أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم بأقطارها - أو قال من بين أقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا " ١.
ورواه البرقاني في " صحيحه " وزاد: " وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة
...........................................................................................
قوله: ورواه البرقاني في صحيحه هو الحافظ الكبير أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب الخوارزمي الشافعي، ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، ومات سنة خمس وعشرين وأربعمائة، قال الخطيب: "كان ثبتا ورعا، ولم نر في شيوخنا أثبت منه، عارفا بالفقه كثير التصانيف مسندا ضمنه ما اشتمل عليه الصحيحان، وجمع حديث الثوري وحديث شعبة وطائفة".
قوله: " وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين "٢ أي الأمراء والعلماء والعباد فيحكمون فيهم بغير علم فيضلونهم كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ ٣، وقال: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ﴾ ٤ وأمثال هذه الآيات كثير، وعن زياد بن حدير قال: قال لي عمر: "هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قلت: لا، قال: يهدمه زلة العالم وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين" رواه الدارمي٥.
قوله: " وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة "، وقد وقع ذلك ومازالت الأمة كذلك، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة، وفيه ما هو حق كقتال أهل التوحيد لأهل الشرك بالله وجهادهم على تركهم الشرك، وقد من الله بذلك على من أقامهم في آخر هذا الزمان بالدعوة إلى توحيده، لكن أهل الشرك بدءوهم بالقتال وأظهرهم الله عليهم كما لا يخفى على من تدبر آيات هذا الدين في هذه الأزمنة.
قوله: " ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين " الحي واحد الأحياء وهي القبائل: وفي رواية أبي داود " حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين وكم وكم "٦.
قوله: " وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان "والفئام مهموز: الجماعات الكثيرة، قاله
стр. 142
حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى يعبد فئام من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي " ١ " ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم
.............................................................................................
أبو السعادات. وهذا هو شاهد الترجمة، وقد استحكمت الفتنة بعبادة الأوثان حتى إنه لا يعرف أحد في هذه القرون المتأخرة أنكر ما وقع من ذلك، حتى أقام الله شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - الذي أنكره ونهى عنه ودعا الناس إلى تركه، وإلى أن يعبدوا الله تعالى وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، فرماه الملوك وأتباعهم بقوس العداوة، فأظهره الله بالحجة وأعز أنصاره على من ناوأهم، وبلغت دعوته مشارق الأرض ومغاربها ولكن من الناس من عرف ومنهم من أنكر، فانتفع بدعوته الكثير، من أهل نجد والحجاز وعمان وغيرها، فلله الحمد على هذه النعمة العظيمة جعلنا الله شاكرين.
قوله: " وأنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي "قال القرطبي: قد جاء عددهم معينا في حديث حذيفة قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم " يكون في أمتي كذابون دجالون سبع وعشرون منهم أربع نسوة "٢ أخرجه أبو نعيم وقال: هذا حديث غريب، وحديث ثوبان أصح من هذا. قال القاضي عياض: عد من تنبأ من زمن رسول الله صلي الله عليه وسلم إلى الآن ممن اشتهر بذلك وعرف واتبعه جماعة على ضلالته فوجد هذا العدد فيهم، ومن طالع كتب الأخبار والتاريخ عرف صحة هذا، وآخرهم الدجال الأكبر.
قوله: " وأنا خاتم النبيين "قال الحسن: الخاتم الذي ختم به، يعني أنه آخر النبيين كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٣ وإنما ينزل عيسى ﵇ في آخر الزمان حاكما بشريعة محمد صلي الله عليه وسلم، مصليا إلى قبلته فهو كآحاد أمته، بل هو أفضل هذه الأمة.
قوله: " ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم "قال النووي: يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين ما بين شجاع وبصير بالحرب، وفقيه ومحدث ومفسر وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وزاهد وعابد، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد، بل يجوز اجتماعهم في قطر
стр. 143
حتى يأتي أمر الله ﵎ " ١.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النساء.
الثانية: تفسير آية المائدة.
الثالثة: تفسير آية الكهف.
الرابعة: - وهي أهمها -: معنى الإيمان بالجبت والطاغوت في هذا الموضع؟: هل هو اعتقاد قلب، أو هو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها؟.
...............................................................................................
واحد وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز أن يجتمعوا في بلد واحد وأن يكونوا في بعض دون بعض منه، ويجوز إخلاء الأرض منهم أولا فأولا إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد، فإذا انقرضوا جاء أمر الله، انتهى ملخصا مع زيادة فيه قاله الحافظ.
قال المصنف: "وفيه الآية العظيمة أنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم والبشارة بأن الحق لا يزول بالكلية".
قوله: " حتى يأتي أمر الله " الظاهر أن المراد به ما روي من قبض من بقي من المؤمنين بالريح الطيبة ووقوع الآيات العظام، ثم لا يبقى إلا شرار الناس.
وقوله: ﵎ قال ابن القيم ﵀: البركة هي فعلة والفعل منها بارك، ويتعدى بنفسه تارة وبأداة "على" تارة، وبأداة "في" تارة. والمفعول منها مبارك وهو ما جعل منها كذلك فكان مباركا بجعله تعالى. "والنوع الثاني" بركة تضاف إليه إضافة الرحمة والعزة والفعل منها تبارك، ولهذا لا يقال لغيره ذلك ولا يصح إلا له فهو سبحانه المتبارك وعبده ورسوله المبارك، وأما صفته تبارك فمختصة به كما أطلقها على نفسه في قوله: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿بَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢ أفلا تراها كيف اطردت في القرآن جارية عليه مختصة به لا تطلق على غيره، وجاءت على بناء السعة والمبالغة كتعالى وتعاظم ونحوه، فجاء بناء تبارك على بناء تعالى الذي هو دال على كمال العلو ونهايته، فكذلك تبارك دال على كمال بركته وعظمتها وسعتها، وهذا معنى قول من قال من السلف: تبارك تعاظم. وقال ابن عباس: جاء بكل بركة.
стр. 144
الخامسة: قولهم: إن الكفار الذين يعرفون كفرهم أهدى سبيلا من المؤمنين.
السادسة: - وهي المقصود بالترجمة - أن هذا لا بد أن يوجد في هذه الأمة كما تقرر في حديث أبي سعيد.
السابعة: التصريح بوقوعها، أعني عبادة الأوثان في هذه الأمة في جموع كثيرة.
الثامنة: العجب العجاب: خروج من يدعي النبوة مثل المختار، مع تكلمه بالشهادتين وتصريحه بأنه من هذه الأمة، وأن الرسول حق، وأن القرآن حق، وفيه أن محمدا خاتم النبيين، ومع هذا يصدق في هذا كله مع التضاد الواضح. وقد خرج المختار في آخر عصر الصحابة، وتبعه فئام كثيرة.
التاسعة: البشارة بأن الحق لا يزول بالكلية كما زال فيما مضى، بل لا تزال عليه طائفة.
العاشرة: الآية العظمى أنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم.
الحادية عشرة: أن ذلك الشرط إلى قيام الساعة.
الثانية عشرة: ما فيه من الآيات العظيمة. منها: إخباره بأن الله زوى له المشارق والمغارب، وأخبر بمعنى ذلك فوقع كما أخبر، بخلاف الجنوب والشمال. وإخباره بأنه أعطي الكنزين، وإخباره بإجابة دعوته لأمته في الاثنتين، وإخباره بأنه منع الثالثة، وإخباره بوقوع السيف، وأنه لا يرفع إذا وقع، وإخباره بإهلاك بعضهم بعضا وسبي بعضهم بعضا، وخوفه على أمته من الأئمة المضلين، وإخباره بظهور المتنبئين في هذه الأمة، وإخباره ببقاء الطائفة المنصورة وكل هذا وقع كما أخبر، مع أن كل واحد منها من أبعد ما يكون في العقول.
الثالثة عشرة: حصر الخوف على أمته من الأئمة المضلين.
الرابعة عشرة: التنبيه على معنى عبادة الأوثان.
стр. 145
٢٤- باب ما جاء في السحر
وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ ١ وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ٢.
قال عمر: "الجبت ": السحر، "والطاغوت ": الشيطان. وقال جابر: الطواغيت: كهان كان ينزل عليهم الشيطان في كل حي واحد.
..........................................................................................
قوله: "باب ما جاء في السحر " أي والكهانة - السحر في اللغة عبارة عما خفي ولطف سببه، ولهذا جاء في الحديث: " إن من البيان لسحرا "٣، وهذا من التشبيه البليغ شبهه بالسحر لكونه بالبيان يحصل منه ما يحصل من السحر قال أبو محمد المقدسي في الكافي: السحر عزائم ورقى، ومنه ما يؤثر في القلوب والأبدان، فيمرض ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه، قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ ٤ وقال: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ ٥ يعني السواحر اللاتي ينفثن في سحرهن. ولولا أن للسحر حقيقة لم يأمر بالاستعاذة منه، واختلفوا هل يكفر الساحر أو لا؟ فذهب طائفة من السلف إلى أنه يكفر، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد، قال أصحابه: إلا أن يكون سحره بأدوية وتدخين وسقي شيء يضر فلا يكفر.
ومما يدل على أنه كفر قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ ٦ وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ٧ قال عمر: الجبت: السحر. والطاغوت: الشيطان. وتقدم كلام ابن القيم رحمه الله تعالى في حد الطاغوت، وأن له أفرادا منها عبادة غير الله، فالمعبود طاغوت كما دلت عليه الآيات، ومنهم الكهان ومن يحكم بغير الحق أو يأمره بما يخالف الحق، أو يرضى به وغير ذلك.
قوله: "الطواغيت كهان" أراد أن الكهان من الطواغيت. قوله: "كان ينزل عليهم الشيطان" أراد الجنس لا الشيطان الذي هو إبليس خاصة، بل تنزل عليهم الشياطين ويخاطبونهم ويخبرونهم بما يسترقونه من السمع فيصدقون مرة، ويكذبون مائة.
стр. 146
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " ١.
..............................................................................................
قوله: وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات "كذا أورده المصنف رحمه الله تعالى إلى غير معزو، وقد رواه البخاري ومسلم.
اجتنبوا أي ابعدوا وهو أبلغ من قوله: دعوا أو اتركوا؛ لأن النهي عن القربان أبلغ كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ ٢ قوله الموبقات بموحدة وقاف أي المهلكات، وسميت هذه موبقات؛ لأنها تهلك فاعلها في الدنيا بما يترتب عليها من العقوبات، وفي الآخرة من العذاب، وفي حديث ابن عمر عند البخاري في الأدب المفرد مرفوعا قال: "الكبائر تسع٣ " وذكر السبعة المذكورة " والإلحاد في الحرم وعقوق الوالدين ".
قوله: "قال: الشرك بالله" هو أن يجعل لله ندا يدعوه أو يرجوه كما يرجو الله قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى:
والشرك فاحذره فشرك ظاهر ... ذا القسم ليس بقابل الغفران
стр. 147
وهو اتخاذ الند للرحمن أيا ... كان من حجر ومن إنسان
يدعوه أو يرجوه ثم يخافه ... وبحبه كمحبة الديان
وبدأ به لأنه أعظم ذنب عصي الله به كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ١ "والسحر" تقدم تعريفه.
قوله: "وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق " أي نفس المسلم المعصوم وقتل المعاهد كما في الحديث " من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة "٢. وذهب ابن عباس وأبو هريرة إلى أنه لا توبة لمن قتل مؤمنا متعمدا، وذهب جمهور الأمة سلفا وخلفا إلى أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله، فإن تاب وأناب وعمل صالحا بدل الله سيئاته حسنات كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾ إلى قوله ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ ٣.
قوله: " وأكل الربا " أي تناوله بأي وجه كما قال تعالى ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ ٤ الآيات. قال ابن دقيق العيد: "وهو يجر لسوء الخاتمة نعوذ بالله من ذلك". قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٥ وفي الحديث " الربا نيف وسبعون حوبا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه ".
قوله: "وأكل مال اليتيم " يعني التعدي فيه، وعبر بالأكل لأنه أعم وجوه الانتفاع كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ ٦ قوله: "والتولي يوم الزحف " أي الإدبار عن الكفار وقت التحام القتال كما قال
стр. 148
وعن جندب مرفوعا: " حد الساحر ضربه بالسيف " ١ رواه الترمذي، وقال: الصحيح أنه موقوف.
وفي " صحيح البخاري " عن بجالة بن عبدة قال: " كتب عمر بن
..............................................................................................
تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ٢ قوله: " وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" وهو بفتح الصاد المحفوظات من الزنا، وبكسرها الحافظات فروجهن منه، والمراد الحرائر العفيفات قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ ٣ الآية.
قوله: عن جندب رواه الطبراني في ترجمة جندب بن عبد الله البجلي قال الحافظ: "والصواب أنه غيره وقد رواه ابن قانع والحسن بن سفيان من وجهين عن الحسن عن جندب الخير: أنه جاء إلى ساحر فضربه بالسيف حتى مات، وقال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول.. فذكره".
قوله: " حد الساحر ضربه بالسيف " روي بالهاء وبالتاء وكلاهما صحيح. وبهذا الحديث أخذ أحمد ومالك وأبو حنيفة فقالوا: يقتل الساحر. وروي ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر وحفصة وجندب بن عبد الله وجندب بن كعب وقيس بن سعد وعمر بن عبد العزيز. ولم ير الشافعي عليه القتل بمجرد السحر إلا إن عمل في سحر ما يبلغ الكفر به. قال ابن المنذر: وهو رواية عن أحمد والأول أولى للحديث والأثر عن عمر، وعمل به الناس في خلافته من غير نكير.
قوله: وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة قال: " كتب عمر أن اقتلوا كل ساحرة فقتلنا ثلاث سواحر "هذا الأثر رواه البخاري كما قال المصنف لكن لم يذكر قتل السواحر.
стр. 149
الخطاب: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة. قال: فقتلنا ثلاث سواحر "١
وصح عن " حفصة ﵂: أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها،
.................................................................................................................
قوله: عن بجالة بفتح الموحدة بعدها جيم ابن عبدة بفتحتين التميمي العنبري بصري ثقة.
قوله: " كتب عمر بن الخطاب أن اقتلوا كل ساحر وساحرة "وظاهره أنه يقتل من غير استتابة، وهو كذلك على المشهور عن أحمد، وبه قال مالك؛ لأن علم السحر لا يزول بالتوبة، وعن أحمد يستتاب فإن تاب قبلت توبته: وبه قال الشافعي؛ لأن ذنبه لا يزيد على الشرك والمشرك يستتاب وتقبل توبته، ولذلك صح إيمان سحرة فرعون وتوبتهم.
قوله: وصح عن " حفصة ﵂ أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت "هذا الأثر رواه مالك في الموطأ، وحفصة هي أم المؤمنين بنت عمر بن الخطاب تزوجها النبي صلي الله عليه وسلم بعد خنيس بن حذافة وماتت سنة خمس وأربعين.
وقوله: "وكذا صح عن جندب " أشار المصنف بهذا إلى قتل الساحر كما رواه البخاري في تاريخه عن أبي عثمان النهدي قال: كان عند الوليد رجل يلعب فذبح إنسانا وأبان رأسه، فعجبنا فأعاد رأسه، فجاء جندب الأزدي فقتله. ورواه البيهقي في الدلائل مطولا وفيه: فأمر به الوليد فسجن فذكر القصة بتمامها ولها طرق كثيرة.
стр. 150
فقتلت١. وكذلك صح عن جندب "قال أحمد: عن ثلاثة من أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية البقرة.
الثانية: تفسير آية النساء.
الثالثة: تفسير الجبت والطاغوت، والفرق بينهما.
الرابعة: أن الطاغوت قد يكون من الجن، وقد يكون من الإنس.
الخامسة: معرفة السبع الموبقات المخصوصات بالنهي.
السادسة: أن الساحر يكفر.
السابعة: أنه يقتل ولا يستتاب.
الثامنة: وجود هذا في المسلمين على عهد عمر، فكيف بعده؟!
стр. 151
٢٥- باب بيان شيء من أنواع السحر
قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف عن حيان بن العلاء،
..................................................................................................
قوله: "قال أحمد عن ثلاثة من أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم " أحمد هو الإمام أحمد بن حنبل أي صح قتل الساحر عن ثلاثة.
باب بيان شيء من أنواع السحر
قوله: قال أحمد حدثنا محمد بن جعفر: حدثنا عوف عن حيان بن العلاء حدثنا قطن ابن قبيصة
هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، ومحمد هو ابن جعفر المشهور بغندر الهذلي البصري ثقة مشهور مات سنة ست ومائتين. وعوف هو ابن أبي جميلة بفتح الجيم العبدي البصري المعروف بعوف الأعرابي ثقة مات سنة ست أو سبع وأربعين، وله ست وثمانون سنة. وحيان بن العلاء بالتحتية، ويقال حيان بن مخارق أو العلاء البصري مقبول. وقطن بفتحتين أبو سهلة البصري صدوق.
стр. 152
حدثنا قطن بن قبيصة عن أبيه أنه سمع النبي صلي الله عليه وسلم قال: " إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت "١.
قال عوف: العيافة: زجر الطير. والطرق: الخط يخط بالأرض. والجبت: قال الحسن: رنة الشيطان. إسناده جيد، ولأبي داود والنسائي وابن حبان في " صحيحه " المسند منه.
....................................................................................................................
قوله عن أبيه هو قبيصة بفتح أوله ابن مخارق بضم الميم أبو عبد الله الهلالي صحابي نزل البصرة.
قوله: " إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت، قال عوف: العيافة: زجر الطير، والطرق: الخط يخط بالأرض " والطيرة التفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها وهو من عادة العرب، وكثير في أشعارهم يقال: عاف يعيف إذا زجر وحدس وظن.
قوله: "شعبة" أي طائفة ومنه الحديث: " الحياء شعبة من الإيمان "٢ أي جزء منه.
قوله: "والطرق الخط يخط بالأرض " هكذا فسره عوف وهو كذلك. قال أبو السعادات: هو الضرب بالحصى الذي يفعله النساء.
قوله: والجبت أي السحر.
قوله: "قال الحسن رنة الشيطان " "قلت " ذكر إبراهيم بن محمد بن مفلح أن في تفسير بقي بن مخلد أن إبليس رن أربع رنات: رنة حين لعن، ورنة حين أهبط، ورنة حين ولد رسول الله صلي الله عليه وسلم، ورنة حين أنزلت فاتحة الكتاب. وروى الحافظ الضياء في المختارة:
стр. 153
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد " ١ رواه أبو داود، وإسناده صحيح.
وللنسائي من حديث أبي هريرة:﵁ " من عقد عقدة ثم نفث
.....................................................................................................................
الرنين: الصوت، وقد رن يرن رنينا، وبهذا يظهر معنى قول الحسن ﵁.
قوله: المسند منه لم يذكروا قول عوف.
قوله: "وعن ابن عباس ﵁ قال: رسول الله صلي الله عليه وسلم: " من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد "رواه أبو داود بإسناد صحيح " ولذا صححه النووي والذهبي ورواه أحمد وابن ماجه.
قوله: " من اقتبس " قال أبو السعادات: قبست العلم وأقبست إذا علمته. انتهى.
قوله: " فقد اقتبس شعبة من السحر " المحرم تعليمه. قال شيخ الإسلام: فقد صرح رسول الله صلي الله عليه وسلم بأن علم النجوم من السحر. وقد قال تعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ ٢ قوله: " زاد ما زاد " أي كلما زاد من تعلم النجوم زاد في السحر وفي الإثم الحاصل بزيادة الاقتباس من شعبه، فإن ما يعتقدونه في النجوم من التأثير باطل كما أن تأثير السحر باطل والله أعلم.
قوله: "وللنسائي من حديث أبي هريرة: " من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئا وكل إليه ". هذا الحديث ذكره المصنف رحمه الله تعالى من حديث أبي هريرة وعزاه للنسائي، وقد رواه النسائي مرفوعا وحسنه ابن مفلح.
стр. 154
فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئا وكل إليه " ١. وعن ابن مسعود، أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " ألا هل أنبئكم ما العضة؟ هي النميمة: القالة بين الناس "٢ رواه مسلم.
....................................................................................................................
قوله: وللنسائي هو الإمام الحافظ أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار، أبو عبد الرحمن صاحب السنن الكبرى والمجتبى وغيرهما، روى عن محمد بن المثنى وابن بشار وقتيبة وخلق وكان إليه المنتهى في العلم بعلل الحديث، مات سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة وله ثمانون سنة.
قوله: " من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر "قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ ٣ يعني السواحر اللاتي يفعلن ذلك، والنفث هو دون التفل.
وقوله: " ومن تعلق شيئا وكل إليه "أي من علق قلبه بشيء بحيث يرجوه ويخافه وكله الله إلى ذلك الشيء، ومن قصر تعلقه على الله وحده كفاه ووقاه كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٥، ومن تعلق قلبه بغير الله في رجاء نفع أو دفع ضر فقد أشرك.
قوله: وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " ألا هل أنبئكم ما العضة؟ هي النميمة: القالة بين الناس " رواه مسلم.
قوله: "ألا أنبئكم ما العضه؟ " بفتح المهملة وسكون المعجمة ثم فسرها بقوله:
стр. 155
و"لهما" عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "إن من البيان لسحرا " ١.
............................................................................................................
" هي النميمة " فأطلق عليها العضة؛ لأن النمام يعمل عمل الساحر. وذكر ابن عبد البر عن يحيى بن أبي كثير قال: "يفسد النمام والكذاب في ساعة ما لا يفسد الساحر في سنة". وقال أبو الخطاب في عيون المسائل: "ومن السحر السعي بالنميمة والإفساد بين الناس". قال ابن حزم: "واتفقوا على تحريم الغيبة والنميمة في غير النصيحة الواجبة". وفيه دليل على أنها من الكبائر.
قوله: "القالة بين الناس " ومنه الحديث: " ففشت القالة بين الناس " أي كثرة القول وإيقاع الخصومة.
قوله: "ولهما عن ابن عمر أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " إن من البيان لسحرا "٢ "
البيان الفصاحة والبلاغة. قال ابن عبد البر: تأوله طائفة على الذم؛ لأن السحر مذموم. وذهب أكثر أهل العلم وجماعة أهل الأدب إلى أنه على المدح؛ لأن الله تعالى مدح البيان، قال: وقال عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى - لرجل سأله عن حاجة فأحسن المسألة فأعجبه قوله: " هذا والله السحر الحلال "انتهى، والأول أصح، والمراد به البيان الذي فيه تمويه على السامع وتلبيس كما قال بعضهم.
في زخرف القول تزيين لباطله ... والحق قد يعتريه سوء تعبير
مأخوذ من قول الآخر:
تقول هذا مجاج النحل تمدحه ... وإن تشا قلت ذا قيء الزنانير
مدحا وذما وما جاوزت وصفهما ... والحق قد يعتريه سوء تعبير
قوله: " إن من البيان لسحرا "هذا من التشبيه البليغ؛ لكون ذلك يعمل عمل السحر فيجعل الحق في قالب الباطل والباطل في قالب الحق. فيستميل به قلوب الجهال حتى يقبل الباطل وينكر الحق. وأما البيان الذي يوضح الحق ويقرره، ويبطل الباطل ويبينه، فهذا هو الممدوح، وهكذا حال الرسل وأتباعهم ولهذا علت مراتبهم في الفضائل وعظمت حسناتهم.
стр. 156
فيه مسائل:
الأولى: أن العيافة والطرق والطيرة من الجبت.
الثانية: تفسير العيافة والطرق.
الثالثة: أن علم النجوم نوع من السحر.
الرابعة: أن العقد مع النفث من ذلك.
الخامسة: أن النميمة من ذلك.
السادسة: أن من بعض الفصاحة منه.
стр. 157
٢٦- باب ما جاء في الكهان ونحوهم
روى مسلم في " صحيحه " عن بعض أزواج النبي صلي الله عليه وسلم عن النبي صلي الله عليه وسلم
.......................................................................................................
قوله: "باب ما جاء في الكهان ونحوهم " الكاهن هو الذي يأخذ عن مسترق السمع وكانوا قبل المبعث كثيرا، وأما بعد المبعث فإنهم قلوا؛ لأن الله حرس السماء بالشهب، وأكثر ما يقع في هذه الأمة ما يخبر به الجن مواليهم من الإنس عن الأشياء الغائبة مما يقع في الأرض من الأخبار، فيظنه الجاهل كشفا وكرامة، وقد اغتر بذلك كثير من الناس يظنون ذلك المخبر لهم عن الجن وليا لله وهو من أولياء الشيطان كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الأِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ١ الآية.
стр. 158
قال: " من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه بما يقول، لم تقبل له صلاة أربعين يوما "١.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " من أتى كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد صلي الله عليه وسلم " ٢ رواه أبو داود.
.................................................................................................
قوله: عن بعض أزواج النبي صلي الله عليه وسلم هي حفصة، ذكره أبو مسعود الثقفي؛ لأنه ذكر هذا الحديث في "الأطراف" في مسندها قال البغوي: "العراف: الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك، وقيل: هو الكاهن والكاهن، هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، وقيل: الذي يخبر عما في الضمير". وقال شيخ الإسلام: "العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم". وقال أيضا: "والمنجم يدخل في اسم العراف". وقال ابن القيم: "من اشتهر بإحسان الزجر عندهم سموه عائفا وعرافا".
قوله: "لم تقبل له صلاة أربعين يوما " قال النووي وغيره ما معناه: أنه لا ثواب له فيها، وإن كانت مجزية بسقوط الفرض عنه. ولا بد من هذا التأويل في هذا الحديث، فإن العلماء متفقون على أنه لا يلزم من أتى العراف إعادة صلاة أربعين ليلة انتهى ملخصا.
قوله: وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلي الله عليه وسلم "٣ رواه أبو داود وفي رواية أبي داود: "أو امرأته " قال مسدد: "امرأته حائضا " "أو أتى امرأة ". قال مسدد: " امرأته في دبرها فقد بريء مما أنزل على محمد صلي الله عليه وسلم ".
стр. 159
وللأربعة١، والحاكم وقال: صحيح على شرطهما عن " أبي هريرة ﵁": " من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد صلي الله عليه وسلم " ٢.
ولأبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفا ٣.
وعن عمران بن حصين ﵁ مرفوعا: " ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له، ومن أتى كاهنا فصدقه بما
....................................................................................................................
قوله: وللأربعة والحاكم. وقال: صحيح على شرطهما عن ... " من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلي الله عليه وسلم "هكذا بيض المصنف لاسم الراوي، وقد رواه أحمد والبيهقي والحاكم عن أبي هريرة مرفوعا.
قوله: " من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلي الله عليه وسلم "قال القرطبي المراد بالمنزل: الكتاب والسنة.
قوله: ولأبي يعلي بسند جيد عن ابن مسعود مثله مرفوعا. أبو يعلى اسمه أحمد بن علي بن المثني الموصلي الإمام صاحب التصانيف كالمسند وغيره. روى عن يحيى بن معين وأبي خيثمة وأبي بكر بن أبي شيبة وخلق، وكان من الأئمة الحفاظ مات سنة سبع وثلثمائة، وهذا الأثر رواه البزار أيضا، ولفظه: " من أتى كاهنا أو ساحرا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلي الله عليه وسلم "وفي هذه الأحاديث التصريح بكفره.
قوله: "ليس منا " دليل على نفي الإيمان الواجب، وهو لا ينافي ما تقدم من أن الطيرة شرك والكهانة كفر.
стр. 160
يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد صلي الله عليه وسلم "رواه البزار بإسناد جيد، ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن من حديث ابن عباس دون قوله: " ومن أتى ... " إلى آخره ١.
قال البغوي: العراف: "الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك. وقيل: هو الكاهن. والكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل. وقيل: الذي يخبر عما في الضمير". وقال أبو العباس ابن تيمية: "العراف: اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق". " وقال ابن عباس - في قوم يكتبون أبا جاد وينظرون في النجوم-: ما أرى
......................................................................................................
قوله: "رواه البزار " هو أحمد بن عمرو ابن عبد الخالق أبو بكر البزار البصري صاحب المسند الكبير، روى عن ابن المثني وخلق. مات سنة اثنتين وتسعين ومائتين.
قوله: " قال ابن عباس في قوم يكتبون أبا جاد وينظرون في النجوم: ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق "٢. هذا الأثر رواه الطبراني عن ابن عباس مرفوعا وإسناده ضعيف. قوله: "ما أرى " يجوز فتح الهمزة بمعنى لا أعلم، ويجوز ضمها بمعنى لا أظن، وكتابة أبي جاد وتعلمها لمن يدعي بها علم الغيب هو الذي يسمى علم الحروف، وهو
стр. 161
من فعل ذلك له عند الله من خلاق ".
فيه مسائل:
الأولى: لا يجتمع تصديق الكاهن مع الإيمان بالقرآن.
الثانية: التصريح بأنه كفر.
الثالثة: ذكر من تكهن له.
الرابعة: ذكر من تطير له..
الخامسة: ذكر من سحر له
السادسة: ذكر من تعلم أبا جاد.
السابعة: ذكر الفرق بين الكاهن والعراف.
стр. 162
٢٧- باب ما جاء في النشرة
عن جابر أن رسول الله صلي الله عليه وسلم سئل عن النشرة؟ فقال: "هي من عمل
..............................................................................................................
الذي فيه الوعيد، وأما تعلمها للتهجي وحساب الجمل فلا بأس به.
قوله: "وينظرون في النجوم " أي ويعتقدون أن لها تأثيرا في باب التنجيم. وفيه الحذر من كل علم لا تعلم صحته من كتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم، وقد ورد النهي عنها والتحذير من قرب أهلها وسؤالهم وتصديقهم فيما أخبروا به من باطلهم، فما أكثر من يغتر بهذه الأمور.
قوله: "باب ما جاء في النشرة " بضم النون كما في القاموس. قال أبو السعادات: "النشرة ضرب من العلاج والرقية يعالح به من كان يظن أن به مسا من الجن، سميت نشرة؛ لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء أي يكشف ويزال. قال ابن الجوزي: "النشرة: حل السحر عن المسحور ولا يكاد يقدر عليه إلا من يعرف السحر".
стр. 163
الشيطان " ١ رواه أحمد بسند جيد. وأبو داود، وقال: سئل أحمد عنها فقال: ابن مسعود يكره هذا كله.
وفي " البخاري " عن قتادة: قلت لابن المسيب: رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته، أيحل عنه أن ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه. اهـ٢.
....................................................................................................................
قوله: عن جابر أن رسول الله صلي الله عليه وسلم سئل عن النشرة فقال: " هي من عمل الشيطان "، رواه أحمد بسند جيد وأبو داود، وقال سئل أحمد عنها فقال: ابن مسعود يكره هذا كله. هذا الحديث رواه أحمد ورواه عنه أبو داود في سننه، وحسن الحافظ إسناده، قوله: "سئل عن النشرة " الألف واللام في النشرة للعهد أي النشرة المعهودة التي كان أهل الجاهلية يصنعونها وهي من عمل الشيطان.
قوله: عن قتادة. هو ابن دعامة بكسر الدال، ثقة فقيه حافظ من أحفظ التابعين وأئمة التفسير قالوا: إنه ولد أكمه، مات سنة بضع عشرة ومائة.
قوله: "رجل به طب ". بكسر الطاء أي سحر، يقال: طب الرجل بالضم إذا سحر.
قوله: يؤخذ بفتح الواو مهموزا وتشديد الخاء المعجمة وبعدها ذال معجمة أي يحبس عن امرأته لا يصل إلى جماعها، والأخذة بضم الهمزة: الكلام الذي قاله الساحر.
قوله: أيحل بضم الياء وفتح الحاء مبني للمفعول.
قوله: أو ينشر بتشديد المعجمة. قوله: "لا بأس به " يعني أن النشرة لا بأس بها؛ لأنهم يريدون بها الإصلاح، وهذا من ابن المسيب يحمل على نوع من النشرة لا يعلم أنه سحر.
стр. 164
وروي عن " الحسن أنه قال: لا يحل السحر إلا ساحر "١ قال ابن القيم: النشرة: حل السحر عن المسحور، وهي نوعان:
أحدهما: حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يجب، فيبطل عمله عن المسحور.
والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة، فهذا جائز.
....................................................................................................................
قوله: وروي عن الحسن أنه قال: " لا يحل السحر إلا ساحر "هذا الأثر ذكره ابن الجوزي في جامع المسانيد، والحسن هو ابن أبي الحسن واسمه يسار بالتحتية والمهملة، البصري الأنصاري مولاهم ثقة فقيه إمام من خيار التابعين، مات سنة عشر ومائة وقد قارب التسعين. ومما جاء في صفة النشرة الجائزة ما روى ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ليث بن أبي سليم قال: بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء من السحر بإذن الله تعالى، تقرأ في إناء فيه ماء، ثم يصب على رأس المسحور: الآية التي في سورة يونس ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٢ إلى قوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ ٣، وقوله: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٤ إلى آخر الآيات الأربع، وقوله: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ ٥ وقال ابن بطال: "في كتاب وهب بن منبه: أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين، ثم يضربه بالماء ويقرأ فيه آية الكرسي والقواقل، ثم يحسو منه ثلاث حسوات، ثم يغتسل به يذهب عنه كل ما به، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله".
стр. 165
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن النشرة.
الثانية: الفرق بين المنهى عنه والمرخص فيه مما يزيل الإشكال.
стр. 166
٢٨- باب ما جاء في التطير
وقول الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١.
......................................................................................................................
قوله: "باب ما جاء في التطير ".
أي من النهي عنه والوعيد. والطيرة بكسر الطاء، وفتح الياء وقد تسكن اسم مصدر من تطير طيرة، وأصله التطير بالسوانح والبوارج من الطير والظباء وغيرهما، وكان ذلك التطير يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع وأبطله وأخبر أنه لا تأثير له في جلب نفع ودفع ضر. قال المدائني: سألت رؤبة بن العجاج قلت: ما السانح؟ قال: ما ولاك ميامنه، قلت: فما البارح؟ قال: ما ولاك مياسره، والذي يجيء من أمامك هو الناطح والنطيح، والذي يجيء من خلفك هو القاعدة والقعيد.
قوله: "وقول الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢ وذكر تعالى هذه الآية في سياق قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ ٣ أي نحن الجديرون والحقيقون به ونحن أهله "وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ" أي بلاء وقحط " يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ" فيقولون: هذا بسبب موسى وأصحابه أصابنا بشؤمهم. فقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٤. قال ابن عباس: طائرهم ما قضى عليهم وقدر لهم. وفي رواية: شؤمهم عند الله ومن قبله. أي إنما جاءهم الشؤم من قبله بكفرهم وتكذيبهم بآياته ورسله.
قوله: "وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ" أي أن أكثرهم جهال لا يدرون، ولو فهموا وعقلوا لعلموا أنه ليس فيما جاء به موسى ﵇ إلا الخير والبركة والسعادة والفلاح لمن آمن به واتبع قوله.
стр. 167
وقوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ ١ الآية. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " لا عدوى، ولا
...................................................................................................................
وقوله: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ الآية المعنى حظكم وما نالكم من شر معكم بسبب أفعالكم وكفركم ومخالفتكم الناصحين، ليس هو من أجلنا ولا بسببنا بل ببغيكم وعدوانكم، فطائر الباغي الظالم معه، فما وقع به من الشرور فهو سببه الجالب له، وذلك بقضاء الله وقدره وحكمته وعدله.
قوله: ﴿أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ أي من أجل أنا ذكرناكم وأمرناكم بتوحيد الله قابلتمونا بهذا الكلام ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ . قوله: "لا عدوى " قال أبو السعادات: العدوى اسم من الأعداء كالدعوى يقال: أعداه الداء يعديه إعداء إذا أصابه مثل ما بصاحب الداء.
قوله: "ولا طيرة " قال ابن القيم: "يحتمل أن يكون نفيا أو نهيا أي لا تطيروا، ولكن قوله في الحديث: " ولا عدوى ولا صفر ولا هامة "يدل على أن المراد النفي وإبطال هذه الأمور التي كانت الجاهلية تعانيها، والنفي في هذا أبلغ من النهي؛ لأن النفي يدل على بطلان ذلك وعدم تأثيره والنهي إنما يدل على المنع منه. قال عكرمة: كنا جلوسا عند ابن عباس فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير، خير، فقال له ابن عباس: لا خير ولا شر، فبادره بالإنكار عليه لئلا يعتقد تأثيره في الخير والشر. وخرج طاووس مع صاحب له في سفر فصاح غراب فقال الرجل: خير، فقال طاووس: وأي خير عند هذا، لا تصحبني". انتهى ملخصا.
قوله: "ولا هامة " بتخفيف الميم على الصحيح. قال الفراء: الهامة طير من طير الليل، كان يعني البومة. قال ابن الأعرابي: كانوا يتشاءمون بها إذا وقعت على بيت أحدهم يقول: نعت إلي نفسي أو أحدا من أهل داري، فجاء الحديث بنفي ذلك وإبطاله. وقوله: "ولا صفر " بفتح الفاء، روى أبو عبيدة في غريب الحديث عن رؤبة أنه قال: هي حية تكون في البطن تصيب الماشية والناس وهي أعدى من الجرب عند العرب، وعلى هذا فالمراد بنفيه ما كانوا يعتقدونه من العدوى، وممن قال بهذا سفيان بن عيينة والإمام أحمد والبخاري وابن جرير وقال: المراد به شهر صفر. والنفي لما كان أهل
стр. 168
طيرة، ولا هامة، ولا صفر "أخرجاه. زاد مسلم: " ولا نوء، ولا غول "١.
و"لهما" عن أنس قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " لا عدوى ولا طيرة;
.....................................................................................................................
الجاهلية يفعلونه في النسيء، وكانوا يحلون المحرم ويحرمون صفر مكانه. وهذا قول مالك. وروى أبو داود عن محمد بن راشد عمن سمعه يقول: إن أهل الجاهلية يتشائمون بصفر ويقولون إنه شهر مشئوم، فأبطل ذلك النبي صلي الله عليه وسلم. قال ابن رجب: ولعل هذا أشبه الأقوال، والتشاؤم بصفر كتشاؤم أهل الجاهلية بشوال بالنكاح فيه خاصة.
قوله: "ولا نوء " سيأتي الكلام عليه في بابه.
قوله: "ولا غول " هو بالضم اسم وجمعه أغوال وغيلان وهو المراد هنا، والمعنى بقوله: لا غول أنها لا تستطيع أن تضل أحدا مع ذكر الله والتوكل عليه، ومنه الحديث: " إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان "٢ أي ادفعوا شرها بذكر الله تعالى.
قوله: "ولهما عن أنس قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم " لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة ".
قال أبو السعادات: الفأل مهموز فيما يسر ويسوء، والطيرة لا تستعمل إلا فيما يسوء وربما استعملت فيما يسر. قوله: "قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة " بين صلي الله عليه وسلم أن الفأل يعجبه، فدل على أنه ليس من الطيرة المنهي عنها. قال ابن القيم: "ليس الإعجاب بالفأل ومحبته بشيء من الشرك، بل ذلك إبانة عن مقتضى الطبيعة وموجب الفطرة الإنسانية التي تميل إلى ما
стр. 169
ويعجبني الفأل قالوا: يا رسول الله وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة " ١.
ولأبي داود بسند صحيح عن عروة بن عامر قال: " ذكرت الطيرة عند رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال: أحسنها الفأل، ولا ترد مسلما، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك "٢.
...................................................................................................
يوافقها ويلائمها، والله تعالى جعل في غرائز الناس من الإعجاب بسماع الاسم الحسن ومحبته وميل نفوسهم إليه، وكذلك جعل فيها الارتياح والاستبشار والسرور باسم الفلاح والسلام والنجاح والتهنئة والبشرى والفوز والظفر ونحو ذلك. فإذا سمعت الأسماع أضدادها أوجب لها ضد هذه الحال فأحزنتها، وأثار ذلك لها خوفا وتطيرا وانكماشا وانقباضا عما قصدته وعزمت عليه، فأورث لها ضررا في الدنيا ونقصا في الإيمان ومقارفة للشرك".
قوله: "عن عقبة بن عامر " هكذا وقع في نسخ التوحيد، وصوابه عن عروة بن عامر القرشي كذا أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما. وهو مكي اختلف في نسبه فقال أحمد: عن عروة بن عامر القرشي، وقال غيره الجهني، واختلف في صحبته، فقال الماوردي: له صحبة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين. وقال المزي: لا صحبة له تصح، قال ابن القيم: أخبر صلي الله عليه وسلم أن الفأل من الطيرة وهو خيرها، فأبطل الطيرة وأخبر أن الفأل منها ففضل بين الفأل والطيرة لما بينهما من الامتياز والتضاد ونفع أحدهما ومضرة الآخر.
قوله: " ولا ترد مسلما " قال الطيبي: تعريض بأن الكافر بخلافه.
قوله: " اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك "أي لا تأتي الطيرة بالحسنات ولا تدفع المكروهات بل أنت وحدك لا شريك لك الذي تأتي بالحسنات وتدفع السيئات. والحسنات هنا: النعم، والسيئات: المصائب، ففيه نفي تعلق القلب
стр. 170
وعن ابن مسعود مرفوعا: " الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل "١ رواه أبو داود، والترمذي وصححه وجعل آخره من قول ابن مسعود.
.....................................................................................................................
بغير الله في جلب نفع أو دفع ضر، وهذا هو التوحيد وهو دعاء مناسب لمن وقع في قلبه شيء من الطيرة، وتصريح بأنها لا تجلب نفعا ولا تدفع ضرا، ويعد من اعتقدها سفيها مشركا.
قوله: " ولا حول ولا قوة إلا بك "، والحول التحول والانتقال من حال إلى حال والقوة على ذلك بالله وحده، ففيه التبري من الحول والقوة والمشيئة بدون حول الله وقوته ومشيئته، وهذا هو التوحيد في الربوبية، وهو الدليل على توحيد الإلهية الذي هو إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة وهو توحيد القصد والإرادة وقد تقدم بيان ذلك بحمد الله.
قوله: "وعن ابن مسعود مرفوعا: " الطيرة شرك. الطيرة شرك وما منا إلا ... ولكن الله يذهبه بالتوكل "، رواه أبو داود والترمذي وصححه، وجعل آخره من قول ابن مسعود " ولفظ أبي داود: "الطيرة شرك " ثلاثا، وهذا صريح في تحريم الطيرة وأنها من الشرك لما فيها من تعلق القلب بغير الله، قال ابن مفلح: الأولى القطع بتحريمها؛ لأنها شرك، وكيف يكون الشرك مكروها الكراهة الاصطلاحية. قوله: "وما منا إلا " قال أبو القاسم الأصبهاني والمنذري: في الحديث إضمار التقدير: وما منا إلا وقد وقع في شيء من ذلك. انتهى.
стр. 171
ولأحمد من حديث ابن عمرو: " ومن ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك. قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك " ١.
.....................................................................................................................
قوله: "ولكن الله يذهبه بالتوكل " لكن إذا توكلنا على الله في جلب النفع ودفع الضر أذهبه الله تعالى عنا بتوكلنا عليه وحده.
قوله: وجعل آخره من قول ابن مسعود قال ابن القيم: وهو الصواب فإن الطيرة نوع من الشرك.
قوله: ولأحمد من حديث ابن عمرو: " من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: أن يقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك "هذا الحديث رواه أحمد والطبراني عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي إسناده ابن لهيعة وبقية رجاله ثقات.
قوله: "من حديث ابن عمرو " هو عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل السهمي أبو محمد، وقيل أبو عبد الرحمن أحد السابقين المكثرين من الصحابة. وأحد العبادلة الفقهاء، مات في ذي الحجة ليالي الحرة على الصحيح بالطائف. قوله: " من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك "٢ وذلك أن الطيرة هي التشاؤم بالمرئي والمسموع، فإذا ردته عن سفر أو عمل أو حاجة فقد أشرك بما يخامر قلبه من الخوف من ذلك فيكون شركا بهذا الاعتبار. قوله: "قالوا فما كفارة ذلك؟ قال: أن يقول اللهم لا خير إلا خيرك ".. إلخ. فيه تفويض الأمور إلى الله تقديرا وتدبيرا وخلقا، والبراءة مما فيه تعلق بغير الله تعالى كائنا من كان.
قوله: "ولا إله غيرك " أي لا معبود مستحق سواك. فإذا قال ذلك وأعرض عما وقع
стр. 172
وله من حديث الفضل بن العباس ﵄: " إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك "١.
فيه مسائل:
الأولى: التنبيه على قوله: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٢ مع قوله: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾
الثانية: نفي العدوى.
الثالثة: نفي الطيرة.
الرابعة: نفي الهامة.
الخامسة: نفي الصفر.
السادسة: أن الفأل ليس من ذلك بل مستحب.
السابعة: تفسير الفأل.
.....................................................................................................................
في قلبه ولم يلتفت إليه واستمر على فعل ما عزم عليه توكلا على الله وتفويضا إليه، كفر الله عنه ما وقع في قلبه من ذلك.
قوله: "وله من حديث الفضل بن العباس ﵄: " إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك "" هذا الحديث عند الإمام أحمد من حديث الفضل بن العباس قال: خرجت مع رسول الله صلي الله عليه وسلم فساقه إلى أن قال: " إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك "و " الفضل " هو ابن العباس بن عبد المطلب ابن عم النبي صلي الله عليه وسلم قال ابن معين: قتل يوم اليرموك وقال غيره: قتل يوم مرج الصفر سنة ثلاث عشرة وهو ابن اثنتين وعشرين سنة، وقال أبو داود: قتل بدمشق، وكان عليه درع النبي صلي الله عليه وسلم قوله: " إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك "٣ هذا حد الطيرة المنهي عنها أنها ما يحمل الإنسان على المضي فيما أراد، أو يمنعه من المضي فيه كذلك، وأما الفأل الذي كان يحبه صلي الله عليه وسلم فيه نوع بشارة فيسر به العبد ولا يعتمد عليه، بخلاف الطيرة، فافهم الفرق.
стр. 173
الثامنة: أن الواقع في القلوب من ذلك مع كراهته لا يضر، بل يذهبه الله بالتوكل.
التاسعة: ذكر ما يقوله من وجده.
العاشرة: التصريح بأن الطيرة شرك.
الحادية عشرة: تفسير الطيرة المذمومة.
стр. 174
٢٩- باب ما جاء في التنجيم
قال البخاري في " صحيحه": قال قتادة: " خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها. فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به " ١ اهـ.
.....................................................................................................
قوله: "باب ما جاء في التنجيم " قال شيخ الإسلام: "هو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية". وقال الخطابي: "علم النجوم المنهي عنه هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي ستقع في مستقبل الزمان، كأوقات هبوب الرياح ومجيء المطر وتغير الأسعار، وما في معناها من الأمور التي يزعمون أنها تدرك معرفتها بمسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها، يدعون أن لها تأثيرا في السفليات، وهذا منهم تحكم على الغيب وتعاط لعلم قد استأثر الله به فلا يعلم الغيب سواه". قوله: "قال البخاري في صحيحه: قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به " انتهى.
هذا الأثر علقه البخاري في صحيحه، وأخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وغيرهم، وأخرجه الخطيب في كتاب النجوم عن قتادة بلفظ أطول من هذا. وقول
стр. 175
وكره قتادة تعلم منازل القمر، ولم يرخص ابن عيينة فيه. ذكره حرب عنهما، ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق.
....................................................................................................
قتادة ﵀ يدل على أن علم التنجيم هذا قد حدث في عصره فأوجب له إنكاره على من اعتقده وتعلق به، وهذا العلم مما ينافي التوحيد ويوقع في الشرك؛ لأنه ينسب الحوادث إلى غير من أحدثها وهو سبحانه بمشيئته وإرادته كما قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ ١ وقال: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ٢. قوله: " خلق الله هذه النجوم لثلاث "قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ﴾ ٣. وفيه إشارة إلى أن النجوم في السماء الدنيا كما روى ابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " أما السماء الدنيا فإن الله خلقها من دخان "ثم رفعها"، وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا، وزينها بمصابيح "النجوم"، وجعلها رجوما للشياطين، وحفظها من كل شيطان رجيم "٤ قوله: "وعلامات" أي دلالات على الجهات يهتدى بها أي يهتدي بها الناس في ذلك كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ٥ أي ليعرفوا بها جهة قصدهم، فإن قيل: المنجم قد يصدق، قيل: صدقه كصدق الكاهن يصدق في كلمة ويكذب في مائة، وصدقه ليس عن علم، بل قد يوافق قدرا فيكون فتنة في حق من صدقه.
قوله: "وكره قتادة تعلم منازل القمر، ولم يرخص فيه ابن عيينة، ذكره حرب عنهما، ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق". قال الخطابي: "أما علم النجوم الذي يدرك من طريق المشاهدة، والخبر الذي يعرف به الزوال وتعلم به جهة القبلة، فإنه غير داخل فيما نهي عنه، وذلك أن معرفة هذا العلم يصح علمه بالمشاهدة. وأما ما يستدل به من النجوم على جهة القبلة فإنها من الكواكب، رصدها أهل الخبرة بها الذين لا شك في عنايتهم بأمر الدين ومعرفتهم بها وصدقهم فيما أخبروا به، مثل أن يشاهدها بحضرة الكعبة ويشاهدها على حال الغيبة عنها فكان إدراكهم الدلالة منها بالمعاينة، وإدراكنا ذلك بقبول خبرهم إذ كانوا عندنا غير متهمين في دينهم، ولا مقصرين في معرفتهم" انتهى. وروى ابن المنذر عن مجاهد أنه لا يرى بأسا أن يتعلم الرجل من النجوم
стр. 176
وعن أبي موسى قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر "١ رواه أحمد وابن حبان في " صحيحه ".
.....................................................................................................................
ما يهتدي به. قال ابن رجب: "والمأذون في تعلمه علم التسيير لا علم التأثير، فإنه باطل محرم قليله وكثيره، أما علم التسيير فيتعلم منه ما يحتاج إليه للاهتداء ومعرفة القبلة والطرق جائز عند الجمهور".
قوله: ذكره حرب عنهما هو الإمام الحافظ حرب بن إسماعيل أبو محمد الكرماني الفقيه من أجلة أصحاب الإمام أحمد، روى عن أحمد وإسحاق وابن المدينى وابن معين وغيرهم، وله كتاب المسائل التي سأل عنها الإمام أحمد وغيره، مات سنة ثمانين ومائتين، وأما إسحاق فهو ابن إبراهيم بن مخلد بن يعقوب الحنظلي النيسابوري الإمام المعروف بابن راهويه، روى عن ابن المبارك وأبي أسامة وابن عيينة وطبقتهم، قال أحمد: إسحاق عندنا من أئمة المسلمين، وروى عنه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم، وروى هو أيضا عن أحمد، مات سنة تسع وثلاتين ومائتين.
قوله: "وعن أبي موسى " قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم " ثلاثة لا يدخلون الجنة " الحديث. هذا الحديث رواه أيضا الطبراني والحاكم وقال: صحيح، وأقره الذهبي.
قوله: "عن أبي موسى " هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بفتح المهملة وتشديد الضاد، أبو موسى الأشعري صحابي جليل مات سنة خمسين.
قوله: "ثلاثة لا يدخلون الجنة " الشاهد للترجمة "ومصدق بالسحر " وفي هذا الحديث كما تقدم في نظائره كقوله: " من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلي الله عليه وسلم "٢ واختار الأمام أحمد - رحمه الله تعالى - أن مثل هذه الأحاديث تمر كما جاءت من
стр. 177
فيه مسائل:
الأولى: الحكمة في خلق النجوم.
الثانية: الرد على من زعم غير ذلك.
الثالثة: ذكر الخلاف في تعلم المنازل.
الرابعة: الوعيد فيمن صدق بشيء من السحر ولو عرف أنه باطل.
стр. 178
٣٠- باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء
وقول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ١
....................................................................................................
غير تأويل. قال الذهبي في الكبائر: "ويدخل فيه تعلم السيمياء وعلمها، وعقد المرء من زوجته، ومحبة الزوج لامرأته وبغضها وبغضه، وأشباه ذلك بكلمات مجهولة". انتهى باختصار.
قوله: "باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء وقول الله تعالى ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ " أي من الوعيد، والمراد نسبة السقي ومجيء المطر إلى الأنواء، جمع نوء وهي منازل القمر. قال أبو السعادات: وهي ثمان وعشرون منزلة ينزل القمر كل ليلة منزلة منها كما قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ ٢ يسقط في المغرب كل ثلاث عشرة ليلة منزلة له مع طلوع الفجر، وتطلع أخرى مقابلتها ذلك الوقت من المشرق وكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة وطلوع رقيبها يكون مطر، وينسبونه إلى النجم الساقط ويقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، وإنما سمي نوءا؛ لأنه إذا سقط منها الساقط ناء الطالع بالمشرق أي نهض وطلع.
قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ روى الإمام أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم والضياء في المختارة عن علي ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾
يقول شكركم: ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ تقولون مطرنا بنوء كذا وكذا٣ روي ذلك عن علي وابن عباس وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني وغيرهم
стр. 179
عن أبي مالك الأشعري ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب،
....................................................................................................................
وهو قول جمهور المفسرين وبه يظهر وجه استدلال المصنف - رحمه الله تعالى - بالآية. وقال ابن القيم: أي تجعلون حظكم من هذا الرزق الذي به حياتكم التكذيب به يعني القرآن، قال الحسن: تجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذبون، قال: وخسر عبد لا يكون حظه من القرآن إلا التكذيب.
قوله: "وعن أبي مالك الأشعري " أبو مالك اسمه الحارث الشامي صحابي تفرد عنه بالرواية أبو سلام وفي الصحابة أبو مالك الأشعري اثنان غير هذا.
قوله: " أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن " ستفعلها هذه الأمة إما مع العلم بتحريمها أو مع الجهل بذلك مع كونها من أعمال الجاهلية. يدل على أنه يجب على كل مسلم أن يجتنبها، والمراد بالجاهلية هنا ما قبل المبعث، وفاعلها آثم يجب أن ينهى عنها، ومتى وجد الشرك وجدت هذه الأمور المنكرة وغيرها من المنكرات. قال شيخ الإسلام: أخبر أن بعض أمر الجاهلية لا يتركه الناس كلهم ذما لمن لم يتركه، وهذا يقتضي أن كل ما كان من أمر الجاهلية وفعلهم فهو مذموم في دين الإسلام، وإلا لم يكن في إضافة هذه المنكرات إلى الجاهلية ذم لها، ومعلوم أن إضافتها إلى الجاهلية خرج مخرج الذم، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ ١ فإن في ذلك ذما للتبرج، وذما لحال أهل الجاهلية الأولى، وذلك يقتضي المنع من مشابهتهم في الجملة.
قوله: "والفخر بالأحساب " أي التعاظم على الناس بالآباء ومآثرهم وذلك جهل عظيم إذ لا كرم إلا بالتقوى كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٢ ولأبي داود عن أبي هريرة مرفوعا: " وإن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي، الناس بنو آدم وآدم خلق من تراب، ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان "٣ الحديث.
стр. 180
والاستسقاء بالنجوم، والنياحة. وقال: النائحة إن لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب " ١ رواه مسلم.
............................................................................................
قوله: "والطعن في الأنساب " أي الوقوع فيها بالعيب والنقص، ولما عير أبو ذر رجلا بأمه قال النبي صلي الله عليه وسلم: " أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية " ٢ متفق عليه، فدل على أن الطعن في الأنساب من عمل أهل الجاهلية، وأن المسلم قد يكون فيه شيء من هذه الخصال المسماة بجاهلية ويهودية ونصرانية ولا يوجب ذلك كفره ولا فسقه، قاله شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -.
قوله: " واستسقاء بالنجوم " تقدم معناه، فإذا قال قائلهم: مطرنا بنجم كذا وبنوء كذا فلا يخلو، إما أن يعتقد أن له تأثيرا في نزول المطر، فهذا شرك وكفر لنسبة المطر لغير من أنزله وهو الله وحده، وإما مع إطلاق هذا اللفظ فقد صرح ابن مفلح في "الفروع" بتحريمه، وكذلك صاحب "الإنصاف" ولم يذكرا خلافا.
قوله: والنياحة أي رفع الصوت بالندب على الميت وضرب الخدود وشق الجيوب ونحو ذلك، وهي من الكبائر لشدة الوعيد والعقوبة كما في هذا الحديث.
قوله: " النائحة إذا لم تتب قبل موتها " فيه تنبيه على أن التوبة تكفر الذنب.
قوله: " تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب "السربال واحد السرابيل وهي الثياب والقمص، هذه سرابيل أهل النار يعني يلطخن بالقطران حتى يكون اشتعال النار بأجسادهن أعظم، ورائحتهن أنتن، وروي عن ابن عباس أن القطران هو النحاس المذاب.