← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 11345

كتابة الحديث بين النهي والإذن

أحمد بن محمد حميد

Полный текст (84 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

كتابة الحديث بين النهي والإذن الدكتور: أحمد بن محمد حميِّد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ال مقدمة: الحمد لله الذي علّم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كتب على نفسه الرحمة، وأشهد أن محمداً النبيَّ الأميَّ عبدُه ورسولُه أقام به الحجة على العالمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الكرام الطيبين وسلم تسليماً أما بعد: فقد أكرم الله تعالى هذه الأمة بنعم عظيمة وآلاء جسيمة، فجعلها خير أمة أخرجت للناس، فهي أمة الوسط، الشهيدة على الناس، وأكمل لها الدين وأتمَّ عليها النعمة، وتعهد بحفظ الدين وإظهاره على الدين كله ولو كره الكافرون، وحمل هذا الدين أقوامٌ نصحوا لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، فحملوا العلم، واستفرغوا الوسع، وبذلوا الجهد، وواصلوا الليل بالنهار حتى وصل هذا العلم لمن بعدهم غضّاً طريّاً، وقد اتخذوا في نقله وسائل متعددة، واشترطوا شروطاً دقيقة في نقله ونقلته، بما لم يسبقوا إليه من الأمم السابقة، فرضي الله عنهم وأرضاهم وجزاهم عن الإسلام خير الجزاء، وكان من جملة الوسائل التي ساهمت في حفظ مصدري الدين الأساسين الكتاب والسنة تدوينهما وحفظهما في صحف وكتب حتى وصلت إلينا، وهي وإن لم تكن شرطاً في نقل العلم فإن وجودها مع توافر الشروط التي شرطها الأئمة ﵏ يزيد العلم وثوقاً، ويحفظه من الزيادة والنقص. واندراس العلم لأن حملته يفنون، وأما كتبهم فلا، وقد حث النبي ﷺ على كتابة العلم وحفظه وتبليغه دل على هذا قوله وفعله والوقائع المتكاثرة وكلها

стр. 2

تبين أن النبي ﷺ استخدم الكتابة وحث على استعمالها، وقد ورد عنه أيضاً أحاديث فيها نهي صريح عن كتابة السنة، واستغلها المناوئون للسنة ليستدلوا بها على أن السنة لم تدون على عهد النبي ﷺ وأن الصحابة امتثلوا لهذا النهي فلم يكتبوا، وأن كثيراً من السنة لم تُدون، وهذا الأمر وإن كان عماده أوهى من بيت العنكبوت إلا أنهم طاروا به وزوقوه وجعلوه مطية لهم للطعن في السنة من وجه خفي، وهم يظنون أن عدم تدوينه - على زعمهم- أضاع كثيراً من الأحاديث، وأن ما حفظ لا يسلم من التبديل والتغيير؛ لأن الحافظة خوانة، والذاكرة عرضة للنسيان، وجهلوا أو تجاهلوا ما لهذه الأمة الأميّة من خصائص لم تكن لمن سبق وأغمضوا أعينهم عن الوقائع المتكاثرة التي حصل فيها تدوين للسنة النبوية، وأغمضوا أعينهم كذلك من أن كراهة بعض الصحابة لكتابة الحديث ليس من أجل ما ذكر من نهي المصطفى ﷺ وإنما لأمور ذكروا عللها؛ ولذا كان لابد من تأصيل هذه المسألة وبيان أثرها، ولقد كان هذا الموضوع يراودني، وجمعت فيه نبذاً حتى هيأ الله لي هذه الفرصة الطيبة من خلال هذه الندوة المباركة - إن شاء الله تعالى- ندوة عناية المملكة العربية السعودية ـ وفقها الله ـ بالسنّة والسيرة النبوية، وكان أحد موضوعات محاورها "كتابة حديث النبي ﷺ بين النهي والإذن" فوافق مرادي وتقوًّتْ بها النية على استكمال هذا الموضوع، وقد وفق الله تعالى أن كتبت هذا البحث وفق الخطة التالية:

стр. 3

المقدمة. الفصل الأول: وفيه مبحثان: المبحث الأول: تعريف الكتابة في اللغة والاصطلاح. المبحث الثاني: إطلاقات الكتابة في الشرع. الفصل الثاني: الكتابة زمن البعثة النبوية وفيه مبحثان: المبحث الأول: علاقة العرب زمن البعثة بالكتابة. المبحث الثاني: الكتبة في العهد النبوي، والسبل التي وجهت إليها كتابتهم. الفصل الثالث: فضل الكتابة وأثرها وفيه مبحثان: المبحث الأول: فضل الكتابة. المبحث الثاني: أثر الكتابة في حفظ العلم وقيمته. الفصل الرابع: كتابة السنة على ضوء الأحاديث وفيه مبحثان: المبحث الأول: الأحاديث الواردة في النهي عن الكتابة. المبحث الثاني: الأحاديث المتضمنة إباحة الكتابة. الفصل الخامس: فهم الأحاديث السابقة وحكم كتابة الحديث وفيه مبحثان: المبحث الأول: العلماء وموقفهم من الكتابة للحديث على ضوء ما ورد. المبحث الثاني: فهم المخالفين لأحاديث النهي والإباحة. الخاتمة وفيها نتائج البحث. فهرس المراجع. فهرس الموضوعات.

стр. 4

وكانت أبرز ملامح منهج البحث ما يلي: ١- تأصيل عناصره قدر الإمكان من الكتاب والسنة، وعزو الأقوال إلى قائليها وبيان موضعها. ٢- عزوت الآية بذكر رقمها من السورة عقب إيرادها. ٣- خَرَّجْتُ الأحاديث في الحاشية إلا أحاديث النهي والإباحة فإنها من صلب البحث. ٤- عزوت إلى الكتاب والباب والجزء إذا كان الحديث في الكتب الستة، فإن ذكرت الرقم بين قوسين فهو رقم الحديث في الكتاب، وإن جردته منه فهو رقم الصفحة، وإن كان من غير الكتب الستة اقتصرت على الجزء والصفحة أو الرقم بالقيد المذكور. ٥- الأحاديث التي أوردها للاستشهاد اقتصرت على ما في الصحيحين أو أحدهما، فإن لم يكن فيهما عمدت إلى الثابت من غيرهما ودراسة سنده والحكم عليه مع الاستعانة بأقوال أهل العلم إن وجدت. ٦- ما أوردته من أحاديث وكان في الصحيحين أو أحدهما اقتصرت بالعزو إليهما عن العزو إلى غيرهما وكذا الحكم عليها، إذ وجودها فيهما كاف عن الحكم بصحته، ما لم يكن فيه علة نص عليها أحد الأئمة الذين يُعْتَدُّ بهم. ٧- توسعت في تخريج ودراسة الأحاديث المتضمنة النهي عن الكتابة أو الإباحة؛ لأن قيمة الكلام عليها تقوم على مدى ثبوتها.

стр. 5

٨- اقتصرت في التخريج إذا ما كان من طريق شيخ واشترك أكثر من مصدر في تخريج هذا الطريق على أعلى المصادر، إلا إذا كانت هناك فائدة من زيادة أو نحوها. ٩- إذا كان سبب حسن الحديث أو ضعفه أحد الرواة فإني أحيل على تهذيب الكمال أو لسان الميزان، وإحالتي عليهما من باب الاختصار إذ إن هذه الإحالة تقتضي الرجوع إلى مصادر ترجمة كل راو في تلك الكتب. ١٠- رأيت من تمام الفائدة أن أشير إلى من كره الكتابة من الصحابة ﵃ وتخريج ما ورد عنهم وعلاقة هذه الكراهة بما ورد من النهي عنها. ١١- لما كان هذا البحث يخاطب المتخصصين فإني لم أترجم لأحد من العلماء الواردين في البحث؛ لشهرتهم عند أهل العلم. ١٢- اختصرت أسماء الكتب عن ذكرها كاملة ولا يخفى هذا عن أهل العلم. ١٣- كل ما ورد في هذا البحث من علماء الإسلام الذين لهم بادرة السبق، وأسأل الله أن يجزيهم خير الجزاء سائلاً أن يجمعني بهم في مستقر رحمته. ولا يسعني في ختام هذه المقدمة إلا أن أتقدم بالشكر لله تعالى أولاً أن وفقني إلى كتابة هذا البحث، وثم الشكر لولاة الأمر في هذا البلد المبارك على عنايتهم بالعلم وأهله، ثم إلى وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد‘ ممثلةً في مجمع الملك فهد حفظه الله لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة على إتاحة الفرصة لكاتب هذا البحث للمشاركة في هذه الندوة سائلاً الله للجميع التوفيق والسداد.

стр. 6

الفصل الأول: في تعريف الكتابة وإطلاقاتها في الشرع المبحث الأول: في تعريف الكتابة في اللغة والاصطلاح أولاً: الكتابة في اللغة ... الفصل الأول: في تعريف الكتابة وإطلاقاتها في الشرع المبحث الأول: تعريف الكتابة في اللغة والاصطلاح أولاً: الكتابة في اللغة: الكتابة مصدر من كتب الشيءَ يكتُبُه كَتْباً وكِتاباً، وكتابةً أصلها من الكَتْبِ - بفتح الكاف وإسكان التاء هو ضم أديم إلى أديم بالخياطة، والكُتْبَةُ بالضم السير يخرز به، وكتب الدابة يكتبُها ويكتِبها كتباً، وكتبَ عليها: خُزِمَ حياؤها بحلقة حديد، وجُمِعَ شفراها لئلا يُنْزى عليها. وكتّبَ الشيء تكتيباً هيَّأه، وأكتبتُ القربة إذا شددتها بالوكاء. فالكتابة إذاً مأخوذة من الضم والجمع، ولذا سميت الخيل كتيبة، ويتحصل فيها جمع الحروف بعضها إلى بعض ولذا سميت كتابة (١) .

стр. 7

ثانياً: تعريف الكتابة في الاصطلاح تعددت تعريفات الكتابة ولعل أجمعها: ما عرفها به ابن خلدون فقال: ـ بعد أن ذكرها في الصناعات ـ هي رسوم وأشكال حرفية تدل على الكلمات المسموعة الدالة على ما في النفس (٢) .

стр. 8

فهذا تعريف مانع خرج به التصوير الذي يدل على الكلمات المسموعة والمراد بالكلمات المسموعة أصل الكلام لأن اكتسابه سماعي، وهذا الكلام معبّر عما في نفس المتكلم. وهناك تعريفات أخرى أعرضت عنها إما لغموضها (١) ، أو لقصورها عن المراد (٢) .

стр. 9

المبحث الثاني: إطلاقات الكتابة في الشرع: قد جاءت الكتابة ومشتقاتها في القرآن الكريم والسنّة النبوية لتدل على عدة معانٍ. فالأصل في الكتابة النظم بالخط، وقد يقال ذلك للمضموم بعضه إلى بعض باللفظ، ويطلق كل واحد منها على الآخر، ولذا سمى كلام الله وإن لم يكتب كتاباً، كما قال جل ذكره: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١، ٢] . والكتاب اسم للصحيفة مع المكتوب فيه كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾ [الأنعام:٧] . والكتابة وسيلة لمقصد في النفس، فقد تطلق الوسيلة على الشيء المراد في النفس ولذلك أطلقت الكتابة على أمور عدة وردت في الوحيين منها: ١ـ العلم كما قال تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [القلم:٤٧] . ٢ـ الحكم كما قال تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ﴾ [الأنفال:٧٥] . ٣ـ تطلق على الفرض كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] . ٤ـ تطلق على التقدير والإيجاب كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ

стр. 10

لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة:٢١] . ٥ـ تطلق على التقدير والقضاء كما قال تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا﴾ [التوبة:٥١] . ٦ـ تطلق على الحجة الثابتة من الله تعالى كما قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ [الحج: ٨] . ٧ـ تطلق على اختلاق الشيء وافتعاله كما قال تعالى: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان:٥] . ٨ـ تطلق بأصلها اللغوي كما قال تعالى: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣] . أي ضمنا في زمرتهم. ٩ـ وأهل الكتاب من أُنْزِل عليهم كتاب من الله كاليهود والنصارى، وورد في آيات عديدة. ١٠ـ يطلق الكتاب على الكتب السابقة كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾ [يونس:٣٧] . ١١ـ يطلق على القرآن الكريم: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران:٣] . ١٢ـ يطلق على الكتب المنزلة جميعاً كما قال تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ

стр. 11

وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] . ١٣ـ تطلق على ابتياع العبد نفسه من سيده، بما يؤديه من كسبه، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور:٣٣] . ١٤ـ تطلق على من ضم اسمه في ديوان الغزاة كما في الحديث أن رجلاً قال للنبي ﷺ "إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا" (١) . ١٥ـ الكتيبة هي الطائفة من الجيش وتكرر ذكرها في الحديث (٢) .

стр. 12

الفصل الثاني: الكتابة زمن البعثة النبوية المبحث الأول: علاقة العرب زمن البعثة النبوية بالكتابة كان المجتمع العربي الذي بعث الله تعالى فيه نبيه ﷺ مجتمعاً ثقافته ومعرفته محدودتان بسبب طبيعة معيشته، إذ كان أكثرهم بدواً رحلاً منشغلين بالحل والترحال، أو حضراً مستقرين في حواضر بسيطة عماد معيشتها على تحصيل الحاجيات الضرورية عن طريق التجارة والزراعة والرعي والصناعة، فكانت كما وصفها الله جل وعلا أمة أمية في مواضع عدة من كتابه الكريم، وكانت منته الكبرى عليهم بأن بعث فيهم خاتم النبيين ﷺ فنهض بها بعد أن كانت قعيدة، وملأها نوراً بالعلم والهداية بعد أن كانت تعيش في ظلمات الضلال والجهل والخرافة، وصارت به متبوعة عزيزة منيعة مرهوبة الجانب بعد أن كانت ذليلة ضعيفة، وجمعها بعد أن كانت مفرقة مشتتة، ومننه جل شأنه عليها به لا تعد ولا تحصى، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوامِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] . وقد فسّر النبي ﷺ معنى الأميين بقوله: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا"، وعقد الإبهام في الثالثة، "والشهر هكذا وهكذا"، يعني تمام ثلاثين" (١) .

стр. 13

وهذا الوصف خرج مخرج الغالب من العرب، فقد وجدت القراءة والكتابة عند بعضهم، ولكن هذا لا ينافي وصف الأمة بأنها أمية (١) ، مثلما وجد منهم بعض الحنفاء ومن كان يتمسك بالكتاب الأول لم ينف أنها أمة جاهلية فالاعتبار للأغلب. والجزيرة العربية قامت فيها مدنيات قديمة بائدة قبل عصور طويلة من زمن البعثة النبوية كالدولة المعينية (٢) والقتبانية (٣) والسبئي (٤) والحميرية (٥) وغيرها، وعن الأخيرة أخذ المناذرة (٦) خط، ومن عاصمة تلك الدولة وهي الحيرة أخذه

стр. 14

أهل الحجاز وتعلموا منهم الكتابة كما هو مشهور عند أكثر أهل العلم (١) ، وكان العرب يعظمون القراءة والكتابة ويعلون من شأن العالم بها، فكانوا يلقبون من أتقن الكتابة وأحسن العوم والرمي بالكامل (٢) ؛ لأنهم يطلقون الكاتب على العالم، لأن الغالب على من كان يعلم الكتابة أن يكون عنده علم ومعرفة (٣) . وإنما لم يكن النشاط الكتابي ظاهراً لأمور عديدة من أبرزها: ١- أنهم كانوا أمة بدوية بسيطة مقتصرة في حياتها على الضروريات، وإتقان الكتابة والمعرفة بها تابع للمدنية التي يعيشها أصحابها، فمتى توافرت أسباب المعيشة الضرورية انتقلوا إلى تحصيل الكماليات والتوسع فيها مثل الكتابة وتعاطي العلم ونحو ذلك (٤) . ٢- أنهم كانوا يعتمدون على الحفظ في الصدور لما آتاهم الله من قوة في الحافظة، وصفاء الطبع، وسيلان الذهن، وحدّة الخاطر فاستغنوا بها عن الكتابة (٥) . ٣- ندرة تحصيل أدوات الكتابة من أقلام وصحائف فلم يكن هناك انتشار لهذه الوسائل، وعمدوا إلى وسائل بدائية للكتابة من أمثال العظام

стр. 15

وألواح الخشب، وسعف النخيل والحجارة وتحصيل هذه الوسائل وإعداده صعب جداً، فاقتصروا في الاستفادة بها على الضروريات من وثائق ومكاتبات ونحوهما (١) . ويمكن أن تُحصر الأمور التي استفاد بها العرب من الكتابة على قلتها في جوانب شتى تظهر بالاستقراء مثل: أـ كتب الديانات السابقة. ب ـ كتابة العهود والمواثيق المنظمة لشؤون الأفراد والمجتمعات. ج ـ الصكوك التجارية وحفظ الحقوق. د ـ الرسائل الشخصية. هـ ـ مكاتبة الرقيق. وـ القصائد الشعرية والمفاخر القبلية والأنساب (٢) . ز ـ الحكم والوصايا (٣) . ح ـ كتب الأساطير القديمة (٤) . ط ـ النقوش الحجرية كشواهد القبور (٥) . وقد ورد عن العرب إقامة كتاتيب لتعليم القراءة والكتابة، في أماكن مختلفة مثل مكة المكرمة، والطائف ودومة الجندل.

стр. 16

وكان لأهل الكتاب اهتمام بتعليم الصبية القراءة والكتابة في الأماكن التي أقاموا فيها مثل المدينة المنورة (١) . وكثير مما سبق ذكره من الشواهد يتوقف ثبوته على صحة سند روايته لكن وجود من يجيد القراءة والكتابة في عصر المبعث النبوي يدل على وجود حركة علمية - وإن كانت محدودة - خرّجت مثل أولئك الكتبة.

стр. 17

المبحث الثاني: الكتبة في العهد النبوي والسبل التي وجهت إليها كتابتهم اتخذ رسول الله ﷺ من أصحابه الذين كانوا يحسنون الكتابة كتبة يكتبون بين يديه، وقد اعتنى العلماء بجمع أسمائهم، واختلفوا في تعدادهم، وتحصل لي من خلال الكتب التي عدّدتهم أربعة وأربعون كاتباً (٢) ،وجملة هؤلاء قد ينازع في ذكرهم، وقد يضاف إليهم آخرون وهذا يحتاج إلى تقصٍ واستقراء ودراسة أسانيد خبر كل واحد منهم.

стр. 18

وإذا ثبت أن النبي ﷺ استفاد من هؤلاء الكتاب ﵃ فاستعماله لهم لا يخرج عن الوحيين الكتاب والسنّة. فأما الأول فلا جدال في استعماله للكتبة في كتابة ما يوحى إليه من القرآن حيث كان يأمرهم بالكتابة عنه متى ما تنزل عليه الوحي، وهذا معلوم ضرورة لا يحتاج إلى شواهد وبيان. وأما السنة وهي وحي من الله كما قال الله جل ذكره: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣، ٤] فكل ما صدر منه ﵊ من أقوال وأفعال وتقريرات وأحوال داخل في السنة وقد استعمل الكتابة في أمور كثيرة، مما يدل على مشروعية كتابة السنة وأنه قد كتب منها شيء كثير، وإن اتخذ البعض منها صور المراسلات والمعاهدات والوصايا أو بيان أحكام، فلا تخرج كلها عن السنة المطهرة، وقد ثبت أن الصحابة ﵃ كانوا يكتبون حديثه بنظره وإقراره كما قال عبد الله ابن عمرو ﵄ "بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب إذ سئل أي المدينتين تفتح أولاً.... الحديث" (١) .

стр. 19

واستقصاء ما كتبه رسول الله ﷺ مما يطول المقام بذكره وسأقتصر ههنا بإيراد بعض الشواهد التي تبين الوجوه التي استعملت فيها، وقيام الحجة بها من الصحيحين أو أحدهما: أ- الرسائل الموجهة إلى ملوك الأرض في زمنه ﷺ يدعوهم إلى الله جل وعلا ويبين فيها واجبهم تجاه أقوامهم، وأن لهم ثواب قومهم مع ثوابهم إن هم أطاعوه، وإثمهم إن هم عصوه، وتضمنت تقرير الوحدانية لله وحده، وبعثته ﷺ إلى الناس كافة (١) . ب- المعاهدات والصلح، وقد صالح النبي ﷺ وعاهد جماعة ودونت هذه المعاهدات والصلح وكتبها له أصحابه، وهي متضمنة أحكاماً واضحة في كيفية المعاهدات والأحكام المترتبة عليها (٢) . ج- كتبه إلى عماله يبين لهم فيها ما يحتاجون إليه من أحكام شرعية وأمور تمس الحاجة إليها بتفصيل أحياناً وبإجمال في أحيان أخرى. د- كتابة لمن لم يستطع أن يحفظ الحديث الذي سمعه منه، وكتابة العلم تكون معينة على حفظ العلم وعدم نسيانه.

стр. 20

هـ- المكاتبات الحربية إلى الأعداء لمساءلتهم وإنذارهم وعرض ما لديه عليهم (١) . و مكاتبات الأمان التي يؤمن بها الأعداء إذا سلّموا أو أسلموا (٢) . ز- أمره ﷺ أن يكتب له أسماء الناس الذين أسلموا (٣) ليضع الأساس لمشروعية كتابة دواوين الجيوش (٤) . ح- الكتابة عنه ﷺ تكون سبباً إلى رفع التنازع بين الأمة. ط- نشر وتعميم الأحكام الشرعية إلى البلاد المجاورة (٥) . هذه نماذج جمعتها من الصحيحين وفيها كفاية لبيان كيفية استفادة النبي ﷺ من الكتابة، وكتب السنة الأخرى تحتوي على نماذج كثيرة تحقق هذا المعنى.

стр. 21

الفصل الثالث: فضل الكتابة، وأثرها المبحث الأول: فضل الكتابة استخلف الله جل وعلا آدم في الأرض، وتوالت عليه نعمه الجليلة، فخلقه من عدم، ورباه بالنعم، وأسبغ عليه نعمه ظاهرةً وباطنة، وعلمه العلم الذي يكون به جديراً لهذا الاستخلاف، وكان من أجل نعمه أن علمه البيان ليتعامل مع غيره، ويستفيد مما خلقه الله له فإن الإنسان تتمثل له المعاني في ذهنه، فيريد التعبير عنها فجعل له وسيلتين للبيان عما في ذهنه: أولاهما: البيان اللفظي، فجعل له آلة اللسان التي يعبر بها عن تلك المعاني ويترجم عنها بها لغيره، وثانيتهما: البيان الرسمي الخطي الذي يرسم به تلك الألفاظ فيتبين للناظر معانيها كما يتبين للسامع معاني الألفاظ، وقرر فضل البيان في سياق نعمه التي امتن بها على عباده فقال: ﴿الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن:١-٤] ، وامتن بتعليم الكتابة والقراءة خاصة في أول سورة أنزلت على النبي ﷺ فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ـ ٥] . وكان من جلال هذه النعمة أن ربط هذه النعم باسم الرحمن مفرداً، وباسم الأكرم على صيغة أفعل الذي هو الغاية في الكرم فلا شيء ولا نقص فيه (١) .

стр. 22

وقد تواردت الآيات والأحاديث في فضل الكتابة ومنزلتها من الشرع المطهر، فالقدر الذي هو ركن الإيمان السادس لا يتم الإيمان به إلا إذا آمن المرء أن الله كتب مقادير كل شيء بالقلم الذي قدّر به مقادير الخلائق قبل خلقها في كتاب عنده لا يضل ولا ينسى كما قال ﷺ "إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم، وأمره أن يكتب كل شيء" (١) . وهذا دليل على شرف الكتابة، فقد استأذن جماعة قتادة بن دعامة في الكتابة، فقالوا: نكتب ما نسمع منك؟ قال: وما يمنعك أن تكتب وقد أخبرك اللطيف الخبير أنه يكتب (٢) . والملائكة ﵈ يكتبون، وكل له اختصاص في كتابته. وشرف الكتابة وما يتعلق به مما يطول المقام بذكره. وكفى به شرفاً أن أقسم الله بالكتابة وآلتها وهي القلم كما قال تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم:١] . قال الشمس ابن القيّم ﵀: "فأقسم الله بالكتاب وآلته وهو القلم وهو إحدى آياته وأول مخلوقاته الذي جرى به قدره وشرعه، وكتب به الوحي، وقُيِّد به الدين، وأثبتت به الشريعة، وحفظت به العلوم وقامت به مصالح العباد في المعاش والمعاد فوطدت به الممالك وأُمّنت به السبل والمسالك

стр. 23

وأقام في الناس أبلغ خطيب وأفصحه وأنفعه لهم وأنصحه، وواعظاً تشفِي مواعظه القلوب من السقم، وطبيباً يبرِّئ بإذنه أنواع الألم، يكسر العساكر العظيمة على أنه الضعيف الوحيد، ويخاف سطوته وبأسه ذو البأس الشديد، وبالأقلام تدبر الأقاليم، وتساس الممالك، والقلم لسان الضمير يناجيه بما استتر عن الأسماع فينسج حلل المعاني في الطرفين فتعود أحسن من الوشى المرقوم، ويودعها حكمه فتصير بوادر الفهوم والأقلام نظام للأفهام، وكما أن اللسان بريد القلب، فالقلم بريد اللسان، وتولّدُ الحروف المسموعة عن اللسان كتولد الحروف المكتوبة عن القلم، والقلم بريد القلب ورسوله وترجمانه ولسانه الصامت (١) ". ولأهمية الكتابة وشرفها عُني الشرع المطهر بها فحث على تعلمها وتعليمها وظهر ذلك من رفع شأن الكتبة من أصحاب النبي ﷺ فشرَّفهم بكتابة القرآن الكريم، وتدوين سنته ﷺ ، وقد جعل النبي ﷺ فداء أسرى بدر لمن لم يستطع فداء نفسه بالمال أن يعلم صبيان الأنصار الكتابة (٢) ، وأذن للنساء بتعلم الكتابة وتعليمها (٣) ، وكن جماعة من النساء الصحابيات رضي

стр. 24

الله عنهن ومنهن بعض أمهات المؤمنين ﵅ يكتبن (١) . وقد جعل الشرع الكتابة سبباً في إثبات الحقوق، وسد باب التنازع فأمر بكتابة الدين وألا يسأم من كتابته صغر أم كبر حفظاً له واحتياطاً عليه وإشفاقاً من دخول الريب فيه. وجعل الله كتابة الشهادة فيما يتعاطاه الناس من الحقوق بينهم عوناً عند الجحود وتذكرة عند النسيان، وجعل عدمها عند من يدّعي على غير ما فيها أوكد الحجج ببطلان ما ادعوا فيها، كما ورد في السنة المطهرة عندما تحاكم اليهود إلى النبي ﷺ في زانيين فغيروا حكم الله، وادعوا أن في التوراة الحكم الذي ادعوه، فأمرهم أن يأتوا بالتوراة فكان حكم الرجم ثابتاً فيها غير مموه (٢) . وفي مجادلة النبي ﷺ لمن اتخذ الأصنام آلهة قال لهم: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤] (٣) .

стр. 25

المبحث الثاني: أثر الكتابة في حفظ العلم وقيمته: كان للكتابة أثر كبير في الشريعة المطهرة من جهة الفوائد المترتبة عليها وظهر هذا في: أ- تدوين القرآن الكريم وحفظه في المصاحف. ب- تدوين السنة المطهرة وحفظها في الدواوين. ج- تدوين العلم الشرعي بكافة تخصصاته وتشعباته العلمية. فلولا التدوين لاندرست معالم هذا الدين، وضاعت معالمه، لأن أصحاب الصدور يفنون، وأما ما دونوه في السطور فلا يفنى. ومما ينبغي ذكره ههنا أنه ليس بالتدوين فقط حُفِظ العلم وقامت به الحجة، فإنه لا قيمة للعلم المكتوب إلا باعتبار نقلته وكتبته إلينا، وأما وجوده في الكتب فلا قيمة له إلا إذا كان كتبته عدولاً ضابطين ومن نقل إلينا هذه الكتب كذلك، وأعني به خصيصة الأمة الإسلامية عن سائر الأمم وهي: ١- البحث في أحوال النقلة من جهة العدالة والضبط. ٢- اتصال السند من أول سلسلته إلى منتهاها. فإذا نقل الرواة إلينا العلم محفوظاً بالصدور والسطور معاً مع الخصيصتين السالفتين فقد كان هذا هو الغاية والنهاية في المحافظة، وإن نقل إلينا بأحدهما كفى هذا في الصيانة ما دامت الخصيصتان متحققتين معاً، وأما وجوده مكتوباً دون هاتين الخصيصتين أو إحداهما فلا قيمة للعلم الموجود، وكذلك انفراد أحدهما دون هاتين الخصيصتين أو إحداهما فلا قيمة له البتة، ولا نثق بأي شيء من المكتوب - إذا كان هذا حاله - لاحتمال تعرضه للتبديل والتحريف. فلينظر إلى التوراة والإنجيل مكتوبان نعم، ولكن وقع التحريف

стр. 26

والتبديل فيهما لما تجرد نقلتهم من العدالة والضبط، وانقطع سندهم إليهما من عصور تالية لنزولهما، بل يستطيع المسلم أن يجزم بأنهما مخالفان لأصلهما الذين نزلا عليه كما قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩] (١) . فالكتابة حينئذ وسيلة من الوسائل لحفظ العلم ولا يعني أن العلم إذا كتب يكون حجة بها، وأن صيانة الحجة متوقفة عليها، ألا ترى إلى كتاب الله جل وعلا وهو حجة الله على خلقه قد نزله على نبيه ﷺ منجماً يتنزل به الروح الأمين عليه، وهو ﵊ معصوم بعصمة الله، فقامت به الحجة، ولم يحتج أن يتنزل به على النبي ﷺ مكتوباً ليكون أبلغ في الحجة على الأمة إذ هو نبي أمي لا يقرأ ولا يكتب، فأتاهم بما يعجزهم ولو اجتمعوا على أن يأتوا بمثله. وشريعة الدين العظمى وهي الصلاة لا يمكن لأحد أن يهتدي إلى كيفيتها من القرآن وحده، بل لا بد من بيان الرسول ﷺ ، ولم يثبت أنه أمر بكتابة كيفيتها التي شرحها بقوله وفعله، ولو كانت الكتابة من لوازم الحجية لما جاز أن يترك النبي ﷺ هذا الأمر الخطير. وخلاصة الأمر أن الكتابة لا تلزم بها الحجة وحدها، بل الأصل ما تقدم تقريره من حال النقل والنقلة (٢) .

стр. 27

وكون المرء كاتباً أو قارئاً لا يلزم منه أن يكون عالماً، فإنه لا تلازم بينهما البتة، ألا ترى إلى النبي ﷺ وكثير من الصحابة الكرام كانوا أميين لا يحسنون القراءة والكتابة، ومع ذلك فهم أعلم الناس، وانظر إلى كثير ممن يحسن القراءة والكتابة في هذا الزمان وله في ذلك درجات عليا في كثير من العلوم الدنيوية وهو لا يحسن قراءة القرآن، ومعرفة شرائع الدين، وتقدم ما قصَّه الله علينا من نبإ أهل الكتاب إذ هم يكتبونه ولا يعقلونه، فمن هنا يظهر أنها وسيلة من الوسائل لا تستقل بنفسها بل بما يحيط بها فبذلك تكون الحجة. وفي الأحكام العملية نرى أن الوصايا والأوقاف والطلاق ونحوها إذا كان مكتوباً دلت الأدلة على إنفاذه، ولكن هذا الإنفاذ متوقف على صحة نسبة الخط إلى كاتبه، وحصول العلم بذلك وليس بمجرد كونها مكتوبة والخلاف الذي حصل بعد ذلك لا في أن الكتابة المقترنة بالقرائن السابقة لا تقوم بها حجة بل للتوثق وإبراء الذمة فمنهم من يشترط الشهود والبينة ونحو ذلك، وهذا لتغير أحوال الناس واجتراء بعضهم على التزوير والكذب، وهذا لا يلغي أصل الحكم بثبوت العمل بها متى تحقق صحة نسبتها إلى صاحبها (١) . وصحت الرواية بالمكاتبة عند جمهور أهل العلم عند حصول شروط القبول في المتكاتبين ومعرفة المكتوب إليه بخط الكاتب أو إشارته أو مختوماً بخاتمه، وأمانة ناقله ونحو ذلك (٢) .

стр. 28

ومثل هذا في الوجادة فقد مضى جماعة من أهل العلم على النقل بها وفي الصحيح جملة كرواية أبي سفيان طلحة بن نافع عن جابر، والشعبي عن جابر، وصحح العلماء رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ووهب بن منبه عن جابر، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده، والحكم بن عتيبة عن مقسم، والحسن عن سمرة ﵃ أجمعين وغيرهم. فمن قبلها فبناء على ثقة الناقل وصحة السند إليه، ثم حصول العلم بوجود الكتاب الذي يرويه منه، وأنه ثابت عن كاتبه أو ممليه، وهذا حاصل في الأمثلة السابقة (١) . فلم تكن الكتابة وحدها حجة بل بما يقترن بها، وهذا أمر مهم فهمه، مخرج للإنسان من بعض الشبه التي حاول منكرو السنة أن يثيروها.

стр. 29

الفصل الرابع: كتابة السنة على ضوء الأحاديث المبحث الأول: الأحاديث الواردة في النهي عن الكتابة وردت أحاديث عدة عن النبي ﷺ تضمنت النهي عن كتابة حديثه، استدل بها من لم ير كتابة الحديث ونهى عنها، ولا شك أن تخريجها من مصادرها والحكم على أسانيدها بعد دراستها معين في بيان قيمة هذا القول وأثره. وسأعرض هذه الأحاديث في هذا المبحث بالتفصيل: أولاً: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال إن رسول الله ﷺ قال "لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي - قال همام: أحسبه قال: متعمداً ـ فليتبوأ مقعده من النار". أخرجه مسلم في الزهد باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم رقم (٧٥١٠) عن هداب بن خالد واللفظ له. والنسائي في فضائل القرآن من الكبرى باب كتابة القرآن ٥/١٠ عن يزيد وعفان وفي لفظهما "عنى شيئاً غير القرآن ـ الحديث إلى قوله فليمحه" وأحمد ٣/١٢ عن إسماعيل بن علية نحوه، وعن شعيب بن حرب ولفظه "لا تكتبوا عني شيئاً فمن كتب عني شيئاً فليمحه". و٣/٢١ عن يزيد، ٣٩ عن أبي عبيد وأتم الحديث نحو مسلم، ٥٥ عن عفان وتمامه "وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، وحدثوا عني ولا تكذبوا عليّ" وتمامه مثل مسلم. وأبو يعلى ٢/٩٧ عن أبي الوليد الطيالسي مثل لفظ عفان عند النسائي وصححه الحاكم من هذا الوجه على شرطهما ١/١٢٦، وأخرجه ابن حبان ١/٢٦٥ عن كثير بن يحيى.

стр. 30

والخطيب في تقييد العلم /٣١ عن عمرو بن عاصم الكلابي نحو حديث عفان عند أحمد. وابن عبد البر في جامع بيان العلم ١/٢٦٨ عن موسى بن إسماعيل نحو حديث يزيد عند النسائي. عشرتهم عن همام بن يحيى، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد ﵁ به. ونقل ابن حجر في الفتح ١/٢٠٨ عن البخاري وغيره تصحيح وقفه. وممن أعله بالوقف أبو داود كما في تحفة الأشراف ٣/٤٠٨ قال: وهو منكر، أخطأ فيه همام، هو من قول أبي سعيد، بعد أن عزاه المزي إلى أبي عوانة بقصة الكتابة. وقال الخطيب في التقييد /٣٠: ويقال إن المحفوظ رواية هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري من قوله غير مرفوع. قلت: قد ورد عن غير همام مثله ونحوه عن السفيانين عن زيد بن أسلم. أولاً عن سفيان الثوري نحوه. أخرجه ابن عدي في الكامل ٥/١٧٧١ عن محمد بن الحسين بن شهريار والخطيب في تقييد العلم /٣٠ عن محمد بن الحسين القطان كلاهما عن النضر ابن طاهر عن عمرو بن النعمان عن الثوري عن زيد. وهذا سند تالف النضر بن طاهر هذا يسرق الحديث كما في لسان الميزان ٦/١٩٤. ورواه يوسف بن أسباط عن الثوري عن خارجة بن مصعب عن زيد بن أسلم.

стр. 31

أخرجه ابن عدي أيضاً ٣/٩٢٥ حدثنا إبراهيم بن إسحاق بن عمر حدثنا عبد الله بن حبيق عن يوسف به. وهذا الإسناد أمثل من الإسناد السابق، يوسف صدوق وثقة أحمد وابن معين والعجلي، إلا أنه دفن كتبه ثم كان يحدث من حفظه فيخطئ، ولذا تكلم فيه من تكلم من العلماء، وانظر سؤالات أبي داود أحمد بن حنبل رقم (٣٣٠) والكامل ٧/٢٦١٤، ولسان الميزان ٦/٣٨٨. وبان بهذه الرواية أن الثوري لا يرويه عن زيد بن أسلم، بل بينهما خارجة بن مصعب وهو متروك، كما في ترجمته في تهذيب الكمال ٨/٦. ثانياً: عن سفيان بن عيينة ولفظه "استأذنا النبي ﷺ في الكتابة فلم يأذن لنا". أخرجه الترمذي في العلم باب في كراهية كتابة العلم رقم (٢٦٦٥) عن سفيان بن وكيع. والدارمي في المقدمة باب من لم ير كتابة الحديث ١/١١٩ عن أبي معمر كلاهما عن ابن عيينة عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد به. وخالفهما لوين واختلف عليه فيه. فرواه محمد بن إبراهيم بن يحيى الحزوري في جزئه عن لوين رقم (٥٥) ومحمد بن هارون بن حميد عند ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ رقم (٦٠٣) كلاهما عن ابن عيينة عن زيد عن أبيه عن عطاء عن أبي سعيد بنحوه. ورواه إسماعيل بن عبد الله وعلي بن إسحق الأنماطي وعبد الله بن صالح البخاري عند الخطيب في تقييد العلم كلهم عن لوين عن ابن عيينة عن ابن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء عن أبي سعيد وتابعهم عن لوين القاسم بن

стр. 32

محمد بن عباد عند ابن عدي في الكامل ٤/١٥٨٣. وقال عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم عن أبيه والرواية الثانية أصح إذ لا مدخل لأسلم العمري وهو تابعي كبير قديم، وهذا ما رواه إبراهيم بن بشار عند الطحاوي في معاني الآثار ٤/٣١٨، وحسين بن حسن بن حرب المروزي عند الرامهرمزي في المحدث الفاصل /٣٧٩، ومحمد بن خلاد عند ابن عدي في الكامل ١/٣٥ كلهم عن سفيان عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء عن أبي سعيد. فعاد الحديث إلى رواية سفيان عن عبد الرحمن بن زيد، وقد اضطرب فيه فجعله من مسند أبي هريرة أخرجه أحمد ٣/١٢ عن إسحاق بن عيسى ولفظه كنا قعوداً نكتب ما نسمع من النبي ﷺ فخرج علينا، فقال: ما هذا تكتبون، فقلنا: ما نسمع منك، فقال: "أكتاب مع كتاب الله" فقلنا ما نسمع؟ فقال "أكتاب غير كتاب الله؟ امحضوا كتاب الله وأخلصوه"، قال: فجمعنا ما كتبنا في صعيد واحد، ثم أحرقناه بالنار، قلنا: أي رسول الله نتحدث عنك؟ فذكر نحوا من حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم. والبزار كما في زوائده رقم (٩٨) عن يعقوب بن حميد مختصراً. والخطيب في تقييد العلم /٣٣ عن عبد الله بن عمرو، وسهل، ويعقوب بن محمد كلهم عن عبد الرحمن به. قال البزار: رواه همام عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد، وعبد الرحمن بن زيد، فقد أجمع أهل العلم بالنقل على تضعيف أخباره، وليس هو بحجة فيما ينفرد به.

стр. 33

فبهذا يصح إطلاق أن همام بن يحيى قد تفرد به عن زيد بن أسلم. وهمام: ثقة إلا أنه يحدث من حفظه، فيقع منه الغلط ولا يرجع إلى كتابه، ثم أصبح بآخره يرجع إليه ويعترف بخطئه فيما مضى، ومنه أخذ ابن حجر أن حديثه بآخره أصح ممن سمع منه قديماً، كما في تهذيب التهذيب ١١/٦٠. فلعل تضعيف من ضعف الحديث وأعله بالوقف من هذا الجانب. إضافة إلى أن المروي عن أبي سعيد ﵁ من غير هذا الطريق يؤيد الوقف عليه، ومنها: عن أبي نضرة عنه وله طرق متعددة: أ- رواه الجريري عن أبي نضرة ولفظه: قلت لأبي سعيد ألا تكتبنا فإنا لا نحفظ، فقال: "لا إنا لن نكتبكم ولم نجعله قرآناً، ولكن احفظوا عنا كما حفظنا نحن عن رسول الله ﷺ ". أخرجه الدارمي في الموضع السابق ١/١٢٢ عن يزيد بن هارون واللفظ له. وأبو خيثمة في العلم /١٣١ نحوه عن ابن علية ولم يقل عن رسول الله ﷺ والرامهرمزي /٣٧٩ عن غسان بن مضر. وابن عبد البر في جامع بيان العلم ١/٢٧٣ عن عبد الأعلى والخطيب في تقييد العلم /٣٧، ٣٨ عن شعبة ولفظه: اسمعوا كما كنا نستمع، وعن القاسم بن الفضل نحو لفظ إسماعيل بن علية ستتهم عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد ﵁ وهذا سند صحيح. ب- كهمس بن الحسن عنه ولفظه: قال: قلنا لأبي سعيد لو اكتتبنا الحديث، قال "لا نكتبكم خذوا عنا كما أخذنا عن نبينا ﷺ " أخرجه

стр. 34

ابن أبي شيبة في المصنف ٩/٥٢ عن أبي أسامة والخطيب في تقييد العلم عن روح بن عبادة كلاهما عن كهمس عن أبي نضرة عن أبي سعيد ﵃ به. وهذا سند صحيح. ج- المستمر بن الريان عن أبي نضرة قال: قلنا لأبي سعيد ألا نكتب ما نسمع منك؟ قال: "تريدون أن تجعلوها مصاحف احفظوا كما حفظنا". أخرجه ابن سعد في الطبقات ٥/٢٥٣ عن مسلم بن إبراهيم والخطيب في تقييد العلم /٣٦، ٣٧ عن عثمان بن عمر ويحيى بن السكن وزاد كما حفظنا عن نبيكم ﷺ ثلاثتهم عن المستمر عن أبي نضرة عن أبي سعيد ﵃ به. وهذا إسناد صحيح. ورواه أبو المتوكل الناجي عن أبي سعيد قال: "ما كنا نكتب غير التشهد والقرآن". أخرجه أبو داود في العلم باب كتاب العلم ٣/٣١٩ عن ابن شهاب وابن أبي شيبة ١/٢٩٣ عن ابن علية والطحاوي في معاني الآثار ١/٢٦٤. ثلاثتهم عن أبي المتوكل عن أبي سعيد به. ولا يقال إن قوله كما حفظنا نحن عن رسول الله ﷺ . ونحوه ما ورد في الطرق السابقة، له حكم المرفوع حيث عزا هذا الفعل إلى زمنه ﷺ فالجواب: إن هذا إخبار عن الكيفية التي تلقى بها أبو سعيد ﵁ الحديث من رسول الله ﷺ ولا ينفي هذا أن غيره تلقى الحديث مكتوباً عن النبي ﷺ بدليل ما سيأتي من أحاديث في المبحث الثاني. وفي الفصل الأخير مزيد كلام عن حديث أبي سعيد ﵁.

стр. 35

ثانياً: عن زيد بن ثابت ﵁ أنه دخل على معاوية ﵁، فسأله عن حديث فأمر إنساناً يكتبه، فقال له زيد "إن رسول الله ﷺ أمرنا ألا نكتب شيئاً من حديثه" فمحاه. أخرجه أبو داود في الموضع السابق رقم (٣٦٤٧) . عن أبي أحمد الزبيري. والخطيب في تقييد العلم /٣٥ عن سليمان بن بلال نحوه كلاهما عن كثير عن المطلب عن زيد به. وهذا إسناد ضعيف لأنه منقطع: المطلب بن عبد الله بن حنطب لم يسمع إلا من أنس وسهل بن سعد وسلمة بن الأكوع ﵃، ولم يسمع من زيد كما في جامع التحصيل /٢٨١. ثالثاً: عن معاذ ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نكتب شيئاً من الحديث، فقال: "ما هذا يا معاذ؟ " قلنا: سمعناه منك يا رسول الله، قال: "يكفيكم هذا القرآن مما سواه"، فما كتبنا شيئاً بعد. أخرجه إسحاق كما في المطالب العالية ١٢/٦١٠ أخبرنا عطاء بن مسلم الحلبي عن عمرو بن قيس الملائي عن إبراهيم النخعي عن معاذ بن جبل ﵁. قال ابن حجر: منقطع. يعني بين إبراهيم النخعي ومعاذ. وفيه سبب آخر: عطاء بن مسلم هو الخفاف ضعيف من قبل حفظه كما في ترجمته في تهذيب الكمال ٢٠/١٠٤.

стр. 36

رابعاً: عن ابن عباس وابن عمر ﵃ ﵃ قالا: خرج رسول الله ﷺ معصوباً رأسه، فرقى درجات المنبر، فقال " ما هذه الكتب التي بلغني أنكم تكتبونها، أكتاب مع كتاب الله؟ يوشك أن يغضب الله لكتابه، فيسرى عليه ليلاً، فلا يترك في ورقه ولا قلب منه حرفاً إلا ذهب إليه". أخرجه الطبراني في الأوسط ٧/٢٨٧ حدثنا محمد بن عبد الله بن رستة حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا عيسى بن ميمون عن محمد بن كعب عن ابن عباس وعن زيد بن أسلم عن ابن عمر ﵄ به. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/١٥٥ وفيه عيسى بن ميمون الواسطي وهو متروك.

стр. 37

المبحث الثاني: الأحاديث المتضمنة إباحة الكتابة: أولاً: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه فنهتني قريش، وقالوا: أتكتب كلَّ شيء تسمعه ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضا؟! فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فأومأ بأصبعه إلى فيه، فقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق". أخرجه أبو داود في الموضع السابق رقم (٣٦٤٦) عن مسدد وابن أبي شيبة، واللفظ لهما. وأحمد ٢/١٦٢، ١٩٢. والحاكم ١/١٥٠ عن عبد الرحمن بن محمد بن منصور الحارثي ومسدد أربعتهم عن يحيى القطان عن عبيد الله بن الأخنس عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو ﵃ به. وهذا إسناد صحيح، لا يعكر عليه أن ابن حبان قال في عبيد الله بن الأخنس: يخطئ كثيراً، فقد أطلق القول بتوثيقه أحمد ويحيى بن معين وأبو داود والنسائي، كما في ترجمته في تهذيب الكمال ١٩/٥، وابن حبان شديد في الجرح يتوقف في جرحه ولاسيما إذا تفرد، والوليد هو ابن عبد الله بن أبي مغيث كما جاء منسوباً في رواية أبي داود، خلافاً للحاكم الذي قال إنه هو ابن أبي الوليد الشامي، فلا يعرف راو بهذا الاسم.

стр. 38

وله بهذا اللفظ طرق عديدة استوفاها الخطيب البغدادي في تقييد العلم /٧٤ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. رواه عنه جماعة والإسناد حسن. وقد شهد أبو هريرة ﵁ بأن عبد الله بن عمرو كان يكتب عن النبي ﷺ وأنه كتب عنه الكثير. كما قال: "ما من أصحاب النبي ﷺ أحدٌ أكثر حديثاً عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب". أخرجه البخاري في العلم باب كتابة العلم رقم (١١٣) . حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان حدثنا عمرو أخبرني وهب بن منبه عن أخيه عن أبي هريرة. وأخرجه أحمد ٢/٤٠٣ عن محمد بن سلمة. والطحاوي في معاني الآثار ٤/٣١٨ عن أحمد بن خالد الوهبي والرامهرمزي في المحدث الفاصل / ٣٦٩ عن عبد الأعلى السامي والخطيب في تقييد العلم / ٨٣ عن إبراهيم بن سعد أربعتهم عن ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن مجاهد، والمغيرة بن حكيم عن أبي هريرة ﵁ نحوه، وزاد "فإنه كان يكتب بيده ويعيه بقلبه، وكنت أعيه بقلبي ولا أكتب بيدي، واستأذن رسول الله ﷺ في الكتابة عنه فأذن له". ولفظ عبد الأعلى وإبراهيم عن المغيرة ولم يذكر مجاهداً وهذا إسناد حسن، ابن إسحاق وإن كان مدلساً، فقد صرح بالسماع في رواية إبراهيم، وإبراهيم من رؤوس أصحاب ابن إسحاق وأوثقهم كما في ترجمته في سير أعلام النبلاء ٨/٣٠٤.

стр. 39

وقد تابع ابن إسحاق على هذا عقيل. أخرجه الطحاوي في المعاني ٢/٣١٩ عن يونس بن عبد الأعلى، والعقيلي في الضعفاء ٢/٣٣٤ عن أحمد ابن صالح. والخطيب في تقييد العلم /٨٣ عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ثلاثتهم عن ابن وهب عن عبد الرحمن بن سلمان عن عقيل عن عمرو بن شعيب عن المغيرة عن أبي هريرة ﵁. وعبد الرحمن لين الحديث، لينه البخاري وأبو زرعة والنسائي، قال أبو حاتم: ما رأيت في حديثه منكراً وهو صالح الحديث، كما في ترجمته في تهذيب الكمال ١٧/١٤٨، فمثله يصلح حديثه في المتابعات. وتقدم حكاية عبد الله بن عمرو ﵄ أن الصحابة كانوا يكتبون الحديث بين يدي النبي ﷺ كما تقدم ص ١٢. وقد أخبر أن النبي ﷺ كان يملي عليه الحديث، قال أبو راشد الحبراني: أتيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت له حدثنا مما سمعت من رسول الله ﷺ فألقى إليّ صحيفة، فقال: هذا ما كتب لي رسول الله ﷺ فنظرت فيها فإذا فيها فذكر حديثاً. أخرجه الترمذي في الدعوات باب رقم ١٠١ عن الحسن بن عرفة ٥/٢٠٢. والبخاري في الأدب المفرد رقم (١٢٠٩) عن خطاب بن عثمان. وأحمد ٢/١٩٦ عن خلف بن الوليد. والطبراني في الشاميين ٢/٢٢ عن عمرو بن خالد الحراني وسليمان بن عبد الرحمن.

стр. 40

والمعمري في اليوم والليلة كما في نتائج الأفكار ٢/٣٤٦ عن داود بن رشيد وداود بن عمرو الضبي، وأبي معمر القطيعي. ثمانيتهم عن إسماعيل بن عياش حدثنا محمد بن زياد الألهاني عن أبي راشد الحبراني به. قال الترمذي: حسن غريب. قال ابن حجر عقبه: رجاله رجال الصحيح إلا إسماعيل بن عياش ففيه مقال، لكن روايته عن الشاميين قوية وهذا منها، وإلا أبا راشد الحبراني، وقد وثقه العجلى، وقال: لم يكن بالشام أفضل منه، وذكره أبو زرعة الدمشقي في الطبقة العليا التي تلي الصحابة. وورد معنى الكتابة من وجه آخر عنه ﵁ قال: كان عند رسول الله ﷺ ناس من أصحابه، وأنا معهم وأنا أصغر القوم فقال "من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" فلما خرج القوم قلت: كيف تحدثون عن رسول الله ﷺ ، وقد سمعتم ما قال؟! وأنتم تنهمكون في الحديث عنه!! فضحكوا، وقالوا: يا بن أخينا إن كل ما سمعنا منه فهو عندنا في كتاب. أخرجه الرامهرمزي /٣٧٨ عن عاصم بن علي. والخطيب في تقييد العلم /٩٨ عن سعيد بن سليمان كلاهما عن إسحاق ابن يحيى بن طلحة، عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو ﵄ به. قال الهيثمي في المجمع ١/١٥٧ رواه الطبراني في الكبير، وفيه إسحاق بن يحيى بن طلحة وهو متروك.
следующие страницы →