← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 11344

كتابة الحديث النبوي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بين النهي والإذن

حسناء بنت بكري نجار

Полный текст (55 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ال مقدمة: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أما بعد: فإن السنة النبوية هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، فهي تلي كتاب الله تعالى في المكانة والتشريع ولا غنى عنها لمعرفة دين الله ومقاصده في كتابه الكريم، فهي إما موافقة لما جاء فيه أو مبينة له، أو موجبة لما سكت عنه. لذلك كانت غرضاً لأعداء الدين من عرب ومستشرقين، فتارة يدخلون عليها من باب المكانة ويحاولون الانتقاص منها، وتارة يدخلون عليها من باب التوثيق، يريدون أن يلحقوا بها الزيف والبطلان، لكن الله لهم بالمرصاد، فقد وعد -ووعده الحق- بحفظ هذا الدين وحفظ دعائمه وهما كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فقد تكفل الله بحفظ القرآن، وهذا يستلزم تكفله بحفظ بيانه وهو السنة قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٩] فحفظ الله السنة قولاً وعملاً وتقريراً في صدور الصحابة ﵃ وفي سطورهم حتى دونت وصنفت فيها المصنفات، إلا أن هناك ممن سبق ذكرهم من ادعى بأن السنة لم تكتب في حياة النبي ﷺ ، ومنهم من ادعى بأنها بقيت طوال قرن أو أكثر يتناقلها العلماء حفظاً دون أن يكتب منها شيء، وحملهم على ذلك اشتهار حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن الرسول ﷺ نهى عن كتابة غير القرآن.

стр. 2

وبعض هؤلاء اعترف بكتابة الحديث في العصر النبوي، بعد اطلاعه على ما رواه الخطيب البغدادي في كتابه (تقييد العلم) من الأدلة على ذلك، ومنها: إذن النبي ﷺ بالكتابة وأمره بها وكتابة الصحابة رضوان الله عليهم بين يديه، إلا أنه حاول أن يدس السم بالعسل، ففرض خلافا بين أهل الحديث وأهل الرأي حول كتابة الأحاديث أدى إلى وضع كل مذهب لأحاديث تناسب رأيه مما أسفر عن وجود نوعين من الأحاديث المتضاربة، منها الذي ينهى عن الكتابة، ومنها ما يأذن بها وبذلك نسب وضع الأحاديث لكلتا الطائفتين، وغيَّب الحكمة من نهي النبي ﷺ عن الكتابة وإذنه بها، وعرَّض ما كتب من الحديث للتهمة بسبب نزاع هذين الفريقين والحقيقة أنه ليس هناك صراع بين أهل الرأي وأهل الحديث على كتابة الحديث، فمن هؤلاء من كره الكتابة ومنهم من كتب، ومن الفريق الثاني أيضا مثل ذلك وقد تصدى العلماء للرد على هذه الافتراءات رداً مدعما بالحجة والدليل (١) . أما الأحاديث التي رويت عن النبي ﷺ في النهي عن كتابة الحديث والأحاديث التي وردت عنه في الإذن في ذلك فكان لي معها هذه الوقفات من خلال هذه المفصول بعد المقدمة المذكورة: الفصل الأول: الكتابة في عهد النبي ﷺ وفيه مبحثان: المبحث الأول: الكتابة عند العرب قبل الإسلام.

стр. 3

والمبحث الثاني: الكتابة عند العرب بعد الإسلام. الفصل الثاني: الأحاديث الواردة في النهي عن الكتابة والإذن فيها، وفيه مبحثان: المبحث الأول: الأحاديث الواردة في النهي. المبحث الثاني: الأحاديث الواردة في الإذن. الفصل الثالث: التوفيق بين أحاديث النهي والإذن. وفيه مباحثان: المبحث الأول: منهج التعليل. المبحث الثاني: دفع التعارض. ثم الخاتمة، وفهرس المصادر والمراجع، وفهرس الموضوعات. هذا وأسأل الله سبحانه أن أكون وفقت في تجلية غموض هذا الموضوع الذي بحث فيه العلماء قديماً وحديثاً، فإن كان ذلك فبفضل الله، وإن كانت الأخرى فأسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 4

الفصل الآول: الكتابة في عهد النبي ﷺ المبحث الأول: الكتابة عند العرب قيل الإسلام . ... الفصل الأول: الكتابة في عهد النبي ﷺ وفيه مبحثان: المبحث الأول: الكتابة عند العرب قبل الإسلام. المبحث الثاني: الكتابة عند العرب بعد الإسلام.

стр. 5

المبحث الأول: الكتابة عند العرب قبل الإسلام أثبتت الدراسات الحديثة للنقوش والبرديات الجاهلية أن العرب عرفوا الكتابة وكتبوا بالخط العربي الذي عرف فيما بعد بالخط الكوفي منذ مطلع القرن الرابع الميلادي أي قبل الإسلام بثلاثة قرون تقريباً، كما عرفوا النقط والإعجام (١) . وقد انتقلت الكتابة إلى العرب عن طريق "الأنبار" وهم تعلموها من أهل "الحيرة" التي عرفت فيما بعد "بالكوفة"؛ فقد كانت مركزاً ثقافياً منذ زمن بعيد، واستخدمت فيها اللغة العربية في بلاط الحكام العرب. وانتقلت الكتابة إلى الحجاز عن طريق "حرب بن أمية" وكان له صحبة مع "بشر بن عبد الملك" أخو "أكيدر" صاحب "دومة الجندل" بسبب تجارته إلى "العراق" فتعلم منه الكتابة، ثم سافرا معاً إلى مكة فتزوج "بشر" "الصهباء" أخت "أبي سفيان"، وتعلم منه الكتابة جماعة من أهل مكة (٢) . ويذكر أنه ممن كان يكتب في تلك الفترة:"عبد المطلب" جد النبي ﷺ وكذلك جده الأكبر "قصي" (٣) . ومن الطبيعي أن تنتشر الكتابة في "مكة" بعد ذلك بوصفها مركزاً دينياً وتجارياً، ولابد أن يكون هذا الانتشار عن طريق التعليم، إذ وجدت أماكن

стр. 6

للتعليم في مكة (١) ، والمدينة (٢) ، ودومة الجندل (٣) ، وغيرها. كما كانت تعقد في مكة مجالس للعلم تتدارس فيها الأخبار والأشعار والأنساب، وكان منها مجالس أبي بكر ﵁، قال ابن عباس ﵄: "كانت قريش تألف منزل أبي بكر لخصلتين: العلم والطعام، فلما أسلم أسلم عامة من كان مُجالسه" (٤) . وقد أدرك العرب قيمة الكتابة والكاتبين فأطلقوا صفة الكمال على من أتقن أمورا ثلاثة، أحدها: الكتابة. قال ابن سعد: "كان الكامل عندهم في الجاهلية وأول الإسلام الذي يكتب بالعربية ويحسن العوم والرمي" (٥) . قال في " مختار الصحاح: "والكاتب عند العرب العالم" (٦) . أما الموضوعات التي أثر عن عرب الجاهلية كتابتها: فهي تشمل كل شؤون حياتهم الخاصة والعامة، فكانوا يكتبون أنسابهم (٧) ، وأشعارهم (٨) ، ومآثرهم، وحكم بلغائهم (٩) ، وأيام حروبهم (١٠) ، وعهودهم ومواثيقهم،

стр. 7

وأحلافهم (١) ، ومراسلاتهم الشخصية (٢) ، وديونهم فقد جاء في كتاب رسول ﷺ إلى ثقيف: "وما كان لثقيف من دَين في صحفهم اليوم الذي أسلموا عليه في الناس فإنه لهم" (٣) . على أن هذه المعرفة للقراءة والكتابة لم تكن عامة عند الجميع، فهي تختلف باختلاف البيئات والمواطن تطوراً وازدهاراً، فالقبيلة الواحدة قد يكون قسم منها ضارباً في جوف الصحراء، وقسم تحضَّر واستقرَّ، وسكن المدن والقرى، وقسم بين هذين القسمين يبتعد في جوف الصحراء، ولكنه لا ينزل قلب المدن والقرى، وإنما يستوطن باديتها، وظاهرها، وعلى ذلك كانت قريش، والأوس، والخزرج وهذيل، وأكثر قبائل العرب (٤) . وعن ذلك يقول "ابن فارس" -بعد أن عرض لذكر بعض الأعراب ممن كان لا يحسن الكتابة- " ... فأما من حكي عنه من الأعراب الذين لم يعرفوا الهمز والجر والكاف والدال فإنا لم نزعم أن العرب كلها مدرا ووبرا قد عرفوا الكتابة كلها والحروف أجمعها، وما العرب في قديم الزمان إلا كنحن اليوم فما كل يعرف الكتابة والخط والقراءة ... " (٥) . كما أن هذا لا ينافي ما وصفهم الله به في كتابه الكريم من أنهم أمة أمية وذلك في ثلاث آيات هي: قوله تعالى ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ [آل عمران:٢٠] ، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ

стр. 8

عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران:٧٥] ، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ [الجمعة:٢] . لأن الأمية بهذا المعنى كانت غالبة على كثرتهم والكتابة فيهم قليلة نادرة (١) . وقد ادَّعى البعض أن وصف العرب بالأمية لا ينافي معرفتهم بالقراءة والكتابة، وأن المراد بالأمية هي الأمية الدينية أي الجهل بالشريعة؛ لأنهم لم يكونوا أهل كتاب، وما كان محمد ﷺ أمياً إلا لأنه نبي هؤلاء الأميين لتعليمه إياهم شريعة الله (٢) . وهو حمل لظاهر معنى النص القرآني على غير المراد منه من غير قرينة، وذلك لأنه يقتضي التفريق بين تفسير الأميين -وهم العرب- بأنهم جهلة الدين والشريعة، وبين تفسير ما وصف به الرسول ﷺ من الأمية في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف:١٥٧] بأنه الذي لا يعرف القراءة والكتابة، وهو الأصل المراد من ظاهر النص والذي فهمه جمهور المفسرين، وبيَّنه قول رسول الله ﷺ : "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" (٣) .

стр. 9

المبحث الثاني: الكتابة عند العرب بعد الإسلام رأينا في المبحث السابق كيف أن الكتابة كانت معروفة عند العرب قبل الإسلام، لذلك نعجب لما ذكره بعض المؤرخين (١) من أسماء سبعة عشر رجلا من قريش هم فقط الذين يعرفون الكتابة عند دخول الإسلام. وقد استبعد بعض الباحثين أن تكون هذه الإحصائية دقيقة لما تتمتع به " مكة " من موقع جغرافي وتجاري وديني وخاصة أنه لم يذكر فيها بعض من اشتهر بالكتابة والعلم أمثال " أبي بكر الصديق " و" سفيان بن حرب " وغيرهم، إضافة إلى أنه ذكرت أسماء بعض النساء المسلمات الكاتبات، منهن أم المؤمنين "حفصة" ﵂ و" الشفاء بنت عبد الله القرشية " ﵂ وغيرهن (٢) . وهذا يدل على أن ما ذكره بعض المؤرخين يفيد في قلة عدد الكاتبين حين ذاك دون حصرهم جميعاً. وقد أحصى أحد الباحثين المعاصرين عدد المتعلمين في مكة عند ظهور الإسلام وجزم بأنه نحو سبعين متعلماً (٣) . أما في المدينة فلم يتجاوز عدد الذين يعرفون الكتابة على ما ذكره بعض المؤرخين أحد عشر رجلا، وما قيل في مكة يقال في المدينة. على أن هذه الحالة وإن كانت دقيقة إلا أنها لم تدم طويلا بعد انتشار الإسلام وما نزل من القرآن في الأمر بالقراءة في أول سورة منه، والأمر

стр. 10

بكتابة ما يخص المسلم من أموال ومعاملات، إلى غير ذلك من الآيات التي جعلت الكتاب حجة، والآيات التي بينت فضل العلم والعلماء، وفي حث الرسول ﷺ على طلب العلم وما قام به من أعمال من شأنها أن تأخذ بأيدي الناس نحو حب العلم والمعرفة، من ذلك أمره ﷺ بتعليم الكتابة للرجال (١) والنساء (٢) ، وإرسال المعلمين في كل جهة لنشر العلم حتى كان التعليم في البيوت وفي المساجد، ومن هذه الأماكن "دار الأرقم" في "مكة" و "دار القراء" في "المدينة" (٣) وغيرهما. كما شجع بعض الصحابة على تعلم لغات أخرى فطلب من زيد بن ثابت أن يتعلم العبرية والسريانية فتعلمهما في خمسة عشر يوماً، فكان يكتب لرسول الله ﷺ إذا كتب ويقرأ له إذا كُتب إليه (٤) . وقد أثمرت سياسة الرسول ﷺ التعليمية أينع الثمار، فأضحى بين يديه ﷺ خمسون كاتباً يكتبون الوحي، والصدقات والمغانم وسائر العقود والمعاملات والمداينات والمعاهدات وكل ما يَهُمُّ الدولة الإسلامية في شؤونها السياسية والاجتماعية، اختصَّ كل كاتب منهم بكتابة نوع من هذه الأنواع (٥) .

стр. 11

وانتشرت الكتابة حتى اشتهرت بإتقانها بعض القبائل كقبيلة ثقيف في الطائف، مما دعا عمر بن الخطاب ﵁ أن يجعل كتبة المصحف من قريش وثقيف، ودعا عثمان إلى أن يقول: " اجعلوا المملي من هذيل والكاتب من ثقيف (١) . وهذا يشير إلى كثرة عدد الكاتبين، الأمر الذي جعل الخليفة يتخير منهم من يراه صالحاً لهذا الأمر الجليل. وبذلك تبين لنا أن الصحابة عرفوا الكتابة وأتقنوها، فهل قاموا بكتابة حديث رسول الله ﷺ كما كتبوا القرآن؟ لا شك أن هذا يحتاج إلى أمر وتكليف من رسول الله ﷺ كما هو الحال في أمره بكتابة القرآن. فهل أمرهم بذلك أو نهاهم عنه؟ وهل كتب الصحابة شيئاً من الحديث في عهد الرسول ﷺ بدون أن يأمرهم بذلك؟ هذا ما ستجيب عنه الفصول التالية إن شاء الله، مع الأخذ بعين الاعتبار أن ما سنتحدث عنه هو كتابة الحديث لا تدوينه أو تصنيفه، وأرى أن أعَرِّف بهذه المصطلحات كما عرفها علماء اللغة حتى يتضح المراد للقارىء الكريم. فالكتابة هي: قال في اللسان: "كَتَبَ الشيء يكتبه كَتْباً وكِتاباً وكِتابة، وكَتَبه: خَطَّه، فكتابة الشيء: خَطُّه" (٢) .

стр. 12

والتدوين هو: قال في اللسان: "والديوان مجتمع الصحف" (١) ، وقال في تاج العروس (٢) : "وقد دوَّنه تدويناً جمعه". وعليه فالتدوين هو: جمع الصحف المفرقة في ديوان ليحفظها. أما التصنيف: فقال في اللسان (٣) : "والتصنيف تمييز الأشياء بعضها من بعض، وتصنيف الشيء جعله أصنافاً". فالتدوين هو جمع المتفرق المشتت في ديوان أو في كتاب ليحفظ من الضياع، وهو أوسع من التقييد بمعناه المحدود، والتصنيف أدق من التدوين، فهو ترتيب ما دوِّن في فصول محددة وأبواب مميزة. والمقصود في بحثنا هو الكتابة فقط.

стр. 13

الفصل الثاني: الأحاديث الواردة في النهي عن الكتابة والإذن فيها المبحث الأول: الأحاديث الواردة في النهي ... الفصل الثاني: الأحاديث الواردة في النهي عن الكتابة، والإذن فيها وفيه مبحثان: المبحث الأول: الأحاديث الواردة في النهي. المبحث الثاني: الأحاديث الواردة في الإذن.

стр. 14

المبحث الأول: الأحاديث الواردة في النهي عن كتابة الحديث النبوي أولاً: الأحاديث المرفوعة وهي مروية عن ثلاثة من الصحابة ﵃ هم: أبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وزيد بن ثابت أخرج رواياتهم الخطيب البغدادي في "تقييد العلم" سأذكرها بإيجاز ومن أخرجها من أصحاب الكتب المشهورة وأتبعها بما روي عن الصحابة من الأحاديث الموقوفة في هذا الموضوع. أولاً: ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ في النهي: أخرج الخطيب البغدادي في "تقييد العلم" بإسناده إلى عفان قال: ثنا همام أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: " لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن -قال (الصاغاني) غير القرآن- ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وقال: حدثوا عني ولا تكذبوا علي، ومن كذب علي - قال همام: أحسبه قال: متعمداً - فليتبوأ مقعده من النار " (١) . وفي رواية من طريق همام أيضاً زاد: "وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" (٢) . قال الخطيب بعد رواية هذا الحديث: "تفرد همام برواية هذا الحديث عن زيد بن أسلم هكذا مرفوعا. وقد روي عن سفيان الثوري أيضاً عن زيد، ويقال إن المحفوظ رواية هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري من قوله غير

стр. 15

مرفوع إلى النبي ﷺ ". قلت: نسب ابن حجر هذا القول إلى البخاري فقال: "ومنهم من أعلَّ حديث أبي سعيد وقال الصواب وقفه على أبي سعيد، قاله البخاري وغيره" (١) . - وأخرج بسنده من طريق ابن عيينة عن ابن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء عن أبي سعيد قال: "استأذنت النبي ﷺ أن أكتب الحديث، فأبى أن يأذن لي". وفي رواية: " استأذنا النبي ﷺ في الكتاب، فأبى أن يأذن لنا " (٢) . ثانياً: ما رواه أبو هريرة ﵁ في النهي: روى الخطيب بسنده من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نكتب الأحاديث فقال: "ما هذا الذي تكتبون؟ " قلنا: أحاديث سمعناها منك، قال: " أكتاباً غير الله تريدون؟ ما أضلَّ الأممَ من قبلكم إلا ما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله ". قال أبو هريرة: فقلت أنتحدث عنك يا رسول الله؟ قال: "نعم تحدَّثوا عني ولا حرج، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار". وفي رواية قلنا: فنتحدث عن بني إسرائيل؟ قال: "حدثوا ولا حرج،

стр. 16

فإنكم لم تحدثوا عنهم بشيء إلا وقد كان فيهم أعجب منه ". قال أبو هريرة: "فجمعناها في صعيد واحد فألقيناها في النار". وفي رواية: " أكتاب مع كتاب الله؟ أمحضوا كتاب الله وأخلصوه" (١) . وفي رواية: بلغ رسول الله ﷺ أن ناساً قد كتبوا حديثه، فصعد المنبر، فحَمِدَ الله وأثنى عليه ثم قال: "ما هذه الكتب التي بلغني أنكم قد كتبتم، إنما أنا بشر من كان عنده منها شيء فليأت به"، فجمعناها فأحرقت. فقلنا: يا رسول الله نتحدث عنك؟ قال: "تحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" (٢) . كل هذه الروايات من طريق عبد الرحمن بن زيد عن أبيه (٣) . ثالثاً: ما رواه زيد بن ثابت ﵁ في النهي: وأخرج الخطيب من طريق كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: دخل زيد بن ثابت على معاوية فسأله عن حديث فأمر إنساناً يكتبه، فقال له زيد: "إن رسول الله ﷺ أمرنا أن لا نكتب شيئا من حديثه" فمحاه. وفي رواية: "أن النبي ﷺ نهى أن يكتب حديثه" (٤) .

стр. 17

ثانياً: الأحاديث الموقوفة عن الصحابة ﵃ في النهي عن كتابة الحديث وهي مروية عن سبعة من الصحابة ﵃ سأذكر لكل واحد منهم رواية أو أكثر بحيث تشتمل الرواية عنه على معظم المقاصد والأحكام التي أراد هؤلاء الصحابة إبلاغها لمن بعدهم، بخاصة أنه وردت عن بعضهم روايات مقرونة بالعلة التي ورد لأجلها النهي عن كتابة الحديث، وهي التي ستثري البحث أثناء التوفيق بين أدلة النهي عن الكتابة وأدلة الإذن. وهؤلاء الصحابة هم: أبو سعيد الخدري، وعبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعري، وأبو هريرة، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، والذين ذكرت رواياتهم علة النهي هم: عمر بن الخطاب، وأبو موسى الأشعري، وابن مسعود. ١ - الرواية عن أبي سعيد الخدري: روى الخطيب من طريق أبي نضرة قال: قلنا لأبي سعيد "لو كتبتم لنا فإنا لا نحفظ"، قال: "لا نُكتبكم ولا نجعلها مصاحف؛ كان رسول الله ﷺ يحدثنا فنحفظ، فاحفظوا عنا كما كنا نحفظ عن نبيكم" (١) . وفي رواية: وكان أبو سعيد يقول: "تريدون أن تجعلوها مصاحف، فإن نبيكم ﷺ كان يحدثنا، فاحفظوا منا كما حفظنا" (٢) . وفي رواية: "قال أتتخذونه قرآناً، اسمعوا كما كنا نسمع". وفي رواية قال: " قلنا لأبي سعيد إنا اكتتبنا حديثا من حديث رسول الله

стр. 18

صلى الله عليه وسلم " قال: " امحه ". وفي رواية: قلت لأبي سعيد: " إنك تحدثنا بأحاديث معجبة، وإنا نخاف أن تزيد أو تنقص، فلو أنا كتبنا "، قال: " لن نكتبكم، ولن نجعله قرآناً، ولكن احفظوا عنا كما حفظنا " (١) . ٢ - الرواية عن عبد الله بن مسعود ﵁: وأخرج الخطيب من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ﵄ قال: كنا نسمع الشيء فنكتبه، ففطن لنا عبد الله، فدعا أم ولده، ودعا بالكتاب وبإجَّانة (٢) من ماء فغسله ". وفي رواية من طريق مسروق قال: حَّدث ابن مسعود بحديث فقال ابنه: " ليس كما حدثت " قال: " وما علمك؟ " قال": كتبته "، قال: " فهلم الصحيفة "، فجاء بها فمحاها (٣) . ٣ - الرواية عن أبي موسى الأشعري ﵁: وروى الخطيب من طريق أبي بردة قال: كتبت عن أبي كتباً كثيرة فمحاها وقال: "خذ عنا كما أخذنا" (٤) .

стр. 19

٤ - الرواية عن أبي هريرة ﵁: وروى الخطيب بإسناده إلى سعيد بن أبي الحسن قال: لم يكن من أصحاب النبي ﷺ أكثر من أبي هريرة حديثا عن رسول الله ﷺ ، وإن مروان زَمَنَ هو على المدينة، أراد أن يُكتبه حديثه، فأبى وقال: " ارووا كما روينا " فلما أبى عليه، تغفله فأقعد له كاتباً لَقِناً ثَقِفاً، ودعاه، فجعل أبو هريرة يحدثه، ويكتب الكاتب، حتى استفرغ حديثه أجمع، قال ثم قال مروان: "تعلم أنا قد كتبنا حديثك أجمع؟ " قال: " وقد فعلتم؟ " قال: نعم قال: " فاقرأوه عليّ إذاً " قال فقرأوه عليه، فقال أبوهريرة: " أما إنكم قد حفظتم، وإن تطعني تمحه " قال فمحاه (١) . وفي رواية عن أبي كثير قال سمعت أبا هريرة يقول: " لا نكتم ولا نُكتب" (٢) . ٥ - الرواية عن عبد الله بن عباس: عن طاووس قال: إن كان الرجل يكتب إلى ابن عباس يسأله عن الأمر، فيقول للرجل الذي جاء: " أخبر صاحبك أن الأمر كذا وكذا، فإنّا لا نكتب في الصحف إلا الرسائل والقرآن " (٣) . وعن سعيد بن جبير: أن ابن عباس ﵄ كان ينهى عن كتاب العلم، وأنه قال: " إنما أضل من قبلكم الكتب " (٤) .

стр. 20

٦ - الرواية عن عبد الله بن عمر ﵄: عن سعيد بن جبير قال: " كنا إذا اختلفنا في الشيء كتبته حتى ألقى به ابن عمر، ولو يعلم بالصحيفة معي، لكان الفيصل بيني وبينه " (١) . العلة في كراهة كتابة الحديث كما وردت عن بعض الصحابة ﵃ ١ - الرواية عن عمر بن الخطاب: أراد أن يكتب السنن فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله ﷺ فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهراً ثم أصبح وقد عزم الله له، فقال: "إني كنت أردت أن أكتب السنن وإني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً، فأكبُّوا عليها، وتركوا كتاب الله تعالى، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبدا" (٢) . ٢ - الرواية عن عبد الله بن مسعود ﵁: قال: " إنما أهلك من كان قبلكم باتباعهم الكتب وتركهم كتابهم " (٣) .

стр. 21

وقال: " إنما هذه القلوب أوعية فأشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بغيره" (١) . ووردت عن الصحابة روايات أخرى وكلها تدور حول هذه العلة. ٣ - الرواية عن أبي موسى ﵁: قال ": إن بني إسرائيل كتبوا كتاباً واتبعوه، وتركوا التوراة " (٢) .

стр. 22

المبحث الثاني: الأحاديث الواردة في الإذن ... المبحث الثاني: الأحاديث الواردة في إباحة الكتابة وهي واردة عن تسعة من الصحابة ﵃، منها ما هو مرفوع إلى رسول الله ﷺ ، ومنها ما هو موقوف على الصحابة ﵃، وبعضٌ من هؤلاء الصحابة قد روى الأحاديث في النهي عن الكتابة، وهم أبو سعيد الخدري، وعمر بن الخطاب، وأبو هريرة، وابن عباس ﵃. منهم من روى رغبة رسول الله ﷺ في الكتابة، وهو في مرض وفاته ﷺ وهو ابن عباس، ومنهم من روى أمره بالكتابة لأحد الصحابة وهو أبو هريرة، ومنهم من روى إذنه وهو بالكتابة لمن استأذنه في ذلك، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص، ومنهم من روى إذناً عاماً بالكتابة، وهو رافع بن خديج. كما أن هذه الروايات بينت من كتب مِن الصحابة، وهم أبو بكر، وعلي، وابن عباس، وأنس، وأبو سعيد الخدري، ومن استحسن الكتابة وهو أبو أمامة، ومن أمر بها وهما عمر بن الخطاب، وأنس، ومن شجع عليها، وهو علي رضوان الله عليهم أجمعين، فإلى هذه الروايات: ١ - الرواية عن عبد الله بن عباس ﵄: أخرج البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: لما اشتد بالنبي ﷺ وجعه قال: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده". قال عمر: إن النبي ﷺ غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا، وكثر اللغط، قال: " قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع"، فخرج

стр. 23

ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين كتابه" (١) . وأخرج الخطيب من طريق عبيد الله بن أبي رافع قال: كان ابن عباس يأتي أبا رافع فيقول: ما صنع رسول الله ﷺ يوم كذا؟ ما صنع رسول الله ﷺ يوم كذا؟ ومع ابن عباس ألواح يكتب فيها (٢) . ٢ - الرواية عن أبي هريرة ﵁: أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: "ما مِن أصحاب النبي ﷺ أكثر حديثاً عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب". وفي رواية " ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله ﷺ مني، إلا عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب بيده فاستأذن رسول الله في أن يكتب ما سمع منه، فأذن له، فكان يكتب بيده ويعي بقلبه، وإنما كنت أعي بقلبي " (٣) . وأخرج الترمذي عن أبي هريرة قال: كان رجل من الأنصار يجلس إلى النبي ﷺ فيسمع من النبي الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني أسمع منك الحديث

стр. 24

فيعجبني ولا أحفظه، فقال ﷺ : "استعن بيمينك" وأومأ بيده للخط (١) . - وروى أبو داود في سننه عن أبي هريرة قال: لما فتحت مكة قام النبي ﷺ فذكر الخطبة - خطبة النبي ﷺ قال: فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاه فقال: يا رسول الله اكتبوا لي، فقال: "اكتبوا لأبي شاه" (٢) . ٣ - الرواية عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: وأخرج أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمرو قال: " كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنَهَتني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأومأ بإصبعه إلى فيه فقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق" (٣) . وعن عبد الله بن عمرو قال: " هذه الصادقة، هذه ما سمعت من رسول الله ﷺ ليس بيني وبينه أحد، إذا سلمت لي هذه وكتاب الله

стр. 25

تبارك وتعالى فما أبالي ما كانت عليه الدنيا " (١) . وعنه قال: " قلت: يا رسول الله أقيد العلم؟ قال: "نعم" (٢) . ٤ - الرواية عن أنس بن مالك ﵁: وعن هبيرة بن عبد الرحمن قال: " كانوا إذا كثروا على أنس بن مالك في الحديث أتاهم بمجالّ فقال:" هذه كتبتها ثم قرأتها على رسول الله ﷺ " وقال أنس: " كنا لا نعد علم من لم يكتب علمه علماً " (٣) . وعن ثمامة قال: " حدثني أنس أن أبا بكر كتب له فرائض الصدقة الذي سَنَّهُ رسول الله ﷺ " (٤) . وكان يقول لبنيه: " قيدوا العلم بالكتاب " (٥) . ٥ - الرواية عن أبي أمامة ﵁: وعن الحسن بن جابر أنه سأل أبا أمامة عن كتابة العلم فقال:" لا بأس بذلك" (٦) . ٦ - الرواية عن أبي سعيد الخدري ﵁: وعن أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري قال: " ما كنا نكتب غير

стр. 26

القرآن والتشهد" (١) . ٧ - الرواية عن عمر بن الخطاب ﵁: وعن عمرو بن أبي سفيان قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: " قيدوا العلم بالكتاب " (٢) . ٨ - الرواية عن علي بن أبي طالب ﵁: أخرج البخاري عن أبي جحيفة قال قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة، قال فقلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: " العَقْل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر ". وعن طارق قال: رأيت علياً على المنبر وهو يقول: " ما عندنا كتاب نقرؤه عليكم إلا كتاب الله عزوجل وهذه الصحيفة، وصحيفة معلقة في سيف عليه حلقة من حديد وبكراته من حديد، فيها فرائض الصدقة قد أخذها من رسول الله ﷺ " (٣) . وعن المنذر بن ثعلبة عن علي ﵁ قال: "من يشتري مني علماً بدرهم؟ قال أبو خيثمة: "يقول يشتري صحيفة بدرهم يكتب فيها العلم" (٤) . ٩- الرواية عن رافع بن خديج ﵁: عن رافع بن خديج عن رافع ﵁ قال: قلنا يا رسول الله إنا نسمع منك أشياء أفنكتبها قال: " اكتبوا ولا حرج" (٥) .

стр. 27

الفصل الثالث: التوفيق بين أحاديث النهي والإذن المبحث: منهج التعليل ... الفصل الثالث: التوفيق بين أحاديث النهي والإذن وفيه مبحثان: المبحث الأول: منهج التعليل. المبحث الثاني: دفع التعارض.

стр. 28

التوفيق بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن نستطيع أن نقول إننا أمام منهجين للتوفيق بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن وهما: ١- منهج التعليل. ٢ - ومنهج دفع التعارض. وهذا ما سنتناوله في المبحثين التاليين:

стр. 29

المبحث الأول: منهج التعليل وهو القول بأن أحاديث النهي عن الكتابة كانت لعلة، ومن المعلوم أن الأحكام تدور مع العلل وجوداً وعدماً، فمتى وجدت العلة وجد الحكم، ومتى انعدمت العلة انعدم الحكم. والذي يدقق النظر في أحاديث النهي يجدها أشارت إلى التعليل، كما في رواية أبي هريرة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نكتب الأحاديث فقال "ما هذا الذي تكتبون؟ " قلنا: أحاديث سمعناها منك، قال: "أكتابَ غير الله تريدون؟ ما أضل الأمم من قبلكم إلا أنهم اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله". قال أبو هريرة: فقلت: أنتحدث عنك يا رسول الله؟ قال: "نعم، تحدَّثوا ولا حرج، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" (١) . واستنبط العلماء عللا أخرى عبروا عنها في كتبهم بما يلي: قال الخطابي: ".. وقد قيل: إنه إنما نهى أن يكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط به ويشتبه على القارئ" (٢) . وقال ابن القيم: " وهذا كان في أول الإسلام خشية أن يختلط الوحي الذي يتلى بالوحي الذي لا يتلى " (٣) . وذكر الصنعاني: أن النهي عن الكتابة إنما كان في أول الأمر " بسبب أنه لم يكن قد اشتد إلف الناس بالقرآن ولم يذكر حفاظه والمتقنون له، فلما ألفه

стр. 30

الناس وعرفوا أساليبه وكمال بلاغته ... فلم يخش اختلاطه بعد ذلك " (١) . وقال ابن عبد البر: " من كره كتابة العلم إنما كرهها لوجهين: أحدهما ألا يتخذ مع القرآن كتابا يضاهى به، ولئلا يتكل الكاتب على ما كتبه فلا يحفظ، فيقلَّ الحفظ " (٢) . وذكر الخطيب البغدادي:" ... لئلا يضاهى بكتاب الله غيره أو يشتغل عن القرآن بسواه " (٣) . وقال ابن الصلاح: ".. ولعله أذن في الكتابة لمن خشي عليه النسيان، ونهى عن الكتابة عنه من وثق بحفظه مخافة الأتكال عن الكتاب" (٤) . ومن خلال أقوال العلماء هذه نستطيع أن نجمل العلل التي من أجلها نهى الرسول ﵊ عن كتابة الأحاديث فيما يلي: أولاً: خوف انكباب الناس على كتابة غير القرآن: فالغرض من منع كتابة الأحاديث هو الحفاظ على الاهتمام النشط من جانب الذين هداهم الله إلى القرآن، فالقرآن لا يزال في مرحلة الوحي ولم يجمع بعد، فكان ينبغي أن يُعطى مزيداً من الاهتمام عن أحاديث الرسول ﷺ ، فخوفاً من احتمال أن يصرف اهتمام المسلمين عن المصدر الأول للتشريع منع الرسول ﷺ كتابة الأحاديث. يؤيد ذلك التعليل: أننا إذا تأملنا أقوال الصحابة الذين امتنعوا عن الكتابة وحظروها نجدهم يصرحون بذلك، فهذا أبو نضرة يقول: قلنا لأبي سعيد: لو

стр. 31

كتبتم لنا فإنَّا لا نحفظ قال: "لا نكتب ولا نجعلها مصاحف، كان رسول الله ﷺ يحدثنا فنحفظ، فاحفظوا عنا كما كنا نحفظ عن نبيكم" (١) . حيث فسر رواة الحديث (النهي عن الكتابة) بخشية أن يجعل الحديث موضع القرآن، وراوي الحديث أعلم بما روى كما يقرر العلماء (٢) . وأيضا عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن فاستشار في ذلك أصحاب الرسول ﷺ ، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهراً، ثم أصبح يوماً وقد عزم الله له فقال: " إني كنت أردت أن أكتب السنن وإني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فأكبُّوا عليها، وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبداً " (٣) . وقد أعلن عمر هذا على ملأ من الصحابة رضوان الله عليهم، وأقروه، مما يدل على استقرار أمر هذه العلة في نفوسهم. ثانياً: الخوف من مضاهاة الحديث للقرآن الكريم: فالنهي عن كتابة السنة حتى لا تكون مثل القرآن، فالقرآن مكتوب متداول بين الصحابة متعبد بتلاوته وقراءته، فخشي أن يكتب الحديث فيكون مصحفاً يقرأ ويتلى كما يقرأ القرآن الكريم. يؤيد ذلك التعليل: ما ذكر عن الصحابة عموما أنّهم كانوا يرون أن بني إسرائيل إنما ضلوا بكتب ورثوها، ولذلك قال الخطيب البغدادي: " فقد ثبت أن كراهة الكتاب من الصدر الأول إنما هي لئلا يُضاهى بكتاب الله تعالى

стр. 32

غيرُه، أو يشتغل عن القرآن بسواه " (١) . ثالثاً: المحافظة على النص القرآني خشية اختلاطه بالسنة. إن من أسباب النهي عن كتابة الحديث النبوي: خوف اختلاط بعض أقوال النبي ﷺ بالقرآن سهواً من غير عمد (٢) ، ويؤيد ذلك التعليل ما ذكره البغدادي بقوله: ".. ونهى عن كتب العلم في صدر الإسلا م وجدته لقلة الفقهاء في ذلك الوقت، والمميزين الوحي وغيره، لأن أكثر الأعراب لم يكونوا فقهوا في الدين، ولا جالسوا العلماء العارفين، فلم يُؤْمَنْ أن يُلحقوا ما يجدون من الصحف بالقرآن، ويعتقدوا أن ما اشتملت عليه كلام الرحمن" (٣) . رابعاً: الحفاظ على ملكة الحفظ عند المسلمين: قال ابن حجر: "النهي في حَقِّ مَنْ خشي الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن أمن عليه ذلك" (٤) . فالنهي عن كتابة الأحاديث، كان للحفاظ على ملكة الحفظ عند المسلمين؛ إذ الاتكال على الكتابة يضعفها؛ ولذلك كانوا يحتفظون بمعلوماتهم في خزائن القلوب الآمنة (٥) ، والمعرفة عندهم ليست ما تحتويه الكتب، ولكن ما وقر في الصدر، فكانوا يرون أن المعلومات التي تُدَوَّن تكون عرضة للنسيان والضياع، وقد منحهم الله ذاكرة حافظة قوية صقلتها كثرة محفوظاتهم واعتمادهم عليها في كل ما يودون الاحتفاظ به، يقول الخطيب: "ونهي عن

стр. 33

الاتكال على الكتاب؛ لأن ذلك يؤدي إلى اضطراب الحفظ حتى يكاد يبطل، وإذا عدم الكتاب قوي لذلك الحفظ الذي يصحب الإنسان في كل مكان" (١) . يؤيد ذلك التعليل أن بعض الصحابة كانوا يكتبون ثم يمحون ما كتبوا (٢) ، ولولم يكن النهي عن الكتابة مستقراً عندهم لما كتبوا ابتداء. خامساً: الحرج في الكتابة: لقد اهتم الصحابة بكتابة القرآن الكريم، وكانت الوسائل الكتابية بدائية وغير ميسرة منها: رقاق الحجارة والعظام وسعف النخل وجلود الحيوانات، وكانت الأحاديث النبوية أكثر من أن يحصوها؛ وذلك أن النبي ﷺ آتاه الله العلم والحكمة والنبوة فكان له في كل حادثة قول، وفي كل مسألة جواب، وفي كثير من الوحي تفسير وبيان، استمر ذلك النور النبوي ثلاثاً وعشرين سنة بين أظهر الصحابة رضوان الله عليهم. فأنى لهم الوسائل الكتابية، ومن أين لهم الوقت الكافي لتدوين حديثه كله تدويناً كاملا، وليسوا مضطرين أن يعتمدوا على الكتابة، وقد منحهم الله حافظة في صدورهم تعوض لهم ما فاتهم من الكتابة تدوينا وتقييدا؟ ولم يرد النبي ﷺ أن يشق عليهم فيأمرهم بكتابة السنة، وإنما اكتفى بكتابة القرآن الكريم (٣) .

стр. 34

المبحث الثاني: دفع التعارض ... المبحث الثاني: منهج دفع التعارض بين أحاديث النهي والإذن اختلف العلماء ولا سيما الأصوليين في دفع التعارض بين الأدلة الشرعية، فذهب الجمهور إلى أن منهج دفع التعارض هو النسخ أولا، وذلك بأن يُعْلَمَ تاريخ ورود كل من الدليلين المتعارضين فيكون المتأخر ناسخاً للمتقدم. فإن عجزنا عن معرفة تاريخ ورود الدليلين المتعارضين لجأنا إلى الجمع، وذلك بالتأليف بينهما وإزالة الاختلاف، فإن عَجَزْنا عن الجمع بين المتعارضين لجأنا إلى الترجيح؛ وذلك بتقوية أحد الدليلين المتعارضين بناء على قواعد الترجيح المعمول بها عند المحدثين والأصوليين. وذهب الحنفية إلى أن منهج دفع التعارض بين الدليلين المتعارضين يكون بالجمع أولا ثم بالنسخ ثانيا، ثم بالترجيح ثالثا (١) . والخلاف بين الجمهور والحنفية في تقديم الجمع على النسخ. وتجدر الإشارة إلى أنه ليس ثمة تعارض حقيقي في الواقع ونفس الأمر بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن، وإنما التعارض في الذهن فقط بحسب ما يبدو لذهن المجتهد لسبب من الأسباب التي تجعل الأدلة متعارضة في نظره. وأود أن أنوه إلى أنني سأسير وفق منهج الجمهور في دفع التعارض بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن. أولاً: النسخ والنسخ في اللغة هو الإزالة والنقل.

стр. 35

يقال: نسخت الشمسُ الظلَّ أي: أزالته ويقال: نسخت الكتاب أي نقلته (١) . وفي الاصطلاح: اختلف العلماء في تعريف النسخ بين كونه رفعا للحكم أو بياناً له. وأشهر ما قيل في تعريف النسخ هو: "رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متراخ عنه " (٢) . ومن خلال تعريف النسخ نستطيع أن نقول: لا بد أن نعرف تاريخ ورود النهي عن الكتابة وتاريخ ورود الإذن بالكتابة حتى يمكننا القول بأن المتأخر ناسخ للمتقدم. ويرى بعض العلماء أن أحاديث النهي منسوخة؛ لأنها متقدمة وأحاديث الإذن ناسخة لأنها متأخرة فهو من باب نسخ السُّنة بالسُّنة. ومال إلى هذا الرأي كثير من العلماء كابن قتيبة (٣) ، وابن حجر (٤) ، والنووي (٥) ، وابن الصلاح (٦) وغيرهم، والقول بالنسخ لابد أن يستند إلى دليل محقق. واستدل العلماء على كون النهي المتقدم هو المنسوخ بما يلي: أن الإذن بالكتابة متأخر عن النهي عنها؛ فإن النبي ﷺ

стр. 36

قال في غزوة الفتح:"اكتبوا لأبي شاه". يعني خطبته التي سأل أبو شاه كتابتها. وأذن لعبد الله بن عمرو في الكتابة وحديثه متأخر عن النهي؛ لأنه لم يزل يكتب ومات وعنده كتابته وهي الصحيفة التي كان يسميها الصادقة. ولو كان النهي عن الكتابة متأخراً لمحاها عبد الله. وذكر الشيخ رشيد رضا (١) : أن النهي هو المتأخر وليس هو المتقدم، وبالتالي فالإذن بالكتابة هو المنسوخ. واستدل على ذلك بدليلين: الأول: استدلال مَنْ رُوي عنهم من الصحابة الامتناع عن الكتابة ومنعها بالنهي عنها وذلك بعد وفاة الرسول ﷺ . ورد على ذلك بما يلي: " لم يثبت استدلال أحد منهم بنهي النبي ﷺ فالمرويُّ عن زيد بن ثابت متفق على ضعفه. وعن أبي سعيد روايتان: إحداهما فيها الرفع إلى النبي ﷺ ولم يذكر فيها امتناع أبي سعيد، ولم نقل في هذا إنه منسوخ، إنما قلنا إنه إما خطأ والصواب عن أبي سعيد من قوله موقوفاً عليه، كما قال البخاري وغيره، وإما محمول على أمر خاص. والرواية الثانية عن أبي نضرة عن أبي سعيد في امتناعه هو، وليس فيها أن النبي ﷺ نهى، وقد بقيت صحيفة عليّ عنده إلى زمن خلافته، وكذلك بقيت صحيفة عبد الله بن عمرو عنده، ثم عند أولاده.

стр. 37

فلو كان هناك نسخ لكان بقاء الصحيفتين دليلاً واضحاً على أن الإذن هو المتأخر. وأن عمر ﵁ عزم على الكتابة وأشار عليه الصحابة بها ثم تركها لمعنى آخر ولم يذكروا نهيا كان من النبي ﷺ وذلك صريح فيما أثبتناه" (١) . فلا يمكن القول بأن حديث أبي سعيد هو المتأخر فيكون ناسخا لها؛ لأن الكتاب الذي كان النبي ﷺ يريد أن يكتبه إنما كان في مرض موته ﷺ (٢) ولا يعقل أن حديث أبي سعيد كان بعد ذلك. ويعلق الدكتور الأعظمي على رأي رشيد رضا هذا بقوله: " ... وفي الواقع هذا الرأي هو وليد نظرته إلى السنة؛ لأنه في رأيه لم يرد النبي ﷺ أن تكون أحاديثه دينا عاما كالقرآن " (٣) . ثانياً: عدم تدوين الصحابة الحديث ونشره، ولو دونوا ونشروا لتواتر ما دونوا. رُدَّ على ذلك بما يلي: " أما نشر الحديث فقد نشروا والحمد لله وبذلك بلغنا. وأما التدوين فيُعنى به الجمع في كتاب كما جمعوا القرآن، وأن الله تكفَّل بحفظ القرآن وبيانه وهو السنة. وما تكفل بحفظه لابد أن يحفظ.

стр. 38

وقد علمنا من دين الله أنَّ على عباده مع إيمانهم بحفظ ما تكفَّل حفظه أن يعملوا ما من شأنه في العادة حفظ ذلك الشيء، وأنه لا تنافي بين الأمرين" (١) . وبعد رَدِّ دليلَيْ القائل بأن النهي هو المتأخر فهو الناسخ، والإذن بالكتابة هو المتقدم فهو المنسوخ، وأحاديث الإذن هي الناسخة، فآخر الأمرين من رسول الله ﷺ هو الإذن بكتابة الحديث، ويؤيد ذلك ما يلي: ١- ما روي عن ابن عباس أنه قال: لما اشتد بالنبي ﷺ وجعه قال: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده". فقد هَمَّ النبي ﷺ أن يكتب لأصحابه كتابا حتى لا يختلفوا من بعده، والنبي ﷺ لا يهم إلا بحق. فهذا منه ﷺ نسخ للنهي السابق في حديث أبي سعيد. ٢- رُوي من طرق مختلفة أن أبا هريرة قال: " ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله ﷺ مني إلا عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب، استأذن رسول الله ﷺ أن يكتب بيده ما سمع منه فأذن له ". فاستئذان عبد الله بن عمرو من النبي ﷺ في كتابة الحديث يدل على أن الكتابة كانت منهيا عنها في أول الأمر، وقد أذن رسول الله ﷺ له بالكتابة لما استأذنه، ولا خصوصية لعبد الله بن عمرو، وعليه فيمكن أن يقال: إن رسول الله ﷺ لم يلتحق بالرفيق

стр. 39

الأعلى إلا وكتابة الحديث مأذون فيها (١) . وعلق الدكتور نور الدين عتر على هذا الرأي بقوله: " ... إن القول بالنسخ لا يحل الإشكال في هذه المسألة،؛ لأن النهي عن الكتابة لو نسخ نسخاً عاما لما بقي الامتناع عن الكتابة في صفوف الصحابة بعد وفاة الرسول ﷺ ، ولأقيمت الحجة عليهم من طلبة العلم الذين كانوا على أشد الحرص على تدوين الحديث، فما زال المشكل بحاجة إلى مخلص مناسب لحله" (٢) . ثانياً: الجمع بين الدليلين (أحاديث النهي - أحاديث الإذن بالكتابة) والجمع في اللغة: هو الضم والاقتران. وفي الاصطلاح: هو إزالة الاختلاف بالتأليف والتوفيق والتأويل فلا يؤدي هذا التأويل إلى التعسف الشديد (٣) . وبعض العلماء يرون أنه من الممكن التوفيق والتأليف بين أحاديث النهي عن الكتابة وأحاديث الإذن فيها، ويتحقق الجمع فيها بما يلي: الطريقة الأولى: ١ - وذلك بأن تحمل أحاديث النهي على حال غير الحال التي تحمل عليها أحاديث الإذن بالكتابة، كأن تحمل أحاديث النهي في حق مَنْ وُثِقَ بحفظه، وخيف اتكاله على الكتابة، وتحمل أحاديث الإذن في الكتابة في حَقِّ مَنْ لا يُوثق بحفظه، ويُخاف عليه النسيان (٤) .

стр. 40

وقيل: النهي في حق من خشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ والإذن لمن أُمِنَ منه ذلك (١) . وقيل: بأن النهي هو في حق من لا يوثق بحفظه والإباحة في حَقِّ مَنْ يُوثق بحفظه. وهذا القول لا يقره النظر لما روي من الإذن لعبد الله بن عمرو ومثله يوثق بحفظه كما يدل عليه حديث أبي هريرة: فإنه كان يكتب بيده ويعيه بقلبه، وكنت أعيه بقلبي، ولا أكتب بيدي، واستأذن رسول الله ﷺ في الكتاب فأَذِن له (٢) . أو أن تحمل أحاديث النهي عن كتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد وأحاديث الإذن تحمل على تفريقهما (٣) . يؤيد ذلك ما نقله الخطابي: " إنما نهى أن يكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة" (٤) . فإذا لم نقل بالنسخ فلا يكون النهي وارداً فيمن فصل بينهما فكتب القرآن في صحيفة والحديث في صحيفة أخرى (٥) . أو أن تحمل أحاديث النهي على وقت غير الوقت الذي تحمل عليه أحاديث الإذن، كأن تحمل أحاديث النهي على وقت نزول القرآن الكريم خشية التباسه، وتحمل أحاديث الإذن على غير هذا الوقت (٦) .
следующие страницы →