في " الصحيح " عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد القطيفة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة
.........................................................................................................
الله: بل أردت أن يقال فلان جواد فقد قيل ذلك. ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله فيقال له: فبماذا قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله له: كذبت. وتقول الملائكة: كذبت. ويقول الله: بل أردت أن يقال فلان جريء وقد قيل ذلك، ثم ضرب رسول الله صلي الله عليه وسلم على ركبتي فقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة "١.
قوله: "في الصحيح " أي صحيح البخاري.
قوله: "تعس " بكسر العين ويجوز الفتح أي سقط، والمراد هنا هلك، قاله الحافظ. وقال أبو السعادات. يقال: تعس يتعس إذا عثر وانكب لوجهه، وهو دعاء عليه بالهلاك.
قوله: " تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم "سماه عبدا له لكونه هو المقصود بعمله فصار عبدا له؛ لأنه عبده بذلك العمل.
قوله: " تعس عبد الخميصة " قال أبو السعادات: هي ثوب خز أو صوف معلم، و "الخميلة " بفتح الخاء المعجمة قال أبو السعادات: ذات الخمل، ثياب لها خمل من أي شيء كان، المراد كل ما كان من الدنيا نقدا أو عرضا؛ لأنه ذكر النوعين. قال أبو السعادات: أي انقلب على رأسه، وهو دعاء عليه بالخيبة.
قوله: " وإذا شيك فلا انتقش " أي إذا أصابته شوكة فلا يقدر على إخراجها بالمناقيش قاله أبو السعادات. قال شيخ الإسلام: "فسماه النبي صلي الله عليه وسلم عبد الدينار والدرهم وعبد القطيفة وعبد الخميصة، وذكر ما فيه وهو دعاء عليه بلفظ الخبر، وهو قوله: "تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش " وهذه حال من إذا أصابه شر لم يخرج منه ولم يفلح لكونه تعس وانتكس، فلا نال المطلوب، ولا خلص من المكروه. وهذه حال من عبد المال، وقد وصف ذلك بأنه إن أعطي رضي، وإن منع سخط، فرضاه لغير الله وسخطه لغير الله، وهكذا حال من كان متعلقا برياسة أو صورة ونحو ذلك من أهواء نفسه، إن حصل له رضى وإن لم يحصل له
стр. 212
قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع " ١.
......................................................................................................
سخط، فهذا عبد ما يهواه من ذلك وهو رقيق له إذ الرق والعبودية في الحقيقة رق القلب وعبوديته، فما استرق القلب واستعبده فهو عبده، إلى أن قال: وهكذا أيضا حال من طلب المال فإن ذلك يستعبده ويسترقه وهذه الأمور نوعان: "فمنها " ما يحتاج إليه العبد كما يحتاج إلى طعامه وشرابه ومنكحه ومسكنه ونحو ذلك، فهذا يطلبه من الله ويرغب إليه فيه، فيكون المال عنده يستعمله في حاجته بمنزلة حماره الذي يركبه، وبساطه الذي يجلس عليه، من غير أن يستعبده فيكون هلوعا، "ومنها " ما لا يحتاج إليه العبد فهذا ينبغي أن لا يعلق قلبه به، فإذا تعلق قلبه صار مستعبدا ومعتمدا على غير الله فلا يبقى معه حقيقة العبودية لله، ولا حقيقة التوكل على الله، بل فيه شعبة من العبادة لغير الله وشعبة من التوكل على غيره، وهذا أحق الناس بقوله صلي الله عليه وسلم: " تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة "وهذا هو عبد لهذه الأمور، ولو طلبها من الله فإن الله إذا أعطاه إياه رضي، وإن منعه إياها سخط، وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضي الله، ويسخطه ما يسخط الله، ويحب ما أحب الله ورسوله، ويبغض ما أبغض الله ورسوله، ويوالي أولياء الله، ويعادي أعداء الله، فهذا الذي استكمل الإيمان ". اهـ. ملخصا.
قوله: " طوبى لعبد " رواه الإمام أحمد عن حسن بن موسى قال: سمعت عبد الله بن لهيعة: حدثنا دراج أبو السمح: أن أبا الهيثم حدثه عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أن رجلا قال: يا رسول الله طوبى لمن رآك وآمن بك. قال: " طوبى لمن رآني وآمن بي ثم طوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني قال له رجل: وما طوبى؟ قال: شجرة في الجنة مسيرة مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها " ٢ له
стр. 213
شواهد في الصحيحين.
وقد روى ابن جرير عن وهب بن منبه ها هنا أثرا غريبا عجيبا قال وهب: " إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، زهرها رياط، وورقها برود، وقضبانها عنبر، وبطحاؤها ياقوت، وترابها كافور ووحلها مسك يخرج من أصلها أنهار الخمر واللبن والعسل، وهي مجلس لأهل الجنة فبينا هم في مجلسهم إذ أتتهم الملائكة من ربهم يقودون نجبا مزمومة بسلاسل من ذهب، ووجوهها كالمصابيح من حسنها، ووبرها كخز المرعزى من لينه، عليها رحال ألواحها من ياقوت، ودفوفها من ذهب، وثيابها من سندس وإستبرق فينيخونها ويقولون: إن ربنا أرسلنا إليكم لتزوروه وتسلموا عليه، قال: فيركبونها قال: فهي أسرع من الطائر وأوطأ من الفراش خبا من غير مهنة يسير الرجل إلى جنب أخيه وهو يكلمه ويناجيه لا تصيب أذن راحلة منها أذن صاحبتها، ولا برك راحلة برك الأخرى حتى إن الشجرة لتتنحى عن طريقهم لئلا تفرق بين الرجل وأخيه، قال فيأتون إلى الرحمن الرحيم فيسفر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه فإذا رأوه قالوا: اللهم أنت السلام ومنك السلام وحق لك الجلال والإكرام. قال: فيقول ﵎ عند ذلك: "أنا السلام ومني السلام وعليكم حقت رحمتي ومحبتي مرحبا بعبادي الذين خشوني بالغيب، وأطاعوا أمري" قال: فيقولون ربنا إنا لم نعبدك حق عبادتك، ولم نقدرك حق قدرك فأذن لنا بالسجود قدامك، قال: فيقول الله: "إنها ليست دار عبادة ولا نصب، ولكنها دار ملك ونعيم، وإني قد رفعت عنكم نصب العبادة فسلوني ما شئتم فإن لكل رجل منكم أمنيته"، فيسألونه حتى إن أقصرهم أمنية ليقول: رب تنافس أهل الدنيا في دنياهم فتضايقوا، رب فآتني مثل كل شيء كانوا فيه من يوم خلقتها إلى أن انتهت الدنيا، فيقول الله تعالى: "لقد قصرت بك أمنيتك، ولقد سألت دون منزلتك، هذا لك مني؛ لأنه ليس في عطائي نكد ولا قصر يد" قال ثم يقول: "اعرضوا على عبادي ما لم تبلغ أمانيهم التي في أنفسهم" فيكون فيما يعرضون عليهم براذين مقرنة على كل أربعة منها سرير من ياقوتة واحدة على كل سرير منها قبة من ذهب مفرغة في كل قبة منها فرش من فرش الجنة مظاهرة، في كل قبة منها جاريتان من الحور العين، على كل جارية منهن ثوبان من ثياب الجنة وليس في الجنة، لون إلا وهو فيها، ولا طيب إلا قد عبق بهما، ينفذ ضوء وجوههما غلظ القبة حتى يظن من يراهما أنهما دون القبة، يرى مخهما من فوق كالسلك الأبيض في ياقوتة حمراء يريان له من الفضل على صحابته كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل، ويرى لهما مثل ذلك، ثم يدخل إليهما فيحييانه ويقبلانه ويعانقانه، ويقولان له: ما ظننا أن الله يخلق مثلك. ثم يأمر
стр. 214
الله الملائكة فيسيرون بهم صفا في الجنة حتى ينتهي كل رجل منهم إلى منزلته التي أعدت له "اهـ.
قوله: "أشعث " مجرورة بالفتحة؛ لأنه اسم لا ينصرف للوصف ووزن الفعل ورأسه مرفوع على الفاعلية، وهو طائر الشعر أشغله الجهاد في سبيل الله عن التنعم بالأدهان وتسريح الشعر.
قوله: " مغبرة قدماه " هو بالجر صفة ثانية لعبد.
قوله: " إن كان في الحراسة " أي حامية الجيش عن أن يهجم العدو عليهم.
قولهم: " كان في الحراسة " أي غير مقصر فيها ولا غافل.
قوله: " وإن كان في الساقة كان في الساقة " أي في مؤخرة الجيش يقلب نفسه في مصالح الجهاد وبما فيه حفظ المجاهدين من عدوهم. قال الخلخالي: "المعنى ائتماره لما أمر وإقامته حيث أقيم لا يفقد مكانه، وإنما ذكر الحراسة والساقة لأنهما أشد مشقة".
قوله: " إن استأذن لم يؤذن له " أي استأذن على الأمراء ونحوهم، لم يأذنوا له؛ لأنه لا جاه له عندهم ولا منزلة، لأنه ليس من طلابها، وإنما يطلب ما عند الله.
قوله: " وإن شفع لم يشفع" يعني لو ألجأته الحال إلى أن يشفع له في أمر يحبه الله ورسوله، لم تقبل له شفاعة عند الأمراء ونحوهم. وعن عثمان ﵁ قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يصام نهارها ويقام ليلها "١ وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس، وواعده الخروج وأنشدها معه إلى الفضيل بن عياض في سنة سبعين ومائة.
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا ... لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه ... فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل ... فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا ... رهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا من مقال نبينا ... قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي غبار خيل الله في ... أنف امرئ ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا ... ليس الشهيد بميت، لا يكذب
قال: فلقيت الفضيل بكتابه في المسجد الحرام، فلما قرأه ذرفت عيناه. فقال:
стр. 215
فيه مسائل:
الأولى: إرادة الإنسان الدنيا بعمل الآخرة.
الثانية: تفسير آية هود.
الثالثة: تسمية الإنسان المسلم: عبد الدينار والدرهم والخميصة.
الرابعة: تفسير ذلك بأنه إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط.
الخامسة: قوله: "تعس وانتكس".
السادسة: قوله: "وإذا شيك فلا انتقش".
السابعة: الثناء على المجاهد الموصوف بتلك الصفات.
.......................................................................................................
صدق أبو عبد الرحمن ونصحني، ثم قال: أنت ممن يكتب الحديث؟ قلت: نعم. قال لي: اكتب هذا الحديث، " كراء حملك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا " وأملى علي الفضيل بن عياض: حدثنا منصور بن المعتمر عن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة " أن رجلا قال: يا رسول علمني عملا أنال به ثواب المجاهدبن في سبيل الله، فقال: "هل تستطيع أن تصلي فلا تفتر، وتصوم فلا تفطر؟ " فقال: يا رسول الله أنا أضعف من أن أستطيع ذلك، ثم قال النبي صلي الله عليه وسلم: فوالذي نفسي بيده لو طوقت ذلك ما بلغت فضل المجاهدين في سبيل الله، أما علمت أن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له بذلك حسنات "١.
стр. 216
٣٨- باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أربابا من دون الله
" وقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء ; أقول: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟! ".
وقال الإمام أحمد: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١ أتدري ماالفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.
...................................................................................................................
قوله: "باب من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله فقد اتخذهم أربابا من دون الله " فيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ ٢.
قوله: "وقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم وتقولون: قال أبو بكر وعمر ".
قال الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى -: "أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد"، وقال الإمام مالك - رحمه الله تعالى -: "ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر صلي الله عليه وسلم". وعن ابن عباس ﵄ قال: "ليس أحد إلا يؤخذ من قوله ويدع غير النبي صلي الله عليه وسلم".
قوله: "وقال الإمام أحمد بن حنبل: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ".
قال الإمام أحمد: نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول في ثلاثة وثلاثين موضعا، ثم جعل يتلو ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . وسفيان هو الثوري الإمام الزاهد العابد الثقة الفقيه وكان له أصحاب يأخذون عنه
стр. 217
عن " عدي بن حاتم: أنه سمع النبي صلي الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١ الآية فقلت له: إنا لسنا
.....................................................................................................
ومذهبه مشهور، وقد عمت البلوى بهذا المنكر الذي أنكره الإمام أحمد خصوصا فيمن ينتسب إلى العلم والإفتاء والتدريس، وزعموا أنه لا يأخذ بأدلة الكتاب والسنة إلا المجتهد، والاجتهاد قد انقطع، وقد أخطئوا في ذلك، وقد استدل الإمام أحمد ﵀ – بقوله صلي الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك"٢ أن الاجتهاد لا ينقطع، وحكى ابن عبد البر الإجماع على أن المقلد لا يكون من أهل العلم، والأئمة لم يقصروا في البيان بل نهوا عن تقليدهم إذا استبانت السنة. قال أبو حنيفة: إذا جاء الحديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة ﵃ فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن التابعين فنحن رجال وهم رجال. وقال: إذا قلت قولا وكتاب الله يخالفه فاتركوا قولي لكتاب الله تعالى، قيل: إذا كان قول رسول الله صلي الله عليه وسلم يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لخبر رسول الله صلي الله عليه وسلم. قيل: إذا كان قول الصحابة يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لقول الصحابة. وتقدم قول الإمامين مالك والشافعي. فعلى من اشتغل بمصنفات أهل مذهبه أن ينظر في أقوال المخالفين وما استدلوا به فيكون متبعا للدليل مع من كان معه وبالله التوفيق.
стр. 218
نعبدهم قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ فقلت: بلى. قال: فتلك عبادتهم "١ رواه أحمد، والترمذي وحسنه.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النور.
الثانية: تفسير آية براءة.
الثالثة: التنبيه على معنى العبادة التي أنكرها عدي.
الرابعة: تمثيل ابن عباس بأبي بكر وعمر، وتمثيل أحمد بسفيان.
الخامسة: تغير الأحوال إلى هذه الغاية، حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال، وتسمى الولاية. وعبادة الأحبار هي العلم والفقه، ثم تغيرت الحال إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين.
........................................................................................................
قوله: عن عدي بن حاتم أي الطائي المشهور بالسخاء والكرم، قدم عدي على رسول الله صلي الله عليه وسلم في شعبان سنة تسع من الهجرة فأسلم وعاش مائة وعشرين سنة، وقد أشار المصنف - رحمه الله تعالى - بترجمة الباب إلى هذا الحديث وما في معناه، وفيه دليل على أن طاعة الأحبار والرهبان في معصية الله عبادة لهم من دون الله.
قال شيخنا في المسائل: "فتغيرت الأحوال وآلت إلى هذه الغاية فصار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال ويسمونها الولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه، ثم تغيرت الحال إلى أن عبد من ليس من الصالحين وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين". وعن زياد بن حدير قال: قال لي عمر: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟. قلت: لا. قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين. رواه الدارمي٢. جعلنا الله وإياكم من الذين يهدون بالحق وبه يعدلون. فكم ضل من ضل، وزل من زل.
стр. 219
٣٩- باب " الإيمان لا يحصل لأحد حتى يكون هواه تبعا لما جاء به الرسول صلي الله عليه وسلم "
قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ
.....................................................................................................
قوله: "باب قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ ١ " الآية.
قال العماد ابن كثير: والآية ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت ها هنا، وكل من عبد شيئا دون الله بأي نوع كان من أنواع العبادة كالدعاء والاستغاثة فإنما عبد الطاغوت، فإن كان المعبود صالحا كانت عبادة العابد له واقعة على الشيطان الذي أمره بعبادته وزينها له كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ ٣ والآية بعدها، وإن كان ممن يدعو إلى عبادة نفسه كالطواغيت، أو كان شجرا أو حجرا أو قبرا كاللات والعزى ومناة وغير ذلك، مما كان يتخذه المشركون لهم أصناما على صور الصالحين والملائكة أو غير ذلك فهي من الطاغوت الذي أمر الله عباده أن يكفروا بعبادته ويتبرءوا منه، ومن عبادة كل معبود سوى الله كائنا من كان، فالتوحيد هو الكفر بكل ما عبد من دون الله كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ الآية٤، فلم يستثن من كل معبود إلا الذي فطره ، هذا معنى لا إله إلا الله كما تقدم في قوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ﴾ ٤ إلى قوله: ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ٥، وكذلك من خالف حكم الله ورسوله بأن حكم بين الناس بغير ما أنزل الله أو مع الجهل بذلك، أو طلب ذلك أن يتبع عليه أو أطاعه فيما لا يعلم أنه حق إذا كان المطيع له لا يبالي أكان أمره حقا أم لا، فهو طاغوت بلا ريب كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا
стр. 220
وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ ١. وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ٢. وقوله: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ ٣ الآية.
.....................................................................................................................
أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ لأن الكفر بالطاغوت ركن التوحيد كما في آية البقرة، فإذا لم يحصل هذا الركن لم يكن قد نفى ما نفته لا إله إلا الله.
قوله: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ أي بعيدا عن الهدى ففي هذه الآية أربعه أمور:
"الأول " أنه من إرادة الشيطان. "الثاني " أنه ضلال. "الثالث " تأكيده بالمصدر "الرابع " وصفه بالبعد عن سبيل الحق والهدى.
فسبحان الله ما أعظم القرآن وما أنفعه لمن تدبره، وما أبلغه وما أدله على أنه كلام رب العالمين أوحاه إلى رسوله الكريم، وبلغه عبده الصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه.
قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ ٤، فإن المنافق يكره الحق وأهله ويهوى ما يخالفه من الباطل، وهذه حال أهل النفاق. قال العلامة ابن القيم: هذا دليل على أن من دعي إلى تحكيم الكتاب والسنة فأبى أنه من المنافقين - "قلت ": فما أكثرهم لا كثرهم الله - قال: و"يصدون" لازم وهو بمعنى يعرضون؛ لأن مصدره "صدودا" فما أكثر من اتصف بهذا الوصف خصوصا من يدعي العلم، فإنهم صدوا عما توجبه الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله إلى أقوال من يخطئ كثيرا ممن ينتسب إلى مذهب من مذاهب الأربعة في تقليدهم من لا يجوز تقليده فيما يخالف الدليل، فصار المتبع للرسول صلي الله عليه وسلم من أولئك غريبا، وقد عمت البلوى بهذا.
قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ . قال أبو العالية في الآية: يعني لا تعصوا في الأرض؛ لأن من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصية الله فقد أفسد في الأرض؛ لأن صلاح الأرض والسماء إنما هو بطاعة الله ورسوله. ومناسبة الآية للترجمة أن التحاكم إلى غير الله ورسوله من أعمال المنافقين، وهو من الفساد في الأرض، وفي الآية التنبيه على عدم الاغترار بأقوال أهل الأهواء وإن زخرفوها بالدعوى.
قوله: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ ٥ قال أبو بكر بن عياش في الآية:
стр. 221
وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ١ الآية.
.....................................................................................................................
إن الله بعث محمدا صلي الله عليه وسلم إلى أهل الأرض وهم في فساد، فأصلحهم الله بمحمد صلي الله عليه وسلم فمن دعا إلى خلاف ما جاء به محمد صلي الله عليه وسلم فهو من المفسدين في الأرض. قال ابن القيم: "قال أكثر المفسرين: لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسل وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله، فإن عبادة غير الله والدعوة إلى غيره والشرك به هو أعظم فساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو بالشرك، والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره ومطاع ومتبع غير رسول الله صلي الله عليه وسلم هو أعظم الفساد في الأرض، ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا بأن يكون الله وحده هو المعبود المطاع، والدعوة له لا لغيره، والطاعة والاتباع لرسوله ليس إلا، وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول صلي الله عليه وسلم فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته فلا سمع ولا طاعة، ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله، وكل فتنة في العالم وبلاء وشر وقحط وتسليط عدو وغير ذلك فسببه مخالفة رسوله والدعوة إلى غير الله ورسوله". انتهى. وبما ذكرنا يتبين مطابقة الآية للترجمة.
قوله: "وقول الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ الآية " قال ابن كثير: ينكر تعالى من خرج عن حكم الله المشتمل على كل خير والنهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الجهالات والضلالات كما يحكم به التتار، من السياسات المأخوذة عن جنكيزخان الذي وضع لهم كتابا مجموعا من أحكام اقتبسه من شرائع شتى وفيها كثير من الأحكام أخذها عن مجرد نظره، وصار في بنيه شرعا يقدمونه على الحكم بالكتاب والسنة، ومن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم بسواه في قليل ولا كثير.
قوله: ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون؟ استفهام إنكار أي لا حكم أحسن من حكمه، وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس له في الطرف الآخر مشارك، أي ومن أعدل من الله حكما لمن عقل عن الله شرعه وآمن وأيقن أنه تعالى أحكم الحاكمين، وأرحم بعباده من الوالدة بولدها، العليم بمصالح عباده القادر على كل شيء الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
стр. 222
عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به " ١. قال النووي: حديث صحيح، رويناه في كتاب " الحجة " بإسناد صحيح.
...........................................................................................................
قوله: "عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به "قال النووي: حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناده صحيح " هذا الحديث رواه الشيخ أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي في "كتاب الحجة على تارك المحجة " بإسناد صحيح كما قال المصنف عن النووي، ورواه الطبراني وأبو بكر ابن عاصم والحافظ أبو نعيم في الأربعين التي شرط لها أن تكون في صحاح الأخبار. وشاهده في القرآن قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ٢، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ٣، وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ٤ ونحو هذه الآيات.
قوله: "حتى يكون هواه تبعا لما جئت به" الهوى بالقصر أي ما تهواه وتحبه نفسه، فإن كان الذي يحبه وتميل إليه نفسه ويعمل به تابعا لما جاء به الرسول صلي الله عليه وسلم لا يخرج عنه إلى ما يخالفه، فهذه صفة أهل الإيمان المطلق الذي يوجب لصاحبه الجنة والنجاة من النار، وإن كان بخلاف ذلك أو في بعض أحواله أو أكثرها انتفى عنه من الإيمان كماله الواجب فيطلق عليه مؤمن بقيد، لنقص إيمانه بالمعصية كما في حديث أبي هريرة: " لا يزني الزاني حين
стр. 223
يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن "١ فيكون مسلما ومعه مطلق الإيمان
стр. 224
وقال الشعبي: " كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة; فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد - لأنه عرف أنه لا يأخذ الرشوة -، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود ; لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، فاتفقا أن يأتيا كاهنا في جهينة فيتحاكما إليه، فنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ.....﴾ ١ الآية ".
........................................................................
الذي لا يصح إسلامه إلا به، وهذا التوحيد الذي لا يشوبه شرك ولا كفر، وهذا هو الذي يذهب إليه أهل السنة والجماعة خلافا للخوارج والمعتزلة، فإن الخوارج يكفرون بالذنوب، والمعتزلة لا يطلقون عليه الإيمان، ويقولون بتخليده في النار وكلا الطائفتين ابتدع في الدين وترك ما دل عليه الكتاب والسنة. وقد قال تعالى: ﴿ِإنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٢ فقيد مغفرة ما دون الشرك بالمشيئة، وتواترت الأحاديث بما يحقق ما ذهب إليه أهل السنة، فقد أخرج البخاري وغيره عن أنس عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير " ٣.
قوله: "وقال الشعبي: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد؛ لأنه عرف أنه لا يأخذ الرشوة، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود " إلخ. في قصة عمر وقتله المنافق الذي طلب التحاكم إلى كعب بن الأشرف دليل على قتل من أظهر الكفر والنفاق، وكان كعب بن الأشرف هذا شديد العداوة للنبي صلي الله عليه وسلم والأذى
стр. 225
وقيل: نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى النبي صلي الله عليه وسلم، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر فذكر له أحدهما القصة. فقال للذي لم يرض برسول الله صلي الله عليه وسلم: أكذلك؟ قال: نعم، فضربه بالسيف فقتله.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النساء وما فيها من الإعانة على فهم الطاغوت.
الثانية: تفسير آية البقرة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ﴾ ١.
الثالثة: تفسير آية الأعراف ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ ٢.
الرابعة: تفسير: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ٣.
الخامسة: ما قاله الشعبي في نزول الآية الأولى.
السادسة: تفسير الإيمان الصادق والكاذب.
السابعة: قصة عمر مع المنافق.
الثامنة: كون الإيمان لا يحصل لأحد حتى يكون هواه تبعا لما جاء به الرسول صلي الله عليه وسلم.
......................................................................................................
له والإظهار لعداوته فانتقض به عهده، وحل به قتله وقصة قتله مذكورة في كتب الأحاديث٤ والسير وغيرها.
стр. 226
٤٠ - باب من جحد شيئا من الأسماء والصفات
وقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ ١ الآية.
.....................................................................................................................
قوله "باب من جحد شيئا من الأسماء والصفات. وقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ ٢ الآية " سبب نزول الآية معلوم، وهو أن قريشا جحدوا اسم الرحمن عنادا. قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٣ فالرحمن اسمه وصفته، فالرحمة وصفه القائم به، فإذا كان المشركون جحدوا اسما من أسمائه الذي دل على كماله تعالى فجحدوا معناه كجحود لفظه، فإن الجهمية يزعمون أنها لا تدل على صفة قائمة بالله تعالى، وتبعهم على ذلك طوائف من المعتزلة والأشاعرة، فلهذا كفرهم كثير من أهل السنة. قال العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى -:
ولقد تقلد كفرهم خمسون في ... عشر من العلماء في البلدان
واللالكائي الإمام حكاه عنهم ... بل حكاه قبله الطبراني
فإن هؤلاء الجهمية ومن وافقهم من أهل الكلام على التعطيل جحدوا ما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسول الله صلي الله عليه وسلم من صفات كماله ونعوت جلاله، وبنوا هذا التعطيل على أصل فاسد أصلوه من عند أنفسهم، ولم يفهموا من صفات الله إلا ما فهموه من خصائص صفات المخلوقين، فشبهوا الله في ابتداء آرائهم الفاسدة بخلقه ثم عطلوه من صفات كماله، وشبهوه بالناقصات والجمادات والمعدومات، فشبهوا أولا، وعطلوا ثانيا، وشبهوا ثالثا بكل ناقص أو معدوم، فتركوا ما دل عليه صريح الكتاب والسنة، وما عليه سلف الأمة من إثبات ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله على ما يليق بجلاله وعظمته، إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٤.
وقد صنف أئمة السنة لما حدثت بدعة الجهمية مصنفات كثيرة في الرد عليهم كالإمام أحمد وابنه عبد الله والخلال وأبي بكر الأثرم وعثمان بن سعيد الدارمي وإمام الأئمة محمد بن خزيمة وأبي عثمان الصابوني وخلق من أئمة السنة لا يمكن حصرهم، وكذلك من بعدهم كأبي محمد موفق الدين وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن قيم الجوزية ومن في طبقتهم كالعماد ابن كثير والحافظ ابن الهادي وابن رجب والذهبي وغيرهم من أهل السنة والجماعة، وكتبهم مشهورة موجودة بين أهل السنة والجماعة، فلله الحمد على ظهور الحق ونشره والدعوة إليه والمحافظة عليه.
стр. 227
وفي "صحيح البخاري" قال علي: " حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يُكَذَّب الله ورسوله؟ "١.
وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس: أنه
.....................................................................................................................
قوله: "قال علي: " حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ "" وهذا، - والله أعلم -، قاله حين كثر القصاص في خلافته وصاروا يذكرون أحاديث ليست من الأحاديث المعروفة، ولهذا كثر الوضع بهذا السبب، وغير المعروف يحتمل أن يكون فيه ما يصح وفيه ما لا يصح؛ فإذا سمعه من لم يعرفه أنكره وربما كان حقا فلا ينبغي التحديث إلا بما صح وثبت واشتهر عند المحدثين والفقهاء، وما ليس كذلك فلا ينبغي أن يحدث به لاحتمال أن يكون غير صحيح، وقد " كان أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان ينهى عن القصص؛ لما فيه من التساهل في النقل ويقول لا يقص إلا أمير أو مأمور ".
قوله: "وروى عبد الرزاق " هو ابن همام الصنعاني المحدث، محدث اليمن صاحب التصانيف، أكثر الرواية عن معمر بن راشد صاحب الزهري وهو شيخ عبد الرزاق يروي عنه كثيرا، ومعمر بفتح الميمين وسكون العين أبو عروة ابن أبي عمرو راشد الأزدي الحراني ثم اليماني من أصحاب محمد بن شهاب الزهري ويروي عنه كثيرا.
قوله: "عن ابن طاوس " هو عبد الله بن طاوس اليماني، قال معمر: كان من أعلم الناس بالعربية. وقال ابن عيينة: مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
قوله: "عن أبيه " هو طاوس بن كيسان الجندي بفتح الجيم والنون الإمام العالم، قيل: اسمه ذكوان قاله ابن الجوزي. "قلت " وهو من أئمة التفسير ومن أوعية العلم، قال في تهذيب الكمال عن الوليد الموقري عن الزهري قال: " قدمت على عبد الملك بن مروان فقال: من أين قدمت يا زهري؟ قال: قلت: من مكة، قال: من خلفت يسودها وأهلها؟ قلت: عطاء بن أبي رباح، قال: فمن العرب أم
стр. 228
رأى رجلا انتفض - لما سمع حديثا عن النبي صلي الله عليه وسلم في الصفات، استنكارا لذلك - فقال: " ما فرق هؤلاء؟ يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه" "١ انتهى.
.....................................................................................................
من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فبم سادهم؟ قال: قلت: بالديانة والرواية. قال: إن أهل الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا، قال: فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاوس بن كيسان، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي، قال: فبم سادهم؟ قلت: بما ساد به عطاء، قال: إنه لينبغي ذلك، قال: فمن يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن أبي حبيب. قال: فمن العرب أم من الموالي، قال: قلت: من الموالي، قال: فمن يسود أهل الشام؟ قلت: مكحول، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي عبد نوبي أعتقته امرأة من هذيل. قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهران. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قال: قلت: الضحاك بن مزاحم، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن البصري، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي، قال: ويلك ومن يسود أهل الكوفة؟ قال: قلت: إبراهيم النخعي، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من العرب، قال: ويلك يا زهري فرجت عني والله لتسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها، قال: قلت: يا أمير المؤمنين إنما هو دين من حفظه ساد ومن ضيعه سقط ".
قوله: "ما فرق هؤلاء " يستفهم من أصحابه يشير إلى أناس ممن يحضرون مجلسه، فإذا سمعوا شيئا من محكم القرآن حصل منهم فرق أي خوف، فإذا سمعوا شيئا من أحاديث الصفات انتفضوا كالمنكرين للمعنى، ولا يتم الإيمان إلا بقبول اللفظ بمعناه الذي دل عليه ظاهرا، فإن لم يقبل معناه أو رده أو شك فيه لم يكن مؤمنا به فيكون هلاكا. وقد ظهر من البدع في زمن ابن عباس بدعة القدرية كما في صحيح مسلم وغيره، فقتل من دعاتهم غيلان، قتله هشام بن عبد الملك لما أصر على قوله بنفي القدر، ثم بعد ذلك أظهر الجعد ابن درهم بدعة الجهمية فقتل، قتله خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى بعد صلاة العيد.
قال الذهبي: حدثنا وكيع عن إسرائيل بحديث: "إذا جلس الرب على الكرسي" فاقشعر رجل عند وكيع، فغضب وكيع وقال: "أدركنا الأعمش وسفيان يحدثون بهذه الأحاديث ولا ينكرونها" أخرجه عبد الله في الرد على الجهمية، والواقع من أهل البدع
стр. 229
ولما سمعت قريش رسول الله صلي الله عليه وسلم يذكر: "الرحمن " أنكروا ذلك فأنزل الله فيهم: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ ١.
فيه مسائل:
الأولى: عدم الإيمان بجحد شيء من الأسماء والصفات.
الثانية: تفسير آية الرعد.
الثالثة: ترك التحديث بما لا يفهم السامع.
الرابعة: ذكر العلة أنه يفضي إلى تكذيب الله ورسوله، ولو لم يتعمَّد المنكر.
الخامسة: كلام ابن عباس لمن استنكر شيئا من ذلك، وأنه هلكة.
......................................................................................................
وتحريفهم لمعنى الآيات يبين معنى قول ابن عباس، وسبب هذه البدع جهل أهلها وقصورهم في الفهم٢ وعدم أخذ العلوم الشرعية على وجهها، وتلقيها من أهلها العارفين لمعناها الذين وفقهم الله تعالى لمعرفة المراد، والتوفيق بين النصوص، والقطع بأن بعضها لا يخالف بعضا، ورد المتشابه إلى المحكم، وهذه طريقة أهل السنة والجماعة في كل زمان ومكان، فلله الحمد لا نحصي ثناء عليه.
قوله: "ولما سمعت قريش رسول الله صلي الله عليه وسلم يذكر الرحمن أنكروا ذلك فأنزل الله فيهم: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ ٣ الآية " روى ابن جرير عن ابن عباس قال: " كان النبي صلي الله عليه وسلم يدعو ساجدا يا رحمن يا رحيم فقال المشركون: هذا يزعم أنه يدعو واحدا وهو يدعو مثنى مثنى. فأنزل الله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ".
стр. 230
٤١- باب "معرفة النعمة وإنكارها "
قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ١
قال مجاهد ما معناه: هو قول الرجل: هذا مالي، ورثته عن آبائي.
وقال عون بن عبد الله: يقولون: لولا فلان لم يكن كذا.
وقال ابن قتيبة: يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا.
وقال أبو العباس - بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه: " إن الله تعالى قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ... " الحديث، وقد تقدم - وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به.
قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة والملاح حاذقا، ونحو ذلك مما هو جار على ألسنة كثير.
.................................................................................................
قوله: "باب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ الآية " قال ابن جرير: فإن أهل التأويل اختلفوا في المعني بالنعمة فذكر عن سفيان عن السدي " يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا "قال: محمد صلي الله عليه وسلم. وقال آخرون: بل ومعنى ذلك أنهم يعرفون أن ما عدد الله تعالى ذكره في هذه السورة من النعم من عند الله، وأن الله هو المنعم عليهم بذلك، ولكنهم ينكرون ذلك فيزعمون أنهم ورثوه عن آبائهم.
وأخرج عن مجاهد ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ قال: هي المساكن والأنعام وما يرزقون منها والسرابيل من الحديد والثياب، يعرف هذا كفار قريش ثم ينكرونه بأن يقولوا: هذا كان لآبائنا فورثونا إياه.
قوله: "وقال عون بن عبد الله يقولون لولا فلان لم يكن كذا " عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي أبو عبد الله الكوفي الزاهد، عن أبيه وعائشة وابن عباس، وعنه قتادة وأبو الزبير والزهري، وثقه أحمد وابن معين. قال البخاري: مات بعد العشرين ومائة. واختار ابن جرير القول الأول، واختار غيره أن الآية تعم ما ذكره العلماء في معناها وهو الصواب.
قوله: "وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به. قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقا، ونحو
стр. 231
فيه مسائل:
الأولى: تفسير معرفة النعمة وإنكارها.
الثانية: معرفة أن هذا جارٍ على ألسنة كثير.
الثالثة: تسمية هذا الكلام إنكارا للنعمة.
الرابعة: اجتماع الضدين في القلب.
стр. 232
٤٢- باب "الحلف بغير الله شرك "
قول الله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾ ١.
.....................................................................................................
ذلك مما هو جار على ألسنة كثير. اهـ. " وكلام شيخ الإسلام يدل على حكم هذه الآية عام فيمن نسب النعم إلى غير الله، وأسند أسبابها إلى غيره مما هو مذكور في كلام المفسرين المذكور بعضه هنا، وذلك من أنواع الشرك كما لا يخفى٢.
قوله: "باب قول الله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الند المثل والنظير، وجعل الند لله هو صرف أنواع العبادة أو شيء منها لغير الله كحال عبدة الأوثان الذين يعتقدون فيمن دعوه ورجوه أنه ينفعهم ويدفع عنهم، ويشفع لهم، قال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال العماد ابن كثير في تفسيره: قال أبو العالية: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال: عدلاء شركاء، وهكذا قال الربيع بن أنس وقتادة والسدي وأبو مالك وإسماعيل بن أبي خالد. وقال ابن عباس: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي لا تشركوا بالله شيئا من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر وأنتم تعلمون أنه ربكم لا يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم الرسول إليه من توحيده هو الحق
стр. 233
قال ابن عباس في الآية: " الأنداد: هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان وحياتي، وتقول: لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلانا. هذا كله به شرك "رواه ابن أبي حاتم.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك "١ رواه الترمذي وحسنه، وصححه الحاكم.
وقال ابن مسعود: " لأن أحلف بالله كاذبا أحب إليَّ من أن أحلف بغيره صادقا "٢
...........................................................................................................
الذي لا شك فيه. وقال مجاهد: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٣ قال: تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل.
قوله: "وعن ابن عباس في الآية: " الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل "" إلخ.. وهذا من ابن عباس تنبيه بالأدنى من الشرك على الأعلى.
قوله: "وعن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك " يحتمل أن يكون شكا من الراوي، ويحتمل أن تكون "أو " بمعنى الواو فيكون قد كفر وأشرك ويكون من باب كفر دون كفر.
قوله: وقال ابن مسعود: " لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره
стр. 234
وعن حذيفة ﵁ عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان " ١ رواه أبو داود بسند صحيح.
وجاء عن إبراهيم النخعي أنه " يكره أن يقول: أعوذ بالله وبك، ويجوز أن يقول: بالله ثم بك. قال: ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا: لولا الله وفلان ".
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية البقرة في الأنداد.
الثانية: أن الصحابة ﵃ يفسرون الآية النازلة في الشرك الأكبر بأنها تعم الأصغر.
...........................................................................................................
صادقا "ومن المعلوم أن الحلف بالله كاذبا من الكبائر، لكن الشرك أكبر من الكبائر وإن كان أصغر كما تقدم.
قوله: "وعن حذيفة ﵁ عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان " وذلك لأن العطف بالواو يقتضي المساواة؛ لأنها في وضعها لمطلق الجمع بخلاف الفاء وثم، وتسوية المخلوق بالخالق بكل نوع من العبادة شرك، وهذا ونحوه من الشرك الأصغر.
قوله: "وعن إبراهيم النخعي أنه " يكره أن يقول أعوذ بالله وبك، ويجوز أن يقول: بالله ثم بك. قال: ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا: لولا الله وفلان " "إبراهيم هو النخعي، وهذا فيما يقدر عليه الحي الحاضر بخلاف من ليس كذلك ممن لا يسمع كلاما ولا يرد جوابا كالأموات والغائبين.
стр. 235
الثالثة: أن الحلف بغير الله شرك.
الرابعة: أنه إذا حلف بغير الله صادقا، فهو أكبر من اليمين الغموس.
الخامسة: الفرق بين الواو وثم في اللفظ.
стр. 236
٤٣- باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله
عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " لا تحلفوا بآبائكم، من حلف له بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض. ومن لم يرض فليس من الله "رواه ابن ماجه١ بسند حسن.
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن الحلف بالآباء.
.......................................................................................................
باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله
قوله: "لا تحلفوا بآبائكم " تقدم أنه لا يجوز الحلف بغير الله في حق كل أحد.
قوله: " من حلف بالله فليصدق "وهذا مما أوجبه الله على عباده قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ٢ وقال: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ ٣.
قوله: " ومن حلف له بالله فليرض، ومن لم يرض فليس من الله "هذا من حق المسلم على المسلم أن يقبل منه إذا حلف له متعذرا، والحديث يدل على الوجوب، ومن حقه عليه أن يحسن به الظن إذا لم يتبين كذبه كما في الأثر عن عمر: "ولا تظننن بكلمة خرجت من أخيك شرا وأنت تجد لها في الخير محملا "، وهو من حسن الخلق ومكارم الأخلاق وكمال العقل وقوة الدين.
стр. 237
الثانية: الأمر للمحلوف له بالله أن يرضى.
الثالثة: وعيد من لم يرض.
стр. 238
٤٤- باب قول ما شاء الله وشئت
عن قتيلة " أن يهوديا أتى النبي صلي الله عليه وسلم فقال: إنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي صلي الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت "١ رواه النسائي وصححه.
.....................................................................................................
باب قول ما شاء الله وشئت
قوله: "قتيلة " بمثناة، بنت صيفي الأنصارية صحابية مهاجرة لها حديث في سنن النسائي، وهو المذكور في الباب، ورواه عنها عبد الله بن يسار الجعفي، وفيه قبول الحق ممن جاء به، وفيه بيان النهي عن الحلف بالكعبة وغيرها مع أنها بيت الله التي حجها وقصدها بالحج والعمرة فريضة، وأنت ترى ما وقع مما يخالف ذلك من الحلف بالكعبة ودعائها وكذا مقام إبراهيم، وقلّ من يسلم من هذا ممن يحج من أهل الآفاق وأهل مكة كما كان يفعل بغيرها، والكعبة عظمها الله بأن جعل حجها ركنا من استطاع، وشرع العبادة عندها، وخصها بالفضل، فالمشروع إنما هو الطواف بها والصلاة إليها لا الحلف بها ونحوه من الشرك في العبادة: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ ٢
стр. 239
وله أيضا عن ابن عباس: " أن رجلا قال للنبي صلي الله عليه وسلم ما شاء الله وشئت، فقال: أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده "١.
ولابن ماجه عن الطفيل أخي عائشة لأمها قالت: "رأيت كأني أتيت على
.......................................................................................................
قوله: "إنكم تشركون، تقولون ما شاء الله وشئت " والعبد وإن كانت له مشيئة فمشيئته تابعة لمشيئة الله كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢، وفي هذه الآية والحديث الرد على القدرية والمعتزلة نفاة القدر الذين يثبتون للعبد مشيئة تخالف ما أراده الله من العبد وما شاءه، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ ٤. وفي الحديث: " أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة " ٥ وهو في الصحيحين وغيرهما.
قوله: "وله أيضا عن ابن عباس " أن رجلا قال للنبي صلي الله عليه وسلم ما شاء الله وشئت فقال: أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده ".
هذا يبين ما تقدم من أن هذا شرك؛ لأن المعطوف بالواو يساوي المعطوف بالمعطوف عليه؛ لأن الواو وضعت لمطلق الجمع، فلا يجوز أن يجعل المخلوق مثل الخالق في شيء من الإلهية والربوبية ولو في أقل شيء كما تقدم في الرجلين اللذين قرب أحدهما ذبابا للصنم فدخل النار، وفيه أن النبي صلي الله عليه وسلم حَمَى حِمَى التوحيد وسد طرق الشرك في الأقوال والأعمال.
قوله: "عن الطفيل " هو الطفيل بن عبد الله بن سخبرة أخو عائشة لأمها له حديث عند ابن ماجه وهو ما ذكره المصنف - رحمه الله تعالى - في الباب، وهذه الرؤيا حق أقرها
стр. 240
نفر من اليهود، قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله. قالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، ثم مررت بنفر من النصارى فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله. قالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي صلي الله عليه وسلم فأخبرته. قال: هل أخبرت بها أحدا؟ قلت: نعم. قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد؛ فإن طفيلا رأى رؤيا، أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده " ١.
..................................................................................................
رسول الله صلي الله عليه وسلم وعمل بمقتضاها فنهاهم أن يقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، وأمرهم أن يقولوا: ما شاء الله وحده. وقد بلغ صلي الله عليه وسلم البلاغ المبين وأنذر عن الشرك وحذر عن قليله وكثيره، فانظر إلى ما وقع من الشرك العظيم في هذه الأمة ينادون الميت من مسافة شهر أو شهرين أو أكثر، ويعتقدون فيه أنه ينفع ويضر ويسمع ويستجيب من تلك المسافة، وجعلوا الأموات شركاء لله في الملك والتدبير وعلم الغيب وغير ذلك من خصائص الربوبية، وتركوا نبيهم وما جاء به وقاله وما نهى عنه كأنهم لم يسمعوا كتابا ولا سنة، وقد بعثه الله بالنهي عن الشرك كما ترى، فما زال يدعو الناس إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له حتى أكمل الله لهم به الدين وأتم عليهم النعمة، لكن رجعوا من الكمال إلى الضلال ومن سبيل النجاة إلى سبيل الهلاك، وهذه وإن كانت رؤيا منام فقد أقرها رسول الله صلي الله عليه وسلم وأخبر أنها حق.
стр. 241
فيه مسائل:
الأولى: معرفة اليهود بالشرك الأصغر.
الثانية: فهم الإنسان إذا كان له هوى.
الثالثة: قوله صلي الله عليه وسلم " أجعلتني لله ندا؟ " فكيف بمن قال:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العَمِمِ
والبيتين بعده؟
: أنها قد تكون الرابعة: أن هذا ليس من الشرك الأكبر، لقوله: يمنعني كذا وكذا.
الخامسة: أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي.
السادسة سببا لشرع بعض الأحكام.
стр. 242
٤٥- باب من سب الدهر فقد آذى الله
وقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ ١ الآية.
في " الصحيح " عن أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " قال الله تعالى:
.......................................................................................................
قوله: "باب من سب الدهر فقد آذى الله. وقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ﴾ . قال العماد ابن كثير في تفسيره: يخبر الله تعالى عن دهرية الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد، وقالوا: ﴿مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ ٢ أي ما ثم إلا هذه الدار يموت قوم ويعيش آخرون ولا ثم معاد ولا قيامة، وهذا يقوله مشركو العرب المنكرون للمعاد، ويقوله الفلاسفة الإلهيون منهم وهم ينكرون البداءة والرجعة، ولهذا قال عنهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ﴾ قال سبحانه: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ﴾ ٣ أي يتوهمون ويتخيلون.
قوله: "عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم
стр. 243
يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر أقلب الليل والنهار ".
وفي رواية: " لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر "١.
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن سب الدهر.
الثانية: تسميته أذى لله.
..................................................................................................
يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار ". وفي رواية: " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر "قال في شرح السنة: حديث متفق على صحته أخرجاه من طريق معمر من أوجه عن أبي هريرة قال: "ومعناه أن العرب كانت من شأنها ذم الدهر وسبه عند النوازل؛ لأنهم كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب والمكاره فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر وأبادهم الدهر، فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد سبوا فاعلها، فكان مرجع سبها إلى الله ، إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يصفونها فنهوا عن سب الدهر"، انتهى باختصار. ونسبة الفعل إلى الدهر ومسبته كثيرة في أشعار المولدين كابن المعتز والمتنبي وغيرهما، وليس منه وصف السنين بالشدة لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ ٢ الآية. قال بعض الشعراء:
إن الليالي من الزمان مهولة ... تطوى وتنشر بينها الأعمار
فقصارهن مع الهموم طويلة ... وطوالهن مع السرور قصار
وقال أبو تمام:
أعوام وصل كاد ينسى طيبها ... ذكر النوى فكأنها أيام
ثم انبرت أيام هجر أعقبت ... نحوي أسى فكأنها أعوام
ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام
стр. 244
الثالثة: التأمل في قوله: " فإن الله هو الدهر ".
الرابعة: أنه قد يكون سابا ولو لم يقصده بقلبه.
стр. 245
٤٦- باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه
في " الصحيح " عن أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " إن أخنع اسم عند الله: رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله قال سفيان: مثل " شاه شاه". وفي رواية: " أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه "١
قوله: " أخنع " يعني أوضع.
.................................................................................................
باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه
قوله: في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك لا مالك إلا الله "؛ لأن هذا اللفظ إنما يصدق على الله فهو ملك الأملاك؛ لأنه هو الملك في الحقيقة له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، يتصرف في الملوك وغيرهم بمشيئته وإرادته كما قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ ٢ الآية، فلا ينبغي أن يعظم المخلوق بما يشبه ما يعظم به الخالق جل وعلا، وما كان مثل ذلك فينهى عنه كالذي ترجم به المصنف ; لأنه لا يصدق هذا المعنى إلا على الله، فلا يصلح أن يسمى به المخلوق؛ لأن كل لفظ يقتضي التعظيم والكمال لا يكون إلا له تعالى وتقدس دون غيره.
قوله: "قال أبو سفيان: مثل شاهان شاه " عند العجم عبارة عن ملك الأملاك ولهذا مثل به سفيان. قوله: "وفي رواية: أغيظ رجل على الله " أغيظ من الغيظ وهو مثل الغضب والبغض فيكون بغيضا إلى الله مغضوبا عليه، وهذا من الصفات التي تمر كما جاءت من غير تحريف ولا تأويل ولا تشبيه ولا تمثيل والله أعلم.
стр. 246
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن التسمي بملك الأملاك
الثانية: أن ما في معناه مثله، كما قال سفيان.
الثالثة: التفطن للتغليظ في هذا ونحوه، مع القطع بأن القلب لم يقصد معناه.
الرابعة: التفطن أن هذا لإجلال الله سبحانه.
стр. 247
٤٧- باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك
عن أبي شريح: أنه كان يكنى أبا الحكم، فقال له النبي:صلي الله عليه وسلم "إن الله هو
......................................................................................................
قوله: "وأخبثه " وهو يدل أيضا على أن هذا خبيث عند الله إذا رضي بذلك لتعظيم الناس له بما لا يستحقه وعدم إنكاره وكراهته لذلك.
قوله: ""أخنع" يعني أوضع " وهذا المذكور ينافي كمال التوحيد الذي دلت عليه كلمة الإخلاص فيكون فيه شائبة من الشرك وإن لم يكن أكبر.
باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك
قوله: "عن أبي شريح " هو الخزاعي اسمه خويلد بن عمرو، وأسلم يوم الفتح، له عشرون حديثا اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بحديث. وعنه أبو سعيد المقبري ونافع بن جبير وطائفة، قال ابن سعد: مات بالمدينة سنة ثمان وستين.
قوله: "يكنى " الكنية ما صدر بأب أو أم ونحو ذلك كأبي محمد، واللقب ما ليس كذلك كزين العابدين.
стр. 248
الحكم وإليه الحكم، فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني، فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين، فقال: ما أحسن هذا! فما لك من الولد؟ قلت: شريح، ومسلم، وعبد الله. قال: فمن أكبرهم؟ قلت: شريح. قال: فأنت أبو شريح "١ رواه أبو داود وغيره.
......................................................................................................
وقوله صلي الله عليه وسلم: " " إن الله هو الحكم وإليه الحكم " أي هو سبحانه الحكم في الدنيا والآخرة، يحكم بين خلقه في الدنيا بوحيه الذي أنزله على أنبيائه ورسله، وما من قضية إلا وله فيها حكم مما أنزله على نبيه من الكتاب والحكمة لكن قد يخفى على المجتهد، فإن المجتهدين وإن اختلفوا في بعض الأحكام فلا بد أن يكون المصيب فيهم واحدا، فمن رزقه الله قوة الفهم وأعطاه ملكة يقتدر بها على فهم الصواب من أقوال العلماء أدرك ما هو الصواب من ذلك.
وقوله: "إليه الحكم " في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ٢. وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ٣ الآية. فالحكم إلى الله هو الحكم إلى كتابه، والحكم إلى رسوله هو الحكم إليه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته.
قوله: "فقال: " إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين "" والمعنى - والله أعلم - أن أبا شريح كان مرضيا عندهم يتحرى ما يصلحهم إذا اختلفوا، فيرضون صلحه فسموه حكما، وأما ما يحكم به الجهلة من الأعراب ونحوهم من سوالف آبائهم وأهوائهم فليس من هذا الباب لما فيه من النهي الشديد والخروج عن حكم الله ورسوله إلى ما يخالفه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٤، وهذا كثير فمن الناس من يحكم بين الخصمين برأيه وهواه، ومنهم من يتبع في ذلك سلفه ويحكم بما كانوا يحكمون به، وهذا كفر إذا استقر وغلب على من تصدى لذلك ممن يرجع الناس إليه إذا اختلفوا.
стр. 249
فيه مسائل:
الأولى: احترام أسماء الله وصفاته ولو لم يقصد معناه.
الثانية: تغيير الاسم لأجل ذلك.
الثالثة: اختيار أكبر الأبناء للكنية.
стр. 250
٤٨- باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول صلي الله عليه وسلم فهو كافر
وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ١.
عن ابن عمر، ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم، وقتادة - دخل حديث بعضهم في بعض -: أنه " قال رجل في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء - يعني رسول الله صلي الله عليه وسلم
......................................................................................................
قوله صلي الله عليه وسلم: " فما لك من الولد؟ قال: شريح ومسلم وعبد الله. قال: فمن أكبرهم؟ قلت: شريح. قال فأنت أبو شريح "٢، فكناه بالكبير وهو السنة وغيّر كنيته بأبي الحكم؛ لأن الله هو الحكم على الإطلاق، ومنه تسمية الأئمة بالحكام، فينبغي ترك ذلك والنهي عنه لهذا الحديث، وهذا قد حدث في الناس قريبا.
قوله: "باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول " أي فقد كفر "وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ الآية" قال العماد ابن كثير - رحمه الله تعالى - في تفسيره: "قال أبو معشر المدني عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: قال رجل من المنافقين: " ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا، وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند