن المقصود من لا إله إلا الله ليس مجرد قولها؛ بل ينبغي أن يقصد بقولها وجه الله أي ينفي الآلهة من حيث الجملة ويثبت الألوهية للأحد الواحد الصمد القيوم المعبود الذي

стр. 110

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . [الشورى: ١١] . ويعمل بمقتضى ذلك فيحب ويبغض، ويوالي وبعادي عليه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ . [الزخرف: ٢٦-٢٨] . قالوا: الكلمة هي لا إله إلا الله جعلها في عقبه، وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ . [الممتحنة: ٤] . فهذه الآية هي معنى لا إله إلا الله كالآية التي قبلها، والعمل بمقتضى ذلك أن تستقيم عليه إلى أن يأتيك اليقين أي الموت، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ . [فصلت: ٣٠] . هذه حقيقة لا إله إلا الله، وإن أردت أن تأتي بها على أكمل الوجوه ينبغي أن تلاحظ فيها عشرة أمور: منها وفيها وبها وعنها، والعشرة: لفظها، ومعناها، وحقها، وحقيقتها، وحكمها، ولازمها، وفائدتها، مقتضاها، ونواقضها، ومتمماتها١.

стр. 111

أو لا، فإن وقف فعليه السكون وإن وصلها فله فيه وجهان: الرفع وهو الأرجح، والنصب. وأما أهل التجويد فاتفقوا على ترقيق ألف "الله" وألا يزيد فيها على مقدار مد الطبيعي وترقق لام "الله" إذا كسرت، أو كسر ما قبلها، وقد أجمعوا على تفخيمها بعد فتحة وضمة. ٢- وأما إعرابها لها صدر وعجز فعجزها ظاهر الإعراب إذ هو جملة مبتدأ، وخبر، ومضاف إليه، فأما لا فهي نافية و"إله" مبني على الفتح لتضمنه معنى "من" إذ التقدير "لا من إله" ولهذا كانت نصًّا في العموم كأنه قد نفى كل إله غيره من مبدأ ما يقرر إلى ما لا نهاية له، وقيل: بنى معها التركيب، وذهب الزجّاج أن اسمها معرب منصوب بها، وإذا فرغنا على المشهور من البناء فموضع الاسم نصب بلا العاملة عمل إن، وقال الأخفش: لا هي العاملة فيه. ونقل السنوسي عن أهل العلم أن الاسم المعظم في هذا التركيب يرفع وهو الكثير ولم يأت في القرآن غيره وقد نصب فالرفع بالبدلية أو على الخبرية والقول بالبدلية هو المشهور وهي رأي ابن مالك، ثم الأقرب أن يكون من الضمير في الخبر المقدر، وأما القول بالخبرية في الاسم الأعظم فقد قال به الجماعة. ومن البسط الوافي: "لا إله إلا الله" أصل "الله" إله فلما أريد قصر الخبر على المبتدأ وهو من قصر الصفة على الموصوف قدم الخبر فاقترن بلا وأخر المبتدأ فاقترن بإلا لإفادة الحصر، ومن القواعد أن المبتدأ إذا اقترن بإلا وجب تقديم الخبر، قال ابن مالك: [وخبر المحصور قدم أبداً] ، أي خبر المبتدأ المحصور قدم، [كما لنا إلا اتباع أحمد] ، ولله مرفوع على أنه بدل من اسم لا حملاً على محل البعيد الذي هو الرفع بالابتداء والتقدير لا إله

стр. 112

موجود١: أي في الوجود وهذا التقدير المشهور. ٣- وأما معناها: فلا تسع معناها مجلدات فضلاً عن هذا المختصر، والسبب أن ما أنزل الله الكتب ولا أرسل الرسل إلا لتقرير معناها، وإذا أمعنت النظر رأيت الكون والمكون دليل على لا إله إلا الله؛ لأن كل ما في الكون فعل الله وخلقه وقنطرة ودليل لألوهيته وعبادته، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . [البقرة: ٢١، ٢٢] . ولله المثل الأعلى وذلك كم شرى عبداً وأنعم عليه بما يحتاج إليه من المأكل والمشرب والمنكح والمسكن ثم قال له: اخدمني ولا تشرك في خدمتي أحداً، فبدأ العبد يخدم مولاه وغيره، فالمسلم يلزمه أن يوحد الله في أفعاله أي لا ينسب أفعال الله إلى غيره، ولا نعمه إلى غيره، وهذا هو توحيد الربوبية. ثم بعد ذلك يلزمه أن يوحد الله في أفعاله نفسه أي ما يفعل من العبادة يجعله لله وحده ولا يشرك مع الله في ذلك غيره. وقال العماد ابن كثير في تفسير: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ . [آل عمران: ٦٤] . أي سواء نحن وأنتم فيها أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به وثناً، ولا صليباً ولا صنماً ولا طاغوتاً ولا ناراً ولا نبيًّا بل نفرد العبادة لله وحده وهذه دعوة الرسل كلهم. ثم قال: ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ . [آل عمران: ٦٤] . قال ابن جرير: "يعني نطيع بعضنا بعضاً في معصية الله" ويشهد

стр. 113

على هذا التفسير ما ورد عن عدي بن حاتم أن الرسول ﷺ ، يتلو قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ . [التوبة: ٣١] . قلت: لسنا نعبدهم يا رسول الله! قال: "أليسوا يحلون لكم الحرام ويحرمون عليكم الحلال فتطيعونهم؟ ". قلت: بلى، قال: "فتلك عبادتهم" ١. وقال عكرمة: أي لا يسجد بعضنا لبعض، انتهى ملخصاً. وثبت عن الرسول ﷺ أن الكلمة الطيبة في قوله تعالى: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ . [إبراهيم: ٢٤، ٢٥] . أنها كلمة التوحيد وهي لا ‘له إلا الله وإطلاق الكلمة عليها وهي أربع كلمات كقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ﴾ . في جواب ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا﴾ . [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠] . وذا يقع كثيراً في كلام العرب أنهم يطلقون على الكلام المفيد لفظ كلمة، قال ابن مالك: [وكِلْمة بها كلام قد يؤم] . قوله: "طيبة" صفة مشبهة لازمة لا تنفك من الموصوف ولا ينفك الموصوف منها، فهي طيبة في نفسها على أفضل الأعمال والأذكار وتطيب ما يخالطها إذا كان صالحاً أي إذا كان العمل مشروعاً وكان خالصاً طاب. قال الفضيل بن عياض: ما يقبل الله عملاً إلا أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبله الله، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبله،

стр. 114

الله تعالى حتى يكون خالصاً صواباً، قوله: كشجرة طيبة مشبه به، والكلمة الطيبة مشبه والكاف حرف التشبيه، ووجه الشبه ما بينهما ما ذكر الله. أصلها ثابت وفرعها في السماء، أما كشجرة فبين، وأما لا إله إلا الله فأصلها ثابت في القلوب السليمة، وفرعها وهو الأعمال الصالحة من الإيمان والبر متفرعة على الجوارح والأعمال تصعد إلى السماء، قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ . [فاطر: ١٠] . وقوله: تؤتي أكلها كل حين لا كالشجرة المعهودة التي تؤتي أكلها ستة أشهر أو سبعة بل تثمر لا إلا الله بالأثمار الحسنة الطيبة كل حين فصار وجه الشبه ثبوت أصلها وتفرعها إلى السماء، وأما إتيان أكلها كل حين فزيادة على المشبه به، وذا كثير في اللغة كما تقول للرجل العالم الكاتب الشجاع إنه كالأسد أي في الشجاعة فقط، وأما العلم والكتابة فزيادة على المشبه به. قوله: [بإذن ربها] وذلك لا ريب فيه الشجرة وغيرها مطلقاً بإذن الله تثمر وتنفع وتعطي وتمنع لا إله إلا هو، قال البغوي: "الكلمة الطيبة لا إله إلا الله١. قال العماد ابن كثير: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ . أي من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل من يعبد من دون الله ووحد الله بالعبادة وحده، وشهد أن لا إله إلا الله فقد استمسك بالعروة الوثقى يعني الإيمان التي لا انفصام لها، قال سعيد بن جبير وقال الضحاك: العروة الوثقى: لا إله إلا الله، وأيضاً تستلزم الحب والبغض والموالاة والمعاداة.

стр. 115

وقال البيضاوي: "الله أصله إله فحذفت الهمزة وعوّض عنها الألف واللام، وقيل: يا الله بالقطع إلا أنه مختص بالمعبود بالحق والإله يقع على معبود ثم غلب على المعبود بالحق، واشتقاقه من أله يأله ألوهة وألوهية بمعنى عبد، وقيل: من إله إذا تحير، إذ العقول تتحير في معرفته أو من ألهت إلى فلان أي سكنت إليه؛ لأن القلوب تطمئن إلى ذكره، والأرواح تسكن إلى معرفته، أو من أله الفصيل إذا ولع بأمه إذ العباد مولعون بالتضرع إليه في الشدائد، وقيل: علم لذاته المخصوصة لأنه يوصف ولا يوصف به". وقال البيضاوي: وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ . [المؤمنون: ١١٧] . أي يعبده إفراداً أو إشراكاً"١ فسمى المعبود إلهاً وإله بمعنى المألوه ككتاب بمعنى المكتوب، فكل ما تألهه القلوب فهو إله، وعليه يدل حديث أبي واقد الليثي أنهم لما قالوا لرسول الله ﷺ : اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. قال لهم رسول الله ﷺ : "قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة" ٢. فدل الحديث أن المراد المعنى لا اللفظ؛ لأنهم ما طلبوا إلها قد طلبوا ذات أنواط، فبين رسول الله ﷺ ، وحلف أن ما تألهه القلوب فهو الإله كائناً ما كان، وبأي لفظ كان. قال ابن كثير: "العبادة في اللغة من الذلة يقال: طريق معبد أي مذلل، وفي الشرع عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف"٣. وفي حاشية البيضاوي: والعبادة أبلغ من العبودية التي هي إظهار

стр. 116

التذلل والعبادة على الأمر، قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ . [يوسف: ٤٠، ٦٧] . أي في أمر الدين والعبادة ثم بين ما حكم به فقال: ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ . [يوسف: ٤٠] . الثابت الذي دلت عليه البراهين، وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ . [الإسراء: ٢٣] . أي أمر مقطوع به. وقال البغوي فيها: "أي أمر ربك قاله ابن عباس وقتادة والحسن"١ انتهى. وقال ابن القيم في النونية: حق الإله عبادة بالأمر لا ... بهوى النفوس فذاك للشيطان والأمر استدعاء الفعل بالقوة ممن هو دونه على سبيل الوجوب على الإطلاق والتجرد عن القرينة فيحمل عليه والله أعلم. ٤- وأما حكمها: ففي "فاكهة القلوب": اعلم أن الناس مؤمن وكافر، فأما المؤمن فيجب أن يذكرها مرة في عمره وينوي بها الوجوب، ثم ينبغي أن يكثر ذكرها وليعرف معناها لينتفع بها، وأما الكافر فذكره لهذه الكلمة شرط في صحة إيمانه مع القدرة، انتهى ملخصاً. وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه عنه ﷺ ، أنه قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها"٢. قال العلماء: إذا قال الكافر: لا إله إلا الله فقد شرع في العاصم، فإن تمم ذلك وإلا بطلت، ولكون النبي ﷺ ، قد قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" ليعلم المسلمون أن الكافر المحارب إذا قالها كف عنه وصار ماله ودمه

стр. 117

معصومين. قلت: بل لا بد مع قولها الإيمان بالرسول ﷺ ، ويما جاء به كما في رواية أبي هريرة: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به" ١. وقال الحافظ ابن رجب في شرح الأربعين: "من المعلوم بالضرورة أن النبي ﷺ ، كان يقبل من كل من جاءه يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط، ويعصم دمه بذلك ويجعله مسلماً، وقد أنكر على أسامة بن زيد قتله من قال: لا إله إلا الله لما رفع عليه السيف واشتد نكيره"٢.وقال شهاب الدين أحمد بن حجر على شرح "الأربعين النبوية" نحو ذلك، والمقصود أن حكمها الكف عمن قالها ثم يطالب بمعناها وحقها كالكفر بعيادة غير الله، وشهادة أن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وسائر شرائع الإسلام. ٥- وأما حقها: فقال الحافظ ابن رجب في شرح الأربعين على حديث ابن عمر: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها". فقوله ﷺ : "إلا بحقها". وفي رواية: "إلا بحق الإسلام". قد سبق أن أبا بكر ﵁ أدخل في هذا الحق فعل الصلاة والزكاة، وأن من العلماء من أدخل فعل الصيام والحج أيضاً، ومن حقها ارتكاب ما يبيح دم المسلم من فعل المحرمات، وقد ورد في تفسير حقها بذلك ما خرَّجه الطبراني وابن جرير من حديث أنس عن النبي ﷺ ، قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله وعز وجل". قيل: وما حقها؟

стр. 118

قال: "زنا بعد إحصان، وكفر بعد إيمان، وقتل نفس فيقتل بها". وشهد لهذا ما في الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والترك لدينه المفارق للجماعة" ١. وقد ذكر ابن رجب في شرح هذا الحديث أنه قد ورد قتل المسلم بغير هذه الثلاث: فمنها اللواط، ومنها من أتى ذات محرم، ومنها الساحر وغير ذلك٢. ٦- وأما حقيقتها: فحقيقة الشيء ماهيته وأصله وما أسس عليه بنيانه، ولهذا قال النبي ﷺ ، لوفد الأزد لما قالوا إنا مؤمنون: "ما حقيقة إيمانكم" فذكروا ما تركب منه إيمانهم وأسس عليه قواعده وهو خمسة عشر خصلة، قالوا: خمس أمرتنا رسلك أن نؤمن بها، وخمس أمرتنا رسلك أن نفعلها وخمس كنا في الجاهلية عليها، وقد مضى ذكره وكذلك قول عمر ﵁ لحذيفة لما قال: أصبحتُ مؤمناً، قال: "وما حقيقة إيمانك؟ " قال: كأني أنظر إلى عرش الرحمن وأهل النار سيصلون فيها٣. فعلى هذا حقيقة لا إله إلا الله التي تركبت منها، وأسس قواعدها عليها النفي والإثبات، ونفي الألوهية عما سوى الله تعالى وإثباتها لله وحده لا شريك له، وأساس قواعدها

стр. 119

الحب والبغض والموالاة والمعاداة على ذلك، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ . [الزخرف: ٢٦-٢٨] . يعني بالكلمة لا إله إلا الله فبين الله أن أساسها البراء والموالاة في ذات الله تعالى وهو المبغي من العباد كما قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ . [الممتحنة: ٤] . فبين الله تعالى صريحاً أن البراء والولاية من الإيمان بالله وحده وبه يتم الإيمان. ٧- وأما لازمها: فالتقوى والإخلاص وطيب القول والعمل لإضافتها إلى ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ . [الفتح: ٢٦] . وقال تعالى: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ . [إبراهيم: ٢٤] . فكما أن الشجرة الطيبة لا تثمر إلا بما هو طيب فكذلك لا إله إلا الله لا تثمر إلا بكل وقول وعمل طيب، فإن قلت: اللازم ما لا ينفك من الملزوم كلزومية الحرارة للنار وكثيراً ما نرى أن قائلها ليس معه تقوى ولا إخلاص ولا طيب القول والعمل، قلت: لا إله إلا الله من لوازمها التقوى والإخلاص وطيب القول والعمل ولكن القائل الذي يشير إليه ما قالها على الوجه المبغي منه أي لم يأت بها على حقيقتها ولا ابتغاء وجه الله تعالى، فلذا ما يوفق على لوازمها، أما ترى أن الله ذكر في كلامه المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وكثيراً ما نرى المصلي مقيماً على الفحشاء والمنكر، قيل في تفسيرها: أن الذي ما نهته الصلاة عن الفحشاء والمنكر ما صلى على الوجه المرضي المبغي منه في الشرع، فمن أجل

стр. 120

ذلك ما وفق على ترك الفحشاء والمنكر. قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "والناس في الصلاة على مراتب خمس: أحدها: مرتبة الظالم لنفسه المفرط وهو الذي انتقض من وضئها ومواقيتها وحدودها وأركانها. والثاني: من يحافظ على مواقيتها وحدودها وأركانها الظاهرة ووضوئها لكن ضيع مجاهدة نفسه في الوسوسة فذهب مع الوساوس والأفكار. الثالث: من حافظ على حدودها وأركانها وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار فهو مشغول بمجاهدة عدوه لئلا يسرق من صلاته فهو في صلاة وجهاد. والرابع: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها وأركانها وحدودها واستعمل واستغرق قلبه في مراعاة حدودها وحقوقها لئلا يضيع منها شيئاً بل همه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي وإتمامها قد يستغرق قلبه شأن الصلاة وعبودية ربه. الخامس: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك ولكن مع هذا أخذ قلبه موضعه بين يدي ربه نظراً بقلبه إليه ممتلئاً محبته وعظمته كأنه يراه ويشاهده وقد اضمحلت تلك الوساوس والخطرات وارتفعت حجبها بينه وبين ربه فهذا بينه وبين غيره في الصلاة في الصلاة أعظم مما بين السماء والأرض وهذا في صلاته مشغول بربه قرير العين به. فالقسم الأول معاقب، والثاني محاسب، والثالث مكفّر عنه، والرابع مثاب، والخامس مقرب؛ لأنه له نصيب من قوله ﷺ : "جعلت

стр. 121

قرة عيني في الصلاة" ١. فتأمل قوله: الأول معاقب مع أنه مصلٍّ لكنه على الوجه الذي غير مرض في الشرع، والثاني محاسب مع أنه أتى بأكثر أفعالها على الوجه الشرعي ظاهراً لكن أخل بالخشوع، والثالث مكفر عنه الذنوب التي عليه من دون زيادة أجر، الرابع مثاب، والخامس مقرب. فإذا عرفت ذلك فاعرف أن الناس في الذكر على مراتب منهم من يحسن لفظها ويعرف معناها ويعمل بمقتضاها ويأتي بمتمماتها ويتجنب نواقضها ويعرف فضلها ويمتثل بحكمها وحقها ويمشي على حقيقتها فهذا يوقف على لوازمها من التقوى والإخلاص وطيب القول والعمل الصالح كرسول الله ﷺ ، وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ومنهم من لا يحسن لفظها. ومنهم من لا يعرف معناها. ومنهم من لا يعمل بمقتضاها. ومنهم من لا يأتي بمتمماتها. ومنهم من لا يجتنب نواقضها ولا يعرف فضلها وحقها. ومنهم من لا يمشي على حقيقتها فكل هؤلاء ما قالوها على الوجه المرضي المبغي منهم، فإذاً لا يوقف على لوازمها بل معاقب مغضوب عليه لأنه أخل بما ألزمه الله فيها، فمن تأمل هذا الباب عرف نعم الله التي منَّ الله علينا بها في آخر الزمان، وعرف خطأ أكثر الناس

стр. 122

في المبغي منه. قال ابن القيم: ﵀: "اعلم أن شعاع لا إله إلا الله يقطع ضباب الذنوب وغيمها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه وتفاوت أهلها في ذلك النور قوة وضعفاً لا يحصيه إلا الله، فمن الناس من نور هذه الكلمة في قلبه كالشمس، ومنهم من نورها في قلبه كالقمر، ومنهم من نورها في قلبه كالكوكب الدري، ومنهم من نورها في قلبه كالمشعال الضعيف، وآخر كالسراج المضيء، وآخر كالسراج الضعيف، ولهذا تظاهر الأنوار يوم القيامة بين أيديهم وبأيمانهم على هذا المقدار بحسب ما في قلوبهم من نور هذه الكلمة علماً وعملاً ومعرفة وحالاً، وكلما عظم نور هذه الكلمة واشتد أحرق من الشبهات والشهوات بحسب شدته وقوته حتى إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف شبهة وشهوة ولا ذنباً إلا حرقه، فهذا حال الصادق في توحيده الذي لم يشرك به شيئاً، فأي ذنب أو شبهة دنت من هذا النور أحرقها، فسماء إيمانه قد حُرست بالرجوم من كل سارق لحسناته، فلا ينال منه السارق إلا على فترة أو غفلة لابد منها للبشر، فإذا استيقظ وعلم ما سرق منه استنقذه ممن سرقه أو حصل أضعافه بكسبه فهو كذا أبداً مع اللصوص الجن والإنس وليس كمن فتح لهم خزائنه وولى الباب ظهره. وليس التوحيد إقرار العبد بأنه لا خالق إلا الله وأن الله رب كل شيء ومليكه كما كان عبَّاد الأصنام مقرين بذلك وهم مشركون، بل التوحيد يتضمن محبة الله والخضوع والذل له وكمال الانقياد لطاعته وإخلاص العبادة له، وإرادة وجهه بجميع الأقوال والأعمال والمنع والعطاء والحب والبغض ما يحول بن صاحبه وبين الأسباب الداعية إلى المعاصي والإصرار عليها ومن عرف هذا عرف قول النبي ﷺ : "إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله

стр. 123

يبتغي بذلك وجه الله" ١. وقوله: " لا يدخل النار من قال لا إله إلا الله" وما جاء من هذا الضرب من الأحاديث التي أشكلت على كثير من الناس حنى ظن بعضهم أنها منسوخة، وظنها بعضهم قبل ورود الأوامر والنواهي واستقرار الشرع، وحملها بعضهم على نار المشركين والكفار، وأول بعضهم الدخول بالخلود، وقال: المعنى لا يدخلها خالداً ونحو ذلك من التأويلات المستكرهة، والشارع صلوات الله وسلامه عليه لم يجعل ذلك حاصلاً بمجرد قول اللسان فقط وأن هذا الخلاف معلوم بالاضطرار عن دين الإسلام فإن المنافقين يقولونها وهم تحت الجاحد لها في الدرك من النار، فلابد من قول القلب واللسان، وقول القلب يتضمن معرفتها والتصديق بها ومعرفة حقيقة ما تضمنت من النفي والإثبات ومعرفة حقيقة الإلهية المنفية عن غير الله المختصة به التي يستحيل ثبوتها لغيره، وقيام هذا المعنى بالقلب علماً ومعرفة ويقيناً وحالاً ما يوجب تحريم قائلها من النار، وكل قول رتب الشارع، عليه من الثواب فإنها هو كقول "من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" ٢. وليس هذا مرتباً على مجرد قول اللسان، وليس من قالها بلسانه غافلاً عن معناها معرضاً عن تدبرها ولم يواطئ قلبه لسانه ولا عرف قدرها وحقيقتها راجياً مع ذلك ثوابها حطت خطاياه بل على حسب ما في قلبه فإن الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلب، فتكون صورة العملين واحدة بينهما من التفاضل كما بين السماء والأرض، والرجلان يكون مقامهما في الصف واحداً وبين

стр. 124

صلاتيهما كما بين السماء والأرض، وتأمل حديث البطاقة التي توضع ويقابلها تسعة وتسعون سجلاًّ كل سجل منها مد البصر فتثقل البطاقة وتطيش السجلات ولا يعذب، ومعلوم أن كل موحد له مثل هذه البطاقة وكثير منهم من يدخل النار بذنوبه وكلن السر الذي ثقل بطاقة ذلك الرجل وطاشت لأجلها السجلات ولم يحصل لغيره من أرباب البطاقات انفردت بطاقته بالثقل والزنة، وإذا أردت زيادة إيضاح لها فانظر إلى ذكر من قلبه ملآن بمحبتك وذكر من هو معرض عنك غافل ساه مشغول بغيره، قد انجذبت دواعي قلبه إلى محبة غيرك وإيثاره عليك هل يكون ذكرهما لد واحداً؟ وهل يكون الوالدان اللذان هما بهذه المثابة وعبدك وزوجتك أو جاريتك عند الشدائد واحداً؟ وتأمل ما قام بقلب قاتل المائة من حقائق الإيمان التي لم تشغله عند السياق عن المسير إلى القرية وحملته وهو في تلك الحال إلى أن جعل ينوء بصدره وهو يعالج سكرات الموت لهول الأمر وإيمانه باليوم الآخر، ولا جرم أُلحق بالقرية الصالحة وجعل من أهلها، وقريب من هذا ما قام بقلب البغية التي رأت الكلب واشتد به العطش يأكل الثرى فما قام بقلبها ذلك الوقت مع عدم الدلاء وعدم المعين وعدم من ترائيه بعملها حملها على أن عرضت بنفسها في نزول البئر وتملأ ماء في خفها ولم تعبأ بتعرضها للتلف وحملها له بفيها وهو ملآن حتى أمكنها الرقي في البئر ثم تواضعها لهذا المخلوق الذي جرت عادة الناس بضربه وطرده فأمسكت له الخف بيدها حتى شرب دون أن ترجو منه جزاء وشكوراً، فأحرقت أنوار هذا القدر من التوحيد ما تقدم منها من البغاء فغفر لها، فهكذا حال الأعمال عنده والغافل في غفلته عن هذا، وما هذا إلا الأكسير أو الكيمياوي الذي إذا وضع منه مثقال على قناطير من نحاس الأعمال قَلَبَها ذهباً، انتهى.

стр. 125

٨- ومن ثمرتها: الفلاح في الدارين، والظهور على الأعداء، وتملكهم بالقهر والغلبة، وحفظ المال والدم والعرض في الدنيا، وفي الآخرة رضى الرحمن ودخول الجنان قال النبي ﷺ : "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم، وإذا متم كنتم ملوكاً في الجنة" ١. وقال ﷺ : "من قال لا إله إلا الله وكفر يعبد من دون الله حرم دمه وماله" ٢. هذا٣ وقد وعد الله المخلصين من عباده الذين لم يشركوا بعبادة ربهم أحداً النصر على الأعداء والغلبة والتمكن في الأرض وتبديلهم من بعد خوفهم أمناً، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ . [النور: ٥٥] . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ . [الصافات: ١٧١-١٧٣] . وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ . [غافر: ٥١] . قلت٤: ذكرها في شرح الإقناع وقال: "إنها تصل أكثر من

стр. 126

أربعمائة"١. لما كان اجتناب النواقض عليه مدار رحى ثبات التوحيد والإسلام، لأنه إذا اجتنبت النواقض التي تنقض عرى الإسلام عروة بعد عروة سلم الإسلام والتوحيد من النقص ودخل المجتنب في الذين ذكرهم الله في ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ . [فصلت: ٣٠-٣٢] . أتى الشيطان أكثر الناس لهذا الملمح في التغافل عنها حتى عفت رسومها وخفيت رسومها وضيعت هضابها وتحيرت طلابها فأعمى البصيرة ظن أن ليس للا إله إلا الله والإسلام ناقض فقعد عن السؤال عنها فطفق يصد الناس عن سائلها بأقاويل مموهة بالزينة الكاذبة والزخارف الباطلة وبجوابات منقشة بالأصباغ الخائبة والتصاوير الهائلة حتى أوردهم موارد الهلاك فلأجل ذلك أردت أن أذكر ما ذكره الله ورسوله ﷺ وأصحابه وأئمة الدين الراسخون في العلم. قال صاحب شرح الإقناع: باب حكم المرتد "وهو الذي يكفر بعد إسلامه نطقاً واعتقاداً أو شكًّا أو فعلاً لو لم يكن مميزاً فيصح ردته كإسلامه ويأتي طوعاً لا كرهاً" لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ . [النحل: ١٠٦] . ولو كان هازلاً لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ . [البقرة: ٢١٧] . وحديث ابن عباس مرفوعاً: "من بدل دينه فاقتلوه". رواه الجماعة غير = وسقط أول الكلام. وحقه أن يقال: وأما نواقضها فكثيرة.

стр. 127

مسلم، وأجمعوا على وجوب قتل المرتد فمن أشرك بالله تعالى أو كفر بعد إسلامه كفر لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ . [النساء: ٤٨، ١١٦] . أو جحد ربوبيته أو جحد صفة من صفاته اللازمة. قاله في الرعاية، لأنه كجاحد الوحدانية وفي "الفصول" يُشترط أن تكون الصفة مُتفقًا عليها، أو اتخذ لله صاحبة أو ولداً: كفر؛ لأنه تعالى نزه نفسه عن ذلك ونفاه عنه، أو ادعى النبوة أو صدّق من ادعاها بعد النبي ﷺ لأنه مكذّب بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ . [الأحزاب: ٤٠] . ولقوله ﷺ : "لا نبي بعدي" ١. أو جحد نبيًّا مجمعاً عليه لأنه مكذّب لله وجاحد نبيًّا من أنبيائه الثابتة أو جحد كتاباً من كتب الله، أو شيئاً منها لأن جاحد البعض كجاحد الكل لاشتراك الكل من عند الله، أو جحد الملائكة أو واحداً مما ثبت أنه ملك لتكذبيه القرآن، أ, جحد البعث لتكذبيه الكتاب والسنة وإجماع الأمة، أو سب الله ورسوله كفر مطلقاً أو استهزأ بالله تعالى أو كتبه أو رسله لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ . [التوبة: ٦٥، ٦٦] . أو مبغضاً لرسوله أو لما جاء به اتفاقاً أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم إجماعاً لأن ذلك فعل عابدي الأصنام قائلين ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ . وقولهم ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ . أو سجد لغير الله، أو أتى بقول أو فعل صريح في الاستهزاء بالدين الذي شرعه الله، أو وجد منه امتهان القرآن أو طلب تناقضه أو ادعى أنه مختلف أو مختلق أو مقدور على

стр. 128

مثله أو إسقاط لحرمته لقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ . [الحشر: ٢١] . وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ . [النساء: ٨٢] . وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ . [الإسراء: ٨٨] . أو أنكر الإسلام لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ . [آل عمران: ١٩] . أو الشهادتين أو إحداهما ولا يعلم معناها وجرى على لسانه من دون قصد لشدة فرح أو دهش كقول من أراد أن يقول: أنت ربي وأنا عبدك لما رأى راحلته واقفة على رأسه بعد اليأس قال: أنت عبدي وأنا ربك لحديث "عفي عن أمتي الخطأ والنسيان" ١. ومن أطلق الشارع كفره كمن ادعى بغير أبيه وكمن أتى عرافاً فصدقه بما يقول فهو تشديد: كُفْرٌ دون كفر لا يخرج به عن الإسلام. وقيل: كفر نعمة وقيل: قارب الكفر، وعنه يجب الكف ولا يقطع بأنه لا ينقل عن الملة وقال القاضي وجماعة من العلماء في قوله ﷺ : " ومن أتى عرافاً فصدقه بما يقول كفر بما أنزل على محمد" ٢.

стр. 129

أي جحد تصديقه بكذبهم ومنهم من حمل ذلك على من فعله مستحلاًّ. أو قال: إني يهودي أو نصراني أو برئ من دين الإسلام أو من القرآن أو النبي أو دينه أو يعبد الصليب ونحو ذلك على ما ذكروه في الإيمان أو قذف النبي أو أمه أو اعتقد قدم العالم أو حدوث الصانع لتكذبيه بالكتاب والسنة والإجماع أو سخر بوعد الله أو وعيده، أو لم يكفر من دان بغير الإسلام أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم لأنه مكذب بقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ . [آل عمران: ٨٥] . أو قال قولاً يتوصل به إلى تضليل أمة الاتباع للإجماع على أنها لا تجتمع على ضلالة وللخبر "لا تزال طائفة من أمتي على حق" ١ الحديث. أو قال قولاً يتوصل به إلى تكفير الصحابة بغير تأويل لتكذيبه بقوله ﷺ : "أصحابي كالنجوم"٢. وغيره، أو قال أن الكنائس بيوت الله وأن الله يعبد فيها أو أن ما يفعل اليهود والنصارى عبادة لله وطاعة لله ولرسوله أو أنه يحب ذلك أو يرضاه لتضمن ذلك اعتقاد صحة دينهم، أو إعانتهم على الكنائس وإقامة دينهم واعتقد أن ذلك قربة وطاعة واعتقد أن زيادة أهل الذمة وكنائسهم قربة إلى الله، وإن جهل حرمة ذلك أُعلم بها فإن أصر بعد ذلك صار مرتداً لتضمنه تكذيب قوله تعالى: ﴿نَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ . [آل عمران: ١٩] . أو يقول: ما ثَمَّ ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ . معتقداً ما ثم موجود إلا الله كأهل الاتحاد والخالق هو المخلوق والمخلوق هو الخالق والرب هو العبد والعبد هو الرب ونحو ذلك من المعاني التي قام الإجماع على بطلانها

стр. 130

يستتاب فإن تاب وإلا قتل أو قال: إن الله بذاته في كل مكان أو اعتقد أن لأحد طريقاً إلى الله من غير متابعة محمد ﷺ أو لا يجب عليه اتباعه أو أن له أو لغيره خروجاً عن اتباعه وعن أخذ ما بُعث به أو يحتاج إلى محمد ﷺ في علم الظاهر دون علم الباطن أو علم الشريعة دون علم الحقيقة أو قال: إن من الأولياء من يسعه الخروج عن شريعته كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى بتكذبيه بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ . [الأنعام: ١٥٣] . أو اعتقد أن هدي غير النبي ﷺ أكمل من هديه أو ظن أن قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ . [الإسراء: ٢٣] . بمعنى قدر فإن الله ما قدر شيئاً إلا وقع وجعل عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله فإن هذا أشد الناس كفراً بل معنى قضى أوجب، أو استحل الحشيشة المسكرة أو يلعن التوراة، وأما من لعن دين اليهود الذي هم عليه في هذا الزمان فلا بأس عليه لأنه قد غير وبدل بل شرعنا نسخ سائر الشرائع. أو سب الصحابة أو اقترن بسبه دعوى أن عليًّا إله أو نبي وأن جبريل خان أو غلط لمخالفة الكتاب والسنة أو شك في كفر من توقف عن تكفيره، أو زعم أن القرآن نقص منه شيء أو كتم منه شيء لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . [الحجر: ٩] . أو زعم أن له تأويلات باطنية تسقط الأعمال الشرعية كصلاة وصيام ونحو ذلك وهذا قول القرامطة والباطنية ومنهم التناسخية لتكذيبهم الكتاب والسنة والإجماع، أو قذف عائشة بما برأها الله تعالى منه لتكذبيه بنص الكتاب ومن سب غيرها من أزواجه ﷺ ففيه قولان: كسبّ أحد من الصحابة لعدم نص خاص، والثاني وهو الصحيح كقذف عائشة لقدحه فيه ﷺ ، وأما سب الصحابة بشيء لا يقدح في عدالتهم ولا دينهم كوصف بعضهم ببخل أو جبن أو قلة علم أو عدم زهد

стр. 131

ونحوه فهو يستحق التأديب والتعزير ولا يكفر، وأما من لعن وقبح مطلقاً فهو محل الخلاف هل يكفر أو يفسق؟ فوقف أحمد في كفره وقتله ويقال: يعاقب ويجلد ويحبس حتى يموت أو يرجع عن ذلك وهذا هو المشهور عن مالك، وقيل: يكفر إن استحله والمذهب يعزر كما تقدم وفي الفتاوى المصرية لابن تيمية ﵀ يستحق العقوبة البليغة باتفاق المسلمين أو زعم أن الصحابة ارتدوا بعد الرسول ﷺ إلا نفراً قليلاً لا يبلغون بضعة عشر أو أنهم فسق أو شك في كفر من توقف عن تكفيره أو أنكر صحبة أبي بكر للرسول ﷺ لتكذبيه بقوله تعالى: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ . [التوبة: ٤٠] . وقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ . [الأنعام: ١٥١] . [....] وذلك لأن الأدب تحلية وزينة للإنسان ومن أحسن ما يزينه ديناً ودنيا تنزهه عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن. قال ابن الوردي: قيمة الإنسان ما يحسنه أكثر الإنسان منه أو أقل. قال علي بن أبي طالب ﵁ الأدب خل في الغنى كنز عند الحاجة، عون على المروءة، صاحب في المجلس، أنيس في الوحدة، تعمر به القلوب الواهية، وتحيى به الألباب الميتة، وتتقد به الأبصار الكليلة ويدرك به الطالبون ما حاولوا. وقال آخر: الأدب يبلع بصاحبه الشرف وإن كان دنيًّا والعز وإن كان قيماً والقرب وإن كان قصياً، والمهابة وإن كان بذياً والغنى وإن كان فقيراً، والنيل وإن كان حقيراً، والكرم وإن كان سفيهاً، والمحبة وإن كان كريهاً. قال بعض الملوك لوزيره: ما خير ما يرزقه الله بعد الإسلام؟ قال: عقل يعيش به، قال فإن عدمه؟ قال: أدب يتحلى به، قال:

стр. 132

فإن عدمه؟ قال: فخمول سيرة، قال: فإن عدمه؟ قال: فصاعقة تحرقه وتريح العباد منه والبلاد. قال علي ﵁: إن الكمال بالأخلاق مطهرة ... فالعقل أولها والدين ثانيها والعلم ثالثها واحلم رابعها ... والجود خامسها والعرف ساديها والعين تعلم من عين محدثها ... إن كان من حزبها أو من أعاديها والنفس تعلم أني لا أصدقها ... ولست أرشد إلا حين أعصيها قال لقمان لابنه: لا تتم الحكمة في أحد حتى يكون في ثلاثة مقدماً ومؤخراً ومبرءاً عن ثلاثة ومؤهلا لثلاثة، أما اللواتي مقدماً فيها فالعقل والعلم والنطق، وأما اللواتي مؤخر عنها فالحدة والعجلة والحجاجة، وأما اللواتي يكون مبرءاً منها فالهوى والحسد والكذب، وأما اللواتي يكون مؤهلاً لها فالرفق والصبر والصمت، وقال: يا بني الحكمة والمروة مردهما إلى خشية الله تعالى وخشية الله هي الحكمة ولن تجد حكيماً يأتي بسوء أو ينطق بفحش وإنما يقول خيراً أو يصمت، وقال آخر: يكفيك من عقل الفتى صمته ... وتركه ما ليس يعنيه وقال لقمان: يا بني من حاسب نفسه فليس أحد يحاسبه، ومن عاقبها فليس أحد يعاقبه ومن لامها فليس أحد يلومه، وقال: من أصلح فاسده أرغم حاسده، ومن سعادة جدك وقوتك على حدك، حد العفاف الرضا بالكفاف، أجهل الناس من كان على السلطان مدلاَّ، وللإخوان مذلاًّ١. ولو أردنا أن نذكر ما في الأدب لما وسعه المقام، واعلم أن

стр. 133

مدار الأدب والحكمة والكمال على العقل ومدار العقل على صفاء الباطن، حتى يرى القببح من الحسن كالمرآة لصفائها يرى فيها الأشياء ومدار صفاء الباطن على التنزه من الفواحش ما ظهر منها وما بطن ومدار ذلك من خشية الله تعالى ومدار ذلك على الإيمان الصادق الناصح عن الله وعن رسوله ﷺ ، وقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ . [الأنعام: ١٥٣] . أي تتشعب بكم عنه فتضلوا وتهلكوا وتستوجبوا الخزي في الدارين، وعن عبد الله بن مسعود قال: "خط لنا رسول الله ﷺ خطًّا مستقيماً ثم قال: هذا صراط سبيل الله ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله وقال: هذه سبل على كل سبيل منها الشيطان يدعو إليه". وقرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ١. وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "ليأتين على أمتي كما أتى على بني إسرائيل، حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أنه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي" ٢. رواه الترمذي. فوقع كما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ فتشعبت أولاً ست فرق، الجبرية والقدرية والرافضة

стр. 134

والخوارج والمعتزلة والمرجئة، وتشعبت كل فرقة إلى اثني عشر فرقة فصارت ثنتين وسبعين فرقة كلها جائرة ومائلة عن صراط الله الذي أرسل به رسوله، والفرقة الناجية هي تمام الثلاث والسبعين: قال أبو العباس أحمد ابن تيمية قدس الله روحه: "اعلم أن اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره، والإيمان بما وصف به نفسه في كتابه وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل بل يؤمنون بأن الله سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسمائه وآياته ولا يكيفون ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه لأنه سبحانه لا سمي له ولا كفو له ولا ند له ولا يقاس بخلقه ، وإنما يؤمنون بما وصف به نفسه فإنه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلا وأحسن حديثا من خلقه ثم رسله صادقون مصدوقون بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون ولهذا قال : ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ . إلى آخر السورة فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، هو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون فإنه الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وقد دخل في هذه الجملة ما وصف به نفسه في سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن حيث يقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص] . وما وصف به نفسه في أعظم آية حيث يقول

стр. 135

سبحانه: قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ . [البقرة: ٢٥٥] . أي لا يكرثه ولا يثقله، ولهذا كان من قرأ هذه الآية في ليلة لم يزل عليه حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح". ١١- وأما فضلها: عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "قال موسى: يا رب علمني شيئاً أذكرك وأدعوك به، قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله، قال: يا رب، كل عبادك يقولون هذا، قال: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضيين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت لا إله إلا الله" رواه ابن حبان والحاكم وصححه الترمذي وحسنه١.قوله: يا رب علمني شيئاً أي خصصني بشيء أذكرك عن النسيان وأدعوك به عند تفاقم الأمر وتوالي الحدثان، قال الله تعالى: يا موسى قل: لا إله إلا الله منبهاً على أنها هي الموجبة لخلق الثقلين وهي الفارقة بين الكفر والإسلام، قال موسى: يا رب كل عبادك يقولون هذا أي عباد الطاعة لا عباد القهر لأنه قد علم بالكتاب والسنة والأخبار المتواترة والأحاديث المتوافرة أن الكفار قديماً وحديثاً أنكروها وأنكروا على من أمرهم بها، قال فرعون: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ . [الشعراء: ٢٩] . قوم إبراهيم لما قال لهم: ﴿أَإِفْكاً

стр. 136

آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ . [الصافات: ٨٦] . ﴿قالوا ابنوا له﴾ . [الصافات: ٩٧] . قوم نوج لما قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ . [الأعراف: ٥٩] . ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ . [الشعراء: ١١٦] . وقوم هود لما قال لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ . [هود:٥٠] . ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ . [الشعراء: ١٣٧] . وهلم جرا أي كل نبي لما دعا قومه إلى توحيد الألوهية أنكروه واستكبروا وزادوا نفوراً قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ . [الذاريات: ٥٢، ٥٣] . فهؤلاء مع تكذبيهم للرسل عبيد الله قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ . [مريم: ٩٣] . وأما عبيد الطاعة الذين قاموا بتوحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وصدقوا الرسل بما جاؤوا به وعملوا بما قالوا، فالله أعلم قول موسى: كل عبادك يقولون هذا يعني بهم عبيد الطاعة الذين قالوا: لا إله إلا الله وعملوا بها فنبه الله تعالى على أنها أفضل الأذكار والأدعية لو أن السماوات السبع وعامرهن وفي رواية وعمارهن غيري مستثنياً نفسه المقدسة لأنه لا يقابلها بشيء ليس كمثله ولم يكن له كفواً أحد في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله واعلم أن ليس المراد منها لفظها لأن اللفظ إذا كتب وحط في الميزان لقابله ثلاث شعيرات عن الخلائق والتوكل على رب الخلائق وعبادته وحده لا شريك له فهذا هو المعظم وهو المثقل بالسماوات والأرضيين ومن فيهن إلا الله فتأمل. وقد ورد فضلها بأحاديث متكاثرة وأخبار متواترة عن جابر

стр. 137

-﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله" ١. رواه الترمذي وابن ماجه، وروى أبو إسحاق عن الأعمش أنه شهد على رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا قال العبد: لا إله إلا الله والله أكبر يقول الله ﵎: صدق عبدي لا إله إلا أنا وأنا أكبر وإذا قال لا إله إلا الله وحده قال: لا إله إلا أنا وحدي، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له قال: صدق عبدي لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، وإذا قال: لا إله إلا الله له الملك وله الحمد قال: صدق عبدي لا إله إلا أنا لي الملك ولي الحمد، وإذا قال لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله قال: صدق عبدي لا إله إلا أنا لا حول ولا قوة إلا بي" ٢. قال أبو إسحاق ثم قال الأعمش شيئاً لم أفهمه، فقلت لأبي جعفر: ما قال؟ قال: "من رزقهن عند موته لم تمسه النار"٣. وفي رواية أبي سعيد وأبي هريرة: "من قالها في مرضه ثم مات لم يطعمه النار" ٤. ومن المراسيل عن النبي ﷺ قال: "من قال كل يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، أتى الله يوم القيامة وجهه أشد بياضاً من القمر ليلة البدر". وعنه ﷺ : "من قال في يوم مائة مرة إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير كانت له حرزاً من الشيطان

стр. 138

حتى يمسي" ١. وعنه ﷺ : " دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا فرج كربه: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" ٢. وفي الترمذي: "دعوة أخي ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فإنه لم يدع لها مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له" ٣. وعنه ﷺ في دعاء الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش الكريم" ٤. ولو أردنا أن نذكر كل ما ورد في فضلها لطال الكلام، وما وسعه المقام، وكيف لا وقد كون الكون وأرسل الرسل وأنزل الكتب لأجلها أي لأجل معناها والعمل بمقتضاها وذلك تعبد الله وحده لا شريك له فلا تنيب إلا إليه ولا توكل إلا عليه وتقبل على الله بقلبك وقالبك وترضى وتسلم الأمور كلها إليه وتعلم أنه عليم بمصالح العباد وحكيم بوضع الأشياء في مواضعها إن الله يفعل ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة وتفر منه إليه عند الشدائد وتشكره عند الرخاء وتعلم إن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. قال الشيخ أسكنه الله الجنة: لا إله إلا الله لها عشر درجات ينبغي للمسلم أن يعرفها ويميز الناس بها:

стр. 139

الأولى: تصديق القلب أن دعوة غير الله وعبادة غيره باطل وقد خالف فيها من خلف. الثانية: أن عبادة غير الله ودعوة غيره منكر شنيع ويجب فيها العداوة والبغضاء، وقد خالف فيها من خالف. الثالثة: أنها من الكبائر العظام المستحقة للمقت والمفارقة بل هي أكبر الكبائر، وقد خالف فيها من خالف. الرابعة: أن هذا هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة وأن صاحبه إن مات وهو عليه، حرام عليه الجنة مخلد في النار وما له نصير ولا شفيع، وقد خالف فيها من خالف. الخامسة: أن المسلم إذا اعتقده أو دان به كفر، وقد خالف فيها من خالف. السادسة: أن المسلم الصادق إذا تكلم به خوفاً أو طمعاً كفر، وقد خالف فيها من خالف. السابعة: أنك تعمل معه عملك مع الكافر من عداوة الأب والابن وغير ذلك، وقد خالف فيها من خالف. الثامنة: أن هذه تتعلق بلا إله إلا الله وهي معنى لا إله إلا الله وأن ثبوتها عمل ونفيها ترك عمل. التاسعة: القتال على ذلك حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. العاشرة: أن كفر فاعل الشرك أغلظ من كفر اليهود، تنكح نساء اليهود ولا تنكح المشركات. قلت: إذا تأملت هذه الدرجات وتدبرت معانيها وما يتعلق بها وجدت مصداق قوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ . [سبأ: ١٣] . معيناً ورأيت قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ

стр. 140

بِمُؤْمِنِينَ﴾ . [يوسف: ١٠٣] . هو الواقع ولا إله إلا الله سلعة الرحمن في الدنيا والجنة في الآخرة، وقد كسدت عند الأراذل واللئام: يا سلعة الرحمن أين المشتري ... فلقد عرضت بأيسر الأثمان يا سلعة الرحمن سوقك كاسد ... بين الأراذل سفلة الحيوان يا سلعة الرحمن ليس ينالها ... من ألف إلا واحد لا اثنان الحق شمس والعيون نواظر ... لا تختفي إلا على العميان عن أنس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: يا ابن آدم؛ لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة". رواه الترمذي١. وفي هذا الحديث بشارة عظيمة لمن وحد الله تعالى ونذارة شديدة لمن أشرك بالله شيئاً أي ولو قليلاً لأن الشرك في العمل كالنار في البارود فكما لو كان البارود كثيراً لأحرقه القليل من النار كذلك العمل لو كان كثيراً لأحبطه قليل من الشرك، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ . [الزمر: ٦٥] . ١٢- وأما متمماتها فشهادة أن محمداً عبده ورسوله واتباعه على كل حال في العسر واليسر قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ . [الحشر: ٧] . وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ . [النساء: ٦٥] . وقال رسول الله ﷺ : "كل يدخل الجنة إلا من أبى". قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال:

стр. 141

"من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" ١. قال البخاري: ثنا محمد بن عبادة، ثنا سليم بن حيَّان، وأثنى عليه، ثنا سعيد بن مينا، ثنا أو سمعت جابر بن عبد الله يقول: "جاءت ملائكة إلى النبي ﷺ وهو نائم، فقال بعضهم إنه نائم، وقال بعضهم العين نائمة والقلب يقظان، قالوا: إن لصاحبكم هذا مثلاً فاضربوا له مثلاً، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة، والقلب يقظان، فقالوا: مَثَلُهُ كمثل رجل بنى داراً وجعل فيها مأدبة وبعث داعياً فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة فقالوا: أوِّلوها له يفقهها فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: فالدار الجنة، والداعي محمد فمن أطاع محمداً فقد أطاع الله، ومن عصى محمداً فقد عصى الله ومحمد فرَّق بين الناس" ٢. واعلم أن مبنى قبول العمل على ركنين: الإخلاص والمتابعة. قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ . [الملك: ٢] . قال الفضيل بن عياض: "هو أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل وإن كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، الخالص ما كان لله، والصواب أن يكون على السنة"، فالإخلاص في العمل مقتضى لا إله إلا الله، والصواب يعني متابعة سنة الرسول ﷺ في العمل من مقتضى محمد رسول الله، فبان أن الله لا يقبل من أحد لا إله إلا الله حتى يشهد أن محمداً رسوله ويتبعه فيما

стр. 142

أتى به دقاً وجلاً فيدور مع قول الرسول ﷺ وفعله نفياً وإثباتاً بلا روغان فصارت الشهادة أن محمداً رسول الله والمتابعة له من متممات لا إله إلا الله. وأما مقتضاها١: سلامة القلب من الشرك والشك والكفر والنفاق والعجب والكبر وتحلي القلب بحلي الإيمان والإخلاص وعظمة الله ووقاره والحب في الله والبغض فيه والرضى بقضاء الله وتسليم الأمر لله ونحو ذلك من الأعمال القلبية وصدق اللسان والذكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتحدث بنعمة الدين والثناء على الله والشكر له والحمد ونحو ذلك من الأعمال اللسانية، وامتثال أوامر الله بما قال الله ورسوله وقد الله في كتابه العزيز آية جامعة لأصول الأعمال الصالحة، قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ . [البقرة: ١٧٧] . قال البيضاوي: والآية كما ترى جامعة للكمالات الإنسانية بأسرها دالة عليها صريحاً أو ضمناً فإنها بكثرتها وتشعبها منحصرة في ثلاثة أشياء: صحة الاعتقاد، وحسن المعاشرة، وتهذيب النفس، وقد أشير إلى الأول بقوله تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ . وإلى الثاني بقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ . وإلى

стр. 143

الثالث بقوله تعالى: ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في الدين واتباع الحق وطلب البر ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ . عن الشرك والكفر وسائر الرذائل.

стр. 144

متن الباب ٢ باب: من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ . [النحل: ١٢٠] . وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩] . عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لُدغت، قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي، قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة. قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع. ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "عرضت عليّ الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب"، ثم نهض فدخل منزله. فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ . وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله

стр. 145

شيئاً، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه فأخبروه، فقال: "هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون" فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: "أنت منهم" ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: "سبقك بها عكاشة". فيه مسائل: الأولى: معرفة مراتب الناس في التوحيد. الثانية: ما معنى تحقيقه. الثالثة: ثناؤه سبحانه على إبراهيم بكونه لم يكن من المشركين. الرابعة: ثناؤه على سادات الأولياء بسلامتهم من الشرك. الخامسة: كون ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد. السادسة: كون الجامع لتلك الخصال هو التوكل. السابعة: عمق علم الصحابة لمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل. الثامنة: حرصهم على الخير. التاسعة: فضيلة هذه الأمة بالكمية والكيفية. العاشرة: فضيلة أصحاب موسى.
следующие страницы →