← Акыда

Акыда · id 11334

كتاب التوحيد وقرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين

عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ

Полный текст (311 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فيه مسائل: الأولى: النهي عن التسمي بملك الأملاك الثانية: أن ما في معناه مثله، كما قال سفيان. الثالثة: التفطن للتغليظ في هذا ونحوه، مع القطع بأن القلب لم يقصد معناه. الرابعة: التفطن أن هذا لإجلال الله سبحانه.

стр. 247

٤٧- باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك عن أبي شريح: أنه كان يكنى أبا الحكم، فقال له النبي:صلي الله عليه وسلم "إن الله هو ...................................................................................................... قوله: "وأخبثه " وهو يدل أيضا على أن هذا خبيث عند الله إذا رضي بذلك لتعظيم الناس له بما لا يستحقه وعدم إنكاره وكراهته لذلك. قوله: ""أخنع" يعني أوضع " وهذا المذكور ينافي كمال التوحيد الذي دلت عليه كلمة الإخلاص فيكون فيه شائبة من الشرك وإن لم يكن أكبر. باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك قوله: "عن أبي شريح " هو الخزاعي اسمه خويلد بن عمرو، وأسلم يوم الفتح، له عشرون حديثا اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بحديث. وعنه أبو سعيد المقبري ونافع بن جبير وطائفة، قال ابن سعد: مات بالمدينة سنة ثمان وستين. قوله: "يكنى " الكنية ما صدر بأب أو أم ونحو ذلك كأبي محمد، واللقب ما ليس كذلك كزين العابدين.

стр. 248

الحكم وإليه الحكم، فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني، فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين، فقال: ما أحسن هذا! فما لك من الولد؟ قلت: شريح، ومسلم، وعبد الله. قال: فمن أكبرهم؟ قلت: شريح. قال: فأنت أبو شريح "١ رواه أبو داود وغيره. ...................................................................................................... وقوله صلي الله عليه وسلم: " " إن الله هو الحكم وإليه الحكم " أي هو سبحانه الحكم في الدنيا والآخرة، يحكم بين خلقه في الدنيا بوحيه الذي أنزله على أنبيائه ورسله، وما من قضية إلا وله فيها حكم مما أنزله على نبيه من الكتاب والحكمة لكن قد يخفى على المجتهد، فإن المجتهدين وإن اختلفوا في بعض الأحكام فلا بد أن يكون المصيب فيهم واحدا، فمن رزقه الله قوة الفهم وأعطاه ملكة يقتدر بها على فهم الصواب من أقوال العلماء أدرك ما هو الصواب من ذلك. وقوله: "إليه الحكم " في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ٢. وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ٣ الآية. فالحكم إلى الله هو الحكم إلى كتابه، والحكم إلى رسوله هو الحكم إليه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته. قوله: "فقال: " إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين "" والمعنى - والله أعلم - أن أبا شريح كان مرضيا عندهم يتحرى ما يصلحهم إذا اختلفوا، فيرضون صلحه فسموه حكما، وأما ما يحكم به الجهلة من الأعراب ونحوهم من سوالف آبائهم وأهوائهم فليس من هذا الباب لما فيه من النهي الشديد والخروج عن حكم الله ورسوله إلى ما يخالفه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٤، وهذا كثير فمن الناس من يحكم بين الخصمين برأيه وهواه، ومنهم من يتبع في ذلك سلفه ويحكم بما كانوا يحكمون به، وهذا كفر إذا استقر وغلب على من تصدى لذلك ممن يرجع الناس إليه إذا اختلفوا.

стр. 249

فيه مسائل: الأولى: احترام أسماء الله وصفاته ولو لم يقصد معناه. الثانية: تغيير الاسم لأجل ذلك. الثالثة: اختيار أكبر الأبناء للكنية.

стр. 250

٤٨- باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول صلي الله عليه وسلم فهو كافر وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ١. عن ابن عمر، ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم، وقتادة - دخل حديث بعضهم في بعض -: أنه " قال رجل في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء - يعني رسول الله صلي الله عليه وسلم ...................................................................................................... قوله صلي الله عليه وسلم: " فما لك من الولد؟ قال: شريح ومسلم وعبد الله. قال: فمن أكبرهم؟ قلت: شريح. قال فأنت أبو شريح "٢، فكناه بالكبير وهو السنة وغيّر كنيته بأبي الحكم؛ لأن الله هو الحكم على الإطلاق، ومنه تسمية الأئمة بالحكام، فينبغي ترك ذلك والنهي عنه لهذا الحديث، وهذا قد حدث في الناس قريبا. قوله: "باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول " أي فقد كفر "وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ الآية" قال العماد ابن كثير - رحمه الله تعالى - في تفسيره: "قال أبو معشر المدني عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: قال رجل من المنافقين: " ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا، وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند

стр. 251

وأصحابه القراء - فقال له عوف بن مالك: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلي الله عليه وسلم. فذهب عوف إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه. فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركب، نقطع به عنا الطريق. فقال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة ناقة رسول الله،صلي الله عليه وسلم وإن الحجارة تنكب رجليه - وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب - فيقول له رسول الله صلي الله عليه وسلم: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ما يلتفت إليه وما يزيده عليه ". فيه مسائل: الأولى: وهي العظيمة: أن من هزل بهذا فهو كافر. الثانية: أن هذا هو تفسير الآية فيمن فعل ذلك كائنا من كان. الثالثة: الفرق بين النميمة والنصيحة لله ولرسوله. ...................................................................................................... اللقاء" فرفع ذلك لرسول الله صلي الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته فقال: يا رسول الله ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ ، فقال: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ إلى قوله "مجرمين"، وإن رجليه لينسفان الحجارة وما يلتفت إليه رسول الله صلي الله عليه وسلم، وهو متعلق بنسعة ناقة رسول الله صلي الله عليه وسلم ". قوله: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ١ أي بهذا المقال الذي استهزأتم به ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ﴾ ٢ أي لا يعفى عن جميعكم ولا بد من عذاب بعضكم بأنهم كانوا مجرمين بهذه المقالة الفاجرة الخاطئة" انتهى. وقال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: "وقد أمره الله أن يقول: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ وقول من يقول: إنهم كفروا بعد إيمانهم بلسانهم مع كفرهم أولا بقلوبهم لا يصح؛ لأن الإيمان باللسان مع كفر القلب قد قارنه الكفر، فلا يقال قد كفرتم بعد إيمانكم، فإنهم لم يزالوا كافرين في نفس الأمر، وإن أريد: إنكم أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان، فهم لم يظهروا للناس إلا لخواصهم وهم مع خواصهم ما زالوا كذلك، ولا يدل اللفظ على أنهم ما زالوا منافقين" اهـ. وفيه بيان أن الإنسان قد يكفر بكلمة يتكلم بها أو عمل يعمل به، وأشدها خطرا إرادات القلوب فهي كالبحر الذي لا ساحل له، ومن هذا الباب الاستهزاء بالعلم وأهله وعدم احترامهم لأجله.

стр. 252

الرابعة: الفرقة بين العفو الذي يحبه الله وبين الغلظة على أعداء الله. الخامسة: أن من الأعذار ما لا ينبغي أن يقبل.

стр. 253

٤٩- باب "التحدث بنعمة الله تعالى وذم جحدها " ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ ١ الآية. قال مجاهد: هذا بعملي وأنا محقوق به. وقال ابن عباس: يريد من عندي. وقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ . قال قتادة: على علم مني بوجوه المكاسب. وقال آخرون: على علم من الله أني له أهل. وهذا معنى قول مجاهد: أوتيته على شرف. ...................................................................................................... قوله: "باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ الآية" ذكر المصنف - رحمه الله تعالى - عن ابن عباس وغيره من المفسرين في هذه الآية ما يكفي ويشفي في المعنى قال: " قال مجاهد: هذا بعملي وأنا محقوق به، وقال ابن عباس: يريد من عندي ". وقوله: " ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ ٢ قال قتادة: ... " إلخ وليس ما ذكروه اختلافا وإنما هو أفراد المعنى. قوله: "وعن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكا " الحديث. وهذا حديث عظيم يبين حال من كفر النعم وحال من شكرها، قال ابن القيم: "أصل الشكر هو الاعتراف بإنعام المنعم على وجه الخضوع له والذل والمحبة، فمن لم يعرف النعمة بل كان جاهلا بها لم يشكرها، ومن عرفها ولم يعرف المنعم بها لم يشكرها أيضا، ومن عرف

стр. 254

وعن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص، وأقرع، وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكا، فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس، قال: فمسحه، فذهب عنه قذره، وأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل - أو البقر - شك إسحاق، إلا أن الأبرص أو الأقرع قال أحدهما: الإبل، وقال الآخر: البقر، قال: فأعطي ناقة عشراء، وقال: بارك الله لك فيها. قال: فأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني الذي قذرني الناس قال: فمسحه فذهب عنه، وأعطي شعرا حسنا. فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: البقر، أو الإبل، فأعطي بقرة حاملا قال: بارك الله لك فيها. قال: فأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إلي بصري ; فأبصر به الناس، قال: فمسحه فرد الله إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطي شاة والدا ; فأنتج هذان وَوَلَّدَ هذا. قال: فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم. قال: ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال: رجل مسكين وابن ...................................................................................................... النعمة والمنعم لكن جحدها كما يجحد المنكر لنعمة المنعم فقد كفرها، ومن عرف النعمة والمنعم وأقر بها ولم يجحدها ولكن لم يخضع له ويحبه ويرضى به وعنه لم يشكرها أيضا، ومن عرفها وعرف المنعم بها وأقر بها وخضع للمنعم بها وأحبه ورضي عنه واستعملها في محابه وطاعته فهذا هو الشاكر لها، فلا بد في الشكر من علم القلب وعمل يتبع العلم وهو الميل إلى المنعم ومحبته والخضوع له"اهـ. قوله: "قذرني الناس به " أي بكراهة رؤيته وقربه منهم.

стр. 255

سبيل، قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، والمال، بعيرا أتبلغ به في سفري، فقال: الحقوق كثيرة. فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرا، فأعطاك الله المال؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر، فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت. قال: أتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل ما رد على هذا، فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت. وأتى الأعمى في صورته وهيئته فقال: رجل مسكين وابن سبيل، قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك. أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري. فقال: قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري، فخذ ما شئت ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله. فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك " ١ أخرجاه. فيه مسائل: الأولى: تفسير الآية. الثانية: ما معنى: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ ٢.

стр. 256

الثالثة: ما معنى قوله ﴿أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ ١. الرابعة: ما في هذه القصة العجيبة من العبر العظيمة.

стр. 257

٥٠- باب " تحريم كل اسم معبد لغير الله " قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ ١ الآية. ...................................................................................................... قوله: "باب قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ قال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - في معنى هذه الآية: حدثنا عمر بن إبراهيم حدثنا قتادة " عن الحسن " عن سمرة عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " لما ولدت حواء طاف بها إبليس - وكان لا يعيش لها - ولد فقال: سميه عبد الحارث فإنه يعيش فسمته عبد الحارث فعاش، فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره " ٢ وقال ابن جرير: حدثنا ابن

стр. 258

قال ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسم معبَّد لغير الله، كعبد عمرو، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشا عبد المطلب. وعن ابن عباس في الآية قال: " لما تغشاها آدم حملت: فأتاهما إبليس فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة، لتطيعاني أو لأجعلن له قرني أيّل، فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلن ولأفعلن - يخوفهما - سمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا. ثم حملت فأتاهما فقال مثل قوله، وأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا. ثم حملت فأتاهما فذكر لهما، فأدركهما حب الولد، فسمياه عبد الحارث فذلك قوله تعالى: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ "١ رواه ابن أبي حاتم. ...................................................................................................... وكيع: حدثنا سهل بن يوسف عن عمر وعن الحسن ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ قال: كان هذا في بعض الملل ولم يكن بآدم ". وعن ابن عباس قال: " كانت حواء تلد لآدم ﵇ أولادا فتعبدهم لله، وتسميه عبد الله وعبيد الله ونحو ذلك فيصيبهم الموت، فأتاها إبليس وآدم فقال: أما إنكما لو تسمّيانه به لعاش فولدت رجلا فسمياه عبد الحارث ففيه أنزل الله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ إلى آخر الآية ". قوله: "قال ابن حزم " هو عالم الأندلس أبو محمد علي بن أحمد بن سعد بن حزم القرطبي الظاهري صاحب التصانيف توفي سنة ست وخمسين وأربعمائة له اثنتان وسبعون سنة. "اتفقوا على تحريم كل اسم معبَّد لغير الله كعبد عمرو وعبد الكعبة وما أشبه ذلك حاشا عبد المطلب " قلت: وعبد المطلب هذا جد رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو ابن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وما فوق عدنان مختلف فيه، ولا ريب أنهم من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉. حكى ﵀ اتفاق العلماء على تحريم كل ما عبد لغير الله؛ لأنه شرك في الربوبية والإلهية؛ لأن الخلق كلهم ملك

стр. 259

وله بسند صحيح عن قتادة قال: شركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته. وله بسند صحيح عن مجاهد في قوله: " ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ قال: أشفقا أن لا يكون إنسانا ". وذكر معناه عن الحسن وسعيد وغيرهما. فيه مسائل: الأولى: تحريم كل اسم معبَّد لغير الله. الثانية: تفسير الآية. الثالثة: أن هذا الشرك في مجرده تسمية لم تقصد حقيقتها. الرابعة: أن هبة الله للرجل البنت السوية من النعم. الخامسة: ذكر السلف الفرق بين الشرك في الطاعة، والشرك في العبادة. ...................................................................................................... لله وعبيد له استعبدهم بعبادته وحده وتوحيده في ربوبيته وإلهيته، فمنهم من عبد الله وحده في ربوبيته وإلهيته، ومنهم من أشرك به في إلهيته وأقر له بربوبيته وأسمائه وصفاته، وأحكامه القدرية جارية عليهم ولا بد كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ ١ فهذه العبودية العامة، وأما العبودية الخاصة فإنها تختص بأهل الإخلاص والطاعة كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ ٢ ونحوها. قوله: "حاشا عبد المطلب " هذا استثناء من العموم؛ لأنه ليس المقصود منه عبودية الرق، وإنما هو اسم علق به لما أتى به عمه المطلب من عند أخواله بني النجار من المدينة، وهو صبي فرأته قريش حين جاء به وقد تغير لونه من السفر فقالوا عبد المطلب، ثم تبين لهم أنه ابن أخيه هاشم فصارت العبودية في هذا الاسم لا حقيقة لها ولا قصد، لكن غلب عليه فصار لا يسمى إلا به، وإلا فاسمه في الأصل شيبة، وقد صار عبد المطلب معظما في قريش والعرب فهو سيد قريش وأشرفهم في جاهليته، وهو الذي حفر زمزم، وما جرى له في حفرها مذكور في السير وكتب الحديث وصارت السقاية له وفي ذريته. قال شيخنا في معنى قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ ٣ إن هذا الشرك بمجرد تسميته لم يقصدا حقيقته التي أرادها إبليس وهذا يزيل الإشكال، وهذا معنى قول قتادة "شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته ".

стр. 260

٥١- باب "دعاء الله بأسمائه الحسنى وترك من عارض من الجاهلين الملحدين " قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ ١. ...................................................................................................... قوله: " باب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ " الآية. أراد - رحمه الله تعالى - بهذه الترجمة الرد على من يتوسل بذوات الأموات، وأن المشروع هو التوسل بالأسماء والصفات والأعمال الصالحة، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر "٢ أخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان. وأخرجه الجرجاني عن صفوان بن صالح عن الوليد بن مسلم عن شعيب بسنده مثله وزاد بعد قوله يحب الوتر: " هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواحد، الأحد، الماجد، الفرد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرءوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المعطي، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور " ٣.

стр. 261

ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ : يشركون. وعنه: سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز. وعن الأعمش: يدخلون فيها ما ليس منها. ...................................................................................................... ثم قال الترمذي ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء الحسنى إلا في هذا الحديث، والذي عند بعض الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج، هذا ما ذكره العماد ابن كثير في تفسيره ثم قال: ليعلم أن الأسماء ليست منحصرة في تسعة وتسعين بدليل ما رواه أحمد عن يزيد بن هارون عن فضيل بن مرزوق عن أبي سلمة الجهني عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري، وذهاب حزني وجلاء همي وغمي، إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرحا، فقيل: يا رسول الله ألا نتعلمها؟ فقال: بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها " ١ ٢، وقد أخرجه أبو حاتم وابن حبان في صحيحه. وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ قال: يشركون. وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: " الإلحاد: التكذيب ". قلت: والشرك تكذيب من المشرك لما أنزله الله في كتابه وبعث به رسوله كما جرى من قريش وغيرهم مع النبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه، وكما جرى من المشركين من هذه الأمة فلم يأخذوا بالآيات المحكمات في تحريم الشرك والنهي عنه، بل كذبوا بالصدق واعتمدوا على الكذب على الله وعلى كتابه ورسوله.

стр. 262

وأصل الإلحاد في كلام العرب العدول من القصد والميل. قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: وحقيقة الإلحاد فيها الميل بالإش ... راك والتعطيل والنكران وأسماء الرب تعالى كلها أسماء وأوصاف دلت على كماله جل وعلا، والذي عليه أهل السنة والجماعة قاطبة متقدمهم ومتأخرهم إثبات الصفات التي وصف الله بها نفسه، ووصفه بها رسوله صلي الله عليه وسلم على ما يليق بجلال الله وعظمته، إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١، وأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات يحتذى حذوه، فكما أنه يجب العلم بأن لله ذاتا حقيقة لا تشبه شيئا من ذوات المخلوقين، فله صفات حقيقة لا تشبه شيئا من صفات المخلوقين، فمن جحد شيئا مما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله، أو تأوله على غير ما ظهر من معناه فهو جهمي قد اتبع غير سبيل المؤمنين.. قال العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى -: فائدة جليلة ما يجري صفة أو خبرا على الرب تعالى أقسام: أحدها: ما يرجع إلى نفس الذات كقولك: ذات وموجود. الثاني: ما يرجع إلى صفات منعوتة كالعليم والقدير والسميع والبصير. الثالث: ما يرجع إلى أفعاله كالخالق والرازق. الرابع: التنزيه المحض ولا بد من تضمنه ثبوتا إذ لا كمال في العدم المحض، كالقدوس السلام. الخامس: ولم يذكره أكثر الناس وهو الاسم الدال على جملة أوصاف عديدة لا يختص بصفة معينة، بل دال على معان نحو المجيد العظيم الصمد، فإن المجيد من اتصف بصفات متعددة من صفات الكمال ولفظه يدل على هذا، فإنه موضوع للسعة والكثرة والزيادة، فمنه استمجد المرخ والعقار، وأمجد الناقة: علفها. ومنه ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ ٢ صفة للعرش لسعته وعظمته وشرفه، وتأمل كيف جاء هذا الاسم مقترنا بطلب الصلاة من الله على رسوله كما علمنا صلي الله عليه وسلم؛ لأنه في مقام طلب المزيد والتعرض لسعة العطاء وكثرته ودوامه، فأتى في هذا المطلوب باسم يقتضيه كما تقول: اغفر لي وارحمني إنك

стр. 263

فيه مسائل: الأولى: إثبات الأسماء. الثانية: كونها حسنى. الثالثة: الأمر بدعائه بها. الرابعة: ترك من عارض من الجاهلين الملحدين. الخامس:. تفسير الإلحاد فيها. السادسة: وعيد من ألحد. ...................................................................................................... أنت الغفور الرحيم فهو راجع إلى التوسل بأسمائه وصفاته، وهو من أقرب الوسائل وأحبها إليه، ومنه الحديث الذي في المسند والترمذي: " ألظوا بياذا الجلال والإكرام "١ ومنه: " اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض ياذا الجلال والإكرام "٢، فهذا سؤال له وتوسل إليه بأسمائه وصفاته فما أحق ذلك بالإجابة وأعظمه موقعا عند المسئول، وهذا باب عظيم من أبواب التوحيد. السادس: صفة تحصل من اقتران أحد الاسمين والوصفين بالآخر، وذلك قدر زائد على مفرديهما نحو الغني الحميد، الغفور القدير، الحميد المجيد. وهكذا عامة الصفات المقترنة والأسماء المزدوجة في القرآن؛ فإن الغنى صفة كمال والحمد كذلك، واجتماع الغنى مع الحمد كمال آخر، فله ثناء من غنائه وثناء من حمده وثناء من اجتماعهما، وكذلك الغفور القدير، والحميد المجيد، والعزيز الحكيم فتأمله فإنه من أشرف المعارف.

стр. 264

٥٢- باب لا يقال السلام على الله في " الصحيح " عن ابن مسعود ﵁ قال: " كنا إذا كنا مع النبي صلي الله عليه وسلم في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام " ١. ...................................................................................................... باب لا يقال السلام على الله "في الصحيح عن ابن مسعود ﵁ قال: " كنا إذا كنا مع النبي صلي الله عليه وسلم في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده " الحديث. هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم عن ابن مسعود، وفي هذا الحديث النهي عن ذلك، وقد " كان النبي صلي الله عليه وسلم إذا انصرف من الصلاة المكتوبة استغفر ثلاثا وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام "٢ وفي الحديث أن هذا هو تحية أهل الجنة لربهم ﵎.٣

стр. 265

فيه مسائل: الأولى: تفسير السلام. الثانية: أنه تحية. الثالثة: أنها لا تصلح لله. الرابعة: العلة في ذلك. الخامسة: تعليمهم التحية التي تصلح لله. ...................................................................................................... قوله: " فإن الله هو السلام " أي هو تعالى سالم من كل نقص ومن كل تمثيل فهو الموصوف بكل كمال، المنزه عن كل عيب ونقص. قال في "البدائع": السلام اسم مصدر، وهو من ألفاظ الدعاء يتضمن الإنشاء والإخبار، فجهة الخبرية فيه لا تناقض الجهة الإنشائية، وهو معنى السلام المطلوب عند التحية، وفيه قولان مشهوران: "الأول " أن السلام هنا هو الله ، ومعنى السلام: نزلت بركته عليكم ونحو هذا، فاختير في هذا المعنى من أسمائه اسم السلام دون غيره من الأسماء. "الثاني " أن السلام مصدر بمعنى السلامة وهو المطلوب المدعو به عند التحية، ومن حجة أصحاب هذا القول أنه يأتي منكرا فيقول المسلم: سلام عليكم، ولو كان اسما من أسماء الله لم يستعمل كذا. ومن حجتهم أنه ليس المقصود من السلام هذا المعنى، وإنما المقصود منه الإيذان بالسلامة خبرا أو دعاء.

стр. 266

٥٣- باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت في " الصحيح " عن أبي هريرة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " لا يقل ........................................................................................................... قال - رحمه الله تعالى -: وفصل الخطاب أن يقال الحق في مجموع القولين، فكل منهما معه بعض الحق والصواب في مجموعهما، وإنما يتبين ذلك بقاعدة وهي أن حق من دعا الله بأسمائه الحسنى أن يتوسل في كل مطلب، ويسأل بالاسم المقتضي لذلك المطلوب المناسب لحصوله حتى إن الداعي متشفع إلى الله تعالى متوسل به إليه، فإذا قال: رب اغفر لي وتب عليّ إنك التواب الغفور، فقد سأله بأمرين وتوسل إليه باسمين من أسمائه مقتضيين لحصول مطلوبه، فالمقام لما كان مقام طلب السلامة التي هي أهم عند الرجل أتى في لفظها بصيغة اسم من أسماء الله وهو السلام الذي تطلب منه السلامة، وهو مقصود المسلم، فقد تضمن سلام عليكم اسما من أسماء الله تعالى وطلب السلامة منه، فتأمل هذه الفائدة. وحقيقته البراءة والخلاص والنجاة من الشر والعيوب، وعلى هذا المعنى تدور تصاريفه، فمن ذلك قولك: سلمك الله، ومن دعاء المؤمنين على الصراط: اللهم سلم سلم. ومنه سلم الشيء لفلان أي خلص له وحده كما قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ﴾ ١ أي خالصا له وحده لا يملكه معه غيره، ومنه السلم ضد الحرب؛ لأن كل واحد من المتحاربين يخلص ويسلم من أذى الآخر، ولهذا بني فيه على المفاعلة فيقال المسالمة مثل المشاركة، ومنه القلب السليم وهو النقي من الدغل والعيب، وحقيقته الذي قد سلم الله وحده فخلص من دغل الشرك وغله ودغل الذنوب والمخالفات، بل هو المستقيم على صدق حبه وحسن معاملته، وهذا هو الذي ضمن له النجاة من عذابه والفوز بكرامته، ومنه أخذ الإسلام فإنه من هذه المادة؛ لأنه الاستسلام والانقياد له والتخلص من شوائب الشرك، فسلم لربه وخلص له كالعبد الذي سلم لمولاه ليس له فيه شركاء متشاكسون، ولهذا ضرب سبحانه هذين المثلين للمسلم الخالص لربه، وللمشرك به. باب قول اللهم اغفر لي إن شئت قوله: " لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت "الحديث، بخلاف العبد فإنه قد يعطي السائل مسألته لحاجته إليه أو لخوفه أو رجائه فيعطيه مسألته وهو كاره، فاللائق

стр. 267

٥٤- باب لا يقول: عبدي وأمتي في " الصحيح " عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وَضِّئْ ربك، وليقل: سيدي ومولاي ولا يقل: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي، وغلامي " ١ ٢ ................................................................................................ قوله: "ولمسلم: " وليعظم الرغبة " في سؤاله ربه حاجته فإنه يعطي العظائم كرما وجودا وإحسانا " فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه " أي ليس ما أعطى عبده مما سأله عظيم عنده لكمال فضله وجوده، وقد قال بعض الشعراء في مخلوق يمدحه: وتعظم في عين الصغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائم والله تعالى أحق بكل مدحة وثناء. باب لا يقول: عبدي وأمتي في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " لا يقل أحدكم أطعم ربك "الحديث، هذه الألفاظ المنهي عنها وإن كانت تطلق لغة، فالنبي صلي الله عليه وسلم نهى عنها تحقيقا للتوحيد وسدا لذرائع الشرك؛ لما فيها من التشريك في اللفظ؛ لأن الله هو رب العباد جميعهم، فإذا أطلق على غيره ما يطلق عليه تعالى وقع الشبه في اللفظ، فينبغي أن يجتنب هذا اللفظ في حق المخلوق من ذلك، فأرشدهم صلي الله عليه وسلم إلى ما يقوم مقام هذا اللفظ وهو قوله: سيدي ومولاي، وكذلك قوله: " لا يقل أحدكم عبدي وأمتي "؛ لأن العبيد عبيد الله، والإماء إماء الله. قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ ٣ الآية.

стр. 268

فيه مسائل: الأولى: النهي عن قول: عبدي وأمتي. الثانية: لا يقول العبد: ربي، ولا يقال له: أطعم ربك. الثالثة: تعليم الأول قول: فتاي وفتاتي وغلامي. الرابعة: تعليم الثاني قول: سيدي ومولاي. الخامسة: التنبيه للمراد، وهو تحقيق التوحيد حتى في الألفاظ.

стр. 269

٥٥- باب لا يرد من سأل بالله عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن ...................................................................................................... باب لا يرد من سأل بالله ظاهر الحديث النهي عن رد السائل إذا سأل بالله، ويحتمل أن يكون المراد فيما لا مشقة على المسئول ولا ضرر، فيكون من باب مكارم الأخلاق ومعالي الشيم، وربما كان السائل محتاجا أو مضطرا فيجب أن يعطى ما سأله ويأثم المسئول في منعه، فيؤخذ من ماله أضعاف ما منع على وجه يكرهه، فباعتبار هذه الأمور ينبغي لمن أعطاه الله نعمة أن يؤدي حق الله فيها، ويعطي من سأله من فضول نعمة الله عليه خصوصا إذا سأل بالله تعالى فيكون إعطاؤه تعظيما لمن سأل به وهو الله تعالى. قوله: " من استعاذ بالله فأعيذوه "تعظيما لله تعالى وتقربا إليه بذلك. قوله: " ومن دعاكم فأجيبوه "هذا من حقوق المسلم على المسلم ومن أسباب الألفة وسلامة الصدر وإكرام الداعي. قوله: " ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه "أي ينبغي المكافأة على المعروف وهو من مكارم الأخلاق، وفيه السلامة من البخل وما يذم به.

стр. 270

لم تجدوا ما تكافئونه، فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه " ١ رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح. فيه مسائل: الأولى: إعاذة من استعاذ بالله. الثانية: إعطاء من سأل بالله. الثالثة: إجابة الدعوة. الرابعة: المكافأة على الصنيعة. الخامسة: أن الدعاء مكافأة لمن لم يقدر إلا عليه. السادسة: قوله: " حتى تروا أنكم قد كافأتموه ".

стр. 271

٥٦- باب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة عن جابر قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " لا يسأل بوجه الله إلا الجنة "١ رواه أبو داود. .................................................................................................................. قوله: " فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له "فيه أن الدعاء يقوم مقام المكافأة في حق من لم يجد ما يكافئ به. قوله: "حتى تُرُوا " بضم التاء أي تظنوا، وفي رواية أبي نهيك عن ابن عباس: " من سألكم بوجه الله فأعطوه "٢. باب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة ذكر فيه حديث جابر رواه أبو داود قال: "قال رسول الله صلي الله عليه وسلم " لا يسأل بوجه الله إلا الجنة ".

стр. 272

فيه مسائل: الأولى: النهي عن أن يسأل بوجه الله إلا غاية المطالب. الثانية: إثبات صفة الوجه.

стр. 273

باب ما جاء في "لو " ... ٥٧- باب ما جاء في اللو وقول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ١. .................................................................................................... وهنا سؤال، وهو أنه قد ورد في دعاء النبي صلي الله عليه وسلم عند منصرفه من الطائف حين كذبته ثقيف دعا بالدعاء المأثور: " اللهم أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل علي غضبك أو ينزل بي سخطك، لك العقبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله " ٢. والحديث المروي في الأذكار: " اللهم أنت أحق من ذكر، وأحق من عبد "٣ وفي آخره: " أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض "ونحوه في الأحاديث المرفوعة، فيحتمل أن هذا فيما يكرهه العبد لا فيما يحبه ويتمناه، ويحتمل غير هذا، والله أعلم. باب في ما جاء في اللو أي من الوعيد والنهي عنه عند الأمور المكروهة كالمصائب إذا جرى بها القدر ونحوها. وقول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ٤ قاله بعض

стр. 274

وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ ١ الآية. في " الصحيح " عن أبي هريرة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان " ٢. ................................................................................................ المنافقين يوم أحد لخوفهم وجزعهم وخورهم. قال ابن إسحاق: فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: قال الزبير: " لقد رأيتني مع رسول الله صلي الله عليه وسلم حين اشتد علينا الخوف أرسل الله علينا النوم، فما منا رجل إلا ذقنه في صدره قال: فوالله إني لأسمع قول معتب بن قشير ما أسمعه إلا كالحلم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل الله : ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ لقول معتب "رواه ابن أبي حاتم، وقال مجاهد عن جابر بن عبد الله: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي، يعني أنه هو الذي قال ذلك. قوله: "في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز " " الحديث، اختصر المصنف هذا الحديث وتمامه: " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير "إلى آخره. قوله: " احرص على ما ينفعك "أي في دنياك وأخراك، وخص ما ينفع دون ما ليس كذلك مما فيه ضرر أو عدم نفع، وذلك لا يخرج عن الواجب والمستحب والمباح إذا كان نافعا. قوله: " واستعن بالله "؛ لأنه لا يحصل له ذلك إلا إذا كان مستعينا بالله. قوله: "ولا تعجز " نهاه عن العجز؛ لأنه مما يذم به عقلا وشرعا، فما أكثر ذلك في الناس، فكم فوت الإنسان على نفسه من الخير وهو يقدر عليه إذا رغب فيه واستعان بالله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قوله:

стр. 275

فيه مسائل: الأولى: تفسير الآيتين في آل عمران. الثانية: النهي الصريح عن قول: لو، إذا أصابك شيء. الثالثة: تعليل المسألة بأن ذلك يفتح عمل الشيطان. الرابعة: الإرشاد إلى الكلام الحسن. الخامسة: الأمر بالحرص على ما ينفع مع الاستعانة بالله. السادسة: النهي عن ضد ذلك وهو العجز.

стр. 276

٥٨- باب النهي عن سب الريح عن أبي بن كعب ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح، .................................................................................................... "وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا ولكن قل: قدر الله "١ لأن ما قدر يكون، فيجب الإيمان بالقدر والتسليم، وأرشده إلى أن يقول: "قدر الله" أي هذا قدر الله، والمبتدأ محذوف وتقديره "هذا قدر الله وما شاء فعل "؛ لأن أفعاله تعالى إنما تصدر عن حكمة وعلم وفضل وعدل ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ ٢ قوله: " فإن لو تفتح عمل الشيطان "أي لما فيها من التأسف على ما فات والحزن فيأثم في ذلك وذلك من عمل الشيطان. باب النهي عن سب الريح عن أبي بن كعب أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "لا تسبوا الريح " الحديث. لأن الريح خلق من خلق الله مدبر، وإنما تهب بمشيئة الله وقدرته، فيرجع السب إلى من خلقها وسخرها، وأرشد النبي صلي الله عليه وسلم أمته إلى أن يقولوا ما ذكر في الحديث، وهو سؤاله تعالى خيرها وخير ما فيها والاستعاذة به من شرها وشر ما فيها، وقد شرع الله لعباده أن يسألوه ما ينفعهم ويستعيذوا به من شر ما يضرهم، وأن يكون ذلك منهم عبودية لله وحده وطاعة له وإيمانا به، وهذه حال أهل التوحيد والإيمان خلافا لحال أهل الشرك والبدع.

стр. 277

وخير ما فيها، وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أمرت به " ١ ٢ صححه الترمذي. فيه مسائل: الأول:. النهي عن سب الريح. الثانية: الإرشاد إلى الكلام النافع إذا رأى الإنسان ما يكره. الثالثة: الإرشاد إلى أنها مأمورة. الرابعة: أنه قد تؤمر بخير وقد تؤمر بشر.

стр. 278

٥٩ - باب "لا يظن بالله ظن السوء إلا المنافقون والمشركون ، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته" قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ ١ الآية. .................................................................................................... باب قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ وهذه الآية ذكرها الله تعالى في سياق قوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ﴾ ٢ يعني أهل الإيمان والثبات والتوكل الصادق، وهم الجازمون بأن الله تعالى ينصر رسوله صلي الله عليه وسلم وينجز مأموله، ولهذا قال: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ ٣ يعني

стр. 279

وقوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ ١ الآية. قال ابن القيم في الآية الأولى: فسر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وفسر أن ما أصابهم لم يكن بقدر الله وحكمته، ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله، وأن يظهره على الدين كله. وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون في سورة ............................................................................................................... لا يغشاهم النعاس من القلق والجزع والخوف: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ ٢ كما قال تعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً﴾ ٣، وهكذا هؤلاء اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة ظنوا أنها الفيصلة، وأن الإسلام قد باد وأهله، وهذا شأن أهل الريب والشك إذا حصل أمر من الأمور تحصل لهم هذه الأمور الشنيعة. قال العلامة ابن القيم ﵀: وقد فسر هذا الظن الذي لا يليق بالله سبحانه بأن لا ينصر رسوله وأن أمره سيضمحل. وفسر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقدر الله وحكمته، ففسر بإنكار الحكمة وإنكار القدر وإنكار أن يتم أمر رسوله، وأن يظهره على الدين كله هذا هو ظن السوء ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ٤. قوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ قال ابن جرير في تفسيره: ﴿الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ أي الظانين بالله أن لن ينصرك وأهل الإيمان بك على أعدائك، وأن يظهر كلمته فيجعلها العليا على كلمة الكافرين به، وذلك كان السوء من ظنونهم التي ذكرها الله في هذا الموضع. وقال ابن كثير: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ أي يتهمون الله في حكمه، ويظنون بالرسول صلي الله عليه وسلم وأصحابه أن يقتلوا ويذهبوا بالكلية، ولهذا قال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ وهذا الذي ظنه المنافقون والمشركون في سورة الفتح، وإنما كان هذا ظن السوء؛ لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه وما يليق بحكمه وحمده ووعده الصادق. فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة فذلك ظن الذين كفروا ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ٥.

стр. 280

"الفتح "، وإنما كان هذا ظن السوء؛ لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه، وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق، فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدره بحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة، فذلك ظن الذين كفروا ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ١، وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته، وموجب حكمته وحمده. فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله ويستغفره من ظنه بربه ظن السوء، ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتا على القدر وملامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك: هل أنت سالم؟ فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا إخالك ناجيا فيه مسائل: الأولى: تفسير آية آل عمران. الثانية: تفسير آية الفتح. الثالثة: الإخبار بأن ذلك أنواع لا تحصر. الرابعة: أنه لا يسلم من ذلك إلا من عرف الأسماء والصفات وعرف نفسه.

стр. 281

٦٠- باب ما جاء في منكري القدر وقال ابن عمر: " والذي نفس ابن عمر بيده، لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا، ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر "ثم استدل بقول النبي صلي الله عليه وسلم: " الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره " ١ رواه مسلم. ............................................................................................ قوله: "باب ما جاء في منكري القدر " أي من الوعيد قوله: "قال ابن عمر: والذي نفس ابن عمر بيده " حديث ابن عمر هذا أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن " يحيى بن يعمر قال: كان أول من تكلم في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميدي حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق الله لنا عبد الله بن عمر داخلا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليّ، فقلت: أبا عبد الرحمن إنه ظهر قبلنا أناس يقرءون القرآن، ويتقفرون العلم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف، فقال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم قال: حدثني عمر بن الخطاب ﵁ قال: كنا جلوسا عند رسول الله صلي الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلي الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، ثم قال يا محمد أخبرني عن الإسلام، قال: الإسلام؟ أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"قال:

стр. 282

وعن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه: " يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة، يا بني! سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: من مات على غير هذا فليس مني "١. وفي رواية لأحمد: " إن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة " ٢. وفي رواية لابن وهب قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار ". ............................................................................................... صدقت، قال فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال فانطلق فلبثنا مليا ثم قال: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: إنه جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم " ٣. قوله: "عن عبادة بن الصامت " حديثه هذا رواه أبو داود، ورواه الإمام أحمد بكماله. قال: حدثنا الحسن بن سوار، حدثنا ليث عن معاوية عن أيوب بن زياد، حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة، حدثني أبي قال: " دخلت على عبادة وهو مريض أتخايل فيه الموت، فقلت: يا أبتاه أوصني واجتهد لي، قال: أجلسوني ثم قال: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان، ولن تبلغ حقيقة العلم حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، قلت: يا أبتاه وكيف أعلم ما خير القدر وشره؟ قال: أن تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، يا بني سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة. يا بني إن مت ولست على ذلك دخلت النار "رواه الترمذي بسنده المتصل إلى عطاء بن أبي رباح، وفي هذا الحديث بيان

стр. 283

وفي " المسند " و " السنن " عن ابن الديلمي قال: "أتيت أبي بن كعب، فقلت: في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله يذهبه من قلبي، فقال: لو أنفقت مثل أحد ذهبا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار، قال: فأتيت عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، فكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي صلي الله عليه وسلم "١ حديث صحيح رواه الحاكم في " صحيحه " ٢. ....................................................................................................... شمول علم الله وإحاطته بما كان ويكون، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ ٣ الآية، والآيات في إثبات القدر كثيرة، وقد استدل العلماء على ثبات القدر بشمول القدرة والعلم كما في الآية. قال الإمام أحمد: القدر قدرة الرحمن. وقال بعض الأئمة في نفاة القدر: ناظروهم بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوه كفروا. قوله: "وفي المسند والسنن عن ابن الديلمي " أبو بسر بالسين المهملة والباء المضمومة، ويقال أبو بشر بالشين المعجمة وكسر الباء، وبعضهم صحح الأول، واسمه عبد الله بن أبي فيروز، ولفظ أبي داود قال: " لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار. فأتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك، ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك، قال: ثم أتيت زيد بن ثابت، قال: فحدثني عن النبي صلي الله عليه وسلم مثل ذلك " وأخرجه ابن ماجه.

стр. 284

فيه مسائل: الأولى: بيان فرض الإيمان بالقدر. الثانية: بيان كيفية الإيمان به. الثالثة: إحباط عمل من لم يؤمن به. الرابعة. الإخبار بأن أحدا لا يجد طعم الإيمان حتى يؤمن به. الخامسة: ذكر أول ما خلق الله. السادسة: أنه جرى بالمقادير في تلك الساعة إلى قيام الساعة. السابعة: براءته صلي الله عليه وسلم ممن لم يؤمن به. الثامنة: عادة السلف في إزالة الشبهة بسؤال العلماء. التاسعة: أن العلماء أجابوه بما يزيل عنه الشبهة، وذلك أنهم نسبوا الكلام إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم فقط.

стр. 285

٦١- باب ما جاء في المصورين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة "١ أخرجاه. .............................................................................................. وهذه الأحاديث وما في معناها حجة على نفاة القدر من المعتزلة وغيرهم، ومن مذهبهم تخليد أهل المعاصي في النار، وهذا الذي اعتقدوه من أكبر الكبائر وأعظم البدع، وكثير منهم وافقوا الجهمية في نفي صفات الرب تعالى وتقدس. قوله: "باب ما جاء في المصورين "، أي من الوعيد، وقد ذكر النبي صلي الله عليه وسلم العلة،
следующие страницы →