← Акыда

Акыда · id 11329

فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى

ابن القيم

Полный текст (59 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

فائدة جليلة: في قواعد الأسماء الحسنى تأليف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية تحقيق: عَبْد الرّزاق بن عَبد المحسِن البَدْر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ال مقدمة الحمد للَّه المحمود على كال حال، الموصوف بصفات الجلال والكمال، له الأسماء الحسنى وهو الكبير المتعال. أما بعد: فإنَّ من أجل العلوم وأعظمها نفعّا وأكثرها فائدةً معرفةً القواعد والأصول والضوابط الكلية الجامعة، ذلك أنَّ الأصول والقواعد للعلوم بمنزلة الأساس للبنيان والأصول للأشجار لا ثبات لها إلا بها، والأصول تبنى عليها الفروع، والفروع تثبت وتتقوى بالأصول، وبالقواعد والأصول يثبت العلم ويقوى وينمى نماءً مطردًا، وبها تعرف مآخذ الأصول، وبها يحصل الفرقان بين المسائل التي تشتبه كثيراً، كما أنَّها تجمع النظائر والأشباه التي من جمال العلم جمعها"١ إلى

стр. 2

غير ذلك من الفوائد العظيمة والمنافع الجليلة التي لا تحصى. بل إنَّ "من محاسن الشريعة وكمالها وجمالها وجلالها: أنَّ أحكامها الأصولية والفروعية والعبادات والمعاملات وأمورها كلها لها أصول وقواعد تضبط أحكامها وتجمع متفرقها وتنشر فروعها وتردها إلى أصولها"١. والقاعدة: هي أمر كليٌ ينطبق على جزئياتٍ كثيرةٍ تفهم أحكامها منها٢. فإذا ضُبطت القاعدة وفهم الأصل أمكن الإلمام بكثيرٍ من المسائل التي هي بمثابة الفرع لهذه القاعدة، وأُمن الخلطُ بين المسائل التي قد تشتبه، وكان فيها تسهيلٌ لفهم العلم وحفظه وضبطه، وبها يكون الكلام مبنيّا على علم متين وعدل وإنصاف. ولذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لابد أن يكون مع الإنسان أصولٌ كلية ترد إليها الجزئيات؟ ليتكلم بعلم

стр. 3

وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت، وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات فيتولد فسادٌ عظيمٌ) ١. لأجل هذا عُني أهل العلم كثيراً. بوضع القواعد وجمعها في الفنون المختلفة، فلا تكاد تجد فناً من الفنون إلا وله قواعدُ كثيرةُ وضوابطُ عديدةٌ تجمع متفرقه، وتزيل مشتبهه، وتنير معالمه، وتيسر فهمه، وحفظه، وضبطه. وهذا الجزءُ الذي بين يديك مشتمل على أصولٍ عظيمةٍ وقواعدَ وضوابطَ مهمةٍ في فقه أسماء الله الحسنى، مستمدةٍ من الشرع معلومةٍ بالاستقراء والتتبع لنصوص الكتاب والسنة، تعين مطالعها وقارئها على فهم الأسماء الحسنى فهماً صحيحاً سليمًا بعيداً عن شطط أهل الأهواء وانحرافاتهم الكثيرة في قواعدهم التي قعدوها وأصولهم التي أصلوها بعقولهم الفاسدةٍ، وأهوائهم المنحرفةِ، فناقضوا بها أصول الشريعة، وعارضوا بها النصوص المحكمة، وأضلوا بها كثيرًا، وضلوا عن سواء السبيل

стр. 4

وأصله "فائدة جليلة"أودعها الإمام المحقق والعلامة المدقق ابن قيم الجوزية كتابه العظيم "بدائع الفوائد"١ نبه فيها ﵀ على ضوابط مهمةٍ، وقواعد عظيمةٍ، وأصولٍ كليةٍ متينةٍ متعلقةٍ بفهم أسماء الله الحسنى وفقهها. قال في تمامها ﵀ "فهذه عشرون فائدةً مضافةٌ إلى القاعدة التي بدأنا بها في أقسام ما يوصف به الربُ ﵎، فعليك بمعرفتها ومراعاتها، ثم اشرح الأسماء الحسنى إن وجدت قلبّا عاقلاً، ولساناً قائلاً، ومحلاً قابلاً، وإلا فالسكوت أولى بك فجناب الربوبية أجلُّ وأعزُّ مما يخطر بالبال أو يعبر عنه المقال ... ". وقد رأيت أنَّ من المفيد جدًّا إفراد هذه الفائدة الجليلة بالنشر، لتكثر فائدتها ولتكون سهلة التناول قريبة المأخذ، وقد تحصَّل لي بحمد الله ثلاث نسخ خطية لهذا الموضع من بدائع الفوائد: الأولى: من مكتبة المخطوطات بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية تحت رقم (٢٩٧٦/ ف) ورمزت لها بالحرف (خ) .

стр. 5

والثانية: أيضا من مكتبة المخطوطات بجامعة الإمام محمد ابن سعود الإسلامية تحت رقم (١٠٥/ ف) ورمزت لها بالحرف (ص) . والثالثة: من مكتبة الأخ الفاضل الشيخ الوليد بن عبد الرحمن الفريان وقد صورها من إحدى المكتبات الخاصة. ورمزت لها بالحرف (ب) . فقابلت بين هذه النسخ الثلاث، والنسخة المطبوعة، ولوامع الأنوار البهية١ للسفاريني فقد نقل جملةً كبيرةً من هذه القواعد نصًا عن بدائع الفوائد؟ ونظرًا لكثرة الأخطاء الواقعة في النسخ الخطية الثلاث، وفي النسخة المطبوعة لم اعتمد شيئًا منها أصلاً أبني عليه، وإنَّما قابلت بين النسخ وأثبت في المتن ما رأيته صحيحًا صوابًا؛ وللسبب ذاته لم أر أيضًا إثقال الهوامش بإثبات جميع الفروقات الواقعة بين النسخ، وإنَّما رأيت الاقتصار على ما في إثباته فائدة، ثم إنّي مع هذا قد عزوت الآيات القرآنية إلى أماكنها، وخرجت

стр. 6

الأحاديث باختصار، وعلقت على بعض المواطن اليسيرة، فأرجو اللَّه أنْ يكون هذا العمل متقبلاً عنده وسائر أعمالي إنَّه قريبٌ مجيب. وكتب عبد الزراق بن عبد المحسن البدر في ١٥/٦/١٤١٥هـ

стр. 7

اقسام ما يجري صفة أو خبرا على الرب ... النص المحقق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الإمام العلامة المحقق شمس الدين أبو عبد الله محمد ابن أبي بكر الزرعي الشهير بابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في كتابه القيم "بدائع الفوائد"ما نصه:

стр. 8

فائدة جليلة: ما يجري صفةً أو خبراً على الرب ﵎ أقسامٌ: أحدها: ما يرجعُ إلى نفس الذات؟ كقولك: ذات وموجود وشيء. الثاني: ما يرجعُ إلى صفاتٍ معنويةٍ، كالعليم والقدير والسميع. الثالث: ما يرجعُ إلى أفعاله؛ نحو: الخالق والرزاق. الرابع: ما يرجعُ إلى التنزيه المحض. ولابد من تضمنه ثبوًا إذ لا كمال في العدم المحض؟ كالقدوس السلام. الخامس: ولم يذكره أكثرُ الناس، وهو الاسم الدال على جملة أوصافٍ عديدةٍ لا تختصُ بصفةٍ معينةٍ، بل هو دالٌ على معانٍ١ لا على معنى مفردٍ؛ نحو: المجيد العظيم الصمد، فإنَّ المجيد من اتصف بصفاتٍ متعددةٍ من صفات الكمال، ولفظه يدل على هذا، فإنَّه موضوعٌ للسعة والكثرة والزيادة،

стр. 9

ومنه قولهم: "في كل شجر نار واستمجد المَرْخُ والعَفارُ"١ وأمجد الناقة علفًا، ومنه ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ ٢ صفة للعرش لسعته وعظمه وشرفه. وتأمل كيف جاء هذا الاسمُ مقترنًا بطلب الصلاة من الله على رسوله كما علمناه صلى الله عليه وسلم٣؛ لأنه في مقام طلب المزبد

стр. 10

والتعرض لسعة العطاء وكثرته ودوامه، فأتى في هذا المطلوب باسم يقتضيه١؛ كما تقول: اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم، ولا يحسن إنك أنت السميع البصير، فهو راجعٌ إلى المتوسل إليه٢ بأسمائه وصفاته، وهو من أقرب الوسائل وأحبها إليه. ومنه الحديث الذي في المسند والترمذي: "أَلِظُّوا بياذا الجلال والإكرام " ٣ ومنه: "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد

стр. 11

لا إله إلا أنت المنان بديعُ السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام " ١. فهذا سؤالٌ له وتسولٌ إليه بحمده٢، وأنه الذي لا إله إلا هو المنان، فهو توسلٌ إليه بأسمائه وصفاته، وما أحق ذلك بالإجابة وأعظمه موقعًا عند المسؤول، وهذا بابٌ عظيمُ من أبواب التوحيد أشرنا إليه إشارةً، وقد فتح لمن بصره الله. ولنرجع إلى المقصود وهو وصفه تعالى بالاسم المتضمن لصفاتٍ عديدةٍ، فالعظيم من اتصف بصفات كثيرة من صفات الكمال وكذلك الصمد، قال ابن عباس: "هو السيد الذي كمل ني سؤدده"٣. وقال أبو وائل٤: "هو السيد الذي

стр. 12

انتهى سؤدده"١. وقال عكرمة: "الذي ليس فوقه أحد"٢. وكذلك قال الزجاج: "الذى ينتهي إليه السؤدد ففد صمد له كل شيء"٣. وقال ابن الأنبارى: "لا خلاف بين أهل اللغة أنَّ الصمد السيد الذي ليس فوقه أحد الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم وأمورهم"٤ واشتقاقه يدل على هذا، فإنَّه من الجمع والقصد، فهو٥ الذي اجتمع القصد نحوه، واجتمعت فيه صفات السؤدد، وهذا أصله في اللغة كما قال٦:

стр. 13

ألا بكر الناعي بخيري بني أسد ... بعمرو بن يربوع١ وبالسيد الصمد والعرب تسمي أشرافها بالصمد؛ لاجتماع قصد القاصدين إليه، واجتماع صفات السيادة فيه. السادس: صفة تحصل من اقتران أحد الاسمين والوصفين بالآخر، وذلك قدرٌ زائدٌ على مفرديهما؛ نحو: الغني الحميد، العفو القدير، الحميد المجيد، وهكذا عامة الصفات المقترنة والأسماء المزدوجة في القرآن. فإنَّ الغني صفة كمال، والحمد كذلك، واجتماع الغني مع الحمد كمال آخر، فله ثناءٌ من غناه، وثناءٌ من حمده، وثناءٌ من اجتماعهما. وكذلك العفو القدير، والحميد المجيد٢، والعزيز الحكيم، فتأمله فإنَّه من أشرف المعارف. وأما صفات السلب المحض فلا تدخل في أوصافه تعالى إلا

стр. 14

أن تكون متضمنةً لثبوتٍ؛ كالأحد المتضمن لانفراده بالربوبية والإلهية، والسلام المتضمن لبراءته من كل نقص يضاد كماله، وكذلك الإخبار عنه بالسلوب إنما١ هو لتضمنها ثبوتًا كقوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ ٢ فإنَّه متضمنٌ لكمال حياته وقيوميته، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ ٣ متضمنٌ لكمال قدرته، وكذلك قوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ ٤ متضمنٌ لكمال علمه، وكذلك قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ ٥ متضمنٌ لكمال صمديته وغناه، وكذلك قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ٦ متضمنٌ لتفرده بكماله وأنه لا نظير له، وكذلك قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ ٧ متضمنٌ لعظمته وأنَّه جلَّ عن أن يُدرك بحيث يحاط به، وهذا مطردٌ في كلِّ ما وصف به نفسه من السلوب.

стр. 15

باب الإخبار أوسع من باب الأسماء والصفات ... ويجب أن يعلم هنا أمورٌ١: أحدها: أنَّ ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته؟ كالشيء والموجود والقائم بنفسه، فإنَّه٢ يخبر به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا٣.

стр. 16

الثاني: أن الصفة إذا كانت منقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه، بل يطلق عليه منها كمالها ، وهذا كالمريد والفاعل والصانع، فإنَّ هذه الألفاظ لا تدخل في أسمائه؛ ولهذا غلط من سماه بالصانع عند الإطلاق، بل هو الفعَّالُ لما يريد فإنَّ الإرادة والفعل والصنع منقسمةٌ؛ ولهذا إنَّما أطلق على نفسه من ذلك أكمله فعلاً وخبرًا.

стр. 17

لا يلزم الإخبار عنه بالفعل مقيدا أن يشتق له من أسم مطلق ... الثالث: أنَّه لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيدًا أن يشتق له منه اسمٌ مطلقٌ كما غلط فيه بعضُ المتأخرين فجعل من أسمائه الحسنى المضل الفاتن الماكر تعالى الله عن قوله، فإنَّ

стр. 18

هذه الأسماء لم يطلق عليه شحانه منها إلا أفعالٌ مخصوصةٌ معينةٌ فلا يجوز أن يسمى بأسمائها المطلقة، واللَّه أعلم.

стр. 19

أسماء الله الحسنى أعلام وأوصاف والوصف لا ينافي العلمية ... الرابع: أنَّ أسماءَه الحسنى هي أعلامٌ وأوصافٌ، والوصفُ بها لا يُنافي العَلَمِيَة، بخلاف أوصاف العباد فإنَّها تنافي علميتهم؛ لأن أوصافهم مشتركةٌ فنافتها العلميةُ المختصةُ بخلاف أوصافه تعالى١.

стр. 20

دلالة الأسماء على الذات تكون بالمطابقة والتضمن الإلتزام ... الخامس: أنَّ الاسم من أسمائه. له دلالات: - دلالة على الذات والصفة بالمطابقة. - ودلالة على أحدهما بالتضمن. - ودلالة على الصفة الأخرى باللزوم٢.

стр. 21

الأسماء الحسنى لها إعتبار من حيث الذات وإعتبار من حيث الصفات ... السادس: أنَّ أسماءَه الحسنى لها اعتباران:

стр. 22

- اعتبار من حيث الذاتُ. - واعتبار من حيث الصفاتُ. فهي بالاعتبار الأول مترادفةٌ، وبالاعتبار الثاني متباينةٌ.

стр. 23

عنه به نحو: الحي، بل يطلق عليه الاسم والمصدر١ دون الفعل، فلا يقال: حيي٢.

стр. 24

السابع: أنّ ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفيٌ ، وما يطلق عليه في باب الإخبار١ لا يجب أن يكون توقيفيًا؛ كالقديم والشيء والموجود والقائم بنفسه. فهذا فصل الخطاب في مسألة أسمائه: هل هي توقيفيةٌ، أو يجوز أن يطلق عليه منها بعضُ ما لم يرد به السمع.

стр. 25

الإسم إذ اطلق على الله جاز أن يشتق من المصدر والفعل ... الثامن: أنَّ الاسم إذا أطلق عليه جاز أنْ يشتق منه المصدر والفعل فيخبر به عنه فعلاً ومصدراً؛ نحو: السميع البصير القدير، يطلق عليه منه السمع والبصر والقدرة ويخبر عنه بالأفعال من ذلك؛ نحو: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ ٢، ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ ٣ هذا إنْ كان الفعل متعديًا، فإنْ كان لازمًالم يخبر

стр. 26

أفعال الرب صادرة عن أسمائه وصفاته ... التاسع: أن أفعال الرب ﵎ صادرة عن أسمائه وصفاته، وأسماءُ المخلوقين صادرةٌ عن أفعالهم، فالرب ﵎ فِعاله عن كماله، والمخلوق كماله عن فعاله، فاشتقت له الأسماء بعد أنْ كمل بالفعل، فالرب لم يزل كاملاً فحصلت أفعاله عن كماله؟ لأنَّه كاملٌ بذاته وصفاته، فأفعاله صادرةٌ عن كماله؛ كَمُلَ ففعل، والمخلوق فعل فكمل الكمال الائق به.

стр. 27

العاشر: إحصاءُ الأسماء الحسنى والعلمُ بها أصلٌ للعلم بكل معلوم ، فإنِّ المعلومات سواه إمَّا أن تكون خلقًا له تعالى أو أمرًا، إمَّا علمٌ بما كونه، أو علمٌ بما شرعه. ومصدرُ الخلق والأمر عن أسمائه الحسنى، وهما مرتبطان بها ارتباط المقتضى٣ بمقتضيه، فالأمرُ كلهُّ مصدره عن أسمائه

стр. 28

الحسنى، وهذا كلَّه حسنٌ١ لا يخرج عن مصالح العباد والرأفة والرحمة بهم والإحسان إليهم بتكميلهم بما أمرهم به ونهاهم عنه، فأمره كلُّه مصلحةٌ وحكمةٌ ورحمةٌ ولطفٌ وإحسانٌ، إذ مصدرهُ أسماؤه الحسنى، وفعله كلُّه لا يخرج عن العدل والحكمة والمصلحة والرحمة، إذ مصدره أسماؤه الحسنى فلا تفاوت في خلقه ولا عبث، ولم يخلق خلقه باطلاً ولا سدى ولا عبثًا، وكما أَنَّ كل موجودٍ سواه فبإيجاده فوجود من سواه تابعٌ لوجوده تبع المفعول المخلوق لخالقه، فكذلك العلمُ به٢ أصلٌ للعلم بكل ما سواه. فالعلم بأسمائه وإحصاؤها أصلٌ لسائر العلوم فمن أحصى أسماءَه كما ينبغي للمخلوق أحصى جميعَ العلوم، إذ إحصاءُ أسمائه أصلٌ لإحصاء كلِّ معلوم؛ لأنَّ المعلومات هي من مقتضاها٣ ومرتبطةٌ بها. وتأمل صدور الخلق والأمر عن علمه وحكمته تعالى؛ ولهذا لا تجد فيها خللاً ولا تفاوتًا؛

стр. 29

لأنَّ الخلل الواقع فيما يأمرُ في العبد أو يفعله؛ إمَّا أنْ يكون لجهله به، أو لعدم حكمته. وأمَّا الرب تعالى فهو العليم الحكيم، فلا يلحق فعله ولا أمره خللٌ ولا تفاوتٌ ولا تناقضٌ.

стр. 30

أسماء الله كلها حسنى وليس فيها اسم غير ذلك ... الحادي عشر: أنَّ أسماءه كلَّها حسنى ليس فيها اسمٌ غير ذلك أصلاً، وقد تقدم أنَّ من أسمائه ما يطلق عليه باعتبار الفعل؛ نحو الخالق والرازق والمحيي والمميت، وهذا يدل على أنَّ أفعاله كلَّها خيراتٌ محضةٌ١ لا شر فيها؛ لأنَّه لو فعل الشر لاشتق له منه اسم ولم تكن أسماؤه كلُّها حسنى، وهذا باطلٌ، فالشر ليس إليه، فكما لا يدخل في صفاته ولا يلحق ذاته فلا يدخل في أفعاله، فالشر ليس إليه، لا يضاف إليه فعلاً ولا وصفًا، وإنَّما يدخل في مفعولاته. وفرقٌ بين الفعل والمفعول، فالشر قائمٌ بمفعوله المباين له، لا بفعله الذي هو فعله، فتأمل هذا فإنه خفي على كثير من المتكلمين وزلت فيه أقدامٌ وضلت فيه أفهامٌ، وهدى اللَّه أهل.

стр. 31

الحق لما اختلفوا فيه بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم١.

стр. 32

بيان مراتب إحصاء أسماء الله الحسنى ... الثاني عشر: في بيان مراتب إحصاء أسمائه التي من أحصاها دخل الجنة وهذا هو قطب السعادة، ومدار النجاة والفلاح. المرتبة الأولى: إحصاءُ ألفاظها وعددها. المرتبة الثانية: فهمُ معانيها ومدلولها. المرتبة الثالثة: دعاؤه بها؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ

стр. 33

الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى فَادعُوهُ بِهَا﴾ ١. وهو مرتبتان: إحداهما: دعاء ثناءِ وعبادةٍ. والثاني: دعاء طلب ومسألة. ٢ فلا يثنى عليه إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وكذلك لا يُسأل إلا بها، فلا يقال: يا موجود أو يا شيء أو يا ذات اغفر لي وارحمني، بل يُسأل في كل مطلوب باسم يكون مقتضيًا لذلك المطلوب، فيكون السائل متوسلاً إليه بذلك الاسم. ومن تأمل أدعية الرسل، ولاسيما خاتمهم وإمامهم "- صلوات الله وسلامه عليهم- وجدها مطابقةً لهذا. وهذه العبارة أولى من عبارة من قال: يتخلق بأسماء اللَّه، فإنَّها ليست بعبارةٍ سديدةٍ٣، وهي منتزعةٌ من قول الفلاسفة:

стр. 34

الفلسفة التشبه بالإله على قدر الطاقة١، وأحسن منها عبارة أبي الحكم بن بَرَّجان٢ وهي التعبد، وأحسن منها العبارة المطابقة للقرآن وهي الدعاء المتضمن للتعبد والسؤال. فمراتبها أربعة: أشدها إنكارًا عبارة الفلاسفة وهي التشبه، وأحسن منها عبارة من قال: التخلق، وأحسن منها عبارة من قال التعبد، وأحسن من الجميع الدعاء وهي لفظ القرآن٣.

стр. 35

اختلاف النظار في الأسماء التي تطلق على الله وعلى العبد ... الثالث عشر: اختلف النظار في الأسماء التي تطلق على الله وعلى العباد؛ كالحي والسميع والبصير والعليم والقدير والملك ونحوها فقالت طائفة من المتكلمين: هي حقيقةٌ في العبد مجازٌ في الرب وهذا قول غلاة الجهمية، وهو أخبث

стр. 36

الأقوال وأشدها فسادًا. الثاني: مقابلُهُ، وهو أَنَّها حقيقةٌ في الرب مجازٌ في العبد، وهذا قول أبي العباس الناشي١. الثالث: أَنَّها حقيقة فيهما، وهذا قول أهل السنة، وهو الصواب٢. واختلاف الحقيقتين فيهما لا يخرجها عن كونها٣ حقيقة فيهما، وللرب تعالى منها ما يليق بجلاله، وللعبد منها ما يليق به٤.

стр. 37

وليس هذا موضع التعرض لمأخذ هذه الأقوال وإبطال باطلها وتصحيح صحيحها، فإِنَّ الغرض الإشارةُ إلى أمورٍ ينبغي معرفتها في هذا الباب، ولو كان المقصود بسطها لاستدعت سفرين أو أكثر.

стр. 38

الأسم والصفة لها ثلاث إعتبارات ... الرابع عشر: أن الاسم والصفة من هذا النوع له ثلاثُ اعتباراتٍ: - اعتبارٌ من حيث هو مع قطع النظر عن تقييده بالرب ﵎ أو العبد. - الاعتبار الثاني: اعتباره مضافا إلى الرب مختصًا به. - الثالث: اعتباره مضافًا إلى العبد مقيدًا به. ١- فما لزم الاسم لذاته وحقيقته١ كان ثابتًا للرب والعبد،

стр. 39

وللرب منه ما يليق بكماله وللعبد منه ما يليق به. وهذا كاسم السميع الذي يلزمه إدراك المسموعات والبصير الذي يلزمه رؤية المبصرات، والعليم والقدير وسائر الأسماء، فإنَّ شرط صحة إطلاقها حصول معانيها وحقائقها للموصوف بها. فما لزم هذه الأسماء لذاتها فإثباته للرب تعالى لا محذور فيه بوجه، بل يثبت له١ على وجه لا يماثلُ٢ فيه خَلْقَهُ ولا يشابهُهُم، فمن نفاه عنه لإطلاقه على المخلوق ألحد في أسمائه وجحد صفات كماله، ومن أثبته له على وجهٍ يماثل فيه خلقه فقد شبهه بخلقه، ومن شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أثبته له على وجهٍ لا يماثل فيه خلقه بل كما يليق بجلاله وعظمته فقد برئ من فرث التشبيه ودم التعطيل وهذا طريق أهل السنة. ٢- وما لزم الصفةَ لإضافتها إلى العبد وجب نفيه عن الله، كما يلزمُ حياة العبد من النومِ والسِنةِ والحاجةِ إلى الغذاءِ ونحو ذلك، وكذلك ما يلزمُ إرادته من حركة نفسه في جلب ما

стр. 40

ينتفع به ودفع ما يتضرر به، وكذلك ما يلزمُ علوه من احتياجه إلى ما هو عالٍ عليه وكونه محمولاً به مفتقرًا إليه محاطًا به. كلُّ هذا يجب نفيه عن القدوس السلام ﵎. ٣- وما لزم صفة من جهة اختصاصهِ تعالى بها فإنَّه لا يَثْبُتُ للمخلوق بوجه كعلمه الذي يلزمه القِدَمُ والوجوبُ والإحاطةُ بكل معلومٍ، وقدرتهِ، وإرادتهِ، وسائر صفاته. فإنَّ ما يختصُ به منها لا يمكنُ إثباتُهُ للمخلوق. فإذا أحطتَ بهذه القاعدة خُبرًا وعَقَلْتَها كما ينبغي خلصتَ من الآفتين اللتين هما أصل بلاءِ المتكلمين: آفةِ التعطيل وآفةِ التشبيه، فإنَّك إذا وفيت هذا المقامَ حقه من التصور أثبت لله الأسماء الحسنى والصفاتِ العلى حقيقةً فخصلت من التعطيل، ونفيت عنها خصائص المخلوقين ومشابهتهم فخلصت من التشبيه، فتدبر هذا الموضع واجعله آخيَّتَكَ١ التي ترجعُ إليها في هذا الباب والله الموفق للصواب.
следующие страницы →