ال مقدمة:
ن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:
فيقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦-١٥٨] .
ويقول تعالى - أيضاً -: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي
стр. 2
ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] .
ويقول ﷺ في الحديث المتفق عليه: "إنَّا أمّةٌ أميةٌ، لا نكتب ولا نحسب" (١) .
من خلال هذه النصوص يتبين لنا بوضوح لا مرية فيه أن القرآن الكريم يصف النبي ﷺ ب "الأمي"، ويصف أمته التي بعث فيها، وهم العرب ب "الأميين" (٢) ، فيمتنّ عليهم بذلك. أي: أنهم مع كونهم أميين قد بعث الله منهم رجلاً أمياً - مثلهم لا يقرأ ولا يكتب - بشرعٍ عظيمٍ كاملٍ شاملٍ لجميع الخلق، فيه تزكيتهم وتهذيب نفوسهم، وهدايتهم، والبيان لكل ما يحتاجون إليه من أمر معاشهم ومعادهم. وهذا من أقوى براهين حجته وصدق نبوته صلوات الله وسلامه عليه (٣) .
فلما بُعث النبي ﷺ بالإسلام – دين العلم والتعلم – اهتمَّ ﷺ بتعليم المسلمين الكتابة، فأذن لأسرى بدر من أهل مكة أن يفدوا أنفسهم بتعليم
стр. 3
عشرة من صبيان الأنصار القراءة والكتابة (١) ، وكان بعض المسلمين يتعلمون القراءة والكتابة في مسجد رسول الله ﷺ ، حيث تطوّع بعض المعلمين بتعليمهم مثل: عبد الله بن سعيد بن العاص، وسعد بن الربيع الخزرجي، وبشير بن سعد بن ثعلبة، وأبان بن سعيد بن العاص (٢) ، فكثر عدد الكاتبين حتى زاد عدد كتاب الوحي على أربعين كاتباً (٣) ، ومع وجود عددٍ من الكتّاب في عهده ﷺ ، وأمره لبعضهم بكتابة القرآن الكريم، نجده لم يأمر أحداً بكتابة الحديث النبوي كما أمر بكتابة القرآن، بل نهى عن ذلك وأمر بمحو ما كُتب منه (٤) ، ولعله أراد بذلك ألا يتكلوا على الكتاب، وأن يداوموا على ملكة الحفظ التي كان العرب يمتازون بها، ويعتمدون عليها في ضبط تواريخهم وأيامهم، ولاسيما أن الحديث تجوز روايته بالمعنى، بخلاف القرآن الذي هو معجزٌ بلفظه ومعناه، ومن ثمّ لا تجوز روايته بالمعنى، وللتخلص – أيضاً – من احتمال انشغال بعضهم به عن القرآن، أو حدوث التباس عند عامة المسلمين، فيخلطون القرآن بالحديث باختلاط صحف بعضهما مع بعض، وبخاصة في أول الإسلام قبل معرفة ألفاظ القرآن وتميز أسلوبه (٥) ، لذلك اقتضت الحكمة
стр. 4
حصر جهود الكاتبين في نطاق تدوين القرآن الكريم دون الحديث، فلما تميّز القرآن ورسخت معرفة الصحابة به، وأمِن ﷺ عليهم خلطهم غيره به أذن لهم في الكتابة، فكتب بعضهم صحائف وكتباً لأنفسهم، وكتب هو ﷺ بعض الكتب والمكاتبات الكثيرة التي كان يبعث بها لإبلاغ هذا الدين، وهمّ قُبَيْل موته أن يكتب كتاباً للناس لا يضلون بعده أبداً.
فلما توفي ﷺ كثر عدد من يكتب الحديث من الصحابة والتابعين، وأحجم آخرون عن ذلك تورعاً بسبب النهي الوارد، واستمر الأمر على ذلك، بعضهم يكتب، وبعضهم لا يكتب. إلى أن جاء عهد الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز، الذي دعا إلى جمع السنة وتدوينها. قال البخاري في كتاب العلم: باب كيف يقبض العلم:٣٤: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم – عامله على المدينة-: "انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه؛ فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء"، وبدعوته انتهى الخلاف في كتابة الحديث.
واستقر الأمر على استحباب كتابة الحديث، وبعهده ابتدأ التدوين الرسمي الشامل للأحاديث، الذي يقصد به جمع شتات الأحاديث وما تفرق منها في صحائف العلماء ومحفوظاتهم في كتابٍ واحدٍ يتداوله عامة الناس، فكان "أول من دوّن الحديث ابن شهاب الزهري (ت ١٢٤هـ) على رأس المائة الأولى بأمر عمر بن عبد العزيز" (١) ، ثم انتشر التدوين وأخذ صفة العموم في هذا القرن -أعني القرن الثاني – ولم يزل التدوين يقوى ويشتد، حتى بلغ
стр. 5
عنفوانه، واستوى على سوقه في القرن الثالث، خاتمة القرون الثلاثة المفضلة، والذي يمكن أن يطلق عليه العصر الذهبي للتدوين (١) .
ومنذ ذلك العهد وعلماء الإسلام يُعنون بخدمة السنة النبوية، والتصنيف فيها، والترتيب لها، وتقريب معانيها، واستنباط الأحكام منها، وبذل الوسع في بيان صحيحها من سقيمها، والدفاع عنها وردِّ الشبه القديمة والحديثة المثارة حولها، واستمرت سلسلة العناية بالسنة النبوية حتى يومنا هذا، فأتم اللاحق ما بدأه السابق، فأُنشِئت الجمعيات والمراكز العلمية، وشُيِّدت الكليات الشرعية، وأُقيمت الندوات المتخصصة التي تُعنى بالسنة والسيرة النبوية، مما كان له أبرز الأثر في خدمة السنة النبوية، وإثراء المكتبة العلمية بالبحوث المتخصصة فيها، ونشر كتب السنة، وإبرازها للناس بتحقيقٍ علميٍ موثَّق، ولعل هذا جزءٌ من العناية التي تحظى به السنة النبوية في هذا البلد المبارك بلد الحرمين - المملكة العربية السعودية - بتوجيهٍ ودعمٍ متواصلين من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز حفظه الله تعالى، وسدَّد خطاه في خدمة الإسلام والمسلمين.
ومما يشهد لذلك هذه الندوة المباركة – إن شاء الله تعالى – التي ينظمها مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة، بعنوان:
"عناية المملكة العربية السعودية بالسنة والسيرة النبوية"
стр. 6
يلتقي للتواصل والمشاركة فيها عددٌ كبيرٌ من صفوة العلماء والباحثين المهتمين بهذين المجالين من مختلف أقطار العالم، ولقد دُعيتُ للمشاركة في فعاليات هذه الندوة، وتقديم بحث في أحد موضوعات المحور الأول من محاورها، بعنوان:
"كتابة الحديث في عهد النبي ﷺ بين النهي والإذن "
فوقع ذلك في قلبي، واستجبت للمشاركة في الكتابة فيه، وقدَّمتُ له بهذه المقدمة التي تطرّقتُ فيها إلى تطور كتابة الحديث في العهد النبوي، وما مر بكتابة الحديث من المراحل على سبيل الإجمال، ثم قسمته إلى عدة مباحث:
* المبحث الأول: في سياق الأحاديث الواردة في الإذن بكتابة الحديث، مع تخريجها، ودراسة أسانيدها، والحكم عليها.
* المبحث الثاني: في ذكر بعض الصحف والكتابات والمكاتبات التي وُجدت في عهده ﷺ .
* المبحث الثالث: في إثبات تواتر الأحاديث في وقوع الكتابة في عهده ﷺ .
* المبحث الرابع: في سياق الأحاديث الواردة في النهي عن كتابة الحديث، مع تخريجها، ودراسة أسانيدها، والحكم عليها.
* المبحث الخامس: في ذكر آراء العلماء في التوفيق بين أحاديث الإذن والنهي، وتحقيق المسألة في ذلك.
* المبحث السادس: في الرد على الشبه المثارة حول السنة من جهة كتابتها.
* الخاتمة: وتشتمل على أهم نتائج البحث.
стр. 7
* الفهارس، ولقد اقتصرت فيها على:
- فهرس المصادر والمراجع التي رجعت لها في هذا البحث؛ لقرب مباحثه وقلة أحاديثه.
هذا، والله تعالى أسال أن يجعل هذا البحث خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجعله من العلم النافع والعمل الصالح، وأن يغفر لي ولوالدي، ولعموم المسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 8
كتابة الحديث في عهد النبي ﷺ بين النهي والإذن
إعداد: الدكتور ناصر بن إبراهيم العبودي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المبحث الأول: في سياق الأحاديث الواردة في الإذن بكتابة الحديث النبوي، مع تخريجها، ودراسة أسانيدها، والحكم عليها
الحديث الأول:
عن أبي هريرة –﵁– قال: كان رجلٌ من الأنصار يجلس إلى رسول الله ﷺ ، فيسمع من النبي ﷺ الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني لأسمع منك الحديث، فيعجبني ولا أحفظه، فقال رسول الله ﷺ : "استعن بيمينك"، وأومأ بيده للخط.
تخريج الحديث:
هذا الحديث أخرجه الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة –﵁– ومدار أغلب أسانيده على: "الخليل بن مرة، عن يحيى بن أبي صالح، عن أبي هريرة"، إلا أنه اختلف فيه على الخليل:
* فمرة روي عنه كما تقدم:
- أخرجه الترمذي (١) عن قتيبة، والخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي" (٢) من طريق داود بن منصور، كلاهما عن الليث بن سعد، عن الخليل، به، بلفظه، وعند الخطيب لُقِّب يحيى بن أبي صالح ب "السمان".
قال الترمذي: هذا حديثٌ ليس إسناده بذاك القائم، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: الخليل بن مرة منكر الحديث.
стр. 9
*ومرة روي: "عنه، عن علي بن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة" أخرجه ابن عدي في "الكامل" (١) عن علان، عن عيسى، عن الليث، عن الخليل، به، بنحوه مختصراً.
*ومرة روي: "عنه، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة":
- أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٢) عن عبد الرحمن بن سليمان بن برد، عن عيسى بن حماد، عن الليث، عن الخليل، به، بنحوه مختصراً.
*ومرة روي "عنه، عن يحيى بن أبي صالح السمان، عن أبيه، عن أبي هريرة ":
- أخرجه الخطيب في "تقييد العلم" (٣) من طرق عن النعمان بن عبد السلام وعبد الأعلى بن محمد وعثمان بن رقاد،
- وابن عدي في "الكامل" (٤) من طريق عبد الله بن عبد الله الأموي، أربعتهم عن الخليل، به، بنحوه.
· النظر في اختلاف روايات الحديث:
لم يتبين لي إمكان الترجيح بين روايات الحديث السابقة أو الجمع بينها، وعليه فإن الحديث يكون بهذا الإسناد مضطرباً بهذه الاختلافات، فضلاً عن ضعفه بسبب وجود الخليل بن مرة فيه، وهو: الخليل بن مرة الضبعي البصري، نزيل الرَّقة، أحد الصالحين، ضعفه بعضهم
стр. 10
تضعيفاً شديدا، كالبخاري – كما تقدم في تخريج الحديث – وغيره، ووثقه آخرون، وذكره ابن عدي في "الكامل في الضعفاء" (١) ، وساق له بعض الأحاديث المنتقدة، ثم قال: ولم أر في أحاديثه حديثاً منكراً قد جاوز الحد، وهو في جملة من يكتب حديثه، وليس هو بمتروك الحديث. أ. هـ، وقد روى له الترمذي، مات سنة (١٦٠هـ) (٢) .
·متابعٌ للخليل بن مرة:
هذا وقد تابع الخليلَ بنَ مرة على رواية هذا الحديث الخصيبُ بنُ جحدر،
إلا أنه قد اختلف فيه عليه – أيضاً -:
*فمرة روي: "عنه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة".
- أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٣) ،
- والخطيب في "تقييد العلم" (٤) ،
- والعقيلي في "الضعفاء" (٥) ، ثلاثتهم من طرق عن عبد الصمد بن سليمان، عن الخصيب بن جحدر، به، بنحوه مختصراً.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي صالح إلا الخصيب بن جحدر.
стр. 11
وقد ذكر الهيثمي هذا الحديث في "مجمع الزوائد" (١) وقال: رواه البزار، وفيه الخصيب بن جحدر، وهو كذاب. قال محقق "الأوسط ": قوله رواه البزار خطأ، والصحيح رواه الطبراني في الأوسط.
- وأخرجه الخطيب في "تقييد العلم " (٢) ،
- وابن عدي في "الكامل " (٣) ، كلاهما من طريق طالوت بن عباد، عن الربيع بن مسلم، عن الخصيب، به، بنحوه مختصراً.
-وأخرجه الخطيب في "تقييد العلم " (٤) من طريق مسعدة بن اليسع، عن أبي الفضل رجل من أهل الشام، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، به.
قلت: الظاهر أن أبا الفضل هذا، والذي أُبهم في الإسناد، ووصف بأنه رجلٌ من أهل الشام هو الخصيب بن جحدر، والله تعالى أعلم.
*ومرة روي: "عنه، عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، عن أنس". يعني: بجعله من مسند أنس ﵁.
أخرجه الطبراني في "الأوسط " (٥) ،
والخطيب في "تقييد العلم" (٦) عن الحسن بن أبي بكر، عن محمد ابن أحمد الصواف، كلاهما عن إبراهيم بن هاشم البغوي، عن إسماعيل
стр. 12
- ابن سيف، عن محمد بن عبد الواحد بن أخي حزم القطعي، عن الخصيب بن جحدر (١) ، عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، عن أنس، به، بنحوه مختصراً.
قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن عبيد الله بن أبي بكر إلا بهذا الإسناد، تفرد به إسماعيل.
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢) : رواه الطبراني في "الأوسط"، وفيه إسماعيل بن سيف، وهو ضعيف.
أقول: هكذا ضعّف الهيثمي هذا الحديث هنا ب إسماعيل بن سيف، مع أنَّ في إسناده من هو أضعف منه، وهو الخصيب بن جحدر، كما سبق أن ضعف الحديث هو بنفسه به، كما تقدم في تخريج الوجه الأول من روايات هذا الحديث في الصفحة السابقة.
стр. 13
· الترجيح بين روايتي الحديث:
رجَّح الخطيب البغدادي في "تقييد العلم" (١) الرواية الأولى للحديث، والتي فيها جُعل الحديث من مسند أبي هريرة، فقال – بعد أن رواه من حديث أنس-: لا أعلم رواه عن الخصيب، عن عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس إلا ابن أخي حزم، والمحفوظ: عن الخصيب، عن أبي هريرة، كما قدَّمناه.
· الحكم على الحديث:
وبعد تخريج روايات هذا الحديث بإسناديه السابقين، يتبين لنا أن الحديث ضعيفٌ جداً بهما، أما إسناده الأول: فلاضطرابه، ووجود الخليل بن مرة فيه، وهو ضعيف – كما تقدم بيان ذلك، وأما إسناده الثاني، ففيه الخَصِيب بن جَحْدَر، وهو كذاب: كذَّبه شعبة والقطان وابن معين والبخاري، وقال أحمد: لا يكتب حديثه (٢) .
هذا وقد ذكر ابن أبي حاتم هذا الحديث في كتابه "علل الحديث" (٣) ، فقال -بعد سؤال أبيه عنه-: سمعت أبي يقول: هذا حديثٌ منكر.
стр. 14
* الحديث الثاني:
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قيدوا العلم". قلت: وما تقييده؟. قال: "كتابته".
стр. 15
* تخريج الحديث:
هذا الحديث – بهذا اللفظ – أخرجه الحاكم وغيره من حديث عبد الله ابن عمرو بن العاص –﵁ – ومدار أغلب أسانيده على: "عبد الله بن مؤمل، عن ابن جريج، عن عطاء، عنه"، إلا أنه اختلف فيه على ابن المؤمل:
* فمرة روي عنه كما تقدم:
- أخرجه الحاكم (١) من طريق محمد بن شاذان وصالح بن محمد بن حبيب كلاهما عن سعيد بن سليمان الواسطي، عن ابن المؤمل، به، بلفظه.
قال الحاكم: أسنده شيخٌ من أهل مكة غير معتمد عن ابن جريج.
وقال الذهبي: قلت: ابن المؤمل ضعيف.
- وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٢) عن محمد بن النضر الأزدي، عن سعيد بن سليمان، به، بنحوه.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ابن جريج إلا عبد الله بن المؤمل.
- وأخرجه الطبراني – أيضا – في "الأوسط" (٣) ،
- والخطيب في "تقييد العلم" (٤) من طريق محمد بن أحمد بن يعقوب، كلاهما عن أحمد بن يحيى الحلواني، عن سعيد بن سليمان، به، بنحوه.
أقول: سقط ابن جريج من سند الطبراني في هذا الموضع، فالظاهر أن
стр. 16
ذلك وهمٌ، إذ إن الخطيب روى الحديث –كما تقدم– عن شيخ الطبراني بإثبات ابن جريج على الجادة، ومما يدل على إسقاطه عنده أنه قال بعد تخريجه:
لم يرو هذا الحديث عن عطاء إلا عبد الله بن المؤمل (١) .
وقد ذكر الهيثمي هذا الحديث في "مجمع الزوائد" مرتين في موضع واحد (٢) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه عبد الله بن المؤمل وثّقه ابن معين وابن حبان، وقال ابن سعد: ثقة قليل الحديث، وقال الإمام أحمد: أحاديثه مناكير؛ ثم ذكره مرة أخرى، وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الله بن المؤمل، وقد تقدم الكلام فيه قبل هذا الحديث تراه.
- وأخرجه الخطيب في "تقييد العلم" (٣) ، ومن طريقه:
- ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٤) عن الحسن بن أبي بكر، عن محمد بن عبد الله الشافعي، عن محمد بن بشر بن مطر، عن سعيد بن سليمان، به، بنحوه. أقول: قرن الخطيب مع الحسن بن أبي بكر محمد بن عمر النرسي.
- وأخرجه الخطيب –أيضا– من طريق حنبل بن إسحاق ومحمد بن سليمان الباغندي، كلاهما عن سعيد بن سليمان، به، بنحوه.
- وأخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٥) من طريق محمد بن سنجر وأحمد بن زهير –فرقهما– كلاهما عن سعيد بن سليمان، به، بنحوه.
стр. 17
- وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" (١) عن محمد بن أحمد بن الحسن، عن محمد بن نصر الصائغ، عن سعيد بن سليمان، به، بنحوه.
قال أبونعيم: غريب من حديث ابن جريج، عن عطاء، لم نكتبه إلا من حديث ابن المؤمل.
* متابعٌ لعبد الله بن المؤمل على هذه الرواية:
هذا وقد تابع عبدَ الله بنَ المؤمل على هذه الرواية الوليدُ بنُ مسلم:
- أخرجه ابن حبان (٢) عن عمر بن محمد
- والنسائي في "الكبرى" (٣) كلاهما عن عمرو بن عثمان بن سعيد، عن الوليد، عن ابن جريج، عن عطاء (٤) ، عن عبد الله بن عمرو، به، بمعناه، وفيه زيادات في آخره.
стр. 18
- هذا وقد ذكر المزي هذا الحديث في "التحفة" (١) وقال: قال النسائي: هذا الحديث حديثٌ منكر، وهو عندي خطأ.
* ومرة روي "عنه، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن عمرو":
- أخرجه الخطيب في "تقييد العلم" (٢) ، ومن طريقه:
- ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٣) كلاهما من طريق العباس الدوري، عن سريج بن النعمان، عن ابن المؤمل، به، بنحوه مختصراً.
* ومرة روي "عنه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده":
- أخرجه الخطيب في "تقييد العلم" (٤) من طريق معن بن عيسى وقاسم بن يزيد الجرمي –فرق حديثيهما– كلاهما عن ابن المؤمل، به، بنحوه، وحديث قاسم بن يزيد بمعناه.
· الترجيح بين روايات الحديث والحكم عليه:
الذي يظهر لي أن أرجح روايات هذا الحديث هي أكثرها، وهي الرواية الأولى، رواية "ابن المؤمل، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبد الله بن عمرو "والتي تابعه عليها الوليد بن مسلم – كما تقدم في تخريج الحديث – وعلى كلٍ فإن الحديث ضعيفٌ الإسناد؛ لأمرين: أحدهما: انقطاعه بين عطاء الخراساني وبين عبد الله بن عمرو، فإنه لا يعرف له سماعٌ منه – كما تقدم الإشارة إلى ذلك من كلام النسائي في حاشية الصفحة السابقة –والثاني: وجود ابن المؤمل فيه، وهو: عبد الله بن المؤمل بن وهب المخزومي المكي،
стр. 19
ضعفه الأكثر، ووثقه بعضهم، وقال ابن عدي: أحاديثه عليها الضعف بيِّن، وفي التقريب: ضعيف الحديث، مات سنة (١٦٠هـ) (١) .
هذا وقد جاء لهذا الحديث طريقٌ أخرى ضعيفةٌ جداً – أيضاً - أخرجها:
- الخطيب في "تقييد العلم" (٢) ،
- وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٣) كلاهما من طريق الدارقطني، عن أحمد بن عمار، عن عبد الله بن أيوب، عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبي ذئب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، به، بنحوه مختصراً. قال الخطيب: قال الدارقطني: تفرد به إسماعيل، عن ابن أبي ذئب. وقال
ابن الجوزي: فيه –يعني: هذا الطريق– إسماعيل بن يحيى. قال الدارقطني: كذابٌ متروكٌ.
стр. 20
· الحديث الثالث:
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: كنت أكتب كلَّ شيءٍ أسمعه من رسول الله ﷺ أريد أحفظه، فنهتني قريشٌ، وقالوا: أتكتب كلَّ شيءٍ تسمعه، ورسول الله ﷺ بشرٌ يتكلم في الغضب والرضا؟!، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فأومأ بإصبعه إلى فيه، فقال: "اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حقٌ".
стр. 21
* تخريج الحديث:
حديث عبد الله بن عمرو هذا أخرجه أبوداود وأحمد وصححه الحاكم وغيرهم من طرقٍ عنه، وقد خرَّج أغلب هذه الطرق الخطيب البغدادي في "تقييد العلم" (١) ، ولعل أحسن هذه الطرق وأشهرها طريقان:
* الأول: "يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن الأخنس، عن الوليد بن عبد الله، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو"،
* والثاني: "عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده"، ويأتي مجاهدٌ مقروناً بأبيه أحياناً، وسأقتصر في التخريج على الأول منهما؛ خشية الإطالة، ولحصول المقصود من ثبوت الحديث بذلك، فأقول -وبالله التوفيق- هذا الحديث:
- أخرجه أبو داود في العلم باب كتابة العلم (٢) ، ومن طريقه:
- الخطيب في "تقييد العلم" (٣) ،
- وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٤) ،
- والقاضي عياض في "الإلماع" (٥) ، عن مسدد وابن أبي شيبة، كلاهما عن يحيى بن سعيد، به، بلفظه.
стр. 22
- وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف "كتاب الأدب باب من رخص في كتاب العلم (١) عن يحيى، به، بلفظه.
- وأخرجه الدارمي في المقدمة باب من رخص في كتابة العلم (٢) عن مسدد، عن يحيى، به، بلفظه.
- وأخرجه الحاكم في كتاب العلم، باب الأمر بكتابة العلم (٣) من طريق مسدد، به، بلفظه.
- وأخرجه أحمد (٤) ، ومن طريقه:
- الخطيب في "تقييد العلم" (٥) عن يحيى بن سعيد، به، بلفظه.
· الحكم على الحديث:
وبعد النظر في رجال إسناد هذا الحديث يتبين لنا أنهم كلهم ثقاتٌ، قد خرج لهم الجماعة، غير الوليد بن عبد الله، وهو: ابن أبي مغيث العبدري، فمن رجال أبي داود وابن ماجه، وهو ثقة، وقد اتفق العلماء على توثيقهم، غير عبيد الله بن الأخنس، فقد وثقه الأئمة إلا ابن حبان انفرد بقوله فيه في "الثقات" (٦) : "يخطئ كثيراً"، ولعل ذلك مما عرف عنه من
стр. 23
التشدد في الجرح، ولذا فإن ابن حجر لما ذكره في "الفتح" (١) قال: "شذّ ابن حبان، فقال في الثقات: يخطئ كثيراً"، وعليه يكون هذا الحديث صحيحا بهذا الإسناد، والله تعالى أعلم.
стр. 24
· الحديث الرابع:
عن أبي قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص –﵁– وسئل: أي المدينتين تفتح أولاً القسطنطينيّة أو رومية؟، فدعا عبد الله بصندوقٍ له حِلَقٌ، فأخرج منه كتاباً، فقال: "بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب إذ سئل رسول الله ﷺ : أي المدينتين تفتح أولاً، أقسطنطينية أو رومية؟، فقال رسول الله ﷺ : "مدينة هرقل تفتح أولاً". يعني: قسطنطينية.
· تخريج الحديث الرابع:
- هذا الحديث أخرجه أحمد (١) ،
- وابن أبي شيبة في "المصنف"كتاب الجهاد (٢) ،
- والدارمي في المقدمة باب من رخص في كتابة العلم (٣) عن عثمان بن محمد، ثلاثتهم عن يحيى بن إسحاق، عن يحيى بن أيوب، عن أبي قبيل، به، بلفظه، ولفظ الدارمي فيه اختصار.
- وأخرجه الحاكم (٤) من طريق ابن وهب،
стр. 25
- وابن عبد الحكم في "فتوح مصر" (١) عن سعيد بن عفير، كلاهما عن يحيى بن أيوب، به، بنحوه، ولفظ الحاكم في الموضع الأول فيه اختصار.
قال الحاكم: هذا حديثٌ صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
· الحكم على الحديث:
هذا الحديث صححه الحاكم ووافقه الذهبي – كما تقدم في تخريجه – وذكره الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (٢) وقال بعد أن نقل تصحيح الحاكم والذهبي له -: "وهو كما قالا"، وقد ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٣) وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، غير أبي قبيل، وهو ثقةٌ.
стр. 26
· الحديث الخامس:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قيدوا العلم بالكتاب".
· تخريج الحديث:
هذا الحديث أخرجه الخطيب في "تقييد العلم"والحاكم وغيرهما من حديث أنسٍ ﵁ ومداره على: "عبد الله بن المثنى، عن عمه ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن جده أنس"، إلا أنه اختلف فيه على ابن المثنى:
стр. 27
* فمرة رُوي عنه مرفوعا إلى النبي ﷺ :
- أخرجه الخطيب في "تقييد العلم" (١) ، وفي "تاريخ بغداد " (٢) ،
- وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٣) ،
- وأبو الشيخ في "طبقات المحدثين بأصبهان" (٤) ، جميعهم من طريق عبد الحميد بن سليمان، عن ابن المثنى، به، بلفظه.
قال الخطيب في "تقييد العلم": تفرد برواية هذا الحديث عبد الحميد بن سليمان الخزاعي المدني أخو فليح، عن عبد الله بن المثنى، وغيره يرويه موقوفاً على أنس.
- ومرة رُوي عنه موقوفاً على أنس من قوله: - أخرجه الحاكم (٥) ،
- وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٦) ، كلاهما من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري،
- والدارمي (٧) عن مسلم بن إبراهيم،
- والطبراني في "الكبير" (٨) من طريق خالد بن خداش،
- والقاضي عياض في "الإلماع" (٩) من طريق سعيد بن عبد الجبار، أربعتهم عن عبد الله بن المثنى، به، موقوفاً على أنس من قوله.
стр. 28
قال عياض: قال موسى بن إبراهيم: اتفق الأنصاري ومسلم بن إبراهيم وسعيد على هذا في قول أنس، ورفعه عبد الحميد، ولا يصح رفعه.
وقال الحاكم: الرواية عن أنس بن مالك صحيحة من قوله، وقد أُسنِد -يعني: رُفِع إلى النبي ﷺ من غير وجه معتمد.
· الترجيح بين روايتي الحديث والحكم عليه:
وبهذا يتبين لنا ترجيح رواية الوقف، وهي رواية الأكثرين على رواية الرفع، والتي تفرد بها عبد الحميد بن سليمان – كما رجح ذلك الحاكم والخطيب والقاضي عياض – علماً بأن رواية الوقف قد صححها الحاكم
- كما تقدم - وقال عنها الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١) : رجالها رجال الصحيح.
أقول: عبد الله بن المثنى فيه ضعف، إلا أنه قد احتج بحديثه البخاري في مواضع من صحيحه من روايته عن عمه ثمامة، عن جده أنس ﵁، وروى له الترمذي وابن ماجه (٢)
стр. 29
· الحديث السادس:
عن رافع بن خديج ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "تحدَّثوا، وليتبوأ مَنْ كذب عليَّ مقعده من جهنم". قلت: يا رسول الله، إنا نسمع منك أشياء، أفنكتبها؟، فقال: "اكتبوا ولا حرج".
стр. 30
* تخريج الحديث:
- هذا الحديث أخرجه الخطيب في "تقييد العلم" (١) .
- والطبراني في "الكبير" (٢) من طرق عن بقية بن الوليد، عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبي مدرك، عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج، عن رافع بن خديج، به، بنحوه مختصراً ومطولاً، وهذا لفظ الطبراني.
- وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٣) وقال: رواه الطبراني في الكبير وفيه أبومدرك، روى عن رفاعة بن رافع، وعنه بقية، ولم أر من ذكره.
· دراسة إسناد الحديث السادس:
- عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج الأنصاري الزرقي، أبو رفاعة المدني، روى عن جده رافع بن خديج وغيره، وعنه أبو مدرك عبد الله ابن مدرك الأزدي وآخرون، ثقة، خرج له الجماعة (٤) .
أبو مدرك، هكذا جاء في الإسناد غير منسوب، وقد نسبه المزي فيمن روى عن عباية بن رفاعة -كما تقدم في ترجمته- قال الهيثمي في "المجمع" (٥) : لم أر من ذكره.
стр. 31
- عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان العنسي، الدمشقي الزاهد، روى عن أبي مدرك الأزدي وغيره، وعنه بقية بن الوليد وآخرون. قال الذهبي في الكاشف: قال دحيمٌ وغيره: ثقةٌ رمي بالقدر، ولينه بعضهم (١) .
- بقية بن الوليد بن صائد الكلاعي، الحمصي، الحافظ، أبو يحمد -بضم التحتانية- محدثٌ ثقةٌ مكثرٌ مشهور، إلا أنه كان معروفاً بالتدليس، وقد جعله الحافظ في الطبقة الرابعة من طبقات المدلسين (٢) .
* الحكم على الحديث:
ضعيفٌ بهذا الإسناد؛ لوجود أبي مدرك فيه، وهو في عداد المجهولين، وقد صرّح بقية بن الوليد ومن بعده من الرواة بتحديث بعضهم من بعض، فأمن الخوف من تدليسه، والله تعالى أعلم.
стр. 32
· الحديث السابع:
عن أبي هريرة ﵁ قال: "ما من أصحاب النبي ﷺ أحدٌ أكثر حديثاً عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنّه كان يكتب ولا أكتب".
· تخريج الحديث السابع:
- هذا الحديث أخرجه البخاري في العلم باب كتابة العلم (٣) عن علي ابن عبد الله،
стр. 33
- والترمذي (١) ،
- وأحمد (٢) ،
- والنسائي في "الكبرى" (٣) ،
- وابن حبان – كما في "الإحسان" (٤) عن عبد الله بن محمد الأزدي، كلاهما عن إسحاق بن إبراهيم،
- والدارمي في المقدمة باب من رخص في كتابة العلم (٥) عن محمد بن أحمد، خمستهم عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن وهب ابن منبه، عن أخيه همام، عن أبي هريرة، به، بألفاظٍ مقاربة.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
- وأخرجه أحمد (٦) من طريق ابن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن مجاهد والمغيرة بن حكيم، عن أبي هريرة قال: "ما كان أحدٌ أعلم بحديث رسول الله ﷺ مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب بيده ويعيه قلبه، وكنت أعيه بقلبي ولا أكتب بيدي، واستأذن رسول الله ﷺ في الكتاب عنه، فأذن له".
стр. 34
· الحديث الثامن:
عن أبي هريرة –﵁– قال: "لمَّا فتح الله على رسوله ﷺ مكة قام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: "إنّ الله حبس عن مكة القتل –أو الفيل– وسلّط عليها رسولَه والمؤمنين؛ فإنها لا تحِل لأحدٍ كان قبلي، وإنّها أُحلَّت لي ساعةً من نهار، وإنّها لن تحلَّ لأحدٍ من بعدي، فلا يُنفَّر صيدُها، ولا يُختلى شوكُها، ولا تحلُّ ساقطتُها إلا لمنشدٍ، ومن قُتل له قتيلٌ فهو بخير النظرين، إمّا أن يُفْدَى، وإما أن يُقيد"، فقال العباس: إلا الإذخر؛ فإنَّا نجعله لقبورنا وبيوتنا، فقال رسول الله ﷺ : "إلا الإذخر"، فقام أبو شاهٍ –رجلٌ من أهل اليمن- فقال: اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "اكتبوا لأبي شاه".
· تخريج الحديث:
- هذا الحديث أخرجه البخاري (١) ،
- ومسلم (٢) ،
- وأبو داود (٣) ،
- والترمذي (٤) ،
- والنسائي في الكبرى (٥) ،
стр. 35
- وأحمد (١) ، جميعهم من طرقٍ عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، به، بألفاظٍ معناها واحد، مطولاً ومختصراً.
قيل للأوزاعي – أحد الرواة عن يحيى بن أبي كثير-: وما قوله: "اكتبوا لأبي شاه"، وما يكتبون له؟. قال: يقول: هذه الخطبة التي سمعها من النبي ﷺ .
قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد: ليس يروى في كتابة الحديث شيءٌ أصح من هذا الحديث،؛ لأن النبي ﷺ أمرهم. قال: "اكتبوا لأبي شاه" ما سمع النبي ﷺ خطبته.
стр. 36
الحديث التاسع:
عن ابن عباس –﵁ – قال: لمّا حُضِر رسول الله ﷺ ، وفي البيت رجالٌ فيهم عمر بن الخطاب، فقال النبي ﷺ : "هلمَّ أكتبْ لكم كتاباً لا تضلّون بعده". فقال عمر: إن النبي ﷺ قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت، فاختصموا: منهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله ﷺ كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند رسول الله ﷺ . قال رسول الله ﷺ : "قوموا". فكان ابن عباس يقول: إنَّ الرزية، كل الرزية، ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب، من اختلافهم ولغطهم.
· تخريج الحديث:
هذا الحديث اتفق الشيخان على إخراجه من حديث ابن عباس ﵁، وله عندهما طريقان عنه: أحدهما: "ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عنه"،
стр. 37
والثاني: "عن سليمان الأحول، عن سعيد بن جبير، عنه"، وإليك تخريجهما:
- أخرجه البخاري (١) عن يحيى بن سليمان، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، به، بنحوه مختصراً.
- وأخرجه البخاري (٢) ،
- ومسلم (٣) ، كلاهما من طريق معمر، عن ابن شهاب الزهري، به، بلفظه.
- وأخرجه البخاري (٤) ،
- ومسلمٌ – الموضع السابق – كلاهما من طريق ابن عيينة، عن سليمان الأحول، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بمعناه، وفيه قال ابن عباس: يوم الخميس، وما يوم الخميس؟!، ثمَّ بكى حتى بلَّ دمعُهُ الحصى، فقلت: يا ابن عباس، وما يوم الخميس؟. قال: اشتد برسول الله ﷺ وجعه، فقال: "ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبدا"، فتنازعوا، وما ينبغي عند نبيٍ تنازعٌ، وقالوا: ما شأنه؟ أهجر؟، استفهموه. قال: "دعوني، فالذي أنا فيه خيرٌ، أوصيكم بثلاثٍ: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم". قال: وسكت عن الثالثة، أو قال: فأنسيتها.
стр. 38
المبحث الثاني: في ذكر بعض الصحف والكتب والمكاتبات التي وُجِدت في عهده ﷺ .
أولا: في ذكر بعض الصحف والكتب .
...
المبحث الثاني: في ذكر بعض الصحف والكتب والمكاتبات التي وُجِدت في عهده ﷺ
· أولا: في ذكر بعض الصحف والكتب:
١. صحيفة علي بن أبي طالب: وقد ذكر خبرها البخاري في تسعة مواضع من "صحيحه" (١) مستدلاً بها على جواز الكتابة، وفيه قال أبوجحيفة الراوي عن عليٍ: قلت لعليٍ: هل عندكم كتابٌ؟. قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهمٌ أعطيه رجلٌ مسلمٌ، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: "العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلمٌ بكافر". وفي رواية (٢) قال: فأخرجها – يعني: الصحيفة– فإذا فيها أشياء من الجراحات وأسنان الإبل. قال: وفيها: "المدينة حرمٌ ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثا، أو آوى محدثاً، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرفٌ ولا عدلٌ، ومن والى قوماً بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرفٌ ولا عدلٌ، وذمة المسلمين واحدةٌ، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرفٌ ولا عدلٌ".
صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص: حيث أذن له النبي ﷺ بالكتابة عنه –كما تقدم ذلك في المبحث السابق (٣) – فكتب عنه هذه الصحيفة،
стр. 39
وكان يسميها: "الصادقة"، وهي تضم ألف حديث، كما ذكر ذلك ابن الأثير في "أسد الغابة" (١) ، وقد آلت هذه الصحيفة إلى حفيده عمرو ابن شعيب الذي كان يحدث منها أحياناً (٢) ، وقد كان ابن عمرو يفتخر ويعتز بها، حتى قال: "ما يرغبني في الحياة إلا الصادقة والوهط: فأما الصادقة فصحيفةٌ كتبتها من رسول الله ﷺ ، وأما الوهط فأرضٌ تصدَّق بها عمرو بن العاص كان يقوم عليها"، وقد كان ﵁ شديد الحرص والمحافظة عليها. قال مجاهد بن جبر –رحمه الله تعالى-: أتيت عبد الله بن عمرو، فتناولتُ صحيفةً من تحت مفرشه، فمنعني. قلت: ما كنت تمنعني شيئاً. قال: "هذه الصادقة، هذه ما سمعت من رسول الله ﷺ ، ليس بيني وبينه أحدٌ، إذا سلمت لي هذه وكتاب الله ﵎ والوهط، فما أبالي ما كانت عليه الدنيا" (٣) .
٣.كتاب سعد بن عبادة الأنصاري ﵁، سيد الخزرج: كان يكتب في الجاهلية -كما ذكر ذلك ابن سعد في "الطبقات" (٤) - ويبدو أنه كتب عن رسول الله ﷺ كتباً، روى منها بعض أحفاده حديثاً واحداً
стр. 40
خرجه الترمذي (١) من طريق إسماعيل بن عمرو بن قيس بن سعد بن عبادة، عن أبيه، أنهم وجدوا في كتب – أو في كتاب – سعد بن عبادة ﵁: "أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد "، هذا لفظ أحمد.
٤. صحيفة جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري ﵁: "له منسك صغير في الحج أخرجه مسلمٌ" –قاله الذهبي في "تذكرة الحفاظ" (٢) - ويحتمل أن يكون هذا المنسك جزءاً من هذه الصحيفة، وقد كان التابعي الجليل قتادة بن دعامة أحد الرواة عن جابر يقول: "لأنا بصحيفة جابر بن عبد الله أحفظ مني لسورة البقرة " (٣) .
٥. صحيفة رافع بن خديج الأنصاري ﵁: كان عنده أحاديث عن النبي ﷺ مكتوبة على أديم. قال نافع بن جبير: خطب مروان الناس، فذكر مكة وحرمتها، فناداه رافع بن خديج، فقال: "إنَّ مكة إنْ تكن حرماً، فإن المدينة حرمٌ، حرَّمها رسول الله ﷺ ، وهو مكتوبٌ عندنا في أديم خولاني، إن شئت أن نقرئكه فعلنا "، فناداه مروان: أجل قد بلغنا ذلك (٤) .
٦. كتاب الصدقات والفرائض والديات والطهارة والصلاة وغير ذلك،