٦٠- باب ما جاء في منكري القدر
وقال ابن عمر: " والذي نفس ابن عمر بيده، لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا، ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر "ثم استدل بقول النبي صلي الله عليه وسلم: " الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره " ١ رواه مسلم.
............................................................................................
قوله: "باب ما جاء في منكري القدر " أي من الوعيد قوله: "قال ابن عمر: والذي نفس ابن عمر بيده " حديث ابن عمر هذا أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن " يحيى بن يعمر قال: كان أول من تكلم في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميدي حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق الله لنا عبد الله بن عمر داخلا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليّ، فقلت: أبا عبد الرحمن إنه ظهر قبلنا أناس يقرءون القرآن، ويتقفرون العلم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف، فقال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم قال: حدثني عمر بن الخطاب ﵁ قال: كنا جلوسا عند رسول الله صلي الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلي الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، ثم قال يا محمد أخبرني عن الإسلام، قال: الإسلام؟ أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"قال:
стр. 282
وعن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه: " يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة، يا بني! سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: من مات على غير هذا فليس مني "١.
وفي رواية لأحمد: " إن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة " ٢.
وفي رواية لابن وهب قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار ".
...............................................................................................
صدقت، قال فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال فانطلق فلبثنا مليا ثم قال: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: إنه جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم " ٣.
قوله: "عن عبادة بن الصامت " حديثه هذا رواه أبو داود، ورواه الإمام أحمد بكماله. قال: حدثنا الحسن بن سوار، حدثنا ليث عن معاوية عن أيوب بن زياد، حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة، حدثني أبي قال: " دخلت على عبادة وهو مريض أتخايل فيه الموت، فقلت: يا أبتاه أوصني واجتهد لي، قال: أجلسوني ثم قال: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان، ولن تبلغ حقيقة العلم حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، قلت: يا أبتاه وكيف أعلم ما خير القدر وشره؟ قال: أن تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، يا بني سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة. يا بني إن مت ولست على ذلك دخلت النار "رواه الترمذي بسنده المتصل إلى عطاء بن أبي رباح، وفي هذا الحديث بيان
стр. 283
وفي " المسند " و " السنن " عن ابن الديلمي قال: "أتيت أبي بن كعب، فقلت: في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله يذهبه من قلبي، فقال: لو أنفقت مثل أحد ذهبا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار، قال: فأتيت عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، فكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي صلي الله عليه وسلم "١ حديث صحيح رواه الحاكم في " صحيحه " ٢.
.......................................................................................................
شمول علم الله وإحاطته بما كان ويكون، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ ٣ الآية، والآيات في إثبات القدر كثيرة، وقد استدل العلماء على ثبات القدر بشمول القدرة والعلم كما في الآية. قال الإمام أحمد: القدر قدرة الرحمن. وقال بعض الأئمة في نفاة القدر: ناظروهم بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوه كفروا.
قوله: "وفي المسند والسنن عن ابن الديلمي " أبو بسر بالسين المهملة والباء المضمومة، ويقال أبو بشر بالشين المعجمة وكسر الباء، وبعضهم صحح الأول، واسمه عبد الله بن أبي فيروز، ولفظ أبي داود قال: " لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار. فأتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك، ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك، قال: ثم أتيت زيد بن ثابت، قال: فحدثني عن النبي صلي الله عليه وسلم مثل ذلك " وأخرجه ابن ماجه.
стр. 284
فيه مسائل:
الأولى: بيان فرض الإيمان بالقدر.
الثانية: بيان كيفية الإيمان به.
الثالثة: إحباط عمل من لم يؤمن به.
الرابعة. الإخبار بأن أحدا لا يجد طعم الإيمان حتى يؤمن به.
الخامسة: ذكر أول ما خلق الله.
السادسة: أنه جرى بالمقادير في تلك الساعة إلى قيام الساعة.
السابعة: براءته صلي الله عليه وسلم ممن لم يؤمن به.
الثامنة: عادة السلف في إزالة الشبهة بسؤال العلماء.
التاسعة: أن العلماء أجابوه بما يزيل عنه الشبهة، وذلك أنهم نسبوا الكلام إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم فقط.
стр. 285
٦١- باب ما جاء في المصورين
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة "١ أخرجاه.
..............................................................................................
وهذه الأحاديث وما في معناها حجة على نفاة القدر من المعتزلة وغيرهم، ومن مذهبهم تخليد أهل المعاصي في النار، وهذا الذي اعتقدوه من أكبر الكبائر وأعظم البدع، وكثير منهم وافقوا الجهمية في نفي صفات الرب تعالى وتقدس.
قوله: "باب ما جاء في المصورين "، أي من الوعيد، وقد ذكر النبي صلي الله عليه وسلم العلة،
стр. 286
و " لهما " عن عائشة ﵂ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله "١.
و" لهما " عن ابن عباس: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة نفس يعذب بها في جهنم " ٢.
و" لهما " عنه مرفوعا: " من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ " ٣.
ولمسلم عن أبي الهياج قال: " " قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني
.....................................................................................................
وهي المضاهاة بخلق الله ; لأن الله تعالى له الخلق والأمر، فلا يجوز أن يشبه بشيء من خلقه سبحانه لما فيه من المضاهاة بخلق الله.
قوله: "ولمسلم عن أبي الهياج "، أبو الهياج هو الأسدي حيان بن حصين. و "علي " هو أمير المؤمنين.
قوله: " ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلي الله عليه وسلم؟ أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته ".
стр. 287
عليه رسول الله صلي الله عليه وسلم؟ ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته"١.
فيه مسائل:
الأولى: التغليظ الشديد في المصورين.
الثانية: التنبيه على العلة، وهو ترك الأدب مع الله لقوله: " ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي ".
الثالثة: التنبيه على قدرته وعجزهم، لقوله: " فليخلقوا ذرة أو شعيرة".
الرابعة: التصريح بأنهم أشد الناس عذابا.
الخامسة: أن الله يخلق بعدد كل صورة صورها نفسا يعذب بها في جهنم.
السادسة: أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح.
السابعة: الأمر بطمسها إذا وجدت.
.....................................................................................................................
فهذا ما صح عن النبي صلي الله عليه وسلم من إنكار هذه الأمور وإزالتها: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ ٢ فأكثروا التصوير واستعملوه وأكثروا البناء على القبور وزخرفوها وجعلوها أوثانا. وزعموه دينا وهو أعظم المنكرات وأكبر السيئات، تعظيما للأموات وغُلوا، وعبادة لغير الله بأنواع العبادة التي هي حق الله على عباده.
قال العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "ومن جمع بين سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم في القبور وما نهى عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم، رأى أحدهم مضادا للآخر مناقضا له بحيث لا يجتمعان أبدا".
стр. 288
٦٢- باب ما جاء في كثرة الحلف
وقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ ١.
عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب " ٢ أخرجاه.
وعن سلمان ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: أشيمط زان، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله
......................................................................................................
قوله: "باب ما جاء في كثرة الحلف "، أي من النهي عنه والوعيد.
قوله: "وقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾
قال ابن جرير: أي لا تتركوها بغير تكفير، وذكر غيره عن ابن عباس: يريد لا تحلفوا. وقال آخرون: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ عن الحنث، فلا تحنثوا. والمعنى يعم القولين.
قوله: "عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب بضاعته، لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه " ٣ رواه الطبراني بسند صحيح.
"أخرجاه ". أي البخاري ومسلم وخرجه أبو داود والنسائي. والمعنى أنه قد يحلف على ثمن السلعة بزيادة على ما اشتريت به أو سميت به، فيأخذها المشتري لظنه أنه صدق. وهذا وإن كان فيه زيادة فهو يمحق البركة، كما جاء في الحديث، والواقع يشهد بصحته، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته، وإن تزخرفت الدنيا للعاصي فعاقبتها اضمحلال وذهاب.
قوله: "وعن سلمان " وسلمان لعله سلمان الفارسي أبو عبد الله، أسلم مقدم
стр. 289
بضاعته، لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه "٣ رواه الطبراني بسند صحيح.
............................................................................................................
النبي صلي الله عليه وسلم المدينة وشهد الخندق، روى عنه أبو عثمان النهدي وشرحبيل بن السمط وغيرهما، قال النبي صلي الله عليه وسلم " سلمان منا أهل البيت "١. "إن الله يحب من أصحابي أربعة: عليا وأبا ذر وسلمان والمقداد "٢ أخرجه الترمذي. توفي سلمان في خلافة عثمان، ويحتمل أنه سلمان بن عامر بن أوس الضبي.
قوله: " لا يكلمهم الله " هذا وعيد شديد في حقهم؛ لأنه قد تواتر أنه يكلم أهل الإيمان ويكلمونه في عرصات القيامة، والأدلة على ذلك في الكتاب والسنة أظهر شيء وأبينه، وفيه الرد على الجهمية والأشاعرة نفاة الكلام.
قوله: ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٣ وهذا من تمام العقوبة عليهم وفي هذا الوعيد الشديد ما يزجر من له عقل عن هذه الأعمال السيئة ونحوها.
قوله: " أشيمط زان " صغره تحقيرا له وذلك لأن داعي المعصية ضعف حقه، فدل على أن الحامل له على الزنا محبته المعصية والفجور وعدم خشيته لله، وكذلك العائل المستكبر ليس له ما يحمله على الكبر، فدل على أنه خلق له فعظمت العقوبة في حقه لعدم الداعي إلى هذا الخلق الذميم الذي هو من أكبر المعاصي.
قوله: " ورجل جعل الله بضاعته "بنصب الاسم الشريف يعني اليمين بالله جعله بضاعة له لكثرة استعماله.
стр. 290
وفي " الصحيح " عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم - قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا؟ - ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن "١.
.........................................................................................................
قوله: "وفي الصحيح " أي صحيح مسلم وخرجه أبو داود والترمذي ورواه البخاري بلفظ "خيركم".
قوله: " خير أمتي قرني "لكثرة الخير فيهم وقلة الشر، وشدة الإنكار على من خالف الحق وابتدع كالخوارج والقدرية والجهمية ونحوهم " ثم الذين يلونهم " فُضِّلوا على من بعدهم لظهور الإسلام فيهم وكثرة العلم والعلماء، وأما القرن الثالث فظهرت فيهم البدع لكن أنكرها العلماء، وتصدى كثير منهم لإنكارها والرد على من قالها وهم كثيرون.
قوله: "فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا " هذا شك من راوي الحديث عمران بن حصين، ثم ذكر ما وقع بعد الثلاثة من الجفاء في الدين وكثرة الأهواء فقال: " ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون "لاستخفافهم بأمر الشهادة، وعدم تحريهم الصدق وكذلك لقلة دينهم وضعف إسلامهم.
قوله: "ويخونون ولا يؤتمنون " يدل على أن الخيانة قد غلبت على كثير منهم أو
стр. 291
"وفيه" عن ابن مسعود أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته "١.
.......................................................................................................
أكثرهم. " وينذرون ولا يوفون " أي لا يؤدون ما وجب عليهم، فظهور هذه الأعمال الذميمة يدل على ضعف إسلامهم وعدم إيمانهم.
قوله: " ويظهر فيهم السمن " لرغبتهم في الدنيا وشهواتها، وقلة الإيمان باليوم الآخر، وفي حديث أنس: " لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم "٢ قال أنس: سمعته من نبيكم صلي الله عليه وسلم، فما زال الشر يزيد في الأمة حتى ظهر فيهم الشرك والبدع في كثير منهم، حتى فيمن انتسب إلى العلم ويتصدر للتعليم والتصنيف، فحدث التفرق والاختلاف في الدين، وحدث الغلو في أهل البيت من بني بويه في المشرق لما كان لهم دولة، وبنوا المساجد على القبور وغلوا في أربابها، وظهرت دولة القرامطة، وظهر فيهم الكفر والإلحاد في شرائع الدين، ومذهبهم معروف، وظهر فيهم من البدع ما يطول عَدُّه، وكثر الاختلاف والخوض في أصول الدين، وما زال أهل السنة على الحق، ولكن كثرت البدع والأهواء حتى عاد المعروف منكرا والمنكر معروفا، نشأ على هذا الصغير وهرم عليه الكبير.
قوله: "وفيه عن ابن مسعود أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم " الحديث. في هذا الحديث أن خير القرون ثلاثة من غير شك.
قوله: "ثم يجيء قوم " إلخ. وذلك لضعف الإيمان والرغبة في الدنيا، وأخذها بالقلوب وكثرة المعاصي والذنوب.
стр. 292
قال إبراهيم: كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار.
فيه مسائل:
الأولى: الوصية بحفظ الأيمان.
الثانية: الإخبار بأن الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للبركة.
الثالثة: الوعيد الشديد فيمن لا يبيع ولا يشتري إلا بيمينه.
الرابعة: التنبيه على أن الذنب يعظم مع قلة الداعي.
الخامسة: ذم الذين يحلفون ولا يستحلفون.
السادسة: ثناؤه صلي الله عليه وسلم على القرون الثلاثة، أو الأربعة، وذكر ما يحدث بعدهم.
السابعة: ذم الذين يشهدون ولا يستشهدون.
الثامنة: كون السلف يضربون الصغار على الشهادة والعهد.
стр. 293
٦٣- باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه صلي الله عليه وسلم
وقول الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ ١ الآية.
........................................................................................................
قوله: "وقال إبراهيم: " كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار " هكذا حال السلف الصالح محافظة منهم على الدين الذي أكرمهم الله به، فلا يتركون شيئا مما يكره إلا أنكروه، وفيه تمرين الصغار على دينهم بالتعليم.
قوله: "باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه وقول الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ الآية ". قال العماد ابن كثير: وهذا مما يأمر الله تعالى به وهو الوفاء بالعهود والمواثيق والمحافظة على الأيمان، ولهذا قال: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ .
قوله: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ هذه الأيمان المراد بها الداخلة في العهود والمواثيق، لا الأيمان الواردة على حث أو منع.
стр. 294
عن بريدة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كان إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، فقال: " اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال - أو خلال - فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن
.........................................................................................................
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ١ تهديد ووعيد.
قوله: عن "بريدة" هو ابن الحصيب الأسلمي، وهذا الحديث من رواية ابنه سلمان عنه.
قوله: " " كان رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله تعالى " فيه من الفقه تأمير الأمراء ووصيتهم. قال الحربي: السرية: الخيل تبلغ أربعمائة ونحوها، والجيش: ما كان أكثر من ذلك. وتقوى الله: التحرز من عقوبته بطاعته.
قوله: "ومن معه من المسلمين خيرا " أي ووصاه بمن معه أن يفعل معهم خيرا من الرفق بهم والإحسان إليهم وخفض الجناح لهم وترك التعاظم عليهم.
قوله: " اغزوا باسم الله " أي اشرعوا في الغزو مستعينين بالله مخلصين له، فتكون الباء في بسم الله للاستعانة بالله والتوكل عليه هنا.
قوله: " قاتلوا من كفر بالله " هذا العموم يشمل جميع أهل الكفر المحاربين من أهل الكتاب وغيرهم، واستثنى منهم من له عهد، وكذلك الذراري والأولاد والنساء والرهبان فلا يقتلون.
قوله: " ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا "الغلول: الأخذ من الغنيمة من غير قسمتها. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٢ والغدر: نقض العهد. والتمثيل هنا: التشويه بالقتل، كقطع أنفه وأذنه والعبث به.
قوله: " وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال - أو خلال - "الرواية بأو التي هي للشك والمعنى واحد.
قوله: " فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم " منصوب بأجابوا.
стр. 295
أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها أخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله تعالى الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم. وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه،
........................................................................................................
قوله: " ثم ادعهم إلى الإسلام" كذا وقعت الرواية في جميع نسخ كتاب مسلم ثم ادعهم بزيادة ثم.
قوله: " ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين "يعني المدينة إذ ذاك، وهذا يدل على أن الهجرة واجبة على كل من آمن وهو في بلد الشرك، وكذلك إذا ظهرت المعاصي في بلدة، نص عليه الفقهاء في كتبهم. قوله: "فإن هم أبوا أن يتحولوا منها" يعني أن من أسلم ولم يجاهد ولم يهاجر من البداوة لم يعط من الخمس ولا من الفيء شيء.
قوله: " فإن هم أبوا فاسألهم الجزية " فيه حجة لمالك وأصحابه والأوزاعي في أخذ الجزية من كل كافر عربيا كان أو غيره، كتابيا كان أو غيره. وقد اختلف في القدر المفروض من الجزية، فقال مالك: أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهما على أهل الوَرِق، وقال الشافعي: دينار على الغني والفقير، وقال أبو حنيفة: على الغني ثمانية وأربعون درهما، والوسط أربعة وعشرون درهما، والفقير اثنا عشر درهما، وهو قول أحمد بن حنبل، وعند مالك وكافة العلماء على الرجال الأحرار البالغين دون غيرهم، وإنما تؤخذ ممن كان تحت قهر المسلمين لا ممن نأى بداره، ويجب تحويل النائي إلى بلاد المسلمين أو حربهم.
قوله: " وإذا حاصرت أهل حصن " إلى آخره. فيه حجة لمن يقول من الفقهاء وأهل الأصول: إن المصيب في مسائل الاجتهاد واحد، وهو المعروف من مذهب مالك وغيره.
стр. 296
فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك. فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟ " ١ رواه مسلم.٢.
فيه مسائل:
الأولى: الفرق بين ذمة الله وذمة نبيه صلي الله عليه وسلم وذمة المسلمين.
الثانية: الإرشاد إلى أقل الأمرين خطرا.
الثالثة: قوله: " اغزوا بسم الله في سبيل الله ".
الرابعة: قوله: "قاتلوا من كفر بالله".
الخامسة: قوله: "استعن بالله" وحكم العلماء.
السابعة: كون الصحابي يحكم عند الحاجة بحكم لا يدري أيوافق حكم الله أم لا.
...........................................................................................................
قوله: " وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه " الذمة: العهد، وتخفر: تنقض، يقال: أخفرت الرجل: نقضت عهده، وخفرته: أجرته؛ لأنه لا يؤمن على من أعطى ذمة أن يخفرها، فخفر ذمته أهون من أن يخفر ذمة الله تعالى.
стр. 297
٦٤- باب ما جاء في الإقسام على الله
عن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم " قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله : ومن ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له وأحبطت عملك "رواه مسلم ١.
وفي حديث أبي هريرة أن القائل رجل عابد، قال أبو هريرة: تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته.
...........................................................................................................
قوله: "باب ما جاء في الإقسام على الله "، ذكر المصنف فيه حديث جندب بن عبد الله ﵁ قال رسول الله صلي الله عليه وسلم الحديث.
قوله: " يتألى " أي يحلف، والألية بالتشديد: الحلف، وصح من حديث أبي هريرة. ورواه أبو داود عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين فكان أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: أقصر، فوجده يوما على ذنب فقال له: أقصر، فقال: خلني وربي أبعثت علي رقيبا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك ولا يدخلك الجنة. فقبض أرواحهما فاجتمعا عند رب العالمين فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالما أو على ما في يدي قادرا؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار "٢.
قوله: "وفي حديث أبي هريرة أن القائل رجل عابد " يشير إلى قوله في هذا الحديث: "إن أحدهما مجتهد في العبادة"، وفيه معنى قوله صلي الله عليه وسلم " إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه "٣.
стр. 298
فيه مسائل:
الأولى: التحذير من التألي على الله.
الثانية: كون النار أقرب إلى أحدنا من شراك نعله.
الثالثة: أن الجنة مثل ذلك.
الرابعة: فيه شاهد لقوله ": إن الرجل ليتكلم بالكلمة" إلخ.
الخامسة: أن الرجل قد يغفر له بسبب هو من أكره الأمور إليه.
стр. 299
٦٥- باب لا يستشفع بالله على خلقه
عن جبير بن مطعم قال: " جاء أعرابي إلى النبي صلي الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! نهكت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال، فاستسق لنا ربك، فإنا نستشفع بالله عليك وبك على الله. فقال النبي صلي الله عليه وسلم: سبحان الله سبحان الله! فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال النبي صلي الله عليه وسلم ويحك، أتدري ما الله؟ إن شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله
...........................................................................................................
قوله: "باب لا يستشفع بالله على خلقه ".
وذكر الحديث، وسياق أبي داود أتم مما ذكره المصنف ولفظه: عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال: " أتى النبي صلي الله عليه وسلم أعرابي فقال: يا رسول الله جهدت الأنفس وضاع العيال ونهكت الأموال، فاستسق لنا، فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك، فقال النبي صلي الله عليه وسلم ويحك أتدري ما تقول؟ وسبح رسول الله صلي الله عليه وسلم فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: ويحك إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك، ويحك أتدري ما الله؟ إن عرشه على سماواته كهكذا، وقال بإصبعه مثل القبة، وإنه لئط به أطيط الرحل بالراكب "قال ابن يسار في حديثه: " الله فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته ".
قوله: "ويحك كلمة تقال للزجر ".
قوله: " أتدري ما الله " فيه إشارة إلى قلة علمه بعظمة الله وجلاله.
стр. 300
على أحد من خلقه " وذكر الحديث. رواه أبو داود ١.
فيه مسائل:
الأولى: إنكاره على من قال: نستشفع بالله عليه.
الثانية: تغيره تغيرا عرف في وجوه أصحابه من هذه الكلمة.
الثالثة: أنه لم ينكر عليه قوله: " نستشفع بك على الله ".
الرابعة: التنبيه على تفسير " سبحان الله".
الخامسة: أن المسلمين يسألونه الاستسقاء.
стр. 301
٦٦- باب ما جاء في حماية النبي صلي الله عليه وسلم حمى التوحيد وسده طرق الشرك
عن عبد الله بن الشِّخِّير، قال: " انطلقت في وفد بني عامر إلى النبي صلي الله عليه وسلم فقلنا: أنت سيدنا، فقال: السيد الله ﵎. قلنا: وأفضلنا
...........................................................................................................
قوله: " إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه "؛ لأن الأمر كله بيده تعالى ليس في يد المخلوق منه شيء، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع تعالى وتقدس، وفي هذا الحديث الرد على الجهمية وإثبات العلو، وهذا الحديث رواه أبو داود ورضيه على عادته فيما كان عنده صحيحا أو حسنا وسكت عليه، وأما الاستشفاع بالرسول في حياته، فإنما هو بدعائه صلي الله عليه وسلم ودعاؤه مستجاب، وأما بعد وفاته فلا يجوز الاستشفاع به كما تقدم تقريره في باب الشفاعة وما قبله، والله تعالى نهى عن اتخاذ الشفعاء في مواضع كثيرة من القرآن، ونفاها في حق من سألها من غير الله.
قوله: "باب ما جاء في حماية النبي صلي الله عليه وسلم حمى التوحيد وسده طرق الشرك " حمايته صلي الله عليه وسلم حمى التوحيد عما يشوبه من الأقوال والأعمال التي يضمحل معها التوحيد أو ينقص،
стр. 302
فضلا، وأعظمنا طولا، فقال: قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان " رواه أبو داود بسند جيد ١.
وعن أنس ﵁ " أن ناسا قالوا: يا رسول الله! يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا. فقال: يا أيها الناس! قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن
...........................................................................................................
وقد اشتمل هذا الكتاب - على اختصاره - على أكثر ذلك، والنهي عما ينافي التوحيد أو يضعفه، يعرف ذلك من تدبره وعرف ما تضمنه بابا بابا.
قوله في حديث أنس: " أن ناسا قالوا يا رسول الله يا خيرنا وابن خيرنا "الحديث، كره ذلك لئلا يكون وسيلة إلى الغلو فيه والإطراء كما تقدم في قوله: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله "٢ وهذا من كمال نصحه للأمة وشفقته عليهم، حذرهم مما يكون ذريعة إلى الغلو فيه.
وقوله: " أنا محمد عبد الله ورسوله " فأعلى مراتب العبد هاتان الصفتان العبودية الخاصة والرسالة، وللنبي صلي الله عليه وسلم أكملها، وقد أخبر تعالى أنه وملائكته يصلون عليه، وأمر أمته أن يصلوا عليه، وأثنى عليه بأحسن ثناء وأبلغه، وشرح له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، فلا يذكر في الأذان والتشهد والخطب، إلا ذكر معه صلوات الله وسلامه عليه.
وأما إطلاق السيد فقد ذكر ابن القيم - رحمه الله تعالى - في بدائع الفوائد ما نصه: "اختلف العلماء في جواز إطلاق السيد على البشر فمنعه قوم، ونقل عن مالك، واحتجوا بقول النبي صلي الله عليه وسلم لما قيل له: أنت سيدنا، فقال: "السيد الله". وجوزه قوم، واحتجوا بقول النبي صلي الله عليه وسلم للأنصار: " قوموا إلى سيدكم" ٣ وهذا أصح من الحديث الأول.
стр. 303
ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله " ١ رواه النسائي بسند جيد ٢.
فيه مسائل:
الأولى: تحذير الناس من الغلو.
الثانية: ما ينبغي أن يقول من قيل له: أنت سيدنا.
الثالثة: قوله: "ولا يستجرينكم الشيطان" مع أنهم لم يقولوا إلا الحق.
الرابعة: قوله: " ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي ".
стр. 304
٦٧- باب ما جاء في قول الله تعالى ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ١ الآية.
...........................................................................................................
قال هؤلاء: السيد أحد ما يضاف إليه، فلا يقال للتميمي: سيد كندة. ولا يقال للملك: سيد البشر، قال: وعلى هذا فلا يجوز أن يطلق على الله هذا الاسم، وفي هذا نظر، فإن السيد إذا أطلق عليه تعالى فهو في منزلة الملك والمولى والرب لا بمعنى الذي يطلق على المخلوق"، انتهى. "قلت ": فقد صح عن ابن عباس ﵄ أنه قال في معنى قول الله تعالى: " اللَّهُ الصَّمَدُ: إنه السيد الذي كمل فيه جميع أنواع السؤدد "٢. وقال أبو وائل: هو السيد الذي انتهى سؤدده.
قوله: "باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٣ الآية. أي من الأحاديث والآثار في معنى هذه الآية. قال العماد ابن كثير - رحمه الله تعالى -: ما قدر المشركون الله حق قدره حتى عبدوا معه غيره، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، القادر على كل شيء المالك لكل شيء، وكل شيء تحت قهره وقدرته. قال السدي: ما عظموه حق
стр. 305
عن ابن مسعود ﵁ قال: " جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال: يا محمد! إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يقول: أنا الملك، فضحك النبي صلي الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله صلي الله عليه وسلم: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الآية ".
وفي رواية لمسلم: " والجبال والشجر على إصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك، أنا الله ".
وفي رواية للبخاري: " يجعل السماوات على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع "١ أخرجاه.
......................................................................................................
عظمته. وقال محمد بن كعب: " لو قدروه حق قدره ما كذبوه ".
وقد وردت أحاديث كثيرة تتعلق بهذه الآية. الطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف.
قوله: "عن ابن مسعود قال: " جاء حبر من الأحبار إلى النبي صلي الله عليه وسلم فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع " الحديث. وهكذا رواه البخاري ومسلم والنسائي من طرق عن الأعمش به، وقال البخاري: حدثنا سعيد بن عفير قال: حدثنا الليث: حدثني عبد الرحمن بن مسافر عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه فيقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ "٢ تفرد به من هذا الوجه.
стр. 306
ولمسلم١ عن ابن عمر مرفوعا: " يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين السبع ثم يأخذهن بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ " ٢.
وروي عن ابن عباس، قال: " ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم ".
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: حدثني أبي قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس "٣ قال: وقال أبو ذر: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض ".
................................................................................................
قوله: "ولمسلم عن ابن عمر مرفوعا: " يطوي الله السماوات، ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرض بشماله، ثم يقول أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ " كذا في رواية مسلم قال الحميدي: وهي أتم.
قلت: وهذه الأحاديث وما في معناها - وهي كثيرة جدا - تدل على عظمة الله وكماله وعظيم قدرته، وفيها الرد على الجهمية والأشاعرة ونحوهم أيضا، وكل ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله يدل على كماله وعظمته وجلاله، وأن العبادة لا تصلح إلا له سبحانه وبحمده، لا يصلح منها شيء لملك مقرّب ولا نبي مرسل ولا لمن دونهما.
قال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: "وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم
стр. 307
وعن ابن مسعود قال: " بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم ". أخرجه ابن مهدي عن حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله. ورواه بنحوه المسعودي عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله. قال الحافظ الذهبي - رحمه الله تعالى -: قال: وله طرق.
.............................................................................................................
وكلام الصحابة والتابعين، وكلام سائر الأئمة مملوء بما هو إما نص أو ظاهر أن الله تعالى فوق كل شيء، وأنه فوق العرش فوق السماوات مستو على عرشه، وذكر ما يدل على ذلك من الكتاب والسنة. وقال الأوزاعي: كنا - والتابعون متوافرون - نقول: إن الله - تعالى ذكره - فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة. وقال أبو عمر الطلمنكي في كتاب الأصول: أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله مستو على عرشه بذاته ذكره الذهبي في كتاب العلو.
وقال أبو عمر الطلمنكي في هذا الكتاب أيضا: أجمع أهل السنة على أن الله تعالى استوى على عرشه بالحقيقة لا على المجاز، ثم قال في هذا الكتاب: أجمع المسلمون من أهل السنة أن معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ١ ونحو ذلك من القرآن أن ذلك علمه، وأن الله فوق السماوات بذاته مستو على عرشه كيف شاء. هذا لفظه في كتابه، وقال الحافظ الذهبي: وأول مقالة سمعت مقالة من أنكر أن الله تعالى فوق العرش هو الجعد بن درهم، وكذلك أنكر جميع الصفات، فقتله خالد بن عبد الله القسري وقصته مشهورة، وأخذ هذه المقالة عنه الجهم بن صفوان إمام الجهمية فأظهرها واحتج لها بالشبهات، وكان ذلك في آخر عصر التابعين، فأنكر مقالته أئمة ذلك العصر مثل الأوزاعي وأبي حنيفة ومالك والليث بن سعد والثوري وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن المبارك ومن بعدهم من أئمة الهدى كالإمام أحمد وخلق من أهل السنة".
قال الإمام الشافعي: "لله أسماء وصفات لا يسع أحدا ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل، ونثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢ "اهـ من فتح الباري.
قوله: "وعن العباس بن عبد المطلب" ساقه المصنف مختصرا والذي في سنن أبي
стр. 308
وعن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكثف كل سماء خمسمائة سنة، وبين السماء السابعة والعرش بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله فوق ذلك، وليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم " ١ أخرجه أبو داود وغيره.
..........................................................................................................
داود عن العباس بن عبد المطلب قال: " كنت في البطحاء في عصابة فيهم رسول الله صلي الله عليه وسلم فمرت بهم سحابة فنظر إليها فقال: ما تسمون هذه؟ قالوا: السحاب قال: والمزن قالوا: والمزن قال: والعنان قالوا: والعنان، قال أبو داود: ولم أتقن العنان جدا قال: هل تدرون ما بعد ما بين السماء والأرض؟ قالوا: لا ندري قال: إن بعد ما بينهما إما واحدة أو ثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، ثم السماء فوقها كذلك - حتى عدد سبع سماوات - ثم فوق السابعة بحر بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهم العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم الله ﵎ فوق ذلك "٢. قال الحافظ الذهبي: رواه أبو داود بإسناد حسن، وروى الترمذي نحوه من حديث أبي هريرة وفيه: " بعد ما بين سماء إلى سماء خمسمائة عام "قال: ولا منافاة بينهما؛ لأن تقدير ذلك بخمسمائة عام هو على سير القافلة مثلا، ونيف وسبعون سنة على سير البريد.
"قلت ": وهذا الحديث له شواهد في الصحيحين وغيرهما، مع ما يدل عليه صريح القرآن، فلا عبرة بقول من ضعفه.
وقد ابتدأ المصنِّف - رحمه الله تعالى - هذا المصنَّف العظيم ببيان توحيد الإلهية؛ لأن أكثر الأمة ممن تأخر قد جهلوا هذا التوحيد، وأتوا بما ينافيه من الشرك والتنديد، فقام ببيان
стр. 309
فيه مسائل:
الأولى: تفسير قوله: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ١
الثانية: أن هذه العلوم وأمثالها باقية عند اليهود الذين في زمنه صلي الله عليه وسلم لم ينكروها ولم يتأولوها.
الثالثة: أن الحبر لما ذكرها للنبي صلي الله عليه وسلم صدقه، ونزل القرآن بتقرير ذلك.
الرابعة: وقوع الضحك من رسول الله صلي الله عليه وسلم عند ذكر الحبر هذا العلم العظيم.
..................................................................................................................
التوحيد الذي دعت إليه الرسل ونهوهم عما كانوا عليه من الشرك المنافي لهذا التوحيد. فالدعوة إلى ذلك هي أهم الأمور وأوجبها لمن وفقه الله لفهمه، وأعطاه القدرة على الدعوة إليه والجهاد لمن حالفه ممن أشرك بالله في عبادته، فقرر هذا التوحيد، كما ترى في هذه الأبواب، ثم ختم كتابه بتوحيد الأسماء والصفات؛ لأن أكثر العامة لم يكن لهم التفات إلى هذا العلم الذي خاض فيه من ينتسب إلى العلم، وأما من ينتسب إلى العلم فهم أخذوا عمن خاض في هذه العلوم، وأحسنوا الظن بأهل الكلام، وظنوا أنهم على شيء، فقبلوا ما وجدوه عنهم، فقرروا مذهب الجهمية، وألحدوا في توحيد الأسماء والصفات، وخالفوا ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وما عليه سلف الأمة، وأئمة الحديث والتفسير من المتقدمين.
وما زال أهل السنة متمسكين بذلك، لكنهم قلوا فهدى الله هذا الإمام إلى معرفة أنواع التوحيد، فقررها بأدلتها، فلله الحمد على توفيقه وهدايته إلى الحق حين اشتدت غربة الإسلام، فضلّ عنه من ضل من أهل القرى والأمصار وغيرهم، وبالله التوفيق. فقد اجتمع في هذا المصنف أنواع التوحيد الثلاثة التي أشار إليها العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى - بقوله:
والعلم أقسام ثلاث ما لها ... من رابع والحق ذو تبيان
علم بأوصاف الإله وفعله ... كذلك الأسماء للرحمن
والأمر والنهي الذي هو دينه ... وجزاؤه يوم المعاد الثاني
وصلى الله على سيد المرسلين وإمام المتقين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 310
الخامسة: التصريح بذكر اليدين: وأن السماوات في اليد اليمنى، والأرضين في اليد الأخرى.
السادسة: التصريح بتسميتها الشمال.
السابعة: ذكر الجبارين والمتكبرين عند ذلك.
الثامنة: قوله: "كخردلة في كف أحدكم ".
التاسعة: عظم الكرسي بالنسبة إلى السماوات
العاشرة. عظم العرش بالنسبة إلى الكرسي.
الحادية عشرة: أن العرش غير الكرسي والماء.
الثانية عشرة: كم بين كل سماء إلى سماء.
الثالثة عشرة: كم بين السماء السابعة والكرسي.
الرابعة عشرة: كم بين الكرسي والماء.
الخامسة عشرة: أن العرش فوق الماء.
السادسة عشرة: أن الله فوق العرش.
السابعة عشرة: كم بين السماء والأرض.
الثامنة عشرة: كثف كل سماء خمسمائة سنة.
التاسعة عشرة: أن البحر الذي فوق السماوات بين أعلاه وأسفله مسيرة خمسمائة سنة. والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا كثيرا.
تم الكتاب
وقد كتب في آخره ما نصه:
تم نسخ ذلك في رجب سنة ١٣٤٥ بلغ مقابلة وتصحيحا على المشايخ الكرام: الشيخ محمد بن عبد اللطيف، والشيخ سليمان بن سحمان، والشيخ عبد الله المنقري.
стр. 311
أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له "
ولمسلم: " وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه "١
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن الاستثناء في الدعاء.
الثانية: بيان العلة في ذلك.
الثالثة: قوله: " ليعزم المسألة".
الرابعة: إعظام الرغبة.
الخامسة: التعليل لهذا الأمر.
...........................................................................................................
بالسائل للمخلوق أن يعلق حصول مسألته على مشيئة المسئول مخافة أن يعطيه وهو كاره بخلاف رب العالمين، فإنه يعطي عبده ما أراده بفضله وكرمه وإحسانه، فالأدب مع الله أن لا يعلق مسألته لربه بشيء لسعة فضله وإحسانه وجوده وكرمه، وفي الحديث: " ليعزم المسألة "، وفي الحديث: " يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار "الحديث.٢