سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ١. فيسمعها مسترقو السمع- ومسترق السمع، هكذا بعضه فوق بعض، وصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد أصابعه- فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مئة كذبة. فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا " وكذا": كذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء ".
وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي، أخذت السماوات منه رجفة- أو
..................................................................................................
يسمعونه كلهم، قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أي زال عنها الفزع. قوله: "فيسمعها مسترق السمع" أي الكلمة التي سمعتها الملائكة وتحدثوا بها، قوله: "ومسترق السمع بعضه فوق بعض هكذا وصفه سفيان" راوي الحديث وهو ابن عيينة "بكفه ".
قوله: "فيسمع الكلمة " يعني مسترق السمع "فيلقيها إلى من تحته " من الشياطين "ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن " الحديث قوله: "فيكذب معها " أي الساحر أو الكاهن مائة كذبة "فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء " لقبول الناس للباطل.
قوله: "وعن النواس بن سمعان " وسمعان بكسر السين ابن خالد الكلابي، ويقال له الأنصاري، صحابي ويقال: إن أباه صحابي أيضا. وقوله: "إذا أراد الله تعالى " فالإرادة صفة من صفات الله ، وهي نوعان شرعية وقدرية كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ ٢ الآية ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ ٣، وقال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٤ ونحو هذه الآيات. قوله: "أن يوحي بالأمر " فيه بيان معنى ما تقدم في الحديث قبله من قوله "إذا قضى الله الأمر".
قوله: "تكلم بالوحي " فيه التصريح بأنه يتكلم بالوحي، فيوحيه إلى جبريل ﵇، ففيه الرد على الأشاعرة في قولهم إن القرآن عبارة عن كلام الله. قوله: "أخذت
стр. 107
قال رعدة شديدة- خوفا من الله . فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال: ﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل. فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله " ١.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآية.
..................................................................................................
السماوات منه رجفة- أو قال رعدة شديدة- خوفا من الله " في هذه معرفة عظمة الله، ويوجب للعبد شدة الخوف منه تعالى، وفيه إثبات العلو. قوله: "فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجدا " هيبة وتعظيما لربهم وخشية لما سمعوا من كلامه تعالى وتقدس. قوله: "فيكون أول من يرفع رأسه جبريل"؛ لأنه ملك الوحي ﵇.
قوله: "فيكلمه الله من وحيه بما أراد " فيه التصريح بأنه تعالى يوحي إلى جبريل بما أراده من أمره كما تقدم في أول الحديث. قوله: "ثم يمر جبريل على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها " وهذا أيضا من أدلة علو الرب تعالى وتقدس. قوله: "ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول: ﴿قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ٢ فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله " وهذا دليل بأنه تعالى قال ويقول. وأهل البدع من الجهمية ومن تلقى عنهم كالأشاعرة جحدوا ما أثبته الله تعالى في كتابه، وأثبته رسوله صلي الله عليه وسلم في سنته من علوه وكلامه وغير ذلك من صفات كماله التي أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله والمؤمنون من الصحابة والتابعين وتابعيهم من أهل السنة والجماعة على ما يليق بجلال الله وعظمته- تشبيهات اختلقوها ما أنزل الله بها من سلطان.
стр. 108
الثانية: ما فيها من الحجة على إبطال الشرك خصوصا من تعلق على الصالحين، وهي الآية التي قيل: إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب.
الثالثة: تفسير قوله: ﴿قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ١.
الرابعة: سبب سؤالهم عن ذلك.
الخامسة: أن جبريل هو الذي يجيبهم بعد ذلك بقوله: " قال كذا وكذا".
السادسة: ذكر أن أول من يرفع رأسه جبريل.
السابعة: أنه يقوله لأهل السماوات كلهم؛ لأنهم يسألونه.
الثامنة: أن الغشي يعم أهل السماوات كلهم.
التاسعة: ارتجاف السماوات لكلام الله.
العاشرة: أن جبريل هو الذي ينتهي بالوحي إلى حيث أمره الله.
الحادية عشرة: ذكر استراق الشياطين.
الثانية عشرة: صفة ركوب بعضهم بعضا.
الثالثة عشرة: إرسال الشهب.
الرابعة عشرة: أنه تارة يدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وتارة يلقيها في أذن وليه من الأنس قبل أن يدركه.
الخامسة عشرة: كون الكاهن يصدق في بعض الأحيان.
السادسة عشرة: كونه يكذب معها مائة كذبة.
السابعة عشرة: أنه لم يصدق كذبه إلا بتلك الكلمة التي سمعت من السماء.
الثامنة عشرة: قبول النفوس للباطل، كيف يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمائة؟!
التاسعة عشرة: كونهم يلقي بعضهم إلى بعض تلك الكلمة ويحفظونها ويستدلون بها.
العشرون: إثبات الصفات خلافا للأشعرية المعطلة.
الحادية والعشرون: التصريح بأن تلك الرجفة والغشي خوفا من الله .
الثانية والعشرون: أنهم يخرون لله سجدا.
стр. 109
١٧- باب الشفاعة
وقول الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ ١.
..................................................................................................
قوله: "باب الشفاعة " الشفاعة نوعان: "النوع الأول " شفاعة منفية في القرآن، وهي الشفاعة للكافر والمشرك. قال تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ ٢، وقال: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ٣، وقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ٤، ونحو هذه الآيات كقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ ٥. يخبر تعالى أن من اتخذ هؤلاء شفعاء عند الله، أنه لا يعلم أنهم يشفعون له بذلك وما لا يعلمه لا وجود له، فنفى وقوع هذه الشفاعة، وأخبر أنها شرك بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٦. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٧ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ٨. فأبطل شفاعة من اتخذ شفيعا يزعم أنه يقربه إلى الله وهو يبعده عنه وعن رحمته ومغفرته؛ لأنه جعل لله شريكا يرغب إليه ويرجوه ويتوكل عليه ويحبه، كما يحب الله تعالى أو أعظم.
"النوع الثاني " الشفاعة التي أثبتها القرآن، وهي خالصة لأهل الإخلاص وقيدها تعالى بأمرين:
"الأمر الأول " إذنه للشافع أن يشفع، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ٩. وإذنه تعالى لا يصدر إلا إذا رحم عبده الموحد المذنب، فإذا رحمه تعالى أذن للشافع أن يشفع له.
"الأمر الثاني " رضاه عمن أذن للشافع أن يشفع فيه، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ١٠، فالإذن بالشفاعة له بعد الرضا كما في هذه الآية، وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد.
قوله: "وأنذر " الإنذار هو الإعلام بأسباب المخالفة والتحذير منها. قوله: "به " أي القرآن ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ وهم أهل الإخلاص الذين لم يتخذوا لهم شفيعا، بل أخلصوا قصدهم وطلبهم وجميع أعمالهم لله وحده، ولم يلتفتوا إلى أحد
стр. 110
وقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ ١.
..................................................................................................
سواه فيما يرجون نفعه ويخافون ضره. قال الفضيل بن عياض: " ليس كل خلقه عاتب إنما عاتب الذين يعقلون ".
قوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ ٢، قال الزجاج: موضع ليس نصب على الحال كأنه قال متخلين من ولي وشفيع، والعامل فيه يخافون.
قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي فيعملون في هذه الدار عملا ينجيهم الله به من عذاب يوم القيامة، وتركوا التعلق على الشفعاء وغيرهم؛ لأنه ينافي الإخلاص الذي لا يقبل الله من أحد عملا بدونه.
قوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ ٣ دلت الآية أن الشفاعة له سبحانه، لأنها لا تقع إلا لأهل التوحيد بإذنه ، كما قال تعالى في الآية السابقة. وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ ٤ الآية، فلا شفاعة إلا لمن هي له سبحانه؛ ولا تقع إلا ممن أذن له فيها، فتدبر هذه الآيات العظيمة في اتخاذ الشفعاء٥.
وقوله: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٦ يبطل التعلق على غيره سبحانه؛ لأنه الذي انفرد بملك كل شيء فليس لأحد في ملكه مثقال ذرة دونه سبحانه وبحمده، والإسلام هو أن تسلم قلبك وجوارحك لله بالإخلاص، كما في المسند عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال لرسول الله صلي الله عليه وسلم: " فبالذي بعثك بالحق ما بعثك به؟ قال: "الإسلام" قال: وما
стр. 111
وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ ١.
وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ٢
وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ ٣ الآيتين.
..................................................................................................
الإسلام؟ قال: " أن تسلم قلبك وأن توجه وجهك إلى الله، وأن تصلي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة "٤، والآيات في بيان الإخلاص كثيرة، وهو أن لا يلتفت القلب ولا الوجه في جميع الأعمال كلها إلا لله وحده، كما قال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٥، فأمره تعالى بإخلاص الدعاء له وحده، وأخبر أنه الدين الذي تصح معه الأعمال وتقبل. قال شيخ الإسلام: "الإخلاص محبة الله وإرادة وجهه".
قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ ٦ تقدم معنى هذه الآية.
قوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ، فإذا كان هذا في حق الملائكة الذين وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُون يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ ٧، فظهر من هذه الآيات المحكمات ما يبين حقيقة الشفاعة المثبتة في القرآن التي هي ملك لله لا يملكها غيره، وقيد حصولها بقيدين كما في هذه الآية وغيرها، كما تقدم قريبا إذنه للشافع أن يشفع، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ ، ورضاه عمن أراد رحمته ممن أذنب من الموحدين، فاختصت الشفاعة بأهل الإخلاص خاصة، وأن اتخاذ الشفعاء من دين المشركين قد أنكره الله عليهم فيما تقدم من الآيات.
قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ الآيتين. قال أبو العباس: "نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون " ... إلخ.
стр. 112
وقال أبو العباس: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عونا لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ١. فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن، وأخبر النبي صلي الله عليه وسلم " أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده، لا يبدأ بالشفاعة أولا، ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعط، واشفع تشفع "٢.
وقال له أبو هريرة: " من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه "٣ فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله.
وحقيقته: أن الله سبحانه وهو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع؛ ليكرمه وينال المقام المحمود، فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بين النبي صلي الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى كلامه.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآيات.
стр. 113
الثانية: صفة الشفاعة المنفية.
الثالثة: صفة الشفاعة المثبتة.
الرابعة: ذكر الشفاعة الكبرى، وهي المقام المحمود.
الخامسة: صفة ما يفعله صلي الله عليه وسلم، وأنه لا يبدأ بالشفاعة أولا، بل يسجد، فإذا أذن الله له شفع.
السادسة: من أسعد الناس بها؟.
السابعة: أنها لا تكون لمن أشرك بالله.
الثامنة: بيان حقيقتها.
стр. 114
١٨- باب " في أن الأعمال بالخواتيم، ومضرة تعظيم الأسلاف والأكابر "
قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ ١ الآية. وفي " الصحيح " عن ابن المسيب عن أبيه قال: " " لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه
..................................................................................................
قوله: باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ . قال ابن كثير - رحمه الله تعالى -: يقول تعالى لرسوله صلي الله عليه وسلم وإنك يا محمد لا تهدي من أحببت، أي ليس إليك ذلك إنما عليك البلاغ والله يهدي من يشاء، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٢، وقال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٣. قلت: والمنفي ها هنا هداية التوفيق والقبول، فإن أمر ذلك إلى الله وحده وهو القادر عليه. وأما الهداية المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٤. فإنها هداية الدلالة والبيان، فهو المبين عن الله والدال على دينه وشرعه.
قوله: وفي الصحيح عن ابن المسيب أي في الصحيحين، وابن المسيب هو سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائن بن عمران بن مخزوم القرشي
стр. 115
رسول الله صلي الله عليه وسلم وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل، فقال له: " يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله"، فقالا له: أترغب عن ملة عبد
..................................................................................................
المخزومي، أحد العلماء والفقهاء الكبار السبعة من التابعين، اتفق أهل الحديث أن مراسيله أصح المراسيل، وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علما منه، مات في التسعين وقد ناهز الثمانين، وأبوه المسيب صحابي بقي إلى خلافة عثمان ﵁ وكذلك جده حزن صحابي استشهد باليمامة.
قوله: "لما حضرت أبا طالب الوفاة" أي علاماتها ومقدماتها.
قوله: "جاءه رسول الله صلي الله عليه وسلم" يحتمل أن يكون المسيب حضر مع الاثنين، فإنهما من بني مخزوم وهو أيضا مخزومي، وكان الثلاثة إذ ذاك كفارا، فقتل أبو جهل على كفره وأسلم الآخران.
قوله: "يا عم قل لا إله إلا الله" أمره بقولها لعلم أبي طالب بأنها دلت على نفي الشرك بالله، وإخلاص العبادة له وحده، فإن من قالها عن علم ويقين وقبول، فقد أنكر الشرك وتبرأ منه، وكذلك الحاضرون يعلمون بما دلت عليه من نفي الشرك والبراءة منه، ولهذا عارضوا قول النبي صلي الله عليه وسلم بقولهم: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ لأن ملة عبد المطلب الشرك بعبادة الأوثان، كما كانت قريش وغيرهم في جاهليتهم كذلك.
قوله: "كلمة " قال القرطبي بالنصب على أنه بدل من لا إله إلا الله، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. قوله: "أحاج لك بها عند الله" لأنه لو قالها في تلك الحال لقبلت منه ودخل بها في الإسلام.
قوله: "فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ " ذكراه الحجة الملعونة التي يحتح بها المشركون على المرسلين، كقول فرعون لموسى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ ١، وكقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ٢.
قوله: "فأعاد عليه النبي صلي الله عليه وسلم فأعادا" فيه مضرة أصحاب السوء والحذر من قربهم والاستماع لهم، ففيه معنى قول الناظم:
إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم ... ولا تصحب الأردى فتردى مع الردى
قوله: "فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله".
стр. 116
المطلب؟! فأعاد عليه النبي صلي الله عليه وسلم فأعادا، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال النبي صلي الله عليه وسلم: "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك " فأنزل الله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ١ الآية. وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٢ ٣.
..................................................................................................
قال الحافظ: "هو تأكيد من الراوي في نفي وقوع ذلك من أبي طالب"، قال المصنف - رحمه الله تعالى -: "وفيه الرد على من زعم إسلام عبد المطلب وأسلافه".
قوله: فقال النبي صلي الله عليه وسلم: " لأستغفرن لك ما لم أنه عنك "اللام لام القسم. قال النووي: "فيه جواز الحلف من غير استحلاف". قال ابن فارس: "مات أبو طالب ولرسول الله صلي الله عليه وسلم تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يوما، وتوفيت خديجة أم المؤمنين ﵂ بعد موت أبي طالب بثمانية أيام".
قوله: فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ٤، والظاهر أن هذه الآية نزلت في أبي طالب، فإن الإتيان بالفاء المفيدة للترتيب في قوله"فأنزل الله" بعد قوله "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" يفيد ذلك، وقد ذكر العلماء لسبب نزول هذه الآية أسبابا أخر فلا منافاة، الآية الواحدة قد يتعدد نزولها، وفيه تحريم الاستغفار للمشركين وموالاتهم ومحبتهم.
стр. 117
فيه مسائل:
الأولى: تفسير قوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ١.
الثانية: تفسير قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ٢ الآية.
الثالثة:- وهي المسألة الكبرى تفسير قوله صلي الله عليه وسلم: " قل: لا إله إلا الله " بخلاف ما عليه من يدعي العلم. الرابعة: أن أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي صلي الله عليه وسلم إذا قال للرجل: " قل لا إله إلا الله " فقبح الله من أبو جهل أعلم منه بأصل الإسلام.
الخامسة: جده صلي الله عليه وسلم ومبالغته في إسلام عمه.
السادسة: الرد على من زعم إسلام عبد المطلب وأسلافه.
السابعة: كونه صلي الله عليه وسلم استغفر له فلم يغفر له، بل نهي عن ذلك.
الثامنة: مضرة أصحاب السوء على الإنسان.
التاسعة: مضرة تعظيم الأسلاف والأكابر.
العاشرة: الشبهة للمبطلين في ذلك، لاستدلال أبي جهل بذلك.
الحادية عشرة: الشاهد لكون الأعمال بالخواتيم؛ لأنه لو قالها لنفعته.
الثانية عشرة: التأمل في كبر هذه الشبهة في قلوب الضالين؛ لأن في القصة أنهم لم يجادلوه إلا بها، مع مبالغته صلي الله عليه وسلم وتكريره، فلأجل عظمتها ووضوحها عندهم، اقتصروا عليها.
стр. 118
١٩- باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين
وقول الله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ١.
وفي "الصحيح": عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ ٢.
..................................................................................................
قوله: "باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين " قد أنذر صلي الله عليه وسلم أمته من الغلو، وأبلغ في الإنذار تحذيرا عما وقع من جهالة هذه الأمة كما سيأتي ذكره.
قوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ٣ الآية. الغلو هو الإفراط في التعظيم بالقول والاعتقاد، أي لا ترفعوا المخلوق عن منزلته التي أنزله الله، والخطاب وإن كان لأهل الكتاب فهو تحذير لهذه الأمة أن يفعلوا مع نبيهم صلي الله عليه وسلم كما فعلت النصارى مع المسيح وأمه، واليهود مع العزير، وقد وقع ذلك الشرك في العبادة في هذه الأمة نظما ونثرا كما في كلام البوصيري والبرعي وغيرهما، وفيما فعلوه من الغلو والشرك محادة لله ولكتابه ولرسول الله صلي الله عليه وسلم فأين ما وقع فيه هؤلاء الجهلة من قول من قال للنبي صلي الله عليه وسلم: "أنت سيدنا وابن سيدنا وخيرنا وابن خيرنا". فكره ذلك صلي الله عليه وسلم أشد الكراهة - كما سيأتي في الكلام على هذا الحديث إن شاء الله تعالى٤ وقول القائل: ما شاء الله وشئت - فقال: "أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده"٥. قال شيخ الإسلام: "ومن تشبه من هذه الأمة باليهود والنصارى وغلا في الدين بإفراط فيه أو تفريط فقد شابههم. قال: وعلي ﵁ حرق الغالية من الرافضة، فأمر بأخاديد خدت لهم عند باب كندة فقذفهم فيها، واتفق الصحابة على قتلهم، لكن ابن عباس مذهبه أن يقتلوا بالسيف من غير تحريق، وهو قول أكثر العلماء".
قوله: في الصحيح أي صحيح البخاري، وهذا الأثر اختصره المصنف ﵀، والذي في البخاري عن ابن عباس: صارت الأوثان التي في قوم نوح في العرب بعد، أما
стр. 119
قال: " " هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح. فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم، عبدت "١.
وقال ابن القيم: "قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثليهم؟ ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم".
..................................................................................................
ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع. أسماء رجال صالحين في قوم نوح، إلى آخره.
قوله: "أن انصبوا" بكسر المهملة قوله "أنصابا" جمع نصب وهي الأصنام التي صوروها على صور الصالحين.
قوله: "ففعلوا ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت" الذي في البخاري "ونسخ العلم" فلعل الذي هنا رواية، فصارت هذه الأصنام بهذا التصوير على صور الصالحين سلما إلى عبادتها، وكل ما عبد من دون الله من قبر أو مشهد أو صنم أو طاغوت فالأصل في عبادته هو الغلو كما لا يخفى على ذوي البصائر كما جرى لأهل مصر وغيرهم؛ فإن أعظم آلهتهم أحمد البدوي وهو لا يعرف له أصل ولا فضل ولا علم ولا عبادة، ومع هذا فصار أعظم آلهتهم مع أنه لا يعرف إلا أنه دخل المسجد يوم الجمعة فبال فيه ثم خرج ولم يصل، ذكره السخاوي عن أبي حيان، فزين لهم الشيطان عبادته فاعتقدوا أنه يتصرف في الكون ويطفئ الحريق وينجي الغريق، وصرفوا له الإلهية والربوبية وعلم الغيب، وكانوا يعتقدون أنه يسمعهم ويستجيب لهم من الديار البعيدة، وفيهم من يسجد على عتبة حضرته، وكان أهل العراق ومن حولهم كأهل عمان يعتقدون في عبد القادر الجيلاني كما يعتقد أهل مصر في البدوي، وعبد القادر من متأخري الحنابلة وله كتابة الغنية، وغيره ممن قبله وبعده من الحنابلة من هو أفضل منه في العلم والزهد، لكن فيه زهد وعبادة وفتنوا به أعظم فتنة كما جرى من الرافضة مع أهل البيت، وسبب ذلك الغلو دعوى أن له كرامات، وقد جرت
стр. 120
وعن عمر أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم; إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله " أخرجاه١.
..................................................................................................
الكرامات لمن هو خير منه وأفضل كبعض الصحابة والتابعين، وهكذا حال أهل الشرك مع من فتنوا به، وأعظم من هذا عبادة أهل الشام لابن عربي وهو إمام أهل الوحدة الذين هم أكفر أهل الأرض وأكثر من أن يعتقد فيه هؤلاء، لا فضل له ولا دين كأناس بمصر وغيرها، وجرى في نجد قبل هذه الدعوة مثل هذا، وفي الحجاز واليمن وغيرهما من عبادة الطواغيت والأشجار والأحجار والقبور ما عمت به البلوى كعبادتهم للجن وطلبهم الشفاعة منهم، والأصل في ذلك الغلو تزيين الشيطان. وذكر أهل السير أن التلبية من عهد إبراهيم ﵇: "لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك " حتى كان عمرو بن لحي الخزاعى فبينما هو يلبي تمثل له الشيطان في صورة شيخ يلبي معه فقال: لبيك لا شريك لك، فقال الشيخ: إلا شريكا هو لك. فأنكر ذلك عمرو وقال: ما هذا؟ فقال الشيخ: تملكه وما ملك. فإنه لا بأس بهذا، فقالها عمرو فدانت بها العرب.
قوله: عن عمر هو ابن الخطاب بن نفيل - بنون وفاء مصغر - العدوي أمير المؤمنين، وأفضل الصحابة بعد الصديق ﵁ ولي الخلافة عشر سنين ونصفا فامتلأت الدنيا عدلا، وفتحت في أيامه ممالك كسرى وقيصر واستشهد في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة.
قوله: "لا تطروني " الإطراء هو الغلو، "كما أطرت النصارى ابن مريم"، كما قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ ٢ قوله: " إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله " ٣ أمرهم صلي الله عليه وسلم أن لا يتجاوزوا هذا القول، وقد أمر الله عباده بالصلاة والسلام عليه؛ لأن أشرف مقامات الأنبياء العبودية الخاصة والرسالة.
стр. 121
ولمسلم عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم " إياكم والغلو; فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو " ١.
ولمسلم عن ابن مسعود أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " هلك المتنطعون قالها ثلاثا " ٢.
فيه مسائل:
الأولى: أن من فهم هذا الباب وبابين بعده تبين له غربة الإسلام، ورأى من قدرة الله وتقليبه للقلوب العجب.
..................................................................................................
قوله: وقال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو "هذا الحديث ذكره المصنف رحمه الله تعالى بدون ذكر رواية، وقد رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث ابن عباس وهذا اللفظ رواية أحمد عن ابن عباس، قال شيخ الإسلام: "هذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال".
قوله: ولمسلم عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " هلك المتنطعون "٣ قالها ثلاثا. قال الخطابي: المتنطع المتعمق في الشيء المتكلف في البحث عنه على مذهب أهل الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم، الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم. وقال أبو السعادات: هم المتعمقون الغالون في الكلام المتكلمون بأقصى حلوقهم، وقال النووي: فيه كراهة التقعر في الكلام بالتشدق، وتكلف الفصاحة واستعمال وحشي اللغة ودقائق الإعراب في مخاطبة القوم ونحوهم. قوله: قالها ثلاثا أي قال هذه الكلمة ثلاث مرات مبالغة في التعليم والإبلاغ، فقد بلغ البلاغ المبين صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. ووجه مناسبة هذا الحديث للترجمة أن الغلو من التنطع والزيادة لما فيه من الخروج إلى ما يوصل إلى الشرك بالله.
стр. 122
الثانية: معرفة أول شرك حدث على وجه الأرض أنه بشبهة الصالحين.
الثالثة: أول شيء غير به دين الأنبياء، وما سبب ذلك مع معرفة أن الله أرسلهم.
الرابعة: قبول البدع مع كون الشرائع والفطر تردها.
الخامسة: أن سبب ذلك كله مزج الحق بالباطل، فالأول محبة الصالحين، والثاني فعل أناس من أهل العلم والدين شيئا أرادوا به خيرا، فظن من بعدهم أنهم أرادوا به غيره.
السادسة: تفسير الآية في سورة نوح.
السابعة: جبلة الآدمي في كون الحق ينقص في قلبه، والباطل يزيد.
الثامنة: أن فيه شاهدا لما نقل عن السلف أن البدعة سبب الكفر.
التاسعة: معرفة الشيطان بما تؤول إليه البدعة ولو حسن قصد الفاعل.
العاشرة: معرفة القاعدة الكلية، وهي النهي عن الغلو، ومعرفة ما يؤول إليه.
الحادية عشرة: مضرة العكوف على القبر لأجل عمل صالح.
الثانية عشرة: معرفة النهي عن التماثيل، والحكمة في إزالتها.
الثالثة عشرة: معرفة عظم شأن هذه القصة، وشدة الحاجة إليها مع الغفلة عنها.
الرابعة عشرة: وهي أعجب وأعجب: قراءتهم إياها في كتب التفسير والحديث، ومعرفتهم بمعنى الكلام، وكون الله حال بينهم وبين قلوبهم حتى اعتقدوا أن فعل قوم نوح هو أفضل العبادات، واعتقدوا أن ما نهى الله ورسوله عنه، فهو الكفر المبيح للدم والمال.
الخامسة عشرة: التصريح أنهم لا يريدون إلا الشفاعة.
السادسة عشرة: ظنهم أن العلماء الذين صوروا الصور أرادوا ذلك.
стр. 123
السابعة عشرة: البيان العظيم في قوله صلي الله عليه وسلم: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم " ١ فصلوات الله وسلامه على من بلغ البلاغ المبين.
الثامنة عشرة: نصيحته إيانا بهلاك المتنطعين.
التاسعة عشرة: التصريح بأنها لم تعبد حتى نسخ العلم، ففيها معرفة قدر وجوده ومضرة فقده.
العشرون: أن سبب فقد العلم موت العلماء.
стр. 124
٢٠- باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده ؟!
في " الصحيح " عن عائشة ﵂: " أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلي الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض بالحبشة وما فيها من الصور. فقال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح - أو العبد الصالح - بنوا على قبره مسجدا،
..................................................................................................
قوله: "باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده "، فكل ما كان وسيلة إلى الشرك فهو حرام؛ لكونه يوقع في الشرك بالله وعبادة ما سواه، كما في الأحاديث.
قوله: في الصحيح أي الصحيحين. قوله: أن أم سلمة هي هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عمرو بن مخزوم القرشية المخزومية، تزوجها النبي صلي الله عليه وسلم بعد أبي سلمة سنة أربع، وقيل ثلاث، وكانت قد هاجرت مع أبي سلمة إلى الحبشة، توفيت سنة اثنتين وستين. قوله: ذكرت لرسول الله صلي الله عليه وسلم.
وفي الصحيحين أن أم حبيبة وأم سلمة، ذكرتا ذلك لرسول الله.صلي الله عليه وسلم "والكنيسة" بفتح الكاف والنون: متعبد النصارى. قوله: "رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور "؛ لأن أم سلمة هاجرت مع زوجها أبي سلمة إلى الحبشة، ثم رجعا إلى مكة فهاجرا منها إلى المدينة، والحبشة دينهم النصرانية وفيهم من أسلم. قوله: "فقال: أولئك " بكسر الكاف خطاب للمرأة. قوله: "إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح "، هذا - والله أعلم - شك من الراوي.
стр. 125
وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة"، فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين، فتنة القبور، وفتنة التماثيل "١.
و"لهما" عنها: قالت: " لما نزل برسول الله صلي الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا كشفها عن وجهه، فقال - وهو كذلك -: "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " يحذر ما صنعوا، لولا ذلك
..................................................................................................
قوله: "أولئك شرار الخلق عند الله"، ولم يذكر غير بناء المساجد والتصوير؛ لكونه ذريعة إلى عبادة من بنوا عليه المسجد وصوروا صورته، فبذلك صاروا أشرار الخلق، فانظر إلى ما وقع في هذه الأمة من ذرائع الشرك والوقوع فيه، مما هو أعظم من هذا، كالبناء على القبور وتعظيمها وعبادتها، ومع ذلك يعتقدونه دينا، وهو الشرك الذي حرمه الله وأرسل الرسل وأنزل الكتب بالنهي عنه.
قوله: فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين فتنة القبور وفتنة التماثيل. هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -، لم يذكره المصنف - رحمه الله تعالى -؛ لأن ذلك معلوم عند من يقرأ هذا الكتاب.
قوله: "الخميصة " كساء له أعلام، والشاهد للترجمة قوله صلي الله عليه وسلم: " لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "،فلعنهم صلي الله عليه وسلم على تحري الصلاة عندها، وإن كان المصلي إنما يصلي لله، فمن كان يصلي عند القبور ويتخذها مساجد فهو ملعون لأنه ذريعة إلى عبادتها فكيف إذا عبد أهل القبور والغائبين بأنواع العبادة وسألهم ما لا قدرة لهم عليه؟ وهذا هو الغاية التي يكون اتخاذ القبور مساجد ذريعة إليها، واللعنة ليست مختصة باليهود والنصارى، بل تعم من فعل فعلهم وما هو أعظم منه، هذا هو الذي أراده صلي الله عليه وسلم من لعنة
стр. 126
أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا "أخرجاه١.
ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي صلي الله عليه وسلم قبل موته بخمس وهو يقول: " إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ فإن الله قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم
..................................................................................................
اليهود والنصارى على هذا الفعل تحذيرا لأمته أن يفعلوا ما فعلته اليهود والنصارى، فيقع بهم من اللعنة ما وقع بهم. قوله: "ولولا ذلك " أي ما كان يحذر من اتخاذ قبر النبي صلي الله عليه وسلم مسجدا لأبرز قبره مع قبور أصحابه بالبقيع.
قوله: "غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا " روي بفتح الخاء وضمها، فعلى الفتح يكون هو الذي خشي صلي الله عليه وسلم وأمرهم أن يدفنوه في المكان الذي قبض فيه، وعلى رواية الضم يحتمل أن يكون الصحابة هم الذين خافوا أن يقع ذلك من بعض الأمة فلم يبرزوا قبره خشية أن يقع ذلك من بعض الأمة غلوا وتعظيما؛ لما أبدى وأعاد من النهي والتحذير ولعن فاعله. قال القرطبي: "ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي صلي الله عليه وسلم فأعلوا حيطان تربته، وسدوا المداخل إليها وجعلوها محدقة بقبره صلي الله عليه وسلم، خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذا كان مستقبل المصلين فتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من ناحية الشمال حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره" اهـ. "قلت " فبذلك صان الله قبره وقبل دعوته بقوله: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ٢.
قوله: "عن جندب بن عبد الله " أي ابن سفيان البجلي وينسب إلى جده، صحابي مشهور مات بعد الستين، قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: أما بناء المساجد على القبور
стр. 127
مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك " ١.
فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنه لعن - وهو في السياق - من فعله، والصلاة عندها من ذلك وإن لم يبن مسجد، وهو معنى قولها: خشي أن يتخذ مسجدا؛ فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا. وكل موضع قصد الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدا، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدا، كما قال:صلي الله عليه وسلم " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " ٢.
ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود ﵁ مرفوعا: " إن من شرار
..................................................................................................
فقد صرح عامة الطوائف بالنهي عنه للأحاديث الصحيحة، وصرح أصحابنا وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريمه، قال: ولا ريب في القطع بتحريمه، ثم ذكر الأحاديث في ذلك - إلى أن قال: - وهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم تتعين إزالتها بهدم أو غيره، وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين.
قوله: فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنه لعن - وهو في السياق - من فعله. والصلاة عندها من ذلك وإن لم يبن مسجد. وهو معنى قولها: "خشي أن يتخذ مسجدا: فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدا، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدا كما قال صلي الله عليه وسلم: " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا "٣.
هذا ذكره شيخنا وهو من تقرير شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمهما الله تعالى - على هذه الأحاديث.
قوله: ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود ﵁ مرفوعا: " إن من شرار الناس
стр. 128
من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد " ١ ورواه أبو حاتم ابن حبان في " صحيحه ".
فيه مسائل:
الأولى: ما ذكر الرسول فيمن بنى مسجدا يعبد الله فيه عند قبر رجل صالح. ولو صحت نية الفاعل.
الثانية: النهي عن التماثيل، وغلظ الأمر في ذلك.
الثالثة: العبرة في مبالغته صلي الله عليه وسلم في ذلك كيف بين لهم هذا أولا، ثم قبل موته بخمس قال ما قال، ثم لما كان في السياق لم يكتف بما تقدم.
الرابعة: نهيه عن فعله عند قبره قبل أن يوجد القبر.
الخامسة: أنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم.
السادسة: لعنه إياهم على ذلك.
السابعة: أن مراده تحذيره إيانا عن قبره.
الثامنة: العلة في عدم إبراز قبره.
التاسعة: في معنى اتخاذها مسجدا.
..................................................................................................
من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد "ورواه أبو حاتم في صحيحه.
قلت: وقد وقع هذا في الأمة كثيرا كما وقع في أهل الجاهلية قبل مبعث النبي صلي الله عليه وسلم كما لا يخفى على ذوي البصائر، وقد زاد هؤلاء المتأخرون من هذه الأمة على ما وقع من أهل الجاهلية من هذا الشرك بأمور: "منها " أنهم يخلصون عند الاضطرار لغير الله وينسون الله. "ومنها " أنهم يعتقدون أن آلهتهم من الأموات يتصرفون في الكون دون الله، وجمعوا بين نوعي الشرك في الإلهية والربوبية، وقد سمعنا ذلك منهم مشافهة، ومن ذلك قول ابن كمال
стр. 129
العاشرة: أنه قرن بين من اتخذها مساجد وبين من تقوم عليهم الساعة، فذكر الذريعة إلى الشرك قبل وقوعه مع خاتمته.
الحادية عشرة: ذكره في خطبته قبل موته بخمس: الرد على الطائفتين اللتين هما شر أهل البدع، بل أخرجهم بعض السلف من الثنتين والسبعين فرقة، وهم الرافضة والجهمية، وبسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد.
الثانية عشرة: ما بلي به صلي الله عليه وسلم من شدة النزع.
الثالثة عشرة: ما أكرم به من الخلة.
الرابعة عشرة: التصريح بأنها أعلى من المحبة.
الخامسة عشرة: التصريح بأن الصديق أفضل الصحابة.
السادسة عشرة: الإشارة إلى خلافته.
стр. 130
٢١- باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله
روى مالك في " الموطأ": أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " اللهم لا تجعل
..................................................................................................
من أهل عمان وأمثاله: إن عبد القادر الجيلاني يسمع من دعاه ومع سماعه ينفع، فزعم أنه يعلم الغيب وهو ميت فلقد ذهب عقل هذا وضل، فكفر بما أنزله الله في كتاب كقوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ١ فما صدقوا الخبير فيما أخبر به عن آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، ولا آمنوا بما أنزله الله في كتابه، بل بالغوا وعاندوا في رده وكذبوا وألحدوا وكابروا المعقول والمنقول فالله المستعان.
قوله: "باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله " روى مالك في الموطأ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد
стр. 131
قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ١.
ولابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى﴾ ٢ قال: كان يلت لهم السويق فمات فعكفوا على قبره. وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: كان يلت السويق للحاج.
وعن ابن عباس ﵄ قال: " لعن رسول الله صلي الله عليه وسلم زائرات
............................................................................................
غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ".
وذلك أنه صلي الله عليه وسلم خاف أن يقع من أمته في حقه كما وقع من اليهود والنصارى في حق أنبيائهم من عبادتهم من دون الله، وسبب ذلك الغلو فيهم كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ ٣، وكذلك رغب صلي الله عليه وسلم إلى ربه أن لا يجعل قبره وثنا يعبد، وقد عبدت القبور بأنواع العبادة كما لا يخفى، وتقدم في حديث عائشة ﵂: " ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا "وقد استجاب الله دعوة نبيه صلي الله عليه وسلم وصان قبره وأحاطه بثلاثة جدران كما قال العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى -.
فأجاب رب العالمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة الجدران
قوله: ولابن جرير هو أبو جعفر ابن جرير صاحب التفسير الكبير، وهو أجل التفاسير وأحسنها وهو من أئمة المسلمين المجتهدين وله كتاب الأحكام - رحمه الله تعالى -. قوله: "كان يلت لهم السويق فمات فعكفوا على قبره" فيه شاهد للترجمة؛ فإنهم غلوا فيه لأجل صلاحه واتخذوه وثنا بتعظيمه وعبادته، وصار من أكبر أوثان أهل الجاهلية.
قوله: وعن ابن عباس ﵄. قال: " لعن رسول الله صلي الله عليه وسلم زائرات القبور
стр. 132
والمتخذين عليها المساجد، والسرج "رواه أهل السنن١.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الأوثان.
الثانية: تفسير العبادة.
الثالثة: أنه صلي الله عليه وسلم لم يستعذ إلا مما يخاف وقوعه.
الرابعة: قرنه بهذا اتخاذ قبور الأنبياء مساجد.
الخامسة: ذكر شدة الغضب من الله.
السادسة: وهي من أهمها: معرفة صفة عبادة اللات التي هي من أكبر الأوثان.
السابعة: معرفة أنه قبر رجل صالح.
الثامنة: أنه اسم صاحب القبر، وذكر معنى التسمية.
التاسعة: لعنة زوارات القبور.
العاشرة: لعنة من أسرجها.
............................................................................................
والمتخذين عليها المساجد والسرج "رواه أهل السنن.
وهذا الحديث صحيح صححه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -، ويكفيك في الاحتجاح به رواية أهل السنن له، ولم يذكر أحد منهم له علة، ولا معارض له.
стр. 133
٢٢- باب ما جاء في حماية المصطفى صلي الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك
وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله:صلي الله عليه وسلم " لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني
............................................................................................
قوله: "باب ما جاء في حماية المصطفى صلي الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك " قد تقدم فيما سلف من الأبواب قبل هذا.
قوله: وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢ ووجه الدلالة بالآية أنه صلي الله عليه وسلم يعز عليه كل ما يؤثم الأمة ويشق عليهم، وأعظم ما يؤثم الأمة ويشق عليهم الشرك بالله قليله وكثيره ووسائله وما يقرب منه من كبائر الذنوب، وقد بالغ صلي الله عليه وسلم في النهي عن الشرك وأسبابه أعظم مبالغة كما لا يخفى، وقد كانت هذه حال أصحابه ﵃ في قطعهم الخيوط التي رقي للمريض فيها ونحو ذلك من تعليق التمائم. قوله: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله:صلي الله عليه وسلم " لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم "رواه أبو داود بإسناد حسن، ورواته ثقات. قال الحافظ محمد بن عبد الهادي: "هو حديث حسن جيد الإسناد وله شواهد يرتقي بها إلى درجة الصحة". نهاهم صلي الله عليه وسلم أن يهجروا بيوتهم عن الصلاة فيها كما تهجر القبور عن الصلاة إليها مخافة الفتنة بها وما يفضي إلى عبادتها من دون الله؛ لأن النهي عن ذلك قد تقرر عندهم فنهاهم أن يجعلوا بيوتهم كذلك.
قوله: " ولا تجعلوا قبري عيدا "فيه شاهد للترجمة، قال شيخ الإسلام: "العيد اسم
стр. 134
حيث كنتم "١ رواه أبو داود بإسناد حسن، ورواته ثقات.
وعن علي بن الحسين: أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلي الله عليه وسلم، فيدخل فيها فيدعو فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي، فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم " ٢ رواه في " المختارة ".
..................................................................................................
لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد، عائدا إما بعود السنة أو بعود الأسبوع أو الشهر أو نحو ذلك"، وقال ابن القيم ﵀: "العيد ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان، مأخوذ من المعاودة والاعتياد، فإدا كان اسما للمكان فهو الذي يقصد فيه الاجتماع وانتيابه للعبادة أو لغيرها، كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر جعلها الله عيدا للحنفاء ومثابة. كما جعل أيام العيد فيها عيدا، وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية، فلما جاء الله بالإسلام أبطلها وعوض الحنفاء منها عيد الفطر وعيد النحر وأيام منى كما عوضهم عن أعياد المشركين المكانية بالكعبة ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر".
قوله: وعن علي بن الحسين ﵄ – "أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلي الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو فنهاه.. ". الحديث. هذا الحديث رواه أبو يعلى والقاضي إسماعيل والحافظ الضياء في المختارة.
قال شيخ الإسلام: "فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت الذين لهم من رسول الله صلي الله عليه وسلم قرب النسب وقرب الدار؛ لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا له أضبط". انتهى.
قوله: "عن علي بن الحسين " أي ابن علي بن أبي طالب المعروف بزين العابدين ﵃ أفضل التابعين من أهل بيته وأعلمهم، قال الزهري: "ما رأيت قرشيا أفضل منه"، مات سنة ثلاث وتسعين على الصحيح.
قوله: أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة بضم الفاء وسكون الراء، وهي الكوة في
стр. 135
الجدار والخوخة ونحوهما، قوله: فيدخل فيها فيدعو فنهاه، وهذا يدل على النهي عن قصد القبور والمشاهد لأجل الدعاء والصلاة عندها. قال شيخ الإسلام: ما علمت أحدا رخص فيه؛ لأن ذلك نوع من اتخاذه عيدا، ويدل أيضا على أن قصد القبر للسلام إذا دخل ليصلي منهي عنه؛ لأن ذلك لم يشرع، وكره مالك لأهل المدينة كلما دخل إنسان المسجد أن يأتي قبر النبي صلي الله عليه وسلم؛ لأن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك. قال: "ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها" وكان الصحابة والتابعون ﵃ يأتون إلى مسجد النبي صلي الله عليه وسلم فيصلون، فإذا قضوا الصلاة قعدوا وخرجوا، ولم يكونوا يأتون القبر للسلام لعلمهم أن الصلاة والسلام عليه عند دخول المسجد هو السنة، وأما دخولهم عند قبره للصلاة والسلام عليه هناك أو للصلاة والدعاء فلم يشرعه لهم بل نهاهم عنه في قوله: " لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني "، فبين أن الصلاة تصل إليه من بعد وكذلك السلام، ولعن من اتخذ قبور الأنبياء مساجد، وكانت الحجرة في زمانهم يدخل إليها من الباب لما كانت عائشة ﵂ – فيها، وبعد ذلك إلى أن بني الحائط الآخر، وهم مع ذلك التمكن من الوصول إلى قبره لا يدخلون إليه لا لسلام ولا لصلاة ولا لدعاء لأنفسهم ولا لغيرهم ولا لسؤال عن حديث أو علم، ولا كان الشيطان يطمع فيهم حتى يسمعهم كلاما أو سلاما فيظنون أنه هو كلمهم وأفتاهم وبين لهم الأحاديث، وأنه قد رد ﵈ بصوت يسمع من خارج كما طمع الشيطان في غيرهم فأضلهم عند قبره وقبر غيره حتى ظنوا أن صاحب القبر يأمرهم وينهاهم ويحدثهم في الظاهر، وأنه يخرج من القبر ويرونه خارجا من القبر، ويظنون أن نفس أبدان الموتى خرجت تكلمهم، وأن أرواح الموتى تجسدت لهم فرأوها، والمقصود أن الصحابة - رضوان الله عليهم - لم يكونوا يعتادون الصلاة والسلام عليه عند قبره كما يفعل من بعدهم من الخلوف.
قال سعيد بن منصور في "سننه" حدثنا عبد العزيز بن محمد: أخبرني سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند قبر النبي صلي الله عليه وسلم فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى، فقال: هلم إلى العشاء قلت: لا أريده. قال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي صلي الله عليه وسلم، فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال لي: إن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " لا تتخذوا قبري عيدا ولا تتخذوا بيوتكم قبورا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم. لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء.
"قلت " وهو أيضا له قرب النسب وقرب الدار فنهى عن المجيء إلى القبر للدعاء
стр. 136
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية براءة.
الثانية: إبعاده أمته عن هذا الحمى غاية البعد.
الثالثة: ذكر حرصه علينا ورأفته ورحمته.
الرابعة: نهيه عن زيارة قبره على وجه مخصوص، مع أن زيارته من أفضل الأعمال.
الخامسة: نهيه عن الإكثار من الزيارة.
السادسة: حثه على النافلة في البيت.
السابعة: أنه متقرر عندهم أنه لا يصلى في المقبرة.
الثامنة: تعليله ذلك بأن صلاة الرجل وسلامه عليه يبلغه وإن بعد، فلا حاجة إلى ما يتوهمه من أراد القرب.
التاسعة: كونه صلي الله عليه وسلم في البرزخ تعرض أعمال أمته في الصلاة والسلام عليه.
* * *
عنده، فالمجيء إلى القبر للسلام عليه وتحري إجابة الدعاء ليس مما شرعه الله ورسوله لهذه الأمة ولو كان مشروعا لما تركه الخلفاء والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان من سادات أهل البيت وأئمة التابعين، ولما أنكروا على من فعله، وقولهم هو الحجة وهو الذي دلت عليه الأحاديث كحديث عائشة وحديث الباب وغيرهما، لعلم السلف بما أراده النبي صلي الله عليه وسلم بنهيه عن الغلو وخوفه مما وقع ممن غلا في الدين واتبع غير سبيل المؤمنين كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ١ ولما حدث الشرك بأرباب القبور في هذه الأمة وتعظيمها وعبادتها صارت تشد الرحال إليها لقصد دعائها والاستغاثة بها وبذل نفيس المال تقريبا إليها وتعظيم سدنتها. فيا لها مصيبة ما أعظمها! نسأل الله السلامة من هذا الشرك وما يقرب منه أو يوصل إليه.
стр. 137
٢٣- باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان
وقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ ٢.
..................................................................................................
قوله: "باب ما جاء أن بعض هذه الأمة تعبد الأوثان ". الوثن يطلق على كل من قصد بنوع من أنواع العبادة من دون الله من صنم أو قبر أو غيره لقول الخليل ﵇: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ ٣ مع قوله: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ ٤.
قوله: وقول الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ روى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: جاء حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة فقالوا: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم فأخبرونا عنا وعن محمد، فقالوا: ما أنتم ومحمد؟ فقالوا: نحن نصل الأرحام، وننحر الكوماء ونسقي الماء على اللبن ونفك العناة ونسقي الحجيح، ومحمد صنوبر قطع أرحامنا، واتبعه سراق الحجيج من غفار فنحن خير أم هو؟ فقالوا: أنتم خير وأهدى سبيلا، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ ٥.
وقوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ ٦ الآية قال البغوي في تفسيره: " "قل " يا محمد" هَلْ أُنَبِّئُكُمْ " أخبركم " بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ " يعني قولهم: لم نر أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم ولا دينا شرا من دينكم، فذكر الجواب بلفظ الابتداء كقوله ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ﴾ " ٧.
وقوله: "مثوبة " ثوابا وجزاء نصب على التفسير ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ ٨ فالقردة: أصحاب السبت، والخنازير: كفار مائدة عيسى، وعن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أن المسخين كلاهما من أصحاب السبت،
стр. 138
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ ١.
عن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ "أخرجاه٢.
.............................................................................................
فشبابهم مسخوا قردة، ومشايخهم مسخوا خنازير ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ أي وجعل منهم من عبد الطاغوت أي أطاع الشيطان فيما سول له. وفي تفسير الطبري قرأ حمزة "وَعَبُدِ الطَّاغُوتِ " بضم الباء وجر التاء، وقرأ ابن عباس وابن مسعود وإبراهيم النخعي والأعمش وأبان بن تغلب وَعُبُدَ الطَّاغُوتِ بضم العين والباء وفتح الدال وخفض التاء.
قوله: "أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا " مما تظنون بنا "وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ " وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر مشارك كقوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ ٣ قاله ابن كثير.
قوله: "عن أبي سعيد أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " لتتبعن سننن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ "أخرجاه ". وهذا سياق مسلم، فبين صلي الله عليه وسلم في هذا أن كل ما وقع من أهل الكتاب مما ذمهم الله به في هذه الآيات وغيرها لا بد أن يقع جميعه في هذه الأمة وهو الشاهد للترجمة.
قوله: "سنن " بفتح المهملة أي طريق من كان قبلكم.
قوله: "حذو القذة " بنصب حذو على المصدر، والقذة بضم القاف واحدة القذذ وهو ريش السهم، أي لتتبعن طريقهم في كل ما فعلوه وتشبهوهم في ذلك كما تشبه قذة السهم القذة الأخرى كما أخبر صلي الله عليه وسلم. قال سفيان بن عينية: "من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى"، انتهى.
стр. 139
ولمسلم عن ثوبان ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي
................................................................................................
قوله: عن ثوبان ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين "الحديث. هذا الحديث رواه أبو داود في سننه وابن ماجه١ بالزيادة التي ذكرها المنصف ﵀.
قوله: "عن ثوبان " وهو مولى النبي صلي الله عليه وسلم ولازمه ونزل بعده الشام ومات بحمص سنة أربع وخمسين.
قوله " زوى لي الأرض " قال التوربشتي: "زويت الشيء جمعته وقبضته، يريد تقريب البعيد منها حتى اطلع عليه اطلاعه على القريب صلي الله عليه وسلم وحاصله أنه طوى له الأرض وجعلها مجموعة كهيئة كف في مرآة ينظره. قال الطيبي: جمعها لي حتى أبصرت ما تملكه أمتي من أقصى المشارق والمغارب منها".
قوله: " وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها " قال القرطبي: هذا الخبر وجد مخبره كما قال، وكان ذلك من دلائل نبوته صلي الله عليه وسلم وذلك أن ملك أمته اتسع إلى أن بلغ أقصى طنجة بالنون والجيم، الذي هو منتهى عمارة المغرب، إلى أقصى المشرق مما وراء
стр. 140
منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم. وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني
...........................................................................................
خراسان والنهر، وكثير من بلاد الهند والسند والصين، ولم يتسع ذلك الاتساع من جهة الجنوب والشمال ولذلك لم يذكر ﵇ أنه أريه، ولا أخبر أن ملك أمته يبلغه. قوله: زوي لي منها يحتمل أن يكون مبنيا للفاعل وأن يكون مبنيا للمفعول.
قوله: "وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض " قال القرطبي: يعني به كنز كسرى وهو ملك الفرس، وقيصر وهو ملك الروم وقصورهما وبلادهما، وقد قال صلي الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله" وعبر بالأحمر عن كنز قيصر؛ لأن الغالب عندهم كان الذهب، وبالأبيض عن كنز كسرى؛ لأن الغالب عندهم كان الجوهر والفضة، ووجد ذلك في خلافة عمر.
قوله: " وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة " ١ هكذا ثبت في أصل المصنف بالباء وهي رواية صحيحة في صحيح مسلم وفي بعضها بحذفها. قال القرطبي: "وكأنها زائدة لأن عامة صفة السنة، والسنة: الجدب الذي يكون به الهلاك العام. قوله: " من سوى أنفسهم " أي من غيرهم من الكفار من إهلاك بعضهم بعضا وسبى بعضهم بعضا كما هو مبسوط في التاريخ. قوله: "فيستبيح بيضتهم " قال الجوهري: "بيضة كل شيء حوزته وبيضة القوم ساحتهم، وعلى هذا فيكون معنى الحديث أن الله لا يسلط العدو على كافة المسلمين حتى يستبيح جميع ما جازوه من البلاد والأرض، ولو اجتمع عليهم من بأقطار الأرض وهي جوانبها، وقيل: بيضتهم معظمهم وجماعتهم وإن قلوا".
قوله: "حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا " الظاهر أن حتى هنا لانتهاء الغاية، أي أن أمر أمته ينتهي إلى أن يكون بعضهم يهلك بعضا.
قوله: " وإن ربي قال: يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد "٢ هذا كما في الحديث " ولا راد لما قضيت٣ ".
стр. 141
أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم بأقطارها - أو قال من بين أقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا " ١.
ورواه البرقاني في " صحيحه " وزاد: " وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة
...........................................................................................
قوله: ورواه البرقاني في صحيحه هو الحافظ الكبير أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب الخوارزمي الشافعي، ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، ومات سنة خمس وعشرين وأربعمائة، قال الخطيب: "كان ثبتا ورعا، ولم نر في شيوخنا أثبت منه، عارفا بالفقه كثير التصانيف مسندا ضمنه ما اشتمل عليه الصحيحان، وجمع حديث الثوري وحديث شعبة وطائفة".
قوله: " وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين "٢ أي الأمراء والعلماء والعباد فيحكمون فيهم بغير علم فيضلونهم كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ ٣، وقال: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ﴾ ٤ وأمثال هذه الآيات كثير، وعن زياد بن حدير قال: قال لي عمر: "هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قلت: لا، قال: يهدمه زلة العالم وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين" رواه الدارمي٥.
قوله: " وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة "، وقد وقع ذلك ومازالت الأمة كذلك، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة، وفيه ما هو حق كقتال أهل التوحيد لأهل الشرك بالله وجهادهم على تركهم الشرك، وقد من الله بذلك على من أقامهم في آخر هذا الزمان بالدعوة إلى توحيده، لكن أهل الشرك بدءوهم بالقتال وأظهرهم الله عليهم كما لا يخفى على من تدبر آيات هذا الدين في هذه الأزمنة.
قوله: " ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين " الحي واحد الأحياء وهي القبائل: وفي رواية أبي داود " حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين وكم وكم "٦.
قوله: " وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان "والفئام مهموز: الجماعات الكثيرة، قاله
стр. 142
حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى يعبد فئام من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي " ١ " ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم
.............................................................................................
أبو السعادات. وهذا هو شاهد الترجمة، وقد استحكمت الفتنة بعبادة الأوثان حتى إنه لا يعرف أحد في هذه القرون المتأخرة أنكر ما وقع من ذلك، حتى أقام الله شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - الذي أنكره ونهى عنه ودعا الناس إلى تركه، وإلى أن يعبدوا الله تعالى وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، فرماه الملوك وأتباعهم بقوس العداوة، فأظهره الله بالحجة وأعز أنصاره على من ناوأهم، وبلغت دعوته مشارق الأرض ومغاربها ولكن من الناس من عرف ومنهم من أنكر، فانتفع بدعوته الكثير، من أهل نجد والحجاز وعمان وغيرها، فلله الحمد على هذه النعمة العظيمة جعلنا الله شاكرين.
قوله: " وأنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي "قال القرطبي: قد جاء عددهم معينا في حديث حذيفة قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم " يكون في أمتي كذابون دجالون سبع وعشرون منهم أربع نسوة "٢ أخرجه أبو نعيم وقال: هذا حديث غريب، وحديث ثوبان أصح من هذا. قال القاضي عياض: عد من تنبأ من زمن رسول الله صلي الله عليه وسلم إلى الآن ممن اشتهر بذلك وعرف واتبعه جماعة على ضلالته فوجد هذا العدد فيهم، ومن طالع كتب الأخبار والتاريخ عرف صحة هذا، وآخرهم الدجال الأكبر.
قوله: " وأنا خاتم النبيين "قال الحسن: الخاتم الذي ختم به، يعني أنه آخر النبيين كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٣ وإنما ينزل عيسى ﵇ في آخر الزمان حاكما بشريعة محمد صلي الله عليه وسلم، مصليا إلى قبلته فهو كآحاد أمته، بل هو أفضل هذه الأمة.
قوله: " ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم "قال النووي: يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين ما بين شجاع وبصير بالحرب، وفقيه ومحدث ومفسر وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وزاهد وعابد، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد، بل يجوز اجتماعهم في قطر
стр. 143
حتى يأتي أمر الله ﵎ " ١.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النساء.
الثانية: تفسير آية المائدة.
الثالثة: تفسير آية الكهف.
الرابعة: - وهي أهمها -: معنى الإيمان بالجبت والطاغوت في هذا الموضع؟: هل هو اعتقاد قلب، أو هو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها؟.
...............................................................................................
واحد وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز أن يجتمعوا في بلد واحد وأن يكونوا في بعض دون بعض منه، ويجوز إخلاء الأرض منهم أولا فأولا إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد، فإذا انقرضوا جاء أمر الله، انتهى ملخصا مع زيادة فيه قاله الحافظ.
قال المصنف: "وفيه الآية العظيمة أنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم والبشارة بأن الحق لا يزول بالكلية".
قوله: " حتى يأتي أمر الله " الظاهر أن المراد به ما روي من قبض من بقي من المؤمنين بالريح الطيبة ووقوع الآيات العظام، ثم لا يبقى إلا شرار الناس.
وقوله: ﵎ قال ابن القيم ﵀: البركة هي فعلة والفعل منها بارك، ويتعدى بنفسه تارة وبأداة "على" تارة، وبأداة "في" تارة. والمفعول منها مبارك وهو ما جعل منها كذلك فكان مباركا بجعله تعالى. "والنوع الثاني" بركة تضاف إليه إضافة الرحمة والعزة والفعل منها تبارك، ولهذا لا يقال لغيره ذلك ولا يصح إلا له فهو سبحانه المتبارك وعبده ورسوله المبارك، وأما صفته تبارك فمختصة به كما أطلقها على نفسه في قوله: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿بَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢ أفلا تراها كيف اطردت في القرآن جارية عليه مختصة به لا تطلق على غيره، وجاءت على بناء السعة والمبالغة كتعالى وتعاظم ونحوه، فجاء بناء تبارك على بناء تعالى الذي هو دال على كمال العلو ونهايته، فكذلك تبارك دال على كمال بركته وعظمتها وسعتها، وهذا معنى قول من قال من السلف: تبارك تعاظم. وقال ابن عباس: جاء بكل بركة.
стр. 144
الخامسة: قولهم: إن الكفار الذين يعرفون كفرهم أهدى سبيلا من المؤمنين.
السادسة: - وهي المقصود بالترجمة - أن هذا لا بد أن يوجد في هذه الأمة كما تقرر في حديث أبي سعيد.
السابعة: التصريح بوقوعها، أعني عبادة الأوثان في هذه الأمة في جموع كثيرة.
الثامنة: العجب العجاب: خروج من يدعي النبوة مثل المختار، مع تكلمه بالشهادتين وتصريحه بأنه من هذه الأمة، وأن الرسول حق، وأن القرآن حق، وفيه أن محمدا خاتم النبيين، ومع هذا يصدق في هذا كله مع التضاد الواضح. وقد خرج المختار في آخر عصر الصحابة، وتبعه فئام كثيرة.
التاسعة: البشارة بأن الحق لا يزول بالكلية كما زال فيما مضى، بل لا تزال عليه طائفة.
العاشرة: الآية العظمى أنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم.
الحادية عشرة: أن ذلك الشرط إلى قيام الساعة.
الثانية عشرة: ما فيه من الآيات العظيمة. منها: إخباره بأن الله زوى له المشارق والمغارب، وأخبر بمعنى ذلك فوقع كما أخبر، بخلاف الجنوب والشمال. وإخباره بأنه أعطي الكنزين، وإخباره بإجابة دعوته لأمته في الاثنتين، وإخباره بأنه منع الثالثة، وإخباره بوقوع السيف، وأنه لا يرفع إذا وقع، وإخباره بإهلاك بعضهم بعضا وسبي بعضهم بعضا، وخوفه على أمته من الأئمة المضلين، وإخباره بظهور المتنبئين في هذه الأمة، وإخباره ببقاء الطائفة المنصورة وكل هذا وقع كما أخبر، مع أن كل واحد منها من أبعد ما يكون في العقول.
الثالثة عشرة: حصر الخوف على أمته من الأئمة المضلين.
الرابعة عشرة: التنبيه على معنى عبادة الأوثان.
стр. 145
٢٤- باب ما جاء في السحر
وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ ١ وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ٢.
قال عمر: "الجبت ": السحر، "والطاغوت ": الشيطان. وقال جابر: الطواغيت: كهان كان ينزل عليهم الشيطان في كل حي واحد.
..........................................................................................
قوله: "باب ما جاء في السحر " أي والكهانة - السحر في اللغة عبارة عما خفي ولطف سببه، ولهذا جاء في الحديث: " إن من البيان لسحرا "٣، وهذا من التشبيه البليغ شبهه بالسحر لكونه بالبيان يحصل منه ما يحصل من السحر قال أبو محمد المقدسي في الكافي: السحر عزائم ورقى، ومنه ما يؤثر في القلوب والأبدان، فيمرض ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه، قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ ٤ وقال: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ ٥ يعني السواحر اللاتي ينفثن في سحرهن. ولولا أن للسحر حقيقة لم يأمر بالاستعاذة منه، واختلفوا هل يكفر الساحر أو لا؟ فذهب طائفة من السلف إلى أنه يكفر، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد، قال أصحابه: إلا أن يكون سحره بأدوية وتدخين وسقي شيء يضر فلا يكفر.
ومما يدل على أنه كفر قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ ٦ وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ٧ قال عمر: الجبت: السحر. والطاغوت: الشيطان. وتقدم كلام ابن القيم رحمه الله تعالى في حد الطاغوت، وأن له أفرادا منها عبادة غير الله، فالمعبود طاغوت كما دلت عليه الآيات، ومنهم الكهان ومن يحكم بغير الحق أو يأمره بما يخالف الحق، أو يرضى به وغير ذلك.
قوله: "الطواغيت كهان" أراد أن الكهان من الطواغيت. قوله: "كان ينزل عليهم الشيطان" أراد الجنس لا الشيطان الذي هو إبليس خاصة، بل تنزل عليهم الشياطين ويخاطبونهم ويخبرونهم بما يسترقونه من السمع فيصدقون مرة، ويكذبون مائة.