وفي الحديث: " أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه؟ فقال: " الرياء " ١.
..................................................................................................
عرف أحوال الخلق وما وقعوا فيه من الشرك العظيم الذي بعث الله أنبياءه ورسله بالنهي عنه، والوعيد على فعله، والثواب على تركه، وقد هلك من هلك بإعراضه عن القرآن وجهله بما أمر الله به ونهى عنه، نسأل الله الثبات على الإسلام والاستقامة على ذلك إلى أن نلقى الله على التوحيد، إنه ولي ذلك والقادر عليه "ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم "، وقال تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢ رد أمرهم إلى الله كما رد ﵇. وقد بين الله تعالى فيما أنزله على نبيه محمد صلي الله عليه وسلم حكمه في أهل الشرك بأنه لا يغفره لهم فلا معارضة، وقد بين حكمه فيهم في هذا الكتاب العزيز ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ٣.
وقوله: "وفي الحديث " لأصحابه صلي الله عليه وسلم " أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر فسئل عنه فقال: الرياء " ٤.
وهذا الحديث رواه الإمام أحمد والطبراني والبيهقي عن محمود بن لبيد، فإذا كان يخافه صلي الله عليه وسلم على أصحابه الذين وحدوا الله بالعبادة، ورغبوا إليه وإلى ما أمرهم به من طاعته، فهاجروا وجاهدوا من كفر به، وعرفوا ما دعاهم إليه نبيهم، وما أنزله الله في كتابه من الإخلاص والبراءة من الشرك، فكيف لا يخاف من لا نسبة له إليهم في علم ولا عمل مما هو أكبر من ذلك! وقد أخبر صلي الله عليه وسلم عن أمته بوقوع الشرك الأكبر فيهم بقوله في حديث ثوبان الآتي ذكره: " حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان " ٥، وقد جرى ما أخبر به صلي الله عليه وسلم وعمت به البلوى في أكثر الأقطار حتى اتخذوه دينا مع ظهور الآيات المحكمات، والأحاديث الصحيحة في النهي عنه والتخويف منه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ ٦. وقال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ. حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ ٧ وهذا هو
стр. 37
وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار " ١ رواه البخاري ".
ولمسلم عن جابر ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " من لقي الله لا
..................................................................................................
تحقيق التوحيد، كما تقدم في الباب قبله. ثم قال تعالى محذرا عباده من الشرك ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ٢ ومن لم تخوفه هذه الآيات وتزجره عن الشرك في العبادة إذا تدبرها فلا حيلة فيه.
قوله: "وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار " رواه البخاري ".
وهذا الحديث فيه التحذير من الشرك أيضا، والتخويف منه، والند المثل والشبيه، فمن دعا ميتا أو غائبا وأقبل إليه بوجهه وقلبه رغبة إليه ورهبة منه سواء سأله أم لم يسأله، فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله. ولهذا حرم الله تعالى اتخاذ الشفعاء، وأنكره على من فعل ذلك أشد الإنكار، لكونه ينافي الإخلاص الذي هو إقبال القلب والوجه على الله في كل ما يخافه العبد ويرجوه ويتقرب به ويدين به، ومن المعلوم أنه إذا التفت للشفيع يسأله، فقد أعرض بوجهه وقلبه عن الله تعالى، وذلك ينافي الإخلاص، ويأتي بيان ذلك في باب الشفاعة إن شاء الله تعالى.
قوله: "من لقي الله لا يشرك به شيئا "، هذا هو الإخلاص كما تقدم. وقوله: "ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار ". هذا هو الشرك فمن لقي الله بالشرك دخل النار قل أو كثر. أما الشرك الأكبر فلا عمل معه ويوجب الخلود في النار، كما تقدم في معنى الآيات. وأما الأصغر كيسير الرياء، وقول الرجل ما شاء الله وشئت، وقوله: ما لي إلا الله وأنت، ونحو ذلك. فهذا لا يكفر إلا برجحان السيئات بالحسنات. قال بعض العلماء: اقتصر على نفي الشرك لاستدعائه التوحيد بالاقتضاء واستدعائه إثبات الرسالة باللزوم؛ إذ من كذب رسل الله فقد كذب الله، ومن كذب الله فهو مشرك. فالمراد من مات حال كونه مؤمنا بجميع ما يجب الإيمان به إجمالا في الإجمالي، وتفصيلا في التفصيلي اهـ.
стр. 38
يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار " ١.
فيه مسائل:
الأولى: الخوف من الشرك.
الثانية: أن الرياء من الشرك.
الثالثة: أنه من الشرك الأصغر.
الرابعة: أنه أخوف ما يخاف منه على الصالحين.
الخامسة: قرب الجنة والنار.
السادسة: الجمع بين قربهما في حديث واحد.
السابعة: أنه من لقيه لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار ولو كان من أعبد الناس.
الثامنة: المسألة العظيمة: سؤال الخليل له ولبنيه وقاية عبادة الأصنام.
التاسعة: اعتباره بحال الأكثر، لقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ ٢.
العاشرة: فيه تفسير " لا إله إلا الله"، كما ذكره البخاري.
الحادية عشرة: فضيلة من سلم من الشرك.
стр. 39
٥- باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١.
..................................................................................................
قال أبو جعفر بن جرير: يقول - تعالى ذكره - لنبيه محمد صلي الله عليه وسلم "قل " يا محمد "هذه " الدعوة التي أدعو إليها والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له
стр. 40
عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: " إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله- وفي رواية: إلى أن يوحدوا الله- فإن هم أطاعوك
..................................................................................................
دون الآلهة والأوثان، والانتهاء إلى طاعته وترك معصيته "سبيلي " طريقتي ودعوتي ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى﴾ ١ وحده لا شريك له ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ بذلك ويقين علم مني به "أنا و " يدعو إليه على بصيرة أيضا ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ وصدقني وآمن بي ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ يقول - تعالى ذكره -: وقل تنزيها لله وتعظيما له من أن يكون له شريك في ملكه أو معبود سواه في سلطانه ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢ يقول: وأنا بريء من أهل الشرك به، لست منهم ولا هم مني اهـ.
وهذه الآية تدل على أن أتباعه هم أهل البصائر الداعون إلى الله تعالى، ومن ليس منهم فليس من أتباعه على الحقيقة والموافقة، وإن كان من أتباعه على الانتساب والدعوى، قاله العلامة ابن القيم ﵀. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ ٣ وما زال النبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه يدعون إلى ما أمر الله به من الدعوة إلى توحيده في العبادة والنهي عن الشرك به ويجاهدون على ذلك. والآيات في الأمر بذلك كثيرة جدا.
قوله: "وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: " إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله " الحديث. وأهل الكتاب المذكورون في هذا الحديث من كان في اليمن من اليهود والنصارى إذ ذاك قوله: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله " وكانوا يقولونها، لكنهم جهلوا معناها الذي دلت عليه من إخلاص العبادة لله وحده وترك عبادة ما سواه. فكان قولهم لا إله إلا الله لا ينفعهم لجهلهم بمعنى هذه الكلمة كحال أكثر المتأخرين من هذه الأمة؛ فإنهم كانوا يقولونها مع ما كانوا يفعلونه من الشرك بعبادة الأموات والغائبين والطواغيت والمشاهد، فيأتون بما ينافيها فيثبتون ما نفته من الشرك باعتقادهم وقولهم وفعلهم، وينفون ما أثبتته من الإخلاص كذلك، وظنوا أن معناها القدرة على الاختراع تقليدا للمتكلمين من الأشاعرة وغيرهم وهذا هو توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون فلم يدخلهم في الإسلام كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٤ إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ وقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ
стр. 41
وَالأَبْصَارَ﴾ ١.
إلى قوله: ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٢، وأمثال هذه الآيات في القرآن كثير. وهذا التوحيد قد أقر به مشركو الأمم وأقر به أهل الجاهلية الذين بعث فيهم محمد صلي الله عليه وسلم فلم يدخلهم في الإسلام؛ لأنهم قد جحدوا ما دلت عليه هذه الكلمة من توحيد الإلهية، وهو إخلاص العبادة ونفي الشرك والبراءة منه كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ٣، فهذا التوحيد هو أصل الإسلام، وقال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٤، وقال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ ٥ وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ ٦ وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ. أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ٧، وأمثال هذه الآيات في بيان التوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب في القرآن كثير. وسنذكر بعض ذلك إن شاء الله تعالى في هذا التعليق.
قوله: "فليكن أول " منصوب على أنه خبر يكن مقدم و "شهادة " اسمها مؤخر ويجوز العكس، وفيه دليل أن توحيد العبادة هو أول واجب؛ لأنه أساس الملة وأصل دين الإسلام. وأما قول المتكلمين ومن تبعهم: إن أول واجب معرفة الله بالنظر والاستدلال فذلك أمر فطري فطر الله عليه عباده. ولهذا كان مفتتح دعوة الرسل أممهم إلى توحيد العبادة ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٨ أي لا تعبدوا إلا الله، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٩، وقال تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ١٠، قال العماد ابن كثير - رحمه الله تعالى -: هذا يحتمل شيئين: أحدهما: أفي وجوده شك؟ فإن الفطر شاهدة بوجوده ومجبولة على الإقرار به، فإن الاعتراف به ضروري في الفطر السليمة "والمعنى الثاني ": أفي إلهيته وتفرده بوجوب العبادة له شك وهو الخالق لجميع الموجودات، فلا يستحق العبادة إلا هو وحده لا شريك له، فإن غالب الأمم كانت مقرة بالصانع، ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التي يظنون أنها تنفعهم أو تقربهم من الله زلفى اهـ.
"قلت ": وهذا الاحتمال الثاني يتضمن الأول، وروى أبو جعفر بن جرير بسنده عن عكرمة ومجاهد وعامر أنهم قالوا: " ليس أحد إلا وهو يعلم أن الله خلقه وخلق السماوات والأرض فهذا إيمانهم "، وعن عكرمة أيضا تسألهم: من خلق السماوات والأرض؟ فيقولون الله، فذلك إيمانهم وهم يعبدون غيره. وتقدم أن لا إله إلا الله قد قيدت بالكتاب والسنة
стр. 42
لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة
..................................................................................................
بقيود ثقال، منها: العلم واليقين والإخلاص والصدق والمحبة والقبول والانقياد والكفر بما يعبد من دون الله. فإذا اجتمعت هذه القيود لمن قالها نفعته هذه الكلمة، وإن لم تجتمع هذه لم تنفعه، والناس متفاوتون في العلم بها والعمل، فمنهم من ينفعه قولها ومنهم من لا ينفعه كما لا يخفى.
قوله: " فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة "فيه دليل على أن المشرك لا يطالب بفعل الصلاة إلا إذا أسلم بتركه الشرك باطنا وظاهرا؛ لأن الإسلام شرط لصحة العبادة كما قال النووي ﵀ ما معناه: إنه يدل على أن المطالبة بالفرائض في الدنيا لا تكون إلا بعد الإسلام ولا يلزم من ذلك أن لا يكونوا مخاطبين بها، ويزاد في عذابهم في الآخرة، والصحيح أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة المأمور به والمنهي عنه، وهذا قول الأكثرين.
قوله: " فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ".
فيه أن الزكاة لا تنفع إلا من وحد الله وصلى الصلوات الخمس بشروطها وأركانها وواجباتها. والزكاة قرينة الصلوات في كتاب الله تعالى، ويدل على هذه الجملة قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ١ فمن أتى بهذه الأمور أتى ببقية الأركان لقوة الداعي إلى ذلك؛ لأن ذلك يقتضي الإتيان بها لزوما.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ﴾ ٢ قال أنس في الآية: توبتهم خلع الأوثان وعبادتهم ربهم وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. وعن ابن مسعود مرفوعا " أمرت بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ومن لم يزك فلا صلاة له " ٣. وقال ابن زيد:
стр. 43
المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب " أخرجاه١.
و"لهما" عن سهل بن سعد ﵄ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال يوم
..................................................................................................
" أبى الله أن تقبل الصلاة إلا بالزكاة "! وفيه بيان مصرف الزكاة.
قوله: " فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم " ٢ تحذيرا له من أن يتجاوز ما شرعه الله ورسوله في الزكاة، وهو أخذها من أوساط المال؛ لأن ذلك سبب لإخراجها بطيب نفس ونية صحيحة وكل ما زاد على المشروع فلا خير فيه وهذا أصل ينبغي التفطن له.
قوله: "واتق دعوة المظلوم " يدل على أن العامل إذا زاد على المشروع صار ظالما لمن أخذ ذلك منه، ودعوة المظلوم مقبولة ليس بينها وبين الله حجاب يمنع قبولها٣. وفيه التحذير من الظلم مطلقا فعلى العامل أن يتحرى العدل فيما استعمل فيه، فلا يظلم بأخذ زيادة على الحق ولا يحابي بترك شيء منه، فعليه أن يقصد العدل من الطرفين والله أعلم.
قوله: "عن سهل بن سعد " أي ابن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي أبو العباس صحابي شهير، أبوه صحابي أيضا مات سنة ثمان وثمانين وقد جاوز المائة.
قوله: " أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال يوم خيبر لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه "الحديث. فيه البشارة بالفتح وهو علم من أعلام النبوة وقد وقع كما أخبر رسول الله ﷺ .
стр. 44
خيبر: " لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها. فلما أصبحوا غدوا على رسول الله صلي الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها. فقال: " أين علي بن أبي طالب؟ " فقيل: هو يشتكي عينيه، فأرسلوا إليه، فأتي به. فبصق في عينيه، ودعا له، فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية فقال: " انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا، خير لك من حمر النعم " ١ يدوكون: أي يخوضون.
..................................................................................................
قوله: "يحبه الله ورسوله" قال شيخ الإسلام: ليس هذا الوصف مختصا بعلي ولا بالأئمة؛ فإن الله ورسوله يحب كل مؤمن تقي يحب الله ورسوله لكن هذا الحديث من أحسن ما يحتج به على النواصب الذين لا يتولونه أو يكفرونه أو يفسقونه كالخوارج، لكن هذا الاحتجاج لا يتم على قول الرافضة الذين يجعلون النصوص الدالة على فضائل الصحابة كانت قبل ردتهم، فإن الخوارج تقول في علي مثل ذلك لكن هذا باطل، فإن الله ورسوله لا يطلق مثل هذا المدح على من يعلم الله أنه يموت كافرا. وفيه إثبات صفة المحبة لله خلافا للجهمية ومن أخذ عنهم، وفيه فضيلة أخرى لعلي ﵁ بما خصه به من إعطاء الراية ودعوته أهل خيبر إلى الإسلام وقتالهم إذا لم يقبلوا، وقد جرى له ﵁ في قتالهم كرامات مذكورة في السير والمغازي، وفيه مشروعية الدعوة إلى الإسلام الذي أساسه شهادة أن لا إله إلا الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ٢ الآية.
قوله: " فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقيل: هو يشتكي عينيه "قال المصنف - رحمه الله تعالى -: "فيه الإيمان بالقدر لحصولها لمن لم يسع ومنعها عمن سعى".
стр. 45
قوله: "فأرسل إليه " أي النبي صلي الله عليه وسلم أرسل إليه من يأتيه به، وفي صحيح مسلم أن الذي جاء به سعد بن أبي وقاص ﵁، وعن إياس بن سلمة عن أبيه أن الذي جاء به سلمة ﵁.
قوله: "فبصق في عينيه " أي: تفل. قوله: "ودعا له فبرأ ". هو بفتح الراء والهمزة، أي عوفي في الحال عافية كاملة، وذلك بدعوة النبي صلي الله عليه وسلم كما في الحديث فدعا فاستجيب له ﵇، وفيه علم من أعلام النبوة أيضا، وذلك كله بالله ومن الله وحده، وهو الذي يملك الضر والنفع والعطاء والمنع، لا إله غيره ولا رب سواه.
قوله: " أنفذ" هو بضم الفاء والهمزة. قوله: "على رسلك " أمره أن يسير إليهم بأدب وأناة "حتى تنزل بساحتهم " الساحة هي ما قرب من حصونهم.
قوله: "ثم ادعهم إلى الإسلام " هذا هو شاهد الترجمة وهكذا ينبغي لأهل الإسلام أن يكون قصدهم بجهادهم هداية الخلق إلى الإسلام والدخول فيه، وينبغي لولاة الأمر أن يكون هذا هو معتمدهم ومرادهم ونيتهم، قال شيخ الإسلام: دين الإسلام الذي ارتضاه الله وبعث به رسله هو الاستسلام لله وحده فأصله في القلب، والخضوع لله وحده بعبادته دون ما سواه، فمن عبده وحده وعبد معه إلها آخر لم يكن مسلما، ومن استكبر عن عبادته لم يكن مسلما، وأما الإيمان فأصله تصديق القلب وإقراره ومعرفته.
وقوله: "وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه "، مما أمر به وشرعه من حقوق لا إله إلا الله، وهذا يدل على أن الأعمال من الإيمان خلافا للأشاعرة والمرجئة في قولهم: إنه القول وزعموا أن الإيمان هو مجرد التصديق وتركوا ما دل عليه الكتاب والسنة؛ لأن الدين ما أمر الله به فعلا، وما نهى عنه تركا. وفيه الرد على المشركين المستدلين على الشرك بكرامات الأولياء لدلالتها على فضلهم، وأمير المؤمنين علي ﵁ وقع له من الكرامات ما لم يقع لغيره، وقد خد الأخاديد وأضرمها بالنار، وقذف فيها من غلا فيه أو اعتقد فيه بعض ما كان يعتقده هؤلاء المشركون مع أهل البيت وغيرهم، فصار من أشد الصحابة ﵁ بعدا عن الشرك وشدة على من أشرك حتى أحرقهم بالنار١.
وكذلك عمر بن الخطاب ﵁ مع ما أعطي من الكرامات صار من أبعد الصحابة عن الشرك وذرائعه. وهؤلاء أفضل أهل الكرامات، فما زادهم ذلك إلا قوة في
стр. 46
فيه مسائل:
الأولى: أن الدعوة إلى الله طريق من اتبعه صلي الله عليه وسلم
..................................................................................................
التوحيد، وشدة على أهل الشرك والتنديد، كما جرى لعمر ﵁ في الاستسقاء بالعباس١ وتعمية قبر دانيال، لما وجده الصحابة في بيت مال الهرمزان، كما أن المعجزات إنما زادت الرسل قوة في الدعوة إلى التوحيد وشدة على أهل الشرك والإنكار عليهم وجهادهم، لكن قد يقع من الأحوال الشيطانية لمن استحوذ عليه الشيطان فأنساه ذكر ربه ما قد يلتبس على الجهال الذين تلبسوا بالشرك، ويظنون أن ذلك كرامات وهي من مكر الشيطان وإغوائه لمن لم يعرف الحق من الباطل، وقد قال تعالى لنبيه محمد صلي الله عليه وسلم: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢ فكذلك يجب على كل أحد أن يطلب الحق من القرآن بتدبره، فإنه الصراط المستقيم، ولا يلتفت إلى ما زخرفته الشياطين، كما اغتر به من اغتر في هذه الأمة ومن قبلهم.
قوله: "وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى " فيه من أداء الفرائض على الوجه الشرعي، والنهي عن تعدي الحدود التي حدها الله بين الحلال والحرام، وذلك من الإيمان، فالحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، والدين ما شرعه الله، فإذا أخذ بالإسلام الذي هو التوحيد والإخلاص، وأحل ما أحله الله تعالى وحرم ما حرمه الله تعالى، وأمر بذلك وجاهد عليه، فقد قام بما وجب وبالله التوفيق.
قوله: "فوالله " فيه جواز الحلف على ما أفتى به. قوله: " لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم " حمر بسكون الميم: الإبل الحمر وهي أنفس الأموال عند العرب، وفيه الترغيب في الدعوة إلى الله وطلب الهداية لمن أراد الله هدايته ليحصل للداعي إلى الحق هذه الفضيلة العظيمة بهداية من اهتدى، فلا ينبغي التفريط في هذه المطالب العالية وبالله التوفيق.
قوله: "يدوكون " أي يخوضون: بين المصنف - رحمه الله تعالى - معنى هذه اللفظة بأن المراد خوض السامعين في هذا الخير وتمني حصوله.
стр. 47
الثانية: التنبيه على الإخلاص. لأن كثيرا لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه.
الثالثة: أن البصيرة من الفرائض.
الرابعة: من دلائل حسن التوحيد: كونه تنزيها لله تعالى عن المسبة.
الخامسة: أن من قبح الشرك كونه مسبة لله.
السادسة: - وهي من أهمها- إبعاد المسلم عن المشركين لئلا يصير منهم ولو لم يشرك.
السابعة: كون التوحيد أول واجب.
الثامنة: أن يبدأ به قبل كل شيء، حتى الصلاة.
التاسعة: أن معنى: " أن يوحدوا الله" معنى شهادة: أن لا إله إلا الله.
العاشرة: أن الإنسان قد يكون من أهل الكتاب، وهو لا يعرفها، أو يعرفها ولا يعمل بها.
الحادية عشرة: التنبيه على التعليم بالتدريج.
الثانية عشرة: البداءة بالأهم- فالأهم.
الثالثة عشرة: مصرف الزكاة.
الرابعة عشرة: كشف العالم الشبهة عن المتعلم.
الخامسة عشرة: النهي عن كرائم الأموال.
السادسة عشرة: اتقاء دعوة المظلوم.
السابعة عشرة: الإخبار بأنها لا تحجب.
الثامنة عشرة: من أدلة التوحيد ما جرى على سيد المرسلين وسادات الأولياء من المشقة والجوع والوباء.
التاسعة عشرة: قوله: " لأعطين الراية" إلخ. علم من أعلام النبوة.
العشرون: تفله في عينيه علم من أعلامها أيضا.
الحادية والعشرون: فضيلة علي ﵁.
الثانية والعشرون: فضل الصحابة في دوكهم وشغلهم تلك الليلة عن بشارة الفتح.
стр. 48
الثالثة والعشرون: الإيمان بالقدر، لحصولها لمن لم يسع لها ومنعها عمن سعى.
الرابعة والعشرون: الأدب في قوله: " على رسلك".
الخامسة والعشرون: الدعوة إلى الإسلام قبل القتال.
السادسة والعشرون: أنه مشروع لمن دعوا قبل ذلك وقوتلوا.
السابعة والعشرون: الدعوة بالحكمة، لقوله: " أخبرهم بما يجب عليهم".
الثامنة والعشرون: المعرفة بحق الله تعالى في الإسلام.
التاسعة والعشرون: ثواب من اهتدى على يديه رجل واحد.
الثلاثون: الحلف على الفتيا.
стр. 49
٦- باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله
وقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ ١ الآية.
..................................................................................................
باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله
من عطف الدال على المدلول؛ لأن التوحيد هو معنى هذه الكلمة العظيمة، وذلك يتبين بما ساقه من الآيات والحديث لما فيها من زيادة البيان وكشف ما أشكل من ذلك، وإقامة الحجة على من غالط في معنى "لا إله إلا الله " من أهل الجهل والإلحاد.
قوله: "وقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ ٢ أي أولئك الذين يدعوهم أهل الشرك ممن لا يملك كشف الضر ولا تحويله من الملائكة والأنبياء والصالحين كالمسيح وأمه والعزير، فهؤلاء دينهم التوحيد وهو بخلاف من دعاهم من دون الله، ووصفهم بقوله: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ٣ فيطلبون القرب من الله بالإخلاص له وطاعته فيما أمر، وترك ما نهاهم عنه. وأعظم القرب التوحيد
стр. 50
الذي بعث الله به أنبياءه ورسله وأوجب عليهم العمل به والدعوة إليه، وهذا الذي يقربهم إلى الله أي إلى عفوه ورضاه، ووصف ذلك بقوله: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ ١ فلا يرجون أحدا سواه ولا يخافون غيره، وذلك هو توحيده؛ لأن ذلك يمنعهم من الشرك ويوجب لهم الطمع في رحمة الله والهرب من عقابه، والداعي لهم والحالة هذه قد عكس الأمر وطلب منهم ما كانوا ينكرون من الشرك بالله في دعائهم لمن كانوا يدعونه من دون الله، ففيه معنى قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ ٢ وقوله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ٣ وفيه الرد على من ادعى أن شرك المشركين إنما هو بعبادة الأصنام، وتبين بهذه الآية أن الله تعالى أنكر على من دعا معه غيره من الأنبياء والصالحين والملائكة ومن دونهم، وأن دعاء الأموات والغائبين لجلب نفع أو دفع ضر من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، وأن ذلك ينافي ما دلت عليه كلمة الإخلاص، فتدبر هذه الآية العظيمة يتبين لك التوحيد، وما ينافيه من الشرك والتنديد، فإنها نزلت فيمن يعبد الملائكة والمسيح وأمه والعزير فهم المعنيون بقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ ٤، ثم بين تعالى أن هؤلاء المشركين قد خالفوا من كانوا يدعونه في دينه فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ ٥، وقدم المعمول لأنه يفيد الحصر، يعني يبتغون إلى ربهم الوسيلة لا إلى غيره، وأعظم الوسائل إلى الله تعالى التوحيد الذي بعث الله به أنبياءه ورسله وخلق الخلق لأجله.
ومن التوسل إليه التوسل بأسمائه وصفاته كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ٦ وكما ورد في الأذكار المأثورة من التوسل بها في الدعوات كقوله: " اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام " ٧. وقوله: " اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " ٨وغير ذلك من الأعمال الصالحة الخالصة التي لم يشبها شرك، فالتوسل إلى الله هو بما يحبه ويرضاه لا بما يكرهه ويأباه من الشرك الذي نزه نفسه عنه بقوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٩، وقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١٠، وقوله في الإنكار على من اتخذ
стр. 51
وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ. إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ ١ الآية.
..................................................................................................
الشفعاء: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢ وأمثال هذه الآيات في القرآن كثير، يأمر عباده بإخلاص العبادة له، وينهاهم عن عبادة ما سواه ويعظم عقوبته كما جرى على الأمم المكذبة للرسل فيما جاءوهم به من التوحيد والنهي عن الشرك، فأوقع الله تعالى بهم ما أوقع كقوم نوح وعاد وثمود ونحوهم؛ فإنهم عصوا الرسل فيما أمروهم به من التوحيد وتمسكوا بالشرك وقالوا لنوح: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ ٣، وقالوا لهود: ﴿مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٤ الآيات. وقالوا لصالح: ﴿قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ ٥، وقالوا لشعيب: ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ ٦. فتدبر ما قص الله تعالى في كتابه مما دعت إليه الرسل وما أوقع بمن عصاهم؛ فإن الله تعالى أقام به الحجة على كل مشرك إلى يوم القيامة، وأما ما ورد في معنى الآية عن ابن مسعود قال: " كان ناس من الإنس يعبدون ناسا من الجن فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم. "
"قلت ": وهذا لا يخالف ما تقدم؛ لأن هذه الآية حجة على كل من دعا مع الله وليا من الأولين والآخرين كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في هذه الآية، وهذه الأقوال كلها حق؛ فإن الآية تعم من كان معبوده عابدا لله سواء كان من الملائكة أو من الجن أو من البشر.
وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ. إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ ٧ الآيات. الكلمة هي لا إله إلا الله بإجماع أهل العلم، وقد عبر عنها الخليل ﵇ بمعناها الذي أريد به فعبر عن المنفي بها بقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ ٨، وعبر عما أثبتته بقوله: ﴿إِلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ٩ فقصر العبادة على الله وحده ونفاها عن كل ما سواه ببراءته من ذلك، فما أحسن التفسير لهذه الكلمة وما أعظمه. قال العماد ابن كثير في قوله
стр. 52
وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١ الآية.
..................................................................................................
تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ ٢ أي هذه الكلمة وهي عبادة الله وحده لا شريك له وخلع ما سواه من الأوثان، وهي لا إله إلا الله جعلهما في ذريته يقتدي به فيها من هداه الله من ذرية إبراهيم ﵇ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي إليها. قال عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم في قوله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ ٣: يعني لا إله إلا الله لا يزال في ذريته من يقولها.
وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٤ الآية. الأحبار: هم العلماء. والرهبان: هم العباد. وهذه الآية قد فسرها رسول الله صلي الله عليه وسلم لعدي بن حاتم، وذلك أنه لما جاء مسلما دخل على رسول الله صلي الله عليه وسلم فقرأ عليه هذه الآية. قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم قال: " بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وحللوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم " ٥ رواه أحمد والترمذي وحسنه، وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني من طرق٦. قال السدي: استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٧، فصار ذلك عبادة لهم وصاروا به لهم أربابا من دون الله وقد قال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٨.
قوله: "وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ" أي اتخذوه ربا بعبادتهم له من دون الله، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ ٩ إلى قوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
стр. 53
وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ١ الآية.
..................................................................................................
شَهِيدٌ﴾ ٢. فمن تدبر هذه الآيات تبين له معنى لا إله إلا الله، وتبين له التوحيد الذي جحده أكثر من يدعي العلم في هذه القرون وما قبلها من متأخري هذه الأمة، وقد عمت البلوى بالجهل به بعد القرون الثلاثة لما وقع الغلو في قبور أهل البيت وغيرهم، وبنيت عليها المساجد، وبنيت لهم المشاهد، فاتسع الأمر وعظمت الفتنة في الشرك المنافي للتوحيد لما حدث الغلو في الأموات وتعظيمهم بالعبادة، فبهذه الأمور التي وقع فيها الأكثر عاد المعروف منكرا والمنكر معروفا، والبدعة سنة والسنة بدعة، نشأ على هذا الصغير، وهرم عليه الكبير، وقد قال صلي الله عليه وسلم: " بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس " ٣ وفي رواية "يصلحون ما أفسد الناس ".
قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ٤ الآية. الأنداد: الأمثال والنظراء كما قال العماد بن كثير وغيره من المفسرين. فكل من صرف من العبادة شيئا لغير الله رغبة إليه أو رهبة منه فقد اتخذه ندا لله؛ لأنه أشرك مع الله فيما لا يستحقه غيره. قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى -: فتوحيد المحبوب أن لا يتعدد محبوبه أي مع الله بعبادته له، وتوحيد الحب لا يبقي في قلبه بقية حب حتى يبذلها له، فهذا الحب وإن سمي عشقا فهو في غاية صلاح العبد ونعيمه وقرة عينة، وليس لقلبه صلاح ولا نعيم إلا بأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن لا تكون محبته لغير الله فلا يحب إلا الله كما في الحديث الصحيح: "ثلاث من كن فيه" الحديث٥.
ومحبة رسوله هي من محبته، ومحبة المرء إن كانت لله فهي من محبته، وإن كانت لغير الله فهي منقصة لمحبة الله مضعفة لها، ويصدق هذه المحبة بأن تكون كراهته لأبغض الأشياء إلى محبوبه، وهو
стр. 54
وفي " الصحيح " عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: " من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله " ١.
..................................................................................................
الكفر، بمنزلة كراهته لإلقائه في النار أو أشد، ولا ريب أن هذا من أعظم المحبة، فإن الإنسان لا يقدم على محبة نفسه شيئا، فإذا قدم محبة الإيمان بالله على نفسه بحيث لو خير بين الكفر وإلقائه في النار لاختار أن يلقى في النار ولا يكفر كان أحب إليه من نفسه، وهذه المحبة هي فوق ما يجده العشاق من محبة محبوبهم، بل لا نظير لهذه المحبة كما لا مثل لمن تعلقت به، وهي محبة تقتضي تقديم المحبوب فيها على النفس والمال والولد، وتقتضي كمال الذل والخضوع والتعظيم والإجلال والطاعة الانقياد ظاهرا وباطنا، وهذا لا نظير له في محبة مخلوق ولو كان المخلوق من كان، ولهذا من شرك بين الله وبين غيره في المحبة الخاصة كان شركا لا يغفره الله.
قال تعالى: ﴿مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ ٢ الآية. والصحيح أن معنى الآية أن الذين آمنوا أشد حبا لله من أصحاب الأنداد لأندادهم كما تقدم أن محبة المؤمنين لربهم لا يماثلها محبة مخلوق أصلا كما لا يماثل محبوبهم غيره، وكل أذى في محبة غيره فهو نعيم في محبته، وكل مكروه في محبة غيره فهو قرة عين في محبته. انتهى.
قوله "في الصحيح " أي صحيح مسلم: "عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه عن النبي صلي الله عليه وسلم " فذكره، وأبو مالك اسمه سعد بن طارق كوفي ثقة مات في حدود الأربعين.
قوله: " من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله ". اعلم أن النبي صلي الله عليه وسلم علق عصمة المال والدم بأمرين في هذا الحديث: "الأول " قول لا إله إلا الله عن علم ويقين، كما هو قيد في قولها في غير ما حديث. "والثاني " الكفر بما يعبد من دون الله، لكن ذكر في هذا الحديث "وكفر " تأكيدا لما دلت عليه، لأن المقام عظيم يقتضي التأكيد.
стр. 55
وشرح هذه الترجمة، ما بعدها من الأبواب.
فيه أكبر المسائل وأهمها، وهي تفسير التوحيد، وتفسير الشهادة، وبينها بأمور واضحة.
منها آية الإسراء بين فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين، ففيها بيان أن هذا هو الشرك الأكبر.
..................................................................................................
قوله: "حرم ماله ودمة وحسابه على الله "، فيه دليل على أنه لا يحرم ماله ودمه إلا إذا قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، فإن قالها ولم يكفر بما يعبد من دون الله، فدمه وماله حلال لكونه لم ينكر الشرك ويكفر به، ولم ينفه كما نفته لا إله إلا الله، فتأمل هذا الموضع فإنه عظيم النفع.
قال شيخنا: "وهذا من أعظم ما بين معنى لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك. بل ولا كونه لا يدعو الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم دمه وماله حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه، فيا لها من مسألة ما أجلها، ويا له من بيان ما أوضحه، وحجة ما أقطعها للمنازع". انتهى.
قوله: " وحسابه على الله "، أي الله تعالى هو الذي يتولى حسابه، فإن كان صادقا جازاه بجنات النعيم، وإن كان منافقا عذبه العذاب الأليم، وأما في الدنيا فالحكم على الظاهر.
قوله: "وشرح هذه الترجمة وما بعدها من الأبواب "، فقد ذكر فيها - رحمه الله تعالى - ما يبين التوحيد وما ينافيه، وما يقرب منه، وما يوصل إليه من الوسائل، وبيان ما كان عليه السلف من بعدهم عن الشرك في العبادة، وشدة إنكارهم له وجهادهم على ذلك، وقد جمع هذا الكتاب على اختصاره من بيان التوحيد ما لا يعذر عن معرفته وطلبه بإقبال وتدبر، وكذلك الرد على أهل الأهواء جميعهم، فمن حفظه واستحضره وجد ذلك واستغنى به عن غيره في الرد على كل مبتدع فتدبره تجد ذلك بينا، وسيأتي التنبيه على ذلك - إن شاء الله تعالى -.
стр. 56
ومنها آية براءة، بين فيها أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وبين أنهم لم يؤمروا إلا بأن يعبدوا إلها واحدا، مع أن تفسيرها الذي لا إشكال فيه: طاعة العلماء في المعصية، لا دعاؤهم إياهم.
ومنها قول الخليل – ﵇ للكفار: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ. إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ ١ فاستثنى من المعبودين ربه، وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة: هي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله، فقال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٢.
ومنها آية البقرة في الكفار الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ٣ ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله، فدل على أنهم يحبون الله حبا عظيما، ولم يدخلهم في الإسلام، فكيف بمن أحب الند حبا أكبر من حب الله؟! فكيف بمن لم يحب إلا الند وحده، ولم يحب الله؟!
ومنها قوله صلي الله عليه وسلم: " من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله "، وهذا من أعظم ما يبين معنى " لا إله إلا الله"؛ فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه. فيا لها من مسألة ما أعظمها وأجلها! ويا له من بيان ما أوضحه، وحجة ما أقطعها للمنازع.
стр. 57
٧- باب من الشرك: لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ ١ الآية.
..................................................................................................
باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء ودفعه
أي لرفعه إذا نزل ودفعه قبل أن ينزل، يعني إذا كان هذا هو القصد فتعلق قلبه في دفع ضر مما قد نزل ومما لم ينزل، قد صرحت الأحاديث بأن هذا من الشرك بالله.
قوله: وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ٢ قال مقاتل: فسألهم النبي صلي الله عليه وسلم فسكتوا لأنهم لا يعتقدون ذلك فيها.
"قلت ": فإذا كانت آلهتهم التي يدعون من دون الله لا قدرة لها على كشف ضر أراده الله بعبده، أو تمسك رحمة أنزلها على عبده فيلزمهم بذلك أن يكون الله تعالى هو معبودهم وحده لزوما لا محيد لهم عنه. وذكر تعالى مثل هذا السؤال عن خليله إبراهيم لمن حاجه في الله فقال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٣، فأقام تعالى الحجة على المشركين بما يبطل شركهم بالله وتسويتهم غيره به في العبادة بضرب الأمثال وغير ذلك، وهذا في القرآن كثير كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾ ٥، وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ. أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ٦.
стр. 58
عن عمران بن حصين ﵄ " أن النبي صلي الله عليه وسلم رأى رجلا في يده حلقة من صفر، فقال: " ما هذا؟ " قال: من الواهنة. فقال: " انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا " ١ رواه أحمد بسند لا بأس به.
..................................................................................................
ذكر العماد ابن كثير - رحمه الله تعالى - في هذه الآية ما رواه ابن أبي حاتم عن قيس بن الحجاج عن حنش الصنعاني عن ابن عباس مرفوعا " احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضروك، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك، جفت الصحف ورفعت الأقلام، واعمل لله بالشكر في اليقين، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا " ٢ قوله: "عمران بن حصين " أي ابن عبيد بن خلف الخزاعي أبو نجيد بنون وجيم مصغر، صحابي ابن صحابي أسلم عام خيبر ومات سنة اثنتين وخمسين بالبصرة.
قوله: "رأى رجلا " في رواية الحاكم: " دخلت على رسول الله صلي الله عليه وسلم وفي عضدي حلقة صفر فقال ما هذه؟ " الحديث، فالمبهم في رواية أحمد هو عمران راوي الحديث.
قوله: "ما هذه؟ " الظاهر أنه للإنكار عليه.
قوله: "من الواهنة " قال أبو السعادات: الواهنة عرق يأخذ في المنكب وفي اليد كلها فيرقى منها، وقيل هو مرض يأخذ في العضد، وهي تأخذ الرجال دون النساء، وإنما نهاه عنها لكونه يظن أنها تمنع عنه هذا الداء أو ترفعه، فأمره صلي الله عليه وسلم بنزعها لذلك وأخبر أنها لا تزيده
стр. 59
وله عن عقبة بن عامر ﵁ مرفوعا: " من تعلق تميمة فلا أتم الله
..................................................................................................
إلا وهنا، فإن المشرك يعامل بنقيض قصده؛ لأنه علق قلبه بما لا ينفعه ولا يدفع عنه، فإذا كان هذا بحلقة صفر فما الظن بما هو أطم وأعظم كما وقع من عبادة القبور والمشاهد والطواغيت وغيرها كما لا يخفى على من له أدنى مسكة من عقل، قال المصنف - رحمه الله تعالى -: "فيه شاهد لكلام بعض الصحابة أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر، وأنه لم يعذر بالجهالة". لقوله: "فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا "، والفلاح هو الفوز والظفر والسعادة.
قوله: "رواه أحمد بسند لا بأس به " هو الإمام أحمد بن محمد بن هلال بن أسد الشيباني أبو عبد الله المروزي ثم البغدادي، إمام أهل عصره وأعلمهم بالفقه والحديث وأشدهم ورعا، وهو الذي يقول فيه بعض أهل السنة: عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، أتته الدنيا فأباها، والشبه فنفاها. روى عن الشافعي وزيد بن هارون وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى القطان وابن عيينة وعبد الرزاق وخلق لا يحصون، مات سنة إحدى وأربعين ومائتين، وله سبع وسبعون سنة - رحمه الله تعالى -.
قوله: "وله عن عقبة بن عامر مرفوعا: " من علق تميمة فلا أتم الله له، ومن علق ودعة فلا ودع الله له ". وفي رواية: " من علق تميمة فقد أشرك ".
عقبة بن عامر صحابي مشهور ففيه فاضل، ولي إمارة مصر لمعاوية ثلاث سنين، ومات قريبا من الستين.
وهذا الحديث فيه التصريح بأن تعليق التمائم شرك لما يقصده من علقها لدفع ما يضره أو جلب ما ينفعه، وهذا أيضا ينافي كمال الإخلاص الذي هو معنى لا إله إلا الله؛ لأن المخلص لا يلتفت قلبه لطلب نفع أو دفع ضر من سوى الله، كما تقدم في قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ١، فكمال التوحيد لا يحصل إلا بترك ذلك، وإن كان من الشرك الأصغر فهو عظيم، فإذا كان قد خفي على بعض الصحابة ﵃ في عهد النبوة فكيف لا يخفى على من هو دونهم في العلم والإيمان بمراتب بعدما حدث من البدع والشرك؟ كما في الأحاديث الصحيحة، وتقدمت الإشارة إلى ذلك. وهذا مما يبين معنى لا إله إلا الله أيضا، فإنها نفت كل الشرك قليله وكثيره، كما قال تعالى:
стр. 60
له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له ". وفي رواية: " من تعلق تميمة فقد أشرك " ١.
..................................................................................................
ولابن أبي حاتم عن حذيفة، أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه، وتلا قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ٢.
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٣
قوله: "فلا أتم الله له " دعاء عليه، وكذلك قوله: "فلا ودع الله له " أي لا جعله في دعة وسكون.
قوله: " ولابن أبي حاتم أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه "، وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ٤.
ابن أبي حاتم هو الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس المرادي التميمي الحنظلي صاحب الجرح والتعديل والتفسير وغيرها، مات سنة سبع وعشرين وثلاثمائة. وحذيفة هو ابن اليمان واسم اليمان حسيل بمهملتين مصغر، ويقال حسل بكسر ثم سكون، العبسي بالموحدة، حليف الأنصار صحابي جليل من السابقين، ويقال له صاحب السر، وأبوه صحابي أيضا. مات حذيفة في أول خلافة علي سنة ست وثلاثين.
قوله: "رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ٥.
стр. 61
فيه مسائل:
الأولى: التغليظ في لبس الحلقة والخيط ونحوهما لمثل ذلك.
الثانية: أن الصحابي لو مات وهي عليه ما أفلح. فيه شاهد لكلام
..................................................................................................
فيه دليل على أن هذا شرك، وأن الصحابة ﵃ يستدلون بالآيات التي نزلت في الشرك الأكبر على الأصغر لدخوله في الشرك المنهي عنه في الآيات والأحاديث عموما وخصوصا لما قد عرفت أنه ينافي كمال الإخلاص. إذا كان مثل هذا، وقد خافه صلي الله عليه وسلم على الصحابة، كما تقدم في قوله: " أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر " ١، فإذا كان يقع مثل هذا في تلك القرون المفضلة، فكيف يؤمن أن يقع ما هو أعظم منه؟ لكن لغلبة الجهل به وقع منهم أعظم مما وقع من مشركي العرب وغيرهم في الجاهلية، مما قد تقدم التنبيه عليه حتى إن كثيرا من العلماء في هذه القرون اشتد نكيرهم على ما أنكر الشرك الأكبر، فصاروا هم والصحابة ﵃ في طرفي نقيض، فالصحابة ينكرون القليل من الشرك، وهؤلاء ينكرون على من أنكر الشرك الأكبر، ويجعلون النهي عن هذا الشرك بدعة وضلالة، وكذلك كانت حال الأمم مع الأنبياء والرسل جميعهم فيما بعثوا به من توحيد الله تعالى وإخلاص العبادة له وحده، والنهي عن الشرك به، وقد بعث الله تعالى خاتم رسله محمدا صلي الله عليه وسلم بذلك كما بعث به من قبله، فعكس هؤلاء المتأخرون ما دعا إليه رسول الله صلي الله عليه وسلم مشركي العرب وغيرهم، فنصر هؤلاء ما نهى عنه من الشرك غاية النصرة، وأنكروا التوحيد الذي بعث به غاية الإنكار، فإنه صلي الله عليه وسلم لما قال لقريش: " قولوا لا إله إلا الله تفلحوا "٢ عرفوا معناها الذي وضعت له وأريد منها فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٣ الآيات. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ٤، وفي صحيح البخاري وغيره في سؤال هرقل لأبي سفيان عن النبي صلي الله عليه وسلم قال له: فماذا يأمركم؟ قلت: يقول: "اعبدوا الله وحده لا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم". ويأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والصلة٥.
стр. 62
الصحابة: إن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر.
الثالثة: أنه لم يعذر بالجهالة.
الرابعة: أنها لا تنفع في العاجلة بل تضر؛ لقوله: " لا تزيدك إلا وهنا".
الخامسة: الإنكار بالتغليظ على من فعل مثل ذلك.
السادسة: التصريح بأن من تعلق شيئا وكل إليه.
السابعة: التصريح بأن من تعلق تميمة فقد أشرك.
الثامنة: أن تعليق الخيط من الحمى من ذلك.
التاسعة: تلاوة حذيفة الآية دليل على أن الصحابة يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الأصغر، كما ذكر ابن عباس في آية البقرة.
العاشرة: أن تعليق الودع عن العين من ذلك.
الحادية عشرة: الدعاء على من تعلق تميمة أن الله لا يتم له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له، أي لا ترك الله له.
стр. 63
٨- باب ما جاء في الرقى والتمائم
في " الصحيح " عن أبي بشير الأنصاري ﵁ أنه كان مع
..................................................................................................
قوله: "باب ما جاء في الرقى والتمائم " أي من النهي عما لا يجوز من ذلك.
قوله: في الصحيح " عن أبي بشير الأنصاري ﵁ أنه كان مع النبي صلي الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فأرسل رسولا أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت "هذا الحديث في الصحيحين واسم أبي بشير قيس بن عبيد قاله ابن سعد. وقال ابن عبد البر: لا يوقف له على اسم صحيح، وهو صحابي شهد الخندق ومات بعد الستين، ويقال إنه جاوز المائة.
قوله: "فأرسل رسولا " هو زيد بن حارثة، روى ذلك الحارث بن أبي أسامة في مسنده، قال الحافظ. قوله: "أن لا يبقين " بفتح الياء والقاف ويحتمل أن يكون بضم الياء
стр. 64
رسول الله صلي الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فأرسل رسولا أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت١.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " إن الرقى والتمائم والتولة شرك "٢ رواه أحمد وأبو داود.
..................................................................................................
المثناة وكسر القاف، والوتر بفتحتين واحد أوتار القوس، وكان أهل الجاهلية إذا اخلولق الوتر أبدلوه بغيره، وقلدوا به الدواب اعتقادا منهم بهذا أنه يدفع عن الدابة العين، ولهذا أمر صلي الله عليه وسلم بقطع الأوتار التي علقت على الإبل، لما كان أهل الجاهلية يعتقدون ذلك فيها.
قوله: "أو قلادة إلا قطعت " يحتمل أن ذلك شك من الراوي، ولأبي داود "ولا قلادة" بغير شك، فعلى هذه الرواية تكون أو بمعنى الواو.
قال البغوي في شرح السنة: "تأول مالك أمره ﵇ بقطع القلائد على أنه من أجل العين، وذلك أنهم كانوا يشدون تلك الأوتار والتمائم والقلائد ويعلقون عليها العوذ يظنون أنها تعصمهم من الآفات، فنهاهم النبي صلي الله عليه وسلم عنها وأعلمهم أن الأوتار لا ترد من أمر الله شيئا". قال أبو عبيد: "كانوا يقلدون الإبل أوتارا لئلا تصيبها العين، فأمرهم النبي صلي الله عليه وسلم بإزالتها إعلاما لهم بأن الأوتار لا ترد شيئا".
قوله: وعن ابن مسعود ﵁ قال: " سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: إن الرقى والتمائم والتولة شرك " رواه أحمد وأبو داود " ولفظ أبي داود عن زينب امرأة عبد الله
стр. 65
وعن عبد الله بن عكيم مرفوعا: " من تعلق شيئا وكل إليه " ١ رواه أحمد والترمذي.
التمائم: شيء يعلق على الأولاد من العين، لكن إذا كان المعلق من القرآن، فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه، ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود ﵁.
الرقى: هي التي تسمى العزائم، وخص منه الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله صلي الله عليه وسلم من العين والحمى.
والتولة: شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته.
..................................................................................................
ابن مسعود أن عبد الله رأى في عنقي خيطا فقال: ما هذا؟ قلت: خيط رقي لي فيه، قالت: فأخذه فقطعه ثم قال: أنتم آل عبد الله الأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " إن الرقى والتمائم والتولة شرك "، قال المصنف - رحمه الله تعالى -: "لكن إذا كان المعلق من القرآن فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود ﵁ ". والمقصود بيان أن هذه الأمور الشركية وإن خفيت فقد نهى عنها رسول الله صلي الله عليه وسلم وأصحابه لكمال علمهم بما دلت عليه لا إله إلا الله من نفي الشرك قليله وكثيره؛ لتعلق القلب بغير الله في دفع ضر أو جلب نفع، وقد عمت البلوى بما هو أعظم من ذلك بأضعاف مضاعفة، فمن عرف هذه الأمور الشركية المذكورة في هذين البابين عرف ما وقع مما هو أعظم من ذلك كما تقدم بيانه، وفيه ما كان عليه رسول الله صلي الله عليه وسلم من التحذير من الشرك والتغليظ في إنكاره، وإن كان من الشرك الأصغر فهو أكبر من الكبائر، وقد تقدم دليله في الباب قبل هذا.
وقوله: "وعن عبد الله بن عكيم مرفوعا " من تعلق شيئا وكل إليه "رواه أحمد والترمذي " وعبد الله بن عكيم بضم المهملة مصغرا ويكنى أبا معبد الجهني الكوفي. قال
стр. 66
وروى أحمد عن رويفع قال: قال لي رسول الله صلي الله عليه وسلم: "يا رويفع! لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته أو تقلد وترا، أو استنجى برجيع دابة أو عظم، فإن محمدا بريء منه " ١.
..................................................................................................
الخطيب: سكن الكوفة وقدم المدائن في حياة حذيفة وكان ثقة.
قوله: " من تعلق شيئا وكل إليه " ٢ التعلق يكون بالقلب وينشأ عنه القول والفعل، وهو التفاف القلب عن الله إلى شيء يعتقد أنه ينفعه أو يدفع عنه كما تقدم بيانه في الأحاديث في هذا الباب والذي قبله، وهو ينافي قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٣، فإن كان من الشرك الأصغر فهو ينافي كمال التوحيد، وإن كان من الشرك الأكبر كعبادة أرباب القبور والمشاهد والطواغيت ونحو ذلك فهو كفر بالله، وخروج من دين الإسلام، ولا يصح معه قول ولا عمل.
قوله: "وكل إليه " أي وكله الله إليه، إلى ما علق قلبه به من دون الله، ومن وكله الله إلى غيره ضل وهلك، قال الإمام أحمد: حدثنا هشام بن قاسم حدثنا أبو سعيد المؤدب حدثنا من سمع عطاء الخراساني قال: لقيت وهب بن منبه وهو يطوف بالبيت فقلت: حدثني بحديث أحفظه عنك في مقامي هذا وأوجز، قال: نعم، أوحى الله إلى داود ﵇ " يا داود أما وعزتي وعظمتي لا يعتصم بي عبد من عبيدي دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده السماوات السبع ومن فيهن والأرضون السبع ومن فيهن إلا جعلت له من بينهن فرجا ومخرجا، أما وعزتي وعظمتي ما يعتصم عبد من عبيدي بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماء من يده وأسخت الأرض من تحت قدميه ثم لا أبالي بأي واد هلك "وشاهد هذا في القرآن فتدبر.
قوله: وروى أحمد عن رويفع قال: قال لي رسول الله:صلي الله عليه وسلم " يا رويفع لعل الحياة تطول بك فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وترا، أو استنجى برجيع دابة، أو عظم، فإن محمدا بريء منه ". رويفع هو ابن ثابت بن السكن بن عدي بن الحارث الأنصاري نزل
стр. 67
مصر وولي برقة، له ثمانية أحاديث. قال عبد الغني: ولي طرابلس فافتتح أفريقية سنة سبع وأربعين. وقال ابن يونس: توفي ببرقة سنة ست وخمسين. قوله: "لعل الحياة تطول بك " فقد طالت حياته ﵁ كما أخبر النبي صلي الله عليه وسلم. قوله: "فأخبر الناس أن من عقد لحيته ". قال الخطابي: "أما نهيه عن عقد اللحية فيفسر على وجهين: "أحدهما " ما كانوا يفعلونه في الحرب، كانوا يعقدون لحاهم، وذلك من زي بعض الأعاجم يفتلونها ويعقدونها، قال أبو السعادات: تكبرا أو عجبا. "ثانيهما " أن معناه معالجة الشعر ليتعقد ويتجعد" انتهى. قلت: ويشبه هذا ما يفعله كثير من فتل أطراف الشارب فيترك أطرافه لذلك وهي بعضه، وفي حديث زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " من لم يأخذ من شاربه فليس منا " ١رواه أحمد والنسائي والترمذي وقال: صحيح. وفي الصحيح: " خالفوا المشركين احفوا الشوارب واعفوا اللحى " ٢. وذلك يدل على الوجوب، وذكر ابن حزم الإجماع على أنه فرض فيتعين النهي عن ذلك.
قوله: "أو تقلد وترا " فيه مع ما تقدم أنه شرك لما كانوا يقصدونه بتعليقه على الدواب وغيرها.
قوله: " أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدا بريء منه " هذا دليل على أن هذا والذي قبله من الكبائر؛ لأن قوله: "إن محمدا بريء منه " يدل على ذلك، وقال النووي رحمه الله تعالى: أي بريء من فعله فهذا التأويل بعيد لعود الضمير إلى "من "، وقد ورد النهي عن الاستنجاء بالروث والعظام في أحاديث صحيحة كما لا يخفى، منها ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن مسعود مرفوعا: " لا تستنجوا بالروث ولا العظام فإنه زاد إخوانكم من الجن "٣ ولما روى ابن خزيمة والدارقطني عن أبي هريرة:" نهى أن يستنجى
стр. 68
وعن سعيد بن جبير ﵁ قال: " من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة "رواه وكيع. وله عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون التمائم كلها، من القرآن وغير القرآن.
...........................................................................................
بعظم أو روث وقال: إنهما لا يطهران" ١، وعنه: لا يجزي الاستنجاء بهما كما هو ظاهر مذهب أحمد.
قوله: "وعن سعيد بن جبير قال: " من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة "رواه وكيع " هذا عند أهل العلم له حكم الرفع؛ لأن مثل ذلك لا يقال بالرأي فيكون هذا مرسلا؛ لأن سعيدا تابعي، فعلى هذا يجب النهي عن تعليق التمائم والترغيب في قطعها وأن ذلك مما يجب، وفيه مع ما تقدم أنه شرك، وبيان حال السلف ﵃ من تعظيم الشرك قليله وكثيره والنهي عنه، فلما اشتدت غربة الإسلام في أواخر هذه الأمة صار إنكار هذا وما هو أعظم منه أعظم المنكرات حتى عند من ينتسب إلى العلم كما لا يخفى، ووكيع هو ابن الجراح بن وكيع الكوفي ثقة إمام صاحب تصانيف منها الجامع وغيره، روى عنه الإمام أحمد وطبقته مات سنه سبع وتسعين ومائة.
قوله: "وله عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن " إبراهيم هو الإمام إبراهيم بن يزيد النخعي الكوفي يكنى أبا عمران ثقة من كبار الفقهاء مات سنة ست وتسعين وله خمسون سنة أو نحوها قوله: "كانوا يكرهون " أراد أصحاب عبد الله ابن مسعود كعلقمة والأسود وأبي وائل والحارث بن سويد وعبيدة السلماني ومسروق والربيع بن خثيم وسويد بن غفلة وغيرهم وهم من سادات التابعين، وفي زمانهم كانوا يطلقون الكراهة على المحرم، وهذا القول الصحيح؛ لأن ما كان من غير القرآن قد تقدم النهي عنه بلا ريب، وأما إذا كان من القرآن فيتعين النهي عنه لأمور ثلاثة: "منها " دخوله في عموم المنهي عنه. "ومنها " كونه ذريعة إلى تعليق ما ليس من القرآن فيفضي إلى عدم إنكارها. "الثالث " أن تعليق القرآن يكون سببا في امتهانه فلا بد أن يدخل به الخلاء ونحوه. قال المصنف - رحمه الله تعالى -: والرقى هي التي تسمى العزائم وخص منه الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله صلي الله عليه وسلم من العين والحمة، والتولة هي شيء يصنعونه يزعمون
стр. 69
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الرقى والتمائم.
الثانية: تفسير التولة.
الثالثة: أن هذه الثلاث كلها من الشرك من غير استثناء.
الرابعة: أن الرقية بالكلام الحق من العين والحمى ليس من ذلك.
الخامسة: أن التميمة إذا كانت من القرآن فقد اختلف العلماء: هل هي من ذلك أم لا؟.
السادسة: أن تعليق الأوتار على الدواب عن العين من ذلك.
السابعة: الوعيد الشديد على من تعلق وترا.
الثامنة: فضل ثواب من قطع تميمة من إنسان.
التاسعة: أن كلام إبراهيم" النخعي "لا يخالف ما تقدم من الاختلاف، لأن مراده أصحاب عبد الله بن مسعود.
стр. 70
٩- باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما
وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى. أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى. تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ١ الآيات.
..................................................................................................
أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته. قال الحافظ: التولة بكسر المثناة وفتح الواو واللام مخففا شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها وهو ضرب من السحر والله أعلم.
قوله: "باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما " كبقعة وقبر ومشهد ونحو ذلك، ومن اسم شرط والجواب محذوف تقديره فقد أشرك بالله.
قوله: وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ الآيات.
هذه الأوثان الثلاثة هي أعظم أوثان أهل الجاهلية من أهل الحجاز، فاللات لأهل الطائف ومن حولهم من العرب، والعزى لقريش وبني كنانة، ومناة لبني هلال، وقال ابن هشام:
стр. 71
عن أبي واقد الليثي قال: " خرجنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم إلى حنين ونحن
..................................................................................................
كانت لهذيل وخزاعة. واللات بتخفيف التاء في قراءة الجمهور، وقرأ ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وحميد وأبو صالح ورويس عن يعقوب بتشديد التاء، فعلى الأولى قال الأعمش: سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز، وقال ابن كثير: اللات كانت صخرة بيضاء منقوشة، عليها بيت بالطائف له أستار وسدنة، وحوله فناء معظم عند أهل الطائف وهم ثقيف ومن تبعها، يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش. قاله ابن هشام١. وعلى الثانية قال ابن عباس: كان رجلا يلت السويق للحاج فمات فعكفوا على قبره، ذكره البخاري٢.
"قلت ": ولا منافاة بين ما ذكره البخاري وغيره من عبادتهم الصخرة التي كان يلت السويق عليها باسمه وعبادة قبره لما مات، وأما العزى فقال ابن جرير: كانت صخرة عليها بناء وأستار بنخلة بين مكة والطائف كانت قريش يعظمونها كما قال أبو سفيان يوم أحد: لنا العزى ولا عزى لكم. قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم "٣. ومناسبة هذه الآية للترجمة أن عبادة المشركين للعزى، إنما كان بالتفات القلوب رغبة إليها في حصول ما يرجونه ببركتها من نفع أو دفع ضر، فصارت أوثانا تعبد من دون الله، وذلك من شدة ضلال أهل الشرك وفساد عقولهم كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٤، فصار عبادة القبور وعبادة الشجر والحجر هو شرك المشركين، وقد جرى ذلك وما هو أعظم منه في أواخر هذه الأمة.
قوله: "عن أبي واقد " هو صحابي مشهور مات سنة ثمان وستين، وله خمس وثمانون سنة قوله: "خرجنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم " يشير إلى أهل مكة ممن إسلامه قريب إذ ذاك.
стр. 72
حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط. فمررنا بسدرة، قلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " الله أكبر! إنها السنن،
..................................................................................................
قوله: "إلى حنين " هو اسم واد بشرقي مكة معروف قاتل فيه صلي الله عليه وسلم هوازن كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً﴾ ١. والوقعة مشهورة عند أهل المغازي والسير وغيرهم، وما جرى فيها من النصر وأخذ أموالهم وسبي ذراريهم ونسائهم كما في الآية الكريمة: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً﴾ ٢.
قوله: "ونحن حدثاء عهد بكفر، يشير إلى أهل مكة الذين أسلموا قريبا، فلذلك خفي عليهم هذا الشرك المذكور في الحديث بخلاف من تقدم إسلامه.
قوله: "وللمشركين سدرة يعكفون عندها " عبادة لها وتعظيما وتبركا لما كانوا يعتقدونه فيها من البركة. قوله: "يقال لها ذات أنواط " هو برفع التاء كما لا يخفى. قوله: "ينوطون بها أسلحتهم" أي يعلقونها.
قوله: " فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم "٣ أي للمشركين "ذات أنواط " ظنوا أن النبي صلي الله عليه وسلم لو جعل لهم ذلك لجاز اتخاذها لحصول البركة لمن اعتقدها فيها. وأنواط جمع نوط وهو مصدر سمي به المنوط. قوله: "فقال النبي صلي الله عليه وسلم الله أكبر " تعظيما لله تعالى عن أن يجعل له شريك في عبادته التي هي حقه على عباده كما قال تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾ ٥ وهو الإخلاص، والشرك ينافي ذلك، وتقدم معنى الحنيف وتضمنت هاتان الآيتان وما في معناهما التوحيد الذي دلت عليه "لا إله إلا الله " نفيا وإثباتا كما تقدم بيانه، فمن التفت قلبه إلى غير الله لطلب نفع أو دفع ضر فقد أشرك، والقرآن كله في تقدير هذا الأصل العظيم الذي هو أصل دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه.
قوله: "السنن " بضم السين أي الطرق يشير إلى الطرق التي تخالف دينه الذي شرعه تعالى لعباده.
стр. 73
قلتم- والذي نفسي بيده- كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ لتركبن سنن من كان قبلكم " رواه الترمذي وصححه١.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النجم.
الثانية: معرفة صورة الأمر الذي طلبوا.
الثالثة: كونهم لم يفعلوا.
الرابعة: كونهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك لظنهم أنه يحبه.
الخامسة: أنهم إذا جهلوا هذا فغيرهم أولى بالجهل.
السادسة: أن لهم من الحسنات والوعد بالمغفرة ما ليس لغيرهم.
.................................................................................................
قوله: "قلتم- والذي نفسي بيده- " حلف على ذلك تأكيدا لهذا الخبر وتعظيما له "كما قالت بنو إسرائيل لموسى": ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ٢ وإن لم يسموها آلهة، أخبر أن التبرك بالأشجار يجعلها آلهة وإن لم يسموها آلهة؛ ولذلك شبه قولهم هذا بقول بني إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ٣، فظهر بهذا الحديث أن التعلق على الأشجار والأحجار وغيرها لطلب البركة بها شرك في العبادة كشرك عباد الأصنام.
قوله: "لتركبن سنن من كان قبلكم " أي اليهود والنصارى، وقد وقع كما أخبر به صلي الله عليه وسلم في هذه الأمة فركبوا طريق من كان قبلهم ممن ذكرنا كما هو في الأحاديث الصحيحة كحديث: " لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قالوا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ " ٤ وهو في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁، وفي رواية: " ومن الناس إلا أولئك؟ " ٥.
стр. 74
السابعة: أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يعذرهم، بل رد عليهم بقوله: " الله أكبر إنها السنن، لتتبعن سنن من كان قبلكم "فغلظ الأمر بهذه الثلاث.
الثامنة: الأمر الكبير وهو المقصود: أنه أخبر أن طلبتهم كطلبة بني إسرائيل لما قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً﴾ ١.
التاسعة: أنه نفي هذا من معنى " لا إله إلا الله" مع دقته وخفائه على أولئك.
العاشرة: أن حلف على الفتيا، وهو لا يحلف إلا لمصلحة.
الحادية عشرة: أن الشرك فيه أكبر وأصغر; لأنهم لم يرتدوا بهذا.
الثانية عشرة: قولهم: ونحن حدثاء عهد بكفر، فيه أن غيرهم لا يجهل ذلك.
الثالثة عشرة: ذكر التكبير عند التعجب، خلافا لمن كرهه.
الرابعة عشرة: سد الذرائع.
الخامسة عشرة: النهي عن التشبه بأهل الجاهلية.
السادسة عشرة: الغضب عند التعليم.
السابعة عشرة: القاعدة الكلية لقوله: " إنها السنن ".
الثامنة عشرة: أن هذا علم من أعلام النبوة؛ لكونه وقع كما أخبر.
التاسعة عشرة: أن كل ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن أنه لنا.
العشرون: أنه مقرر عندهم أن العبادات مبناها على الأمر، فصار فيه التنبيه على مسائل القبر. أما " من ربك؟ " فواضح، وأما " من نبيك؟ " فمن إخباره بأنباء الغيب، وأما " ما دينك؟ " فمن قولهم: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً﴾ ٢ إلخ.
الحادية والعشرون: أن سنة أهل الكتاب مذمومة كسنة المشركين.
الثانية والعشرون: أن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يؤمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة لقولهم: ونحن حدثاء عهد بكفر.
стр. 75
١٠- باب ما جاء في الذبح لغير الله
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ﴾ ١ الآية، وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ٢.
..................................................................................................
قوله: "باب ما جاء في الذبح لغير الله. وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ﴾ الآية.
قال ابن كثير - رحمه الله تعالى -: "يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون له أنه أخلص لله صلاته وذبيحته؛ لأن المشركين يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه، والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى" انتهى. فالصلوات الخمس هي أعظم فرائض الإسلام بعد الشهادتين.
قوله: "صلاتي " يشمل الفرائض والنوافل، والصلوات كلها عبادة. وقد اشتملت على نوعي الدعاء: دعاء المسألة ودعاء العبادة، فما كان فيها من السؤال والطلب فهو دعاء مسألة، وما كان فيها من الحمد والثناء والتسبيح والركوع والسجود وغير ذلك من الأركان والواجبات هو دعاء عبادة، وهذا هو التحقيق في تسميتها صلاة؛ لأنها اشتملت على نوعي الدعاء الذي هو صلاة لغة وشرعا. قرره شيخ الإسلام وابن القيم - رحمهما الله تعالى -.
قوله: "ونسكي " قال الثوري عن السدي عن سعيد بن جبير "نسكي" ذبحي، وكذلك قال الضحاك. قوله: "ومحياي ومماتي " أي ما آتيه في حياتي وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح "لله رب العالمين " خالصا لوجهه، "لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين " أي من هذه الأمة، وهذا قول أئمة التفسير، والمقصود أن هذه الآية دلت على أن أقوال العبد وأعماله الباطنة والظاهرة لا يجوز أن يصرف منها شيء لغير الله كائنا من كان، فمن صرف منها شيئا لغير الله فقد وقع فيما نفاه تعالى من الشرك بقوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣ والقرآن كله في تقرير هذا التوحيد في عبادته وبيانه ونفي الشرك والبراءة منه.
قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ٤ قال شيخ الإسلام: "أمره أن يجمع بين هاتين العبادتين وهما الصلاة والنسك الدالتان على القرب والتواضع والافتقار وحسن الظن وقوة اليقين وطمأنينة القلب إلى الله وإلى عدته عكس أهل الكبر والنفرة وأهل الغنى عن الله الذين