← Акыда

Акыда · id 11334

كتاب التوحيد وقرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين

عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ

Полный текст (311 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة ... كتاب التوحيد وقرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء المرسلين تأليف: عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وبعد: فهذا كتاب "قرة عيون الموحدين" للعلامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، المتوفي سنة "١٢٨٥ " هـ، وقد وضع فيه بعض الحواشي المفيدة على كتاب جده شيخ الإسلام في عصره الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي التميمي المتوفى سنة "١٢٠٦ " هـ، الذي دعا إلى توحيد الله وعدم الإشراك به، وقد تبعه في ذلك حفيده الشيخ عبد الرحمن، فوضع بعض الحواشي المختصرة في كتابه هذا الذي سماه "قرة عيون الموحدين "، وإنه بحق قرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين، الذين دعوا إلى عبادة الله وحده وعدم الإشراك به، فبين الشيخ عقيدة التوحيد، وحذر مما يعد من الشرك الذي تساهل الناس فيه في عصرنا الحاضر، كالتمائم، والتبرك بالأحجار والأشجار وغيرهما، وبين أنه لا تجوز العبادة إلا لله تعالى، وأن الذبح أيضا لا يجوز إلا لله، وكذلك النذور لا تجوز إلا لله، وأن من الشرك أن يستغيث الإنسان بغير الله تعالى وأنه ينبغي أن لا يسأل غير الله تعالى، ولا يستعين إلا بالله، وقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم لابن عمه عبد الله بن عباس ﵄: " وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله " ١ وقال تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ٢. وبين ﵀ أن سبب كفر بني آدم، الغلو في الصالحين حتى صارت كالأوثان تعبد من دون الله، وحذر الناس من السحر والكهانة، والتطير والتنجيم والاستسقاء بالأنواء، وبين أن من الشرك الحلف بغير الله تعالى، وأن على المؤمن أن يسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وبين أيضا ﵀ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم حمى التوحيد وسد طرق الشرك، ومن أراد في هذا شرحا وافيا فعليه أيضا بكتاب "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" الذي هو شرح أيضا للمؤلف نفسه

стр. 2

على كتاب جده "التوحيد"، فإنه قد أجاد فيه، وأفاد، جزاه الله تعالى خيرا. وإننا نقدم للناس هذه الرسالة في وقت أحوج ما نكون فيه إلى تصحيح عقائد المسلمين والرجوع بها إلى النبع الصافي من كتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم وهي تعطينا صورة صادقة لما كانت عليه عقيدة الأمة الإسلامية في قرونها الخيرة التي تلقوها عن أئمتهم، وهي عقيدة السلف الصالح، وهي العقيدة السليمة والطريقة المستقيمة التي ينبغي على كل مسلم أن يسلك سبيلها، وأن يسير على منهاجها، نسأل الله ﵎ أن يميتنا على عقيدة أهل السنة والجماعة، وأن يحشرنا مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، ذلك الفضل من الله وكفي بالله عليما. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. كتبه خادم السنة النبوية عبد القادر الأرناؤوط مقدمة المحقق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي لا إله إلا هو وحده، والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه، وبعد، اعتمدت في تحقيق كتاب "قرة عيون الموحدين" على طبعة الأستاذ محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى، الذي هو حاشية على "كتاب التوحيد" لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، المطبوعة بمطبعة المنار سنة ١٣٤٦هـ، وقد رأينا أن الفائدة لا تتم من الكتاب إلا إذا كان مصدر بكتاب التوحيد كاملا فكان عملنا: ١- صدرت "كتاب التوحيد" في أعلى الصفحات. ٢- جعلت "كتاب قرة عيون الموحدين" حاشية له وبحرف مغاير للأول. خرجت أحاديث الكتابين، وذلك بالرجوع إلى كتب السنة المطهرة، وإلى كتب الشيخين محمد ناصر الدين الألباني وعبد القادر الأرناؤوط، وألحقت بالكتاب فهرسا لأطراف الحديث وآخر لموضوعات الكتاب. وأسأل الله تعالى أن ينفع بهذا الكتاب ويقر به عيون الموحدين، الذين يتبعون رسالاته ويخشونه ولا يخشون أحدا سواه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. بشير محمد عيون

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم ١- باب " حق الله على العباد وحق العباد على الله " وقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١. وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢ الآية. .................................................................................................. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رب يسر وأعن يا كريم ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الكلام على البسملة بين مذكور في الشرح، والبداءة بها سنة، كما فعل البخاري وغيره من العلماء اتباعا للسنة في مراسلات النبي صلي الله عليه وسلم للملوك وغيرهم، وفي الأمر بالبداءة بها حديث معروف٣. "كتاب التوحيد"المراد بالتوحيد توحيد العبادة، وكل رسول يفتتح دعوته لقومه بهذا التوحيد: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٤ كما في سورة الأعراف وهود وغيرهما. وقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٥ دلت الآية على أن الله تعالى خلق الخلق لحكمة عظيمة، وهي القيام بما وجب عليهم من عبادته وحده بترك عبادة ما سواه، ففعل الأول وهو خلقهم ليفعلوا هم الثاني وهي العبادة. قال شيخ الإسلام: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. وقال أيضا: والعبادة اسم يجمع كمال الحب لله ونهايته، وكمال الذل لله ونهايته،

стр. 4

وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ .................................................................................................. فالحب الخلي عن ذل والذل الخلي عن حب لا يكون عبادة، وإنما العبادة ما يجمع كمال الأمرين. وقال أيضا: وأما ما خلقوا له من محبة الله تعالى ورضاه فهو إرادته الدينية، فذلك مذكور في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١ ٢. وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٣ الآية. يخبر تعالى أنه بعث في كل قرن وطائفة من الأمم رسولا يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وينهاهم عن عبادة ما زينه الشيطان لهم وأوقعهم فيه من عبادة ما سواه، فمنهم من هدى الله ووحده تعالى بالعبادة وأطاع رسله، ومنهم من حقت عليه الضلالة فأشرك مع الله غيره بعبادته، ولم يقبل هدى الله الذي جاءت به الرسل، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٤. وهذا التوحيد الذي خلقوا له ودعوا إليه هو توحيد الإلهية، توحيد القصد والطلب. وأما توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات وتوحيد الأفعال، فهو توحيد العلم والاعتقاد، وأكثر الأمم قد أقروا به لله. وأما توحيد الإلهية فأكثرهم قد جحدوه، كما قال تعالى عن قوم هود لما قال لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٥ ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ ٦ وقال مشركو قريش: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٧، وهذه الآية وهي قوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٨، هذه الآية تبين معنى الآية قبلها وكذلك الآيات بعدها، وأن المراد بالعبادة التي خلقوا لها هي العبادة الخالصة التي لم يلبسها شرك بعبادة شيء سوى الله كائنا ما كان، فلا تصح الأعمال إلا بالبراءة من عبادة كل ما يعبد من دون الله، والله تعالى خلق الثقلين ليعبدوه، فمنهم من فعل، ومنهم من أشرك وكفر، كما قال تعالى في هذه الآية: ﴿فَمِنْهُمْ

стр. 5

مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ ١.وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٢ يبين أن حكمة الرب في خلقه للجن والإنس لا تقتضي أن كلا يفعل ما خلق له وأرسلت الرسل لأجله، ولهذه الحكمة أهلك الله من لم يعبده وحده، ولم يقبل ما جاءت به رسله، وشرع قتالهم لنبيه صلي الله عليه وسلم وأتباعه، فمنهم من أطاع وهم الأقلون، ومنهم من عصى وهم الأكثرون. وهذا التوحيد هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه، كما قال الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف ﵈: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ ٣، وهذا هو الدين الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وأمر الرسل أن يقيموه، كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ٤، وقال لنبيه محمد صلي الله عليه وسلم: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ ٥، فأمره أن يعبده وحده وأن يدعو الأمة إلى ذلك. والقرآن كله في هذا التوحيد وبيانه وجزائه والرد على من جحده، كما قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. هْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٦ وفي حديث معاذ الذي رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، قال: قلت يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، فقال: "سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان- وذكر الحج - ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ " قلت: بلى يا رسول الله. قال: "رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروه سنامه الجهاد في سبيل الله " ٧. فدل على أن الإسلام هو التوحيد، والفرائض من حقوقه. وقد أجمع الفقهاء على أن الإسلام شرط لصحة الصلاة وغيرها من الأعمال، وهو

стр. 6

﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ ١ الآية. وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ ٢الآيه. وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ .................................................................................................. مقتضى الشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدا رسول الله. فمعنى شهادة أن لا إله إلا الله: نفي الشرك والبراءة منه وممن فعله، وإخلاص العبادة لله وحده، والإيمان بالرسول وطاعته وهو معنى الآية الثالثة، وهي قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ ٣ أي أمر ووصى. فقوله: " أَلا تَعْبُدُوا " فيه معنى "لا إله" وقوله: " إِلا إِيَّاهُ " فيه معنى " إِلا اللَّهَ ". وهذا معنى كلمة الإخلاص كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً﴾ ٤ فقوله: " أَلا تَعْبُدُوا " فيه معنى "لا إِلَهَ" وقوله: " إِلا اللَّهَ " هو المستثنى في كلمة الإخلاص فسبحان الله كيف خفي هذا مع بيانه ووضوحه على الأذكياء من متأخري هذه الأمة؟. وقول الله تعالى: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ ٥ - الآية. وهذه الآية تبين العبادة التي خلقوا لها أيضا، فإنه تعالى قرن الأمر بالعبادة التي فرضها بالنهي عن الشرك الذي حرمه وهو الشرك في العبادة، فدلت هذه الآية على أن اجتناب الشرك شرط في صحة العبادة، فلا تصح بدونه أصلا، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ٧، فتقديم المعمول يفيد الحصر، أي بل الله فاعبد وحده لا غير، كما في فاتحة الكتاب ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٨. وقرر تعالى هذا التوحيد بقوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ ٩. والدين هو العبادة بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: والأمر والنهي الذي هو دينه وجزاؤه يوم المعاد الثاني. وتقدم أن أصله وأساسه توحيد العبادة، فلا تغفل عما تقدم. قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ

стр. 7

إِحْسَاناً﴾ ١ أي حرم عليكم الشرك الذي نهاكم عنه بقوله: ﴿أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ ٢ فالشرك أعظم ذنب عصي الله به أكبره وأصغره. وقد وقع الأكثر من متأخري هذه الأمة في هذا الشرك الذي هو أعظم المحرمات، كما وقع في الجاهلية قبل مبعث النبي صلي الله عليه وسلم، عبدوا القبور والمشاهد والأشجار والأحجار والطواغيت والجن، كما عبد أولئك اللات والعزى ومناة وهبل وغيرها من الأصنام والأوثان، واتخذوا هذا الشرك دينا ونفروا إذا دعوا إلى التوحيد أشد نفرة، واشتد غضبهم لمعبوداتهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً﴾ ٤، وقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ. وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ٥. علموا أن لا إله إلا الله تنفي الشرك الذي وقعوا فيه، وأنكروا التوحيد الذي دلت عليه، فصار أولئك المشركون أعلم بمعنى هذه الكلمة: "لا إله إلا الله" من أكثر متأخري هذه الأمة، لا سيما أهل العلم منهم الذين لهم دراية في بعض الأحكام وعلم الكلام، فجهلوا توحيد العبادة، فوقعوا في الشرك المنافي له وزينوه، وجهلوا توحيد الأسماء والصفات وأنكروه، فوقعوا في نفيه أيضا. وصنفوا فيه الكتب لاعتقادهم أن ذلك حق وهو باطل. وقد اشتدت غربة الإسلام حتى عاد المعروف منكرا، والمنكر معروفا، فنشأ على هذا الصغير، وهرم عليه الكبير، وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم: " بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ" ٦.

стр. 8

قال ابن مسعود ﵁: "من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلي الله عليه وسلم التي عليها خاتمه، فليقرأ تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ ١ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً﴾ " الآية.٢. .................................................................................................. وقد قال صلي الله عليه وسلم: " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي" ٣. وهذا الحديث قد صح من طرق، كما ذكره العماد ابن كثير وغيره من الحفاظ، وهو في "السنن" وغيرها، ورواه محمد بن نصر في "كتاب الاعتصام". وقد وقع ما أخبر به النبي صلي الله عليه وسلم بعد القرون الثلاثة، فلهذا عم الجهل بالتوحيد الذي هو أصل دين الإسلام، فإن أصله أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع، وقد ترك هذا وصارت عبادة الأكثرين مشوبة بالشرك والبدع، لكن الله تعالى - وله الحمد - لم يخل الأرض من قائم له بحججه، وداع إليه على بصيرة؛ لكي لا تبطل حجج الله وبيناته التي أنزلها على أنبيائه ورسله، فله الحمد والشكر على ذلك. قوله: "التي عليها خاتمه " شبه هذه الوصية بوصية كتبت فختمت، أي فلم تتغير ولم تتبدل، أراد أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يزل يدعو الأمة من حين بعثه الله تعالى إلى أن توفاه - صلوات الله وسلامه عليه - إلى ما تضمنته هذه الآيات المحكمات أمرا ونهيا، كما قال تعالى عن خليله ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. وَوَصَّى بِهَا

стр. 9

إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: " كنت رديف النبي صلي الله عليه وسلم على حمار فقال لي: " يا معاذ! أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ " فقلت: الله ورسوله أعلم. قال: " فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا"، فقلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟ قال: " لا تبشرهم فيتكلوا " أخرجاه في " الصحيحين"١. .................................................................................................. قوله: " وعن معاذ بن جبل رضي عنه، قال: كنت رديف النبي صلي الله عليه وسلم على حمار فقال لي: يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد، على الله.". فساقه المصنف - رحمه الله تعالى - هنا لتضمنه معنى الآيات التي تقدمت، وذلك قوله: " حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا "٢. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: حق الإله عبادة بالأمر لا ... من غير إشراك به شيئا هما لم ينج من غضب الإله وناره ... والناس بعد فمشرك بالهه بهوى النفوس فذاك للشيطان ... سبب النجاة فحبذا السببان إلا الذي قامت به الأصلان ... أو ذو ابتداع أو له الوصفان "وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا"، ليس على الله حق واجب

стр. 10

فيه مسائل: الأولى: الحكمة في خلق الجن والإنس. الثانية: أن العبادة هي التوحيد، لأن الخصومة فيه. الثالثة: أن من لم يأت به لم يعبد الله، ففيه معنى قوله: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ ١. الرابعة: الحكمة في إرسال الرسل. الخامسة: أن الرسالة عمت كل أمة. السادسة: أن دين الأنبياء واحد. السابعة: المسألة الكبيرة أن عبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت; ففيه معنى قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ ٢ الآية. الثامنة: أن الطاغوت عام في كل ما عبد من دون الله. التاسعة: عظم شأن ثلاث الآيات المحكمات في سورة الأنعام "١٥١-١٥٣" عند السلف، وفيها عشر مسائل، أولها النهي عن الشرك. العاشرة: الآيات المحكمات في سورة الإسراء، وفيها ثماني عشرة مسألة، بدأها الله بقوله: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً﴾ ٣ وختمها بقوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً﴾ ٤، ونبهنا الله سبحانه على عظم شأن هذه المسائل بقوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ ٥. بالعقل كما تزعم المعتزلة، لكن هو سبحانه أحق ذلك على نفسه تفضلا وإحسانا على الموحدين المخلصين الذين لم يلتفتوا في إرادتهم ومهماتهم ورغباتهم ورهباتهم إلى أحد سواه، ولم يتقربوا بما يقولونه ويعملونه من الطاعات إلا إليه وحده، والله أعلم.

стр. 11

الحادية عشرة: آية سورة النساء التي تسمى آية الحقوق العشرة، بدأها الله تعالى بقول: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ ١ الثانية عشرة: التنبيه على وصية رسول الله صلي الله عليه وسلم عند موته. الثالثة عشرة: معرفة حق الله تعالى علينا. الرابعة عشرة: معرفة حق العباد عليه إذا أدوا حقه. الخامسة عثرة: أن هذه المسألة لا يعرفها أكثر الصحابة. السادسة عشرة: جواز كتمان العلم للمصلحة. السابعة عشرة: استحباب بشارة المسلم بما يسره. الثامنة عشرة: الخوف من الاتكال على سعة رحمة الله. التاسعة عشرة: قول المسئول عما لا يعلم: الله ورسوله أعلم. العشرون: جواز تخصيص بعض الناس بالعلم دون بعض. الحادية والعشرون: تواضعه صلي الله عليه وسلم لركوب الحمار مع الإرداف عليه. الثانية والعشرون: جواز الإرداف على الدابة. الثالثة والعشرون: فضيلة معاذ بن جبل. الرابعة والعشرون: عظم شأن هذه المسألة.

стр. 12

٢- باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ١ الآية. .................................................................................................. "باب فضل التوحيد " الباب هو المدخل إلى الشيء. قوله: "وما يكفر من الذنوب". "ما " مصدرية أي وتكفيره الذنوب. ويجوز أن تكون موصولة والعائد محذوف، أي والذي يكفره من الذنوب، والمراد بالتوحيد توحيد العبادة، وهو إفراد الله تعالى بأنواع العبادة الباطنة والظاهرة. كالدعاء والذبح والنذر ونحوه، كما قال تعالى:

стр. 13

عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل " أخرجاه١. ولهما في حديث عتبان: " فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله " ٢. ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٤. .................................................................................................. وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٥. واللبس الخلط. والمراد بالظلم هنا الشرك الأكبر؛ لما ثبت في حديث ابن مسعود وغيره مرفوعا: "إنما هو الشرك ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ " ٦.

стр. 14

أراد أن من لم يجتنب الشرك لم يحصل له أمن ولا اهتداء بالكلية. وأما من سلم منه فيحصل له من الأمن والاهتداء بحسب مقامه في الإسلام والإيمان. فلا يحصل الأمن التام والاهتداء التام إلا لمن لم يلق الله بكبيرة مصرا عليها. وأما إن كان للموحد ذنوب لم يتب منها حصل له من الأمن والاهتداء بحسب توحيده. وفاته منه بقدر معصيته، كما قال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ١. فالظالم لنفسه هو الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا. فهو تحت مشيئة الله إن شاء غفر له وإن شاء أخذه بذنبه ونجاه بتوحيده من الخلود في النار. وأما المقتصد فهو الذي عمل بما أوجب الله عليه، وترك ما حرم عليه فقط، وهذه حال الأبرار. وأما السابق فهو الذي حصل له كمال الإيمان باستفراغه وسعه في طاعة الله علما وعملا. فهذان لهم الأمن التام والاهتداء التام في الدنيا والآخرة، فالكل للكل والحصة للحصة، لأن كمال الإيمان يمنع صاحبه من المعاصي وعقوباتها، فلم يلق ربه بذنب يعاقب به، كما قال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ ٢. وهذا الذي ذكرته في معنى هذه الآية هو ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -، وابن القيم ﵀ في معناها، وهو الذي دل عليه القرآن، وهو قول أهل السنة والجماعة، خلافا لأهل البدع من الخوارج والمعتزلة ونحوهم. قوله: "من شهد" لا ريب أن الشهادة لا تكون شهادة إلا إذا كانت عن علم ويقين وصدق، وأما مع الجهل والشك فلا تعتبر ولا تنفع، فيكون الشاهد والحالة هذه كاذبا لجهله بمعنى الذي شهد به، وقد تضمنت هذه الكلمة العظيمة نفيا وإثباتا، فنفت الإلهية عن كل ما سوى الله بقولك: "لا إله"، وأثبتت الإلهية لله وحده بقولك: "إلا الله". قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٣. فكم ضل بسبب الجهل بمعناها من ضل وهم الأكثرون، فقلبوا حقيقة المعنى فأثبتوا الإلهية المنفية لمن نفيت عنه من المخلوقين أرباب القبور والمشاهد والطواغيت والأشجار والأحجار والجن وغير ذلك. واتخذوا ذلك دينا وشبهوا وزخرفوا واتخذوا التوحيد بدعة.

стр. 15

وأنكروه على من دعاهم إليه، فلم يعرفوا منها ما عرف أهل الجاهلية من كفار قريش ونحوهم١ فإنهم عرفوا معناها وأنكروا ما دلت عليه من الإخلاص، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ. وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ٢. والمشركون من أواخر هذه الأمة أنكروا ما أنكره أولئك على من دعاهم إلى ترك عبادة ما كانوا يعبدونه من دون الله من القبور والمشاهد والطواغيت ونحوها، فأولئك عرفوا هذا المعنى وأنكروه، وهؤلاء جهلوا هذا المعنى وأنكروه، فلهذا تجده يقول لا إله إلا الله، وهو يدعو مع الله غيره. قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: الإله هو الذي تألهه القلوب محبة وإجلالا وإنابة وإكراما وتعظيما، وذلا وخضوعا وخوفا ورجاء وتوكلا. وقال الوزير أبو المظفر - رحمه الله تعالى - في "الإفصاح" قوله: شهادة أن لا إله إلا الله يقتضي أن يكون الشاهد عالما بأن لا إله إلا الله، كما قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ ٣. قال: واسم الله مرتفع بعد إلا من حيث إنه الواجب له الإلهية، فلا يستحقها غيره سبحانه. قال: وجملة الفائدة في ذلك أن تعلم أن هذه الكلمة مشتملة على الكفر بالطاغوت وعلى الإيمان بالله، فإنك لما نفيت الإلهية وأثبت الإيجاب لله كنت ممن كفر بالطاغوت، وآمن بالله. وقال ابن رجب رحمه الله تعالى: الإله هو الذي يطاع فلا يعصى هيبة له وإجلالا ومحبة وخوفا ورجاء وتوكلا عليه وسؤالا منه ودعاء له، ولا يصلح ذلك كله إلا لله ، فمن أشرك مخلوقا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان قدحا في إخلاصه في قول لا إله إلا الله، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك. وقال البقاعي: "لا إله إلا الله"، أي انتفى نفيا عظيما أن يكون معبود بحق غير الملك الأعظم قال: وهذا العلم هو من أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة، وإنما

стр. 16

يكون علما إذا كان نافعا، وإنما يكون نافعا إذا كان مع الإذعان والعمل بما تقتضيه، وإلا فهو جهل صرف. "قلت ": وهؤلاء المتأخرون جهلوا معنى الإله، وقلبوا حقيقة المعنى إلى معنى توحيد الربوبية، وهو القدرة على الاختراع فأثبتوا ما نفته "لا إله إلا الله" من الشرك، وأنكروا ما أثبتته من إخلاص العبادة لله جهلا منهم، وقد قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ ١. قال محيي الدين النووي: اعلم أن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قد ضيع من أزمان متطاولة، ولم يبق في هذه الأزمان إلا رسوم قليلة جدا، وهو باب عظيم به قوام الأمر وملاكه، وإذا كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح. قوله: في هذه الأزمان يعني القرن الخامس والسادس، وإذا كان كذلك فما الظن بالقرن العاشر وما بعده، وقد استحكمت فيها الغربة، ولشيخنا محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - في تفسير هذه الكلمة كلام بديع واضح لم يسبق إلى مثله، فليراجع لمسيس الحاجة إليه. قوله في الحديث: "وحده لا شريك له " تأكيد لمعنى لا إله إلا الله الذي دلت عليه ووضعت له من باب اللف والنشر المقدم والمؤخر، وهو بيان لمعنى هذه الكلمة؛ لأنها دلت بجملتها على التوحيد، فلا إله تنفي الشرك في العبادة قليله وكثيره، وبينه بقوله: "لا شريك له" في إلهيته وهي العبادة. وقوله: "وحده " هو معنى "إلا الله" فهو الإله الحق وحده دون كل ما سواه من أهل السماوات والأرض، كما دلت على ذلك الآيات المحكمات ومتواتر الأحاديث، فتدبر هذا البيان يطلعك على بطلان قول من يقول بجواز دعوة غير الله، والله تعالى يقول لنبيه: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ ٢ وغيرها من الآيات الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى. فقوله: " وحده" تأكيد للإثبات. وقوله: " لا شريك له " تأكيد للنفي. وقوله: "وأن محمدا عبده ورسوله " أي وشهد أن محمدا عبده ورسوله، أي بصدق ويقين، وذلك يقتضي اتباعه وتعظيم أمره ونهيه ولزوم سنته صلي الله عليه وسلم، وأن لا تعارض بقول أحد؛ لأنه غيره صلي الله عليه وسلم يجوز عليه الخطأ، والنبي صلي الله عليه وسلم قد عصمه الله تعالى وأمرنا بطاعته والتأسي به، والوعيد على ترك طاعته بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ

стр. 17

أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ١ الآية. وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢. قال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. وقد وقع في التفريط في المتابعة وتركها وتقديم أقوال من يجوز عليهم الخطأ على قوله صلي الله عليه وسلم لا سيما من العلماء كما لا يخفى. قوله: "وأن عيسى عبد الله ورسوله " فيه بيان الحق الذي يجب اعتقاده كما في الآيات المحكمات، وما فيه من الرد على كفار النصارى وهم ثلاث طوائف: طائفة قالوا: إن عيسى هو الله. وطائفة قالوا: ابن الله. وطائفة قالوا: ثالث ثلاثة: يعنون عيسى وأمه، فبين تعالى في كتابه الحق وأبطل الباطل فقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ ٣ والآيات بعدها. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ في مواضع من المائدة ٤. وأخبر تعالى عما قاله المسيح ﵇ وهو في المهد فقال تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً. يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً. فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً. قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً. وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً. وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً. وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً. ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ. مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ٥. فبين تعالى الصراط المستقيم الذي من سلكه نجا ومن خرج عنه هلك، وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ ٦ فبين تعالى الصراط المستقيم بيانا شافيا ووافيا وأقام حججه على توحيده فأحق الحق وأبطل الباطل ولو كره المشركون. قوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ أي قوله: كن، فخلقه بكن فكان، ففيه إثبات صفة

стр. 18

الكلام لله تعالى خلافا للجهمية أيضا. قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي من الأرواح التي استخرجها من صلب آدم ﵇، وأخذ عليها العهد على أنه تعالى ربهم وإلههم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ ١ الآيات. وروح عيسى من تلك الأرواح التي خلقها الله تعالى. وذكر ابن جرير عن وهب بن منبه قال: نفخ جبريل في جيب درع مريم حتى وصلت النفخة إلى الرحم فاشتملت. وعن السدي أن النفخة دخلت في صدرها فحملت. وقال ابن جريح: يقولون إنما نفخ في جيب درعها وكمها. انتهى مختصرا. فجبريل نفخ والله خلق يقول كن فكان كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ ٢، فسبحان من لا يخلق غيره ولا يعبد سواه، وقد أورد بعض النصارى على بعض علماء المسلمين قول الله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ ، فقال في الجواب: هذا ليس خاصا بعيسى ﵇ بل المخلوقات كذلك كلها كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ ٣ أي خلقا وإيجادا، وعيسى كذلك خلقه وأوجده كسائر مخلوقاته، وفي هذا الحديث الرد على اليهود أعداء الله وأعداء أنبيائه ورسله فإنهم كانوا هم والنصارى في طرفي نقيض، فنسبوه إلى أنه ولد بغي قاتلهم الله فأكذبهم الله تعالى في كتابه وأبطل قولهم كما أبطل قول الغلاة من النصارى فيما تقدم من الآيات ونحوها. فالنصارى غلوا في عيسى ابن مريم ﵇ أعظم الغلو والكفر والضلال، واليهود جفوا في حقه غاية الجفاء، وكلاهما قد ضل ضلالا بعيدا، نبه الله تعالى في مواضع كثيرة من كتابه، وبين تعالى الحق والصدق ورفع قدر المسيح ﵇، وجعله من أولي العزم الخمسة المذكورين في سورة الأحزاب والشورى، وأمر نبيه صلي الله عليه وسلم أن يصبر كما صبروا فقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ ٤ فهم أفضل الرسل على التحقيق، والنبي صلي الله عليه وسلم أفضلهم صلوات الله وسلامه عليه، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. قوله: "وأن الجنة حق" أعدها الله للمؤمنين يوم القيامة، وما فيها من القصور والثمار والفواكه والنعيم المقيم والنظر إلى وجه الله الكريم، كما قال تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ ٥، وقال: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٦. "والنار حق" أعدها الله تعالى لمن كفر به وأشرك في إلهيته وربوبيته، وألحد في أسمائه وصفاته. ومن لم يؤمن بالجنة والنار فقد كفر بالقرآن والرسل، فإن الله تعالى بين

стр. 19

الجنة وما أعد فيها من النعيم المقيم، وذكر أنها دار المتقين، وذكر النار وما فيها من العذاب وأنه أعدها لمن كفر به وأشرك. قوله: "أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" جواب من الشرطية أي من شهد أن لا إله إلا الله إلى آخره أدخله الله الجنة، أي بإخلاصه وصدقه والإيمان برسوله وما أرسل به، وخالف النصارى واليهود في الغلو والجفاء في حق عيسى، وعلم يقينا أنه عبد الله ورسوله، وآمن بالجنة والنار، فمن كان كذلك أدخله الله الجنة، وإن كان مقصرا وله ذنوب فهذه الحسنة العظيمة ترجح بجميع السيئات، فتدبر هذا الحديث فإنه عظيم والله أعلم. قوله: "ولهما" أي البخاري ومسلم وهذا حديث طويل اختصره المصنف وذكر منه ما يناسب الترجمة وهو قوله: "من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله"، وهذا هو حقيقة معناها الذي دلت عليه هذه الكلمة من الإخلاص ونفي الشرك، والصدق والإخلاص متلازمان لا يوجد أحدهما بدون الآخر، فإن من لم يكن مخلصا فهو مشرك، ومن لم يكن صادقا فهو منافق، والمخلص أن يقولها مخلصا الإلهية لمن لا يستحقها غيره وهو الله تعالى، وهذا التوحيد هو أساس الإسلام الذي قال الخليل ﵇: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ ١. وقالت بلقيس: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ ٢، وقال الخليل ﵇: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣ والحنيف هو الذي ترك الشرك رأسا وتبرأ معه وفارق أهله وعاداهم، وأخلص أعماله الباطنة والظاهرة لله وحده، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ٤ فإسلام الوجه هو إخلاص العبادة المنافي للشرك والنفاق وهو معنى الآية ونحوها إجماعا، فهذا هو الذي ينفعه قول: "لا إله إلا الله "، ولهذا قال تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ٥، وهذا بخلاف من يقولها وهو يدعو غير الله ويستغيث به من ميت أو غائب لا ينفع ولا يضر، كما ترى عليه أكثر الخلق فهؤلاء وإن قالوها، فقد تلبسوا بما يناقضها فلا تنفع قائلها إلا بالعلم بمدلولها نفيا وإثباتا، والجاهل بمعناها وإن قالها لا تنفعه لجهله بما وضعت له الوضع العربي الذي أريد منها من نفي الشرك، وكذلك إذا عرف معناها بغير تيقن له، فإذا انتفى اليقين وقع الشك. ومما قيدت به في الحديث قوله صلي الله عليه وسلم: " غير شاك" فلا تنفع إلا من قالها بعلم ويقين لقوله صدقا من قلبه خالصا من قلبه، وكذلك من قالها غير صادق في قوله، فإنها لا تنفعه لمخالفة القلب اللسان كحال المنافقين الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وكذلك حال المشرك فلا تقبل من مشرك لمنافاة الشرك للإخلاص، ولما دلت عليه هذه الكلمة

стр. 20

وعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " قال موسى: يا رب، علمني شيئا أذكرك وأدعوك به. قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله. قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا، قال: يا موسى، لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله " رواه ابن حبان، والحاكم وصححه ١. مطابقة، فإنها دلت على نفي الشرك والبراءة منه، والإخلاص لله وحده لا شريك له مطابقة، ومن لم يكن كذلك لم ينفعه قوله لا إله إلا الله، كما هو حال كثير من عبدة الأوثان يقولون لا إله إلا الله وينكرون ما دلت عليه من الإخلاص، ويعادون أهله وينصرون الشرك وأهله، وقد قال الخليل ﵇ لأبيه وقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ. إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ. وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ ٢. وهي لا إله إلا الله، وقد عبر عنها الخليل بمعناها الذي وضعت له ودلت عليه، وهو البراءة من الشرك وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، كما تقدم تقريره، وكذلك من قالها ولم يقبل ما دلت عليه من الإخلاص كان قوله لهذه الكلمة كذبا منه، بل قد عكس مدلولها فأثبت ما نفته من الشرك، ونفي ما أثبتته من الإخلاص. فهذا الذي ذكرناه هو حال الأكثرين من هذه الأمة بعد القرون الثلاثة، وسبب ذلك الجهل بمعناها واتباع الهوى، فيصرفه عن اتباع الحق، وما بعث الله به رسله من توحيده الذي شرعه لعباده ورضيه لهم. قوله: لا إله إلا الله ف "لا" نافية للجنس نفيا عاما إلا ما استثنى، وخبرها محذوف تقديره لا إله إلا الله. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ٣ فإلهيته تعالى هي الحق، وكل ما سواه من الآلهة فإلهيته باطلة، كما في هذه الآية ونظائرها فهذه كلمة عظيمة هي العروة الوثقى، وكلمة التقوى وكلمة الإخلاص، وهي التي قامت بها السماوات والأرض، وشرعت لتكميلها السنة

стр. 21

والفرض ولأجلها جردت سيوف الجهاد، وبها ظهر الفرق بين المطيع والعاصي من العباد. فمن قالها وعمل بها صدقا وإخلاصا، وقبولا ومحبة وانقيادا، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل، وفي الحديث الصحيح: " أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير " ١. وفي حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا: " يصاح برجل من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر ثم يقال: أتنكر من هذا شيئا؟. فيقول: لا يا رب فيقال: ألك عذر أو حسنة؟ فيهاب الرجل فيقول: لا، فيقال: بلى إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة " رواه الترمذي وحسنه٢. قوله: " لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري "أي كل من في السماوات والأرض. وقوله "غيري" استثنى ممن في السماوات نفسه لأنه العلي الأعلى تعالى وتقدس كما قال تعالى ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ٣ علو القهر وعلو القدرة وعلو الذات، فالثلاثة كلها صفته ودلت على كماله، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٤ ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ ٥ في سبعة مواضع من كتابه كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ٦. وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ٧ وقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ٨، وقال تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ٩، وأمثال هذه الآيات. فمن سلب علو الله تعالى على خلقه فقد خالف صريح الكتاب والسنة وألحد في أسمائه وصفاته، ومعنى هذه الكلمة نفي الإلهية عن كل شيء

стр. 22

سوى ما استثنى بها وهو الله تعالى، وفيه النص على أن الأرضين سبع كالسماوات، لكن هذه الكلمة العظيمة لا يحصل رجحانها إلا في حق من أتى بقيودها التي قيدت بها في الكتاب والسنة، وقد ذكر سبحانه في سورة براءة وغيرها كثيرا ممن يقولها ولم ينفعهم قولها، كحال أهل الكتاب والمنافقين على كثرتهم وتنوعهم في نفاقهم، فلم تنفعهم مع ما قام بهم من ترك تلك القيود، "فمنهم " من يقولها جاهلا بما وضعت له وبما دلت عليه من نفي الشرك والبراءة منه والصدق والإخلاص وغيرها كعدم القبول ممن دعا إليها علما وعملا، وترك الانقياد بالعمل بما تقتضيه كحال أكثر من يقولها قديما وحديثا، ولكن في أواخر هذه الأمة أكثر. "ومنهم " من يمنعه من محبتها والعمل بها ما قام بقلبه من كبر أو هوى أو غير ذلك من الأسباب وهي كثيرة منها قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ ١ إلى قوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ٢. وأما أهل الايمان الخلص فهم الذين أتوا بهذه الكلمة، واجتمعت لهم قيودها التي قيدت بها علما ويقينا وصدقا وإخلاصا ومحبة وقبولا وانقيادا، وعادوا فيه ووالوا فيه وأحبوا فيه وأبغضوا فيه، وقد ذكرهم تعالى في مواضع من سورة براءة وغيرها وخصهم بالثناء عليهم، والعفو عنهم، وأعد لهم جنته وأنجاهم من النار كما قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٣، وقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٤ فهؤلاء ومن اتبعهم بإحسان هم أهل لا إله إلا الله وغير هذه من الآيات في الثناء عليهم وما أعد لهم في الدار الآخرة، فمن تدبر القرآن وعرف تفاوت الخلق في محبة ربهم وتوحيده والعمل بطاعته والهرب من معصيته، وإيثار ما يحبه تعالى رغبة وعملا وترك ما يكرهه خشية ورجاء، واعتبر الناس بأحوالهم وأقوالهم وأعمالهم ونياتهم وإرادتهم وما هم عليه من التفاوت البعيد تبين له خطأ المغرورين كما في الحديث الصحيح عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني " ٥.

стр. 23

وللترمذي وحسنه عن أنس: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " قال الله تعالى: يا ابن آدم; لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة " ١. فيه مسائل: الأولى: سعة فضل الله. الثانية: كثرة ثواب التوحيد عند الله. الثالثة: تكفيره مع ذلك للذنوب. الرابعة: تفسير الآية " ٨٢ " التي في سورة الأنعام. الخامسة: تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة. السادسة: أنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان وما بعده، تبين لك معنى قول: " لا إله إلا الله" وتبين لك خطأ المغرورين. السابعة: التنبيه للشرط الذي في حديث عتبان. قوله: وللترمذي وحسنه عن أنس: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة " ٢. في هذا الحديث ما بين معنى "لا إله إلا الله" التي رجحت بجميع المخلوقات، وجميع السيئات وأن ذلك هو ترك الشرك قليله وكثيره، وذلك يقتضي كمال التوحيد، فلا يسلم من الشرك إلا من حقق توحيده وأتى بما تقتضيه كلمة الإخلاص من العلم واليقين والصدق والإخلاص والمحبة والقبول والانقياد، وغير ذلك مما تقتضيه تلك الكلمة العظيمة كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ. إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ٣.

стр. 24

الثامنة: كون الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل لا إله إلا الله. التاسعة: التنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات، مع أن كثيرا ممن يقولها يخف ميزانه. العاشرة: النص على أن الأرضين سبع كالسماوات. الحادية عشرة: أن لهن عمارا. الثانية عشرة: إثبات الصفات، خلافا للأشعرية. الثالثة عشرة: أنك إذا عرفت حديث أنس، عرفت أن قوله في حديث عتبان: " فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله " ١ أنه ترك الشرك، ليس قولها باللسان. الرابعة عشرة: تأمل الجمع بين كون عيسى ومحمد عبدي الله ورسوله. الخامسة عشرة: معرفة اختصاص عيسى بكونه كلمة الله. السادسة عشرة: معرفة كونه روحا منه. السابعة عشرة: معرفة فضل الإيمان بالجنة والنار. الثامنة عشرة: معرفة قوله" " على ما كان من العمل". التاسعة عشرة: معرفة أن الميزان له كفتان. العشرون: معرفة ذكر الوجه.

стр. 25

٣- باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ .................................................................................................. باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب أي ولا عذاب، وتحقيقه تصفيته وتخليصه من شوائب الشرك والبدع والإصرار على الذنوب، فمن كان كذلك فقد حقق توحيده، وتحقيق التوحيد عزيز في الأمة لا يوجد إلا في أهل الإيمان الخلص الذين أخلصهم الله واصطفاهم من خلقه كما قال تعالى في يوسف ﵇: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ ١ وفي قراءة:

стр. 26

" المخلصين " وهم في صدر الأمة كثيرون وفي آخرها هم الغرباء وقد قلوا، وهم الأعظمون قدرا عند الله. وقال تعالى عن خليله ﵇: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١. أي أخلصت ديني وأفردت عبادتي للذي فطر السماوات والأرض، أي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق. حنيفا: أي في حال كوني حنيفا أي مائلا عن الشرك إلى التوحيد، ولهذا قال: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢، ونظائر هذه الآية في القرآن كثير كقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ٤ قال العماد ابن كثير رحمه الله تعالى: في الآية يقول تعالى مخبرا عمن أسلم وجهه لله أي أخلص له العمل وانقاد لأوامره واتبع شرعه، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي في عمله واتباع ما أمر به وترك ما عنه زجر، فدلت هذه الآية العظيمة على أن كمال الإخلاص إنما يوجد بترك الشرك والبراءة منه وممن فعله، كما تقدم في الباب قبل هذا. وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٥ قال العماد ابن كثير -رحمه الله تعالى-: يمدح الله تعالى عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء بتبرئته من المشركين ومن اليهودية والنصرانية والمجوسية. والأمة: هو الإمام الذي يقتدى به. والقانت: هو الخاشع المطيع. والحنيف: المنحرف قصدا عن الشرك إلى التوحيد، ولهذا قال: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٦، وقال مجاهد: " كان إبراهيم أمة أي مؤمنا وحده والناس كلهم إذ ذاك كفار " "قلت ": وكلا القولين حق فقد كان الخليل ﵇ – كذلك، وقول مجاهد- والله أعلم- لما كان الخليل كذلك في ابتداء دعوته ونبوته ورسالته ﵇ فمدحه الله تعالى بتبرئته من المشركين كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً. إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ ٧ الآيات، وقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ. إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ٨ فهذا- والله أعلم- كان في ابتداء دعوته ﵊ ولم يكن إذ ذاك على وجه الأرض مسلم غيره وبذلك جاء الحديث٩.

стр. 27

وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ ١. .................................................................................................. وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فقد فارق المشركين بالقلب واللسان والأركان، وأنكر ما كانوا عليه من الشرك بالله في عبادته، وكسر الأصنام وصبر على ما أصابه في ذات الله، وهذا هو تحقيق التوحيد وهو أساس الدين ورأسه كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢ وأنت تجد أكثر من يقول لا إله إلا الله، ويدعي الإسلام، يفعل الشرك بالله في عبادته بدعوة من لا يضر ولا ينفع من الأموات والغائبين والطواغيت والجن وغيرهم، ويحبهم ويواليهم ويخافهم ويرجوهم، وينكر على من دعا إلى عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه، ويزعم أن ذلك بدعة وضلالة، ويعادي من عمل به وأحبه وأنكر الشرك وأبغضه، وبعضهم لا يعد التوحيد علما ولا يلتفت إليه لجهله به وعدم محبته، فالله المستعان. وقوله: "وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ قال العماد ابن كثير - رحمه الله تعالى -: أي من إحسانهم وعملهم الصالح مشفقون من الله خائفون وجلون من مكره بهم كما قال الحسن البصري: " المؤمن من جمع إحسانا وشفقا. والمنافق من جمع إساءة وأمنا " ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ ٣ أي يؤمنون بآيات الله الكونية والشرعية لقوله تعالى عن مريم: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ ٤ أي أيقنت أن ما كان فهو من قدر الله وقضائه وما شرعه الله، وإن كان أمرا فهو ما يحبه الله ويرضاه وإن كان نهيا فهو ما يكرهه الله ويأباه، وإن كان خبرا فهو حق كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ ٥ أي لا يعبدون معه غيره بل يوحدونه ويعلمون أنه لا إله إلا الله الأحد الصمد الذي لا يتخذ صاحبة ولا ولدا وأنه لا نظير له.. انتهى. "قلت": فترك الشرك يتضمن كمال التوحيد ومعرفته على الحقيقة ومحبته وقبوله والدعوة إليه كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ ٦ وتضمنت هذه الآية كمال التوحيد وتحقيقه وبالله التوفيق.

стр. 28

عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغت، قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي، قال: وما حدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: " لا رقية إلا من عين أو حمة " ١ قال: قد أحسن .................................................................................................. قوله: "عن حصين بن عبد الرحمن " هو الحارثي من تابعي التابعين عن الشعبي. قال: "كنت عند سعيد بن جبير " هو الوالبي مولاهم الفقيه عن ابن عباس وخلق، قال اللالكائي: ثقة إمام حجة. قتله الحجاج بن يوسف فما أمهله الله بعده. قوله: "فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة " يعني كوكبا رجم به تلك الليلة، يقال البارحة لليلة الماضية إذا زالت الشمس، وأما قبل الزوال فيقال: الليلة. قوله "فقلت: أنا " أي أنا رأيته "ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة " قال ذلك حذرا من الشرك لئلا يظن الحاضرون أنه قام من الليل للعبادة فيكون قد ادعى لنفسه ما لم يفعله، فما أشد حذر التابعين ومن قبلهم من الشرك دقيقه وجليله، والحذر من أن يحمد بما لم يفعله. فما أعز من سلم من الشرك كما سيأتي. قوله: "ولكن حديث حدثناه الشعبي، قال: وما حدثكم؟ قلت: " حدثنا عن بريدة ابن الحصيب أنه قال: " لا رقية إلا من عين أو حمة " ٢. هذا الحديث قد روي مرفوعا، والشعبي اسمه عامر بن شراحيل الحميري الشعبي الإمام، روى عن عمر وعلي وابن مسعود ولم يسمع منهم. وعن أبي هريرة وعائشة وجرير وابن عباس وخلق. قال الشعبي: ما كتبت سوداء في بيضاء توفي سنة ثلاث ومائة. وبريدة هو ابن الحصيب ابن عبد الله بن الحارثي الأسلمي، أسلم قبل بدر وعمل على اليمن في أيام النبي صلي الله عليه وسلم صحابي مشهور. قوله: " لا رقية إلا من عين أو حمة " ٣ هذا- والله أعلم- في أول الأمر ثم رخص في الرقى إذا كانت بحق، والله اعلم. قوله: "قد أحسن من انتهى إلى ما سمع ". فيه حسن الأدب مع العلم وأهله، وأن من فعل شيئا سئل عن مستنده في فعله هل كان مقتديا أم لا، ومن لم يكن معه حجة شرعية فلا عذر له بما فعله. ولهذا ذكر ابن عبد البر الإجماع على أن المقلد ليس من أهل العلم فتفطن لهذا.

стр. 29

من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: " عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم، .................................................................................................. قوله: "ولكن حدثنا ابن عباس " هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، ابن عم النبيى حبر الأمة وترجمان القرآن، دعا له النبي صلي الله عليه وسلم فقال: " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل " ١ وصار آية في العلم والفهم وكثرة ما روى من الأحاديث على أنه من صغار الصحابة لكن طلب الحديث من كبار الصحابة فحفظ الأكثر مما كان عندهم ﵃ أجمعين. قوله: "أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: عرضت علي الأمم ". قلت: فالله أعلم متى عرضت، وعرضها أن الله ﵎ أراه مثالها إذا جاءت الأنبياء ومن تبعهم. فمن نجا بالإيمان بالله وما بعث به أنبياءه ورسله من دينه الذي شرعه لهم، وهو عبادته وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه، والأخذ بما أمرهم به وترك ما نهاهم عنه كما قال تعالى عن قوم نوح: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ. أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ ٢ فعبادته وتوحيده وطاعته بامتثال ما أمرهم به وترك ما نهاهم عنه وطاعة رسوله. هذا هو الدين أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع فعلا وتركا، وأن يقدم طاعة رسوله على ما يحبه ويهواه. قوله: "فرأيت النبي ومعه الرهط " الرهط: العشره فما دون "والنبي ومعه الرجل والرجلان " أي أتباعه "والنبي وليس معه أحد " أي يبعث في قومه، فلا يتبعه منهم أحد. كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ. وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ٣، وفيه دليل على أن الناجي من الأمم هم القليل، والأكثر غلبت عليهم الطباع البشرية، فعصوا الرسل فهلكوا كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٤ وقال: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ

стр. 30

فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. ثم نهض فدخل منزله. فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا .................................................................................................. لَفَاسِقِينَ﴾ ١وقال: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ ٢ وأمثال هذه الآيات في القرآن كثير. والناجون - وإن كانوا أقل القليل - فهم السواد الأعظم، فإنهم الأعظمون قدرا عند الله وإن قلوا. فليحذر المسلم أن يغتر بالكثرة، وقد اغتر بهم كثيرون، حتى بعض من يدعي العلم اعتقدوا في دينهم ما يعتقده الجهال الضلال، ولم يلتفتوا إلى ما قاله الله ورسوله. قوله: " إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي فقيل لي: هذا موسى وقومه "فيه فضيلة أتباع موسى من بني إسرائيل ممن آمن منهم بالرسل والكتب التي أنزلها الله، التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وغيرها. وكانت بنو إسرائيل قبل التفرق كثيرين وفيهم الأنبياء، ثم بعد ذلك حدث ما حدث من اليهود، وهذا الحديث يدل على أن التابع لموسى ﵇ كثيرون جدا. وقد قال تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٣ أي في زمانهم وذلك أن في زمانهم وقبله ممن كفر بالله خلقا لا يحصون، كحزب جالوت وبختنصر وأمثالهم، ففضل الله بني إسرائيل بالإيمان، فصاروا أفضل أهل زمانهم، وحدث فيهم ما ذكر الله في سورة البقرة وغيرها من معصيتهم لأنبيائهم واختلافهم في دينهم، وقد ذكره الله تعالى محتجا به على اليهود الذين كفروا بمحمد صلي الله عليه وسلم، فتدبر ما ذكره الله تعالى من أحوالهم بعد الاختلاف. قوله: "ثم نظرت فإذا سواد عظيم ". وفي رواية "قد سد الأفق "، "فقيل لي هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ". فيه فضيلة هذه الأمة وأنهم أكثر الأمم تابعا لنبيهم صلي الله عليه وسلم، وقد كثروا في عهد الصحابة ﵃. وفي وقت الخلفاء الراشدين ومن بعدهم فملئوا القرى والأمصار والقفاز وكثر فيهم العلم، واجتمعت لهم الفنون في العلوم النافعة، فما زالت في هذه الأمة على السنة في القرون الثلاثة المفضلة. وقد قلوا في آخر الزمان، قال شيخنا - رحمه الله تعالى - في مسائله: وفيه فضيلة هذه الأمة بالكمية والكيفية، فالكمية الكثرة والعدد والكيفية فضيلتهم في صفاتهم، كما في هذا الحديث بقوله: "ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ". قوله: "ثم نهض فدخل منزله فخاض الناس في أولئك " أي: الحاضرون في

стр. 31

رسول الله صلي الله عليه وسلم وقال بعضهم: فلعلهم الذي ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئا، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال: ما الذي تخوضون فيه فأخبروه، فقال: هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن. فقال: ادع الله أن .................................................................................................. ذكرهم هذا الحديث، وفيه أيضا فضل الصحابة ﵃ في مذاكرتهم العلم وحرصهم على فهم ما حدثهم به نبيهم صلي الله عليه وسلم حرصا على العمل به. وفيه جواز الاجتهاد فيما لم يكن فيه دليل لأنهم قالوا ما قالوا باجتهادهم، ولم ينكر صلي الله عليه وسلم ذلك عليهم، لكن المجتهد إذا لم يكن معه دليل، لا يجوز له أن يجزم بصواب نفسه، بل يقال: لعل الحكم كذا وكذا كقول الصحابة ﵃ في هذا الحديث. قوله: " فخرج عليهم رسول الله صلي الله عليه وسلم فأخبروه فقال: هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون "أي لا يطلبون الرقية من أحد ولا يكتوون إذا كان فيهم ما يستشفي بالكي منه، ولا يتطيرون والطيرة شرك فتركوا الشرك رأسا ولم ينزلوا حوائجهم بأحد فيسألونه الرقية فما فوقها وتركوا الكي، وإن كان يراد للشفاء. والحامل لهم على ذلك قوة توكلهم على الله وتفويضهم أمورهم إليه. وأن لا تتعلق قلوبهم بشيء سواه في ضمن ما دبره وقضاه فلا يرغبون إلا إلى ربهم، ولا يرهبون إلا منه ويعتقدون أن ما أصابهم بقدره واختياره لهم، فلا يفزعون إلا إليه وحده في كشف ضرهم، قال تعالى عن يعقوب ﵇: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ ١. قوله: "فقام عكاشة بن محصن " صحابي مشهور شهد بدرا والمشاهد كلها مع النبي صلي الله عليه وسلم وهو من بني أسد بن خزيمة قتله طليحة بن خويلد شهيدا، وكان قد سار مع خالد بن الوليد لقتال أهل الردة فقاتل بني أسد لردتهم عن الإسلام، وكان فيهم طليعة وقد ادعى النبوة وصدقوه، فأكرم الله عكاشة على يده لما كان كافرا ثم بعد ذلك هداه الله إلى الإسلام، وجاهد الفرس مع سعد بن أبي وقاص، وصار له في الفرس وقائع معروفة في السير، وكان ممن استشهد في قتالهم في وقعة الحيرة المشهورة. قوله: "فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم " فيه أن شفاعة الحي لمن سأله الدعاء إنما كانت بدعائه، وبعد الموت قد تعذر ذلك بأمور لا تخفى على من له بصيرة. فمن سأل ميتا أو غائبا فقد سأل ما لا يقدر عليه. وكل من سأل أحدا ما لا يقدر عليه إلا الله فقد

стр. 32

يجعلني منهم. قال: " أنت منهم"، ثم قام رجل فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: " سبقك بها عكاشة "١. فيه مسائل: الأولى: معرفة مراتب الناس في التوحيد. الثانية: ما معنى تحقيقه. الثالثة: ثناؤه سبحانه على إبراهيم بكونه لم يك من المشركين. الرابعة: ثناؤه على سادات الأولياء بسلامتهم من الشرك. الخامسة: كون ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد. السادسة: كون الجامع لتلك الخصال هو التوكل. جعله ندا لله كما كان المشركون كذلك، وقال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢ أنه ربكم وخالقكم ومن قبلكم، وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة فلا ترغبوا عنه إلى غيره بل أخلصوا له العبادة بجميع أنواعها فيما تطلبونه من قليل أو كثير. قوله: "أنت منهم " لما كان يعلمه صلي الله عليه وسلم من إيمانه وفضله وجهاده كما في الحديث " لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " ٣. قوله: " ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: سبقك بها عكاشة "والظاهر أنه أراد صلوات اللة وسلامه عليه سد الذريعة، لئلا يتتابع الناس بسؤال ذلك فيسأله من ليس أهلا له. وذلك منه صلي الله عليه وسلم تعريض كما لا يخفى.

стр. 33

السابعة: عمق علم الصحابة لمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل. الثامنة: حرصهم على الخير. التاسعة: فضيلة هذه الأمة بالكمية والكيفية. العاشرة: فضيلة أصحاب موسى. الحادية عشرة: عرض الأمم عليه ﵊. الثانية عشرة: أن كل أمة تحشر وحدها مع نبيها. الثالثة عشرة: قلة من استجاب للأنبياء. الرابعة عشرة: أن من لم يجبه أحد يأتي وحده. الخامسة عشرة: ثمرة هذا العلم، وهو عدم الاغترار بالكثرة، وعدم الزهد في القلة. السادسة عشرة: الرخصة في الرقية من العين والحمة. السابعة عشرة: عمق علم السلف لقوله: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن كذا وكذا فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني. الثامنة عشرة: بعد السلف عن مدح الإنسان بما ليس فيه. التاسعة عشرة: قوله: " أنت منهم" علم من أعلام النبوة. العشرون: فضيلة عكاشة. الحادية والعشرون: استعمال المعاريض. الثانية والعشرون: حسن خلقه ﷺ .

стр. 34

٤- باب الخوف من الشرك وقول الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ باب الخوف من الشرك وقول الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١ قال النووي رحمه الله تعالى: أما دخول المشرك النار فهو على عمومه فيدخلها ويخلد

стр. 35

وقال الخليل ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ ١. .................................................................................................. فيها. ولا فرق بين الكتابي اليهودي والنصراني وبين عبدة الأوثان وسائر الكفرة. ولا فرق عند أهل الحق بين الكافر عنادا وغيره. ولا بين من خالف ملة الإسلام وبين من انتسب إليها ثم حكم بكفره بجحده وغير ذلك. وأما دخول من مات غير مشرك الجنة فهو مقطوع به لكن إن لم يكن صاحب كبيرة مصرا عليها ومات على ذلك فهو تحت المشيئة فإن عفي عنه دخل الجنة أولا وإلا عذب في النار ثم أخرج منها وأدخل الجنة.. انتهى. "قلت ":هذا قول أهل السنة والجماعة لا اختلاف بينهم في ذلك، وهذه الآية من أعظم ما يوجب الخوف من الشرك لأن الله تعالى قطع المغفرة عن المشرك، وأوجب له الخلود في النار وأطلق ولم يقيد، ثم قال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٢ فخصص وقيد فيما دون الشرك، فهذا الذنب الذي هذا شأنه لا يأمن أن يقع فيه، فلا يرجى له معه نجاة إن لم يتب منه قبل الوفاة. قوله: "وقال الخليل ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ ٣ أي إبراهيم ﵇ خليل الرحمن. والخلة أخص من المحبة، ولهذا اختص بها الخليلان إبراهيم ومحمد صلي الله عليه وسلم ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ ٤ وهذا أيضا يخيف العبد، فإذا كان الخليل إمام الحنفاء الذي جعله الله أمة واحدة وابتلاه بكلمات فأتمهن وقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ ٥ وأمر بذبح ولده فامتثل أمر ربه. وكسر الأصنام واشتد نكيره على أهل الشرك. ومع ذلك يخاف أن يقع في الشرك الذي هو عبادة الأصنام لعلمه أنه لا يصرفه عنه إلا الله بهدايته وتوفيقه لا بحوله هو وقوته وما أحسن ما قال إبراهيم التيمي: ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم؟ فهذا أمر لا يؤمن الوقوع فيه وقد وقع فيه الأذكياء من هذه الأمة بعد القرون المفضلة فاتخذت الأوثان وعبدت. فالذي خافه الخليل ﵇ على نفسه وبنيه وقع فيه أكثر الأمة بعد القرون المفضلة، فبنت المساجد والمشاهد على القبور، وصرفت لها العبادات بأنواعها، واتخذ ذلك دينا وهي أوثان وأصنام كأصنام قوم نوح واللات والعزى ومناة وأصنام العرب وغيرهم. فما أشبه ما وقع في آخر هذه الأمة بحال أهل الجاهلية من مشركي العرب وغيرهم. بل وقع ما هو أعظم من الشرك في الربوبية مما يطول عده. فذكر ﵇ السبب الذي أوجب له الخوف عليه وعلى ذريته بقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ ٦ وقد ضلت الأمم بعبادة الأصنام في زمن الخليل وقبله وبعده، فمن تدبر القرآن

стр. 36

وفي الحديث: " أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه؟ فقال: " الرياء " ١. .................................................................................................. عرف أحوال الخلق وما وقعوا فيه من الشرك العظيم الذي بعث الله أنبياءه ورسله بالنهي عنه، والوعيد على فعله، والثواب على تركه، وقد هلك من هلك بإعراضه عن القرآن وجهله بما أمر الله به ونهى عنه، نسأل الله الثبات على الإسلام والاستقامة على ذلك إلى أن نلقى الله على التوحيد، إنه ولي ذلك والقادر عليه "ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم "، وقال تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢ رد أمرهم إلى الله كما رد ﵇. وقد بين الله تعالى فيما أنزله على نبيه محمد صلي الله عليه وسلم حكمه في أهل الشرك بأنه لا يغفره لهم فلا معارضة، وقد بين حكمه فيهم في هذا الكتاب العزيز ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ٣. وقوله: "وفي الحديث " لأصحابه صلي الله عليه وسلم " أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر فسئل عنه فقال: الرياء " ٤. وهذا الحديث رواه الإمام أحمد والطبراني والبيهقي عن محمود بن لبيد، فإذا كان يخافه صلي الله عليه وسلم على أصحابه الذين وحدوا الله بالعبادة، ورغبوا إليه وإلى ما أمرهم به من طاعته، فهاجروا وجاهدوا من كفر به، وعرفوا ما دعاهم إليه نبيهم، وما أنزله الله في كتابه من الإخلاص والبراءة من الشرك، فكيف لا يخاف من لا نسبة له إليهم في علم ولا عمل مما هو أكبر من ذلك! وقد أخبر صلي الله عليه وسلم عن أمته بوقوع الشرك الأكبر فيهم بقوله في حديث ثوبان الآتي ذكره: " حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان " ٥، وقد جرى ما أخبر به صلي الله عليه وسلم وعمت به البلوى في أكثر الأقطار حتى اتخذوه دينا مع ظهور الآيات المحكمات، والأحاديث الصحيحة في النهي عنه والتخويف منه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ ٦. وقال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ. حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ ٧ وهذا هو

стр. 37

وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار " ١ رواه البخاري ". ولمسلم عن جابر ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " من لقي الله لا .................................................................................................. تحقيق التوحيد، كما تقدم في الباب قبله. ثم قال تعالى محذرا عباده من الشرك ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ٢ ومن لم تخوفه هذه الآيات وتزجره عن الشرك في العبادة إذا تدبرها فلا حيلة فيه. قوله: "وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار " رواه البخاري ". وهذا الحديث فيه التحذير من الشرك أيضا، والتخويف منه، والند المثل والشبيه، فمن دعا ميتا أو غائبا وأقبل إليه بوجهه وقلبه رغبة إليه ورهبة منه سواء سأله أم لم يسأله، فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله. ولهذا حرم الله تعالى اتخاذ الشفعاء، وأنكره على من فعل ذلك أشد الإنكار، لكونه ينافي الإخلاص الذي هو إقبال القلب والوجه على الله في كل ما يخافه العبد ويرجوه ويتقرب به ويدين به، ومن المعلوم أنه إذا التفت للشفيع يسأله، فقد أعرض بوجهه وقلبه عن الله تعالى، وذلك ينافي الإخلاص، ويأتي بيان ذلك في باب الشفاعة إن شاء الله تعالى. قوله: "من لقي الله لا يشرك به شيئا "، هذا هو الإخلاص كما تقدم. وقوله: "ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار ". هذا هو الشرك فمن لقي الله بالشرك دخل النار قل أو كثر. أما الشرك الأكبر فلا عمل معه ويوجب الخلود في النار، كما تقدم في معنى الآيات. وأما الأصغر كيسير الرياء، وقول الرجل ما شاء الله وشئت، وقوله: ما لي إلا الله وأنت، ونحو ذلك. فهذا لا يكفر إلا برجحان السيئات بالحسنات. قال بعض العلماء: اقتصر على نفي الشرك لاستدعائه التوحيد بالاقتضاء واستدعائه إثبات الرسالة باللزوم؛ إذ من كذب رسل الله فقد كذب الله، ومن كذب الله فهو مشرك. فالمراد من مات حال كونه مؤمنا بجميع ما يجب الإيمان به إجمالا في الإجمالي، وتفصيلا في التفصيلي اهـ.

стр. 38

يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار " ١. فيه مسائل: الأولى: الخوف من الشرك. الثانية: أن الرياء من الشرك. الثالثة: أنه من الشرك الأصغر. الرابعة: أنه أخوف ما يخاف منه على الصالحين. الخامسة: قرب الجنة والنار. السادسة: الجمع بين قربهما في حديث واحد. السابعة: أنه من لقيه لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار ولو كان من أعبد الناس. الثامنة: المسألة العظيمة: سؤال الخليل له ولبنيه وقاية عبادة الأصنام. التاسعة: اعتباره بحال الأكثر، لقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ ٢. العاشرة: فيه تفسير " لا إله إلا الله"، كما ذكره البخاري. الحادية عشرة: فضيلة من سلم من الشرك.

стр. 39

٥- باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله وقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١. .................................................................................................. قال أبو جعفر بن جرير: يقول - تعالى ذكره - لنبيه محمد صلي الله عليه وسلم "قل " يا محمد "هذه " الدعوة التي أدعو إليها والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له

стр. 40

عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: " إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله- وفي رواية: إلى أن يوحدوا الله- فإن هم أطاعوك .................................................................................................. دون الآلهة والأوثان، والانتهاء إلى طاعته وترك معصيته "سبيلي " طريقتي ودعوتي ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى﴾ ١ وحده لا شريك له ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ بذلك ويقين علم مني به "أنا و " يدعو إليه على بصيرة أيضا ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ وصدقني وآمن بي ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ يقول - تعالى ذكره -: وقل تنزيها لله وتعظيما له من أن يكون له شريك في ملكه أو معبود سواه في سلطانه ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢ يقول: وأنا بريء من أهل الشرك به، لست منهم ولا هم مني اهـ. وهذه الآية تدل على أن أتباعه هم أهل البصائر الداعون إلى الله تعالى، ومن ليس منهم فليس من أتباعه على الحقيقة والموافقة، وإن كان من أتباعه على الانتساب والدعوى، قاله العلامة ابن القيم ﵀. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ ٣ وما زال النبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه يدعون إلى ما أمر الله به من الدعوة إلى توحيده في العبادة والنهي عن الشرك به ويجاهدون على ذلك. والآيات في الأمر بذلك كثيرة جدا. قوله: "وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: " إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله " الحديث. وأهل الكتاب المذكورون في هذا الحديث من كان في اليمن من اليهود والنصارى إذ ذاك قوله: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله " وكانوا يقولونها، لكنهم جهلوا معناها الذي دلت عليه من إخلاص العبادة لله وحده وترك عبادة ما سواه. فكان قولهم لا إله إلا الله لا ينفعهم لجهلهم بمعنى هذه الكلمة كحال أكثر المتأخرين من هذه الأمة؛ فإنهم كانوا يقولونها مع ما كانوا يفعلونه من الشرك بعبادة الأموات والغائبين والطواغيت والمشاهد، فيأتون بما ينافيها فيثبتون ما نفته من الشرك باعتقادهم وقولهم وفعلهم، وينفون ما أثبتته من الإخلاص كذلك، وظنوا أن معناها القدرة على الاختراع تقليدا للمتكلمين من الأشاعرة وغيرهم وهذا هو توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون فلم يدخلهم في الإسلام كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٤ إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ وقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ
следующие страницы →