الحديث التاسع:
عن ابن عباس –﵁ – قال: لمّا حُضِر رسول الله ﷺ ، وفي البيت رجالٌ فيهم عمر بن الخطاب، فقال النبي ﷺ : "هلمَّ أكتبْ لكم كتاباً لا تضلّون بعده". فقال عمر: إن النبي ﷺ قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت، فاختصموا: منهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله ﷺ كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند رسول الله ﷺ . قال رسول الله ﷺ : "قوموا". فكان ابن عباس يقول: إنَّ الرزية، كل الرزية، ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب، من اختلافهم ولغطهم.
· تخريج الحديث:
هذا الحديث اتفق الشيخان على إخراجه من حديث ابن عباس ﵁، وله عندهما طريقان عنه: أحدهما: "ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عنه"،
стр. 37
والثاني: "عن سليمان الأحول، عن سعيد بن جبير، عنه"، وإليك تخريجهما:
- أخرجه البخاري (١) عن يحيى بن سليمان، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، به، بنحوه مختصراً.
- وأخرجه البخاري (٢) ،
- ومسلم (٣) ، كلاهما من طريق معمر، عن ابن شهاب الزهري، به، بلفظه.
- وأخرجه البخاري (٤) ،
- ومسلمٌ – الموضع السابق – كلاهما من طريق ابن عيينة، عن سليمان الأحول، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بمعناه، وفيه قال ابن عباس: يوم الخميس، وما يوم الخميس؟!، ثمَّ بكى حتى بلَّ دمعُهُ الحصى، فقلت: يا ابن عباس، وما يوم الخميس؟. قال: اشتد برسول الله ﷺ وجعه، فقال: "ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبدا"، فتنازعوا، وما ينبغي عند نبيٍ تنازعٌ، وقالوا: ما شأنه؟ أهجر؟، استفهموه. قال: "دعوني، فالذي أنا فيه خيرٌ، أوصيكم بثلاثٍ: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم". قال: وسكت عن الثالثة، أو قال: فأنسيتها.
стр. 38
المبحث الثاني: في ذكر بعض الصحف والكتب والمكاتبات التي وُجِدت في عهده ﷺ .
أولا: في ذكر بعض الصحف والكتب .
...
المبحث الثاني: في ذكر بعض الصحف والكتب والمكاتبات التي وُجِدت في عهده ﷺ
· أولا: في ذكر بعض الصحف والكتب:
١. صحيفة علي بن أبي طالب: وقد ذكر خبرها البخاري في تسعة مواضع من "صحيحه" (١) مستدلاً بها على جواز الكتابة، وفيه قال أبوجحيفة الراوي عن عليٍ: قلت لعليٍ: هل عندكم كتابٌ؟. قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهمٌ أعطيه رجلٌ مسلمٌ، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: "العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلمٌ بكافر". وفي رواية (٢) قال: فأخرجها – يعني: الصحيفة– فإذا فيها أشياء من الجراحات وأسنان الإبل. قال: وفيها: "المدينة حرمٌ ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثا، أو آوى محدثاً، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرفٌ ولا عدلٌ، ومن والى قوماً بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرفٌ ولا عدلٌ، وذمة المسلمين واحدةٌ، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرفٌ ولا عدلٌ".
صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص: حيث أذن له النبي ﷺ بالكتابة عنه –كما تقدم ذلك في المبحث السابق (٣) – فكتب عنه هذه الصحيفة،
стр. 39
وكان يسميها: "الصادقة"، وهي تضم ألف حديث، كما ذكر ذلك ابن الأثير في "أسد الغابة" (١) ، وقد آلت هذه الصحيفة إلى حفيده عمرو ابن شعيب الذي كان يحدث منها أحياناً (٢) ، وقد كان ابن عمرو يفتخر ويعتز بها، حتى قال: "ما يرغبني في الحياة إلا الصادقة والوهط: فأما الصادقة فصحيفةٌ كتبتها من رسول الله ﷺ ، وأما الوهط فأرضٌ تصدَّق بها عمرو بن العاص كان يقوم عليها"، وقد كان ﵁ شديد الحرص والمحافظة عليها. قال مجاهد بن جبر –رحمه الله تعالى-: أتيت عبد الله بن عمرو، فتناولتُ صحيفةً من تحت مفرشه، فمنعني. قلت: ما كنت تمنعني شيئاً. قال: "هذه الصادقة، هذه ما سمعت من رسول الله ﷺ ، ليس بيني وبينه أحدٌ، إذا سلمت لي هذه وكتاب الله ﵎ والوهط، فما أبالي ما كانت عليه الدنيا" (٣) .
٣.كتاب سعد بن عبادة الأنصاري ﵁، سيد الخزرج: كان يكتب في الجاهلية -كما ذكر ذلك ابن سعد في "الطبقات" (٤) - ويبدو أنه كتب عن رسول الله ﷺ كتباً، روى منها بعض أحفاده حديثاً واحداً
стр. 40
خرجه الترمذي (١) من طريق إسماعيل بن عمرو بن قيس بن سعد بن عبادة، عن أبيه، أنهم وجدوا في كتب – أو في كتاب – سعد بن عبادة ﵁: "أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد "، هذا لفظ أحمد.
٤. صحيفة جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري ﵁: "له منسك صغير في الحج أخرجه مسلمٌ" –قاله الذهبي في "تذكرة الحفاظ" (٢) - ويحتمل أن يكون هذا المنسك جزءاً من هذه الصحيفة، وقد كان التابعي الجليل قتادة بن دعامة أحد الرواة عن جابر يقول: "لأنا بصحيفة جابر بن عبد الله أحفظ مني لسورة البقرة " (٣) .
٥. صحيفة رافع بن خديج الأنصاري ﵁: كان عنده أحاديث عن النبي ﷺ مكتوبة على أديم. قال نافع بن جبير: خطب مروان الناس، فذكر مكة وحرمتها، فناداه رافع بن خديج، فقال: "إنَّ مكة إنْ تكن حرماً، فإن المدينة حرمٌ، حرَّمها رسول الله ﷺ ، وهو مكتوبٌ عندنا في أديم خولاني، إن شئت أن نقرئكه فعلنا "، فناداه مروان: أجل قد بلغنا ذلك (٤) .
٦. كتاب الصدقات والفرائض والديات والطهارة والصلاة وغير ذلك،
стр. 41
الذي بعثه النبي ﷺ مع عامله عمرو بن حزم الأنصاري ﵁ إلى اليمن؛ ليفقههم ويقرأه عليهم: وهو كتابٌ مشهور، ذكر خبره بعض كتب السنة والسيرة مطولاً ومختصراً (١) .
٧. كتاب الزكاة والصدقة الذي كتبه النبي ﷺ إلى عماله، فلم يخرجه حتى قبض، ثم عمل به أبوبكر وعمر ﵄ من بعده حتى قبضا، وقد كتب به أبوبكر إلى أنس حين بعثه إلى البحرين مصَدِّقاً، وعليه خاتمه ﷺ . هذا الكتاب ذُكِر في كتب السنة مطولاً ومختصراً (٢) .
٨. الصحيفة التي أمر النبي ﷺ بكتابتها في السنة الأولى من الهجرة في بيان حقوق المهاجرين والأنصار واليهود وعرب المدينة. ونصها: "هذا كتاب محمدٍ النبي رسول الله بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب، ومن تبعهم، فلحق بهم، وجاهد معهم،؛ أنهم أمة واحدةٌ من دون الناس ... " (٣) .
٩. الكتاب الذي بعثه رسول الله ﷺ إلى جهينة قبل موته بشهر. قال
стр. 42
عبد الله بن عكيم الجهني ﵁: "قُرِئ علينا كتاب رسول الله ﷺ ، ونحن بأرض جهينة، أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" (١) .
١٠. الكتاب الذي كتبه ﷺ لوائل بن حجر ﵁ إلى قومه في حضرموت، فيه الأصول العامة للإسلام، وبعض أحكام الزكاة، وذكر بعض المحرمات (٢) .
١١. كتابه ﷺ إلى بني زهير بن أُقَيش مع صاحبهم النَّمر بن تَوْلَب الشاعر ﵁، وفيه دعوتهم للإسلام، وأداء الخمس وسهم الصفي. قال يزيد بن عبد الله بن الشخير: كنا بالمِرْبَد، فجاء رجلٌ أشعث الرأس -هو: النمر ابن تولب- بيده قطعة أديم أحمر، فقلنا: كأنك من أهل البادية؟، فقال: أجل. قلنا: ناولنا هذه القطعة الأديم التي في يدك، فناولناها، فقرأناها، فإذا فيها: "من محمد رسول الله إلى بني زهير بن أقيش، إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأديتم الخمس من المغنم، وسهم النبي، وسهم الصفي، أنتم آمنون بأمان الله ورسوله"، فقلنا: من كتب لك هذا الكتاب؟..
стр. 43
قال: رسول الله ﷺ (١) .
١٢. كتابه ﷺ إلى بكر بن وائل في دعوتهم إلى الإسلام. عن أنس: أن النبي ﷺ كتب إلى بكر بن وائل: "من محمد رسول الله إلى بكر بن وائل، أن أسلموا تسلموا"، فما وجدوا له كاتباً يقرؤه إلا رجلٌ منهم من بني ضبيعة، فهم يسمون بني الكاتب (٢) .
стр. 44
· ثانياً: في ذكر بعض مكاتباته ﷺ إلى الملوك والعظماء وأمراء العرب يدعوهم إلى الإسلام في أول السنة السابعة بعد صلح الحديبية
١. كتابه ﷺ إلى النجاشي ملك الحبشة: أخرج مسلمٌ في "صحيحه" (١) عن أنس ﵁: "أن النبي ﷺ كتب إلى كسرى، وإلى قيصر، وإلى النجاشي، وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله "، وقد ذكرت كتب السير أن عمرو بن أمية الضمري ﵁ هو الذي بعثه النبي ﷺ بكتابه إلى النجاشي، وأنه لما قرأ النجاشي الكتاب أسلم، وكتب مع ولده كتاباً جواباً لكتاب النبي ﷺ (٢) .
كتابه ﷺ إلى قيصر ملك الروم، وإرسال دحية الكلبي ﵁ به: وقد ذكر نبأ هذا الكتاب صاحبا الصحيحين مطولا عن ابن عباس، عن أبي سفيان، وفيه: "أنّ رسول الله كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، وبعث بكتابه مع دحية الكلبي، وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى، ليدفعه إلى قيصر، فدفعه عظيم بصرى إلى قيصر ... قال أبوسفيان: ثمَّ دعا بكتاب رسول الله، فقرئ، فإذا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد ابن عبد الله، إلى هرقل عظيم الروم، سلامٌ على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بداعية الله، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن
стр. 45
توليت فإنَّ عليك إثم الأريسيين، و ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤] (١) .
٣. كتابه ﷺ إلى كسرى ملك الفرس، وإرسال عبد الله بن حذافة السهمي ﵁ به. عن ابن عباس قال: "بعث رسول الله ﷺ بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي، فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزَّقه، فدعا عليه رسول الله ﷺ أن يمزقوا كل ممزق" (٢) .
٤. كتابه ﷺ إلى المنذر بن ساوى العبدي صاحب البحرين، مع العلاء بن الحضرمي، يدعوه إلى الإسلام، فأسلم، وحسن إسلامه، وظل على إمارته على البحرين إلى أن توفي ﵁ سنة (١١) ، وقد وقع بينه وبين النبي ﷺ مكاتبات يستفتيه فيها، ويسأله عمن بقي على دينه من قومه (٣) .
стр. 46
٥. كتاب النبي ﷺ إلى المقوقس عظيم القبط، صاحب الإسكندرية، مع حاطب بن أبي بلتعة. وفيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله إلى المقوقس عظيم القبط، سلامٌ على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بداعية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم القبط، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤] ، وختم الكتاب، فلما وصله الكتاب أكرم حامله، وبعث معه جواباً له، وأهدى للنبي ﷺ جاريتين وكسوة وبغلة، إلا أنه لم يسلم (١) .
٦. كتاب النبي ﷺ إلى الحارث بن أبي شَمِر الغسَّاني ملك الشام، مع شجاع بن وهب الأسدي ﵁، وفيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبي شمر، سلامٌ على من اتبع الهدى، وآمن به وصدَّق، وإني أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، يبقى لك ملكك"، وختم الكتاب، فلما وصله الكتاب استكبر، ثمَّ رجع ووعد باتباع محمد ﷺ ، وأجاز الرسول، ويقال: إنه مات عام الفتح (٢) .
стр. 47
٧. كتابه ﷺ إلى هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة، مع سليط بن عمرو العامري ﵁، وفيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هوذة بن علي، سلامٌ على من اتبع الهدى، واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر، فأسلم تسلم، وأجعل لك ما تحت يديك"، فردَّ رداً دون رد، وبعث كتاباً للنبي ﷺ يطلب منه أن يجعل له بعض الأمر، فدعا عليه النبي ﷺ ، ويقال: إنه مات عام الفتح (١) .
هذا، وقد ذكر ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٢) كثيراً من كتبه ﷺ ورسائله التي كان بعث بها إلى الملوك والبلدان وقبائل العرب يدعوهم فيها إلى الإسلام، اقتصرت في هذا البحث على أهمها مما تقدم، وقد عُني بإفراد هذه الرسائل والكتب الإمام محمد بن طولون الدمشقي (ت ٩٥٣هـ) في كتابه النافع: "إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين ﷺ "، فقارب بها الخمسين كتاباً، جمع شتاتها من بعض كتب السنة والسيرة والتاريخ والأدب، وممن عُني بجمع كُتَّاب النبي ﷺ ابن حديدة الأنصاري (ت ٧٨٣?) في كتابه: "المصباح المضيء في كتَّاب النبي الأمي ورسله إلى ملوك الأرض من عربي وعجمي"، وقد ذكر ضمن ذلك كتبه ﷺ ورسائله، مما يدل دلالة واضحةً على إثبات وقوع كتابة السنة في عصره ﷺ .
стр. 48
المبحث الثالث: في إثبات تواتر الأحاديث في وقوع الكتابة في عهده ﷺ
يتبين لنا من خلال ما تقدم في المبحثين السابقين:
* الأول: في سياق الأحاديث النبوية، في إذنه أو أمره ﷺ بكتابة الحديث، والتي بلغ عددها تسعة أحاديث، رواها خمسةٌ من الصحابة، هم: أبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، وأنس، ورافع بن خديج، وابن عباس رضي الله تعالى عنهم أجمعين، خرَّج بعضها صاحبا الصحيحين أو أحدهما، وتم الحكم على باقي الأحاديث منفردةً.
* والثاني: في ذكر بعض الصحائف التي وُجدت في عهده ﷺ منسوبة للصحابة الذين كتبوها، حيث أذن لهم النبي ﷺ في ذلك، أو بعض الكتب التي أمر النبي ﷺ بكتابتها، أو بعثها لبعض أصحابه وعماله في البلدان، في بيان أصول الإسلام وشرائعه، وذكر بعض أحكامه وحدوده، والتي خرَّج بعضها البخاريُّ ومسلمٌ في "صحيحيهما" وبعض أصحاب السنن والصحيح، وقد ذكرتُ ثنتي عشرة صحيفةً وكتاباً، أحسب أنها من أحسن ما يذكر في هذا الباب (١) ، وكذا مكاتباته ﵊ الكثيرة إلى الملوك والأمراء وقبائل العرب يدعوهم إلى الإسلام، وإلى عبادة الله وحده لا شريك له، وترك ما هم عليه من الكفر والشرك، والتي بلغ بها بعض أهل العلم قرابة الخمسين
стр. 49
كتاباً (١) ، وقد سقت سبع نماذج من هذه المكاتبات، هي من أشهرها، خرَّج بعضها صاحبا الصحيحين أو أحدهما، والباقي موجودٌ مشتهرٌ عند أهل السير – كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في موضعه – من مجموع ما تقدم يتبين لنا بوضوح ما يلي:
١. أنَّ الأحاديث والروايات في كتابة الحديث، والصحائف والكتب والمكاتبات في إثبات وقوع الكتابة للحديث النبوي في عهده ﷺ كثيرةٌ جدا، وبمجموعها يمكن القول: إن وقوع الكتابة في عهده يبلغ رتبة التواتر – يعني: المعنوي – المفيد للعلم اليقيني القطعي.
٢. أنَّ ما كتب في عهده ﷺ قد تناول قسماً كبيراً من حديثه، يبلغ في مجموعه ما يضاهي مصنفاً كبيراً من المصنَّفات الحديثية، ويكفي في إثبات ذلك أن نمثل بمثالين: الأول: صحيفة عبد الله بن عمرو "الصادقة"، والتي قيل: إنها تشتمل على ألف حديث (٢) ، والثاني: كتاب عمرو بن حزم الأنصاري الذي اشتمل على كثيرٍ من الأحكام: في الزكاة، وفي التحذير من الكبائر والظلم، وفي ذكر الحج والعمرة، والوضوء، وفي ذكر الجمعة والغسل لها، وفي النهي عن مس القرآن لمن ليس بطاهر، وفي الطلاق، وفي العتق، وفي الصلاة وبيان أوقاتها، وفي الديات، والجزية، وغير ذلك (٣) ، والله تعالى أعلم.
стр. 50
المبحث الرابع: في سياق الأحاديث الواردة في النهي عن كتابة الحديث النبوي مع تخريجها ودراسة أسانيدها والحكم عليها
· الحديث الأول:
عن أبي سعيد الخدري –﵁ – أن النبي ﷺ قال: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه".
· تخريج الحديث:
هذا الحديث أخرجه مسلمٌ وغيره من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ ومدار أغلب أسانيده على: "همام بن يحيى، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار المدني، عن أبي سعيد"، وإليك تخريجه مفصلاً، فقد أخرجه:
- مسلم (١) ،
- وأبوعوانة (٢) ،
- والخطيب البغدادي في "تقييد العلم" (٣) من طريق جعفر بن محمد، ثلاثتهم عن هداب –ويقال: هدبة – بن خالد، عن همام، به، بلفظه، وفيه زيادة في آخره. قال أبوعوانة: قال أبوداود: هو منكر، أخطأ فيه همام، وهو من قول أبي سعيد.
- وأخرجه النسائي في "الكبرى" (٤) عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم،
стр. 51
- والدارمي في المقدمة (١) ،
- وأحمد (٢) ، ثلاثتهم عن يزيد بن هارون، عن همام، به، بلفظ مقارب؛ وفي الدارمي هشام بدل همام، والظاهر أنه تصحيف، والله تعالى أعلم.
- وأخرجه النسائي –الموضع السابق– عن الفضل بن العباس بن إبراهيم،
- وأحمد (٣) ،
- والخطيب في "تقييد العلم" (٤) من طريق محمد بن إسحاق والحارث بن محمد، ثلاثتهم عن عفان بن مسلم، عن همام، به، بنحوه وفي آخره زيادة.
- وأخرجه أبو يعلى (٥) عن زهير،
- وأبوعوانة –الموضع السابق– عن الصومعي،
- والحاكم (٦) من طريق العباس بن الفضل الأسفاطي،
- والخطيب في "تقييد العلم" (٧) : من طريق محمد بن أيوب، أربعتهم عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك، عن همام، به، بنحوه وفي آخره
стр. 52
- زيادة.
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ولا أعرف له علة. قال الحافظ في "إتحاف المهرة" (١) قلت: بل أخرجه مسلمٌ عن هدبة، عن همام.
- وأخرجه ابن حبان – كما في "ترتيبه لابن بلبان" (٢) –،
- والخطيب في "تقييد العلم" (٣) كلاهما من طريق كثير بن يحيى، عن همام، به، بلفظٍ مقارب.
- وأخرجه أحمد (٤) ، ومن طريقه الخطيب في:
- "تقييد العلم" (٥) عن إسماعيل بن علية، عن همام، به، بنحوه.
- وأخرجه أبوعوانة –الموضع السابق– عن حميد، عن موسى بن أيوب،
- وأحمد (٦) كلاهما عن شعيب بن حرب، عن همام، به، بنحوه.
- وأخرجه أحمد (٧) ،
- والخطيب في "تقييد العلم" (٨) من طريق محمد بن قدامة، كلاهما عن أبي عبيدة عبد الواحد بن واصل الحداد، عن همام، به، بنحوه وفيه
стр. 53
- زيادة.
- وأخرجه ابن عبد البر في "جامع العلم" (١) من طريق موسى بن إسماعيل.
- والخطيب في "تقييد العلم" (٢) من طريق عمرو بن عاصم، كلاهما عن همام، به، بنحوه، وفي "جامع العلم "تصحف اسم همام إلى هشام.
· متابعان لهمام:
- أخرجه الخطيب في "تقييد العلم" (٣) عن عبد العزيز بن علي الوراق، عن محمد بن المظفر الحافظ.
- وابن عدي في "الكامل " (٤) كلاهما عن أبي بكر محمد بن الحسين القطان، عن النضر بن طاهر، عن عمرو بن النعمان، عن سفيان الثوري، عن زيد بن أسلم، به، بنحوه.
- وأخرجه ابن عدي في "الكامل" (٥) من طريق خارجة بن مصعب، عن زيد بن أسلم، به، بنحوه مختصراً.
· متابعٌ آخر لهمام بلفظ آخر:
- أخرجه الترمذي (٦) ، ومن طريقه:
- القاضي عياض في "الإلماع " (٧) عن سفيان بن وكيع، عن سفيان
стр. 54
- ابن عيينة، عن [عبد الرحمن بن (١) ] زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء ابن يسار، عن أبي سعيد قال: "استأذنا النبي ﷺ في الكتابة فلم يأذن لنا". قال الترمذي: رُوي هذا الحديث من غير هذا الوجه – أيضا – عن زيد بن أسلم، رواه همام، عن زيد بن أسلم.
- وأخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٢) عن محمد بن خزيمة، عن [محمد] بن بشار، عن ابن عيينة، عن عبد الرحمن بن زيد، به، بنحوه.
- وأخرجه الخطيب في "تقييد العلم" (٣) من طرق عن محمد بن سليمان لوين، ومن طريق الحسين بن الحسن بن حرب المروزي، كلاهما عن ابن عيينة، عن عبد الرحمن بن زيد، به، بنحوه.
وأخرجه الدارمي –الموضع السابق- (٤) عن أبي معمر، عن سفيان ابن عيينة قال: [حدَّث (٥) ] زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد: "أنهم استأذنوا النبي ﷺ في أن يكتبوا عنه، فلم يأذن لهم". أقول: هكذا سقط عبد الرحمن بن زيد من الإسناد عند الدارمي، فإما أن يكون دلسه ابن عيينة، أو أنه سقط من أصل نسخة
стр. 55
- الدارمي، والله تعالى أعلم.
· اختلاف وقع على عبد الرحمن بن زيد في رواية هذا الحديث عن أبي سعيد، حيث جعله من مسند أبي هريرة:
- أخرجه أحمد (١) ، ومن طريقه:
- الخطيب في "تقييد العلم " (٢) عن إسحاق بن عيسى.
- والبزار (٣) عن محمد بن معمر، عن يعقوب بن محمد، كلاهما عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، به، بنحوه وفيه زيادة في آخره، وهو عند أحمد بمعناه.
- وأخرجه الخطيب في "تقييد العلم" (٤) من طرق أخرى عن عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه، عن عطاء، عن أبي هريرة.
قال البزار: رواه همام، عن زيد، عن عطاء، عن أبي سعيد، وعبد الرحمن ابن زيد أجمع أهل العلم بالنقل على تضعيف أخباره، وليس هو بحجة فيما ينفرد به.
ولما ذكر الذهبي هذا الحديث في "الميزان" (٥) قال: هذا حديثٌ منكر.
هذا، وقد ذكر الهيثمي هذا الحديث في "مجمع الزوائد" (٦) ، وضعفه بعبد الرحمن بن زيد، إلا أنه جعل الحديث عند أحمد من مسند أبي
стр. 56
سعيد، وهو وهم منه، ولعل سببه أن أحمد خرَّج حديث أبي هريرة هذا ضمن مسند أبي سعيد، فظن الهيثمي أنه من حديثه، وهو من حديث أبي هريرة عند أحمد، كما روى ذلك الخطيب في "تقييد العلم" من طريق أحمد، وعلى كلٍّ فإن جعل الحديث من مسند أبي هريرة مما انفرد به عبد الرحمن بن زيد، وهو ضعيف، وعليه فهو من أوهامه، كما رجَّح ذلك البزار والذهبي، والله تعالى أعلم.
· الحكم على الحديث:
الحديث صحيح بإسناده الأول؛ حيث خرَّجه مسلمٌ في "صحيحه"، وقد صححه –أيضا– ابن حبان والحاكم وأبوعوانة – كما تقدم في تخريجه - وأما قول أبي داود: "هو منكر، أخطأ فيه همام، وهو من قول أبي سعيد" (١) ، فهي دعوى بدون برهان، ولم أقف على مستند له في ذلك، ثم إنه قد تابع هماما سفيانُ الثوريُّ وخارجة بن مصعب - كما تقدم في تخريجه – وقد أشار الخطيب في "تقييد العلم" (٢) إلى تضعيف هذا القول، فقال:
"ويقال: إن المحفوظ رواية هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري من قوله غير مرفوع"، والله أعلم.
стр. 57
· الحديث الثاني:
عن زيد بن ثابتٍ -رضي الله تعالى عنه-: أنه دخل على معاوية، فسأله عن حديثٍ، فأمر إنساناً يكتبه، فقال له زيدٌ: "إنَّ رسول الله ﷺ أمرنا ألا نكتب شيئاً من حديثه"، فمحاه.
стр. 58
· تخريج الحديث الثاني:
- أخرجه أبو داود (١) ومن طريقه:
- ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢) ،
- والخطيب في "تقييد العلم" (٣) ،
- والقاضي عياض في "الإلماع" (٤) عن نصر بن علي، عن أبي أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير، عن كثير بن زيد، عن المطلب بن عبد الله، عن زيد بن ثابت، به، بلفظه.
- وأخرجه أحمد (٥) عن أبي أحمد به، بنحوه.
- وأخرجه الخطيب في "تقييد العلم" (٦) من طريق محمد بن رافع، عن محمد بن عبد الله بن الزبير، ومن طريق يحيى بن حسان، عن سليمان ابن بلال، كلاهما عن كثير بن زيد، به، بنحوه.
· دراسة إسناده:
المطلب بن عبد الله بن المطلب بن حنطب بن الحارث المخزومي، روى عن زيد بن ثابت وآخرين من الصحابة، إلا أنه لم يدركهم، وعنه كثير بن زيد وآخرون، ثقة، إلا أنه كان كثير الإرسال. قال ابن سعد: كان كثير الحديث، وليس يحتج بحديثه؛ لأنه كان يرسل
стр. 59
كثيرا (١) .
- كثير بن زيد الأسلمي، السهمي مولاهم، أبو محمد المدني، ويقال له: ابن مافَنَّهْ –بفتح الفاء وتشديد النون- وهي أمه، روى عن المطلب ابن عبد الله بن حنطب وغيره، وعنه أبو أحمد الزبيري وآخرون، مختلف فيه، والخلاصة في حاله – والله أعلم -: أنه ضعيف الحديث، ويحمل توثيق من وثقه على عدالته، ولعل هذا هو ما مال إليه الإمامان الذهبي وابن حجر، حيث اختار الأول منهما قول أبي زرعة فيه: "صدوق فيه لين"، وقال الثاني: "صدوق يخطئ"، وقد توفي سنة ١٥٨هـ في آخر خلافة أبي جعفر المنصور (٢) .
- أبوأحمد الزبيري، اسمه: محمد بن عبد الله بن الزبير، الأسدي مولاهم، من شيوخ أحمد، ثقة ثبت، إلا أنه في حديثه عن الثوري ربما أخطأ، وقيل: كان يتشيع، مات سنة ٢٠٣هـ (٣) .
· الحكم على الحديث:
ضعيف بهذا الإسناد؛ لأمرين: أحدهما: انقطاعه بين المطلب بن عبد الله وبين زيد بن ثابت، والثاني: ضعف كثير بن زيد – كما تقدم في ترجمته – إلا أنه يشهد له الحديث الأول، والذي به يرتقي إلى الحسن لغيره، والله تعالى أعلم.
стр. 60
· الحديث الثالث:
عن ابن عباس وابن عمر – رضي الله تعالى عنهما – قالا: "خرج رسول الله ﷺ معصوبا رأسه، فرقي درجات المنبر، فقال: "ما هذه الكتب التي بلغني أنكم تكتبونها، أكتابٌ مع كتاب الله؟!، يوشك أن يغضب الله لكتابه، فيسري عليه ليلاً، فلا يترك في ورقةٍ ولا قلبٍ منه حرفاً إلا ذهب به"، فقال من حضر المجلس: فكيف يا رسول الله بالمؤمنين والمؤمنات؟. قال: "من أراد الله به خيرا أبقى في قلبه لا إله إلا الله".
· تخريج الحديث:
- هذا الحديث أخرجه الطبراني في "الأوسط" (١) عن محمد بن عبد الله ابن رسته، عن شيبان بن فروخ، عن عيسى بن ميمون، عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن عباس، [و (٢) ] عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر [قالا (٣) ] : "خرج رسول الله ﷺ ..."فذكر الحديث.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن زيد إلا عيسى بن ميمون، تفرد به شيبان. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤) : رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عيسى بن ميمون الواسطي، وهو متروك، وقد وثقه حماد بن سلمة.
стр. 61
· الحكم على الحديث:
ضعيفٌ جداً بهذا الإسناد؛ لوجود عيسى بن ميمون فيه، وهو: عيسى ابن ميمون المدني، المعروف بالواسطي، مولى القاسم بن محمد. قال عنه غبر واحد: متروك الحديث، وقال البخاري: منكر الحديث (١) .
стр. 62
· الحديث الرابع:
عن أبي موسى الأشعري –رضي الله تعالى عنه– قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ بني إسرائيل كتبوا كتاباً فاتبعوه، وتركوا التوراة".
· تخريج الحديث:
- هذا الحديث أخرجه الطبراني في "الأوسط" (١) عن محمد بن عثمان ابن أبي شيبة، عن جندل بن والق، عن عبيد الله بن عمرو، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي بردة، عن أبيه قال: ... فذكر الحديث.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد الملك إلا عبيد الله بن عمرو، تفرَّد به جندل بن والق.
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢) : رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وهو ثقةٌ، وقد ضعفه غير واحد، وقال في موضع آخر (٣) : رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات.
стр. 63
· الحكم على الحديث:
حسن بهذا الإسناد؛ لثقة رجاله إلا جندل بن والق فهو "صدوق، لا بأس به" كما قرر ذلك العجلي في "معرفة الثقات" (١) وأبوحاتم في "الجرح والتعديل" (٢) ، وقد ذكره ابن حبان في "الثقات" (٣) ، وفي "التقريب" (٤) : أنه "كان يصحف"، وأما تضعيف مسلم والبزار له فهو تضعيف مجمل في مقابل التعديل فلا يقبل، أو يحمل ذلك على ما وقع في حديثه من التصحيفات والأغلاط، والله تعالى أعلم؛ وأما محمد بن عثمان بن أبي شيبة، فهو الإمام الحافظ المسند، أبو جعفر العبسي الكوفي، سمع من أبيه وعميه أبي بكر والقاسم وغيرهم، وعنه الطبراني وخلقٌ. قال عنه الخطيب: كان كثير الحديث واسع الرواية له معرفة وفهم. أ. ?، ووثقه صالح جزرة، وقال ابن عدي: لم أر له حديثاً منكراً فأذكره، وهو على ما وصف لي عبدان: لا بأس به،، وقال مسلمة بن قاسم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٥) ، وقال: كتب عنه أصحابنا. أ. هـ، إلا أنه قد كذبه عبد الله بن أحمد، ورماه ابن خراش بالوضع، والظاهر أن ذلك بسبب خلاف بينه وبين قرينه وبلديِّه مطيَّن، فكان مطين يحمل عليه، وقد مات سنة ٢٩٧هـ (٦) .
стр. 64
المبحث الخامس: في ذكر آراء العلماء واجتهاداتهم في التوفيق بين أحاديث الإذن والنهي، وتحقيق المسألة في ذلك .
مدخل
...
المبحث الخامس: في ذكر آراء العلماء واجتهاداتهم في التوفيق بين أحاديث الإذن والنهي، وتحقيق المسألة في ذلك
بعد أن تقرر ثبوت الأحاديث عنه ﷺ في كتابة الأحاديث وكثرتها بما لا يدع مجالاً للشك في ذلك، نجد بالمقابل أن هناك أحاديث أخرى تعارض هذه الأحاديث، فيها النهي الصريح عن الكتابة، وقد تقدّم سياقها في المبحث السابق من هذا البحث، وهي أربعة أحاديث، رواها خمسة من الصحابة: أبوسعيد الخدري وزيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر –مقرونان في حديثٍ واحد– وأبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ولعل من أحسن هذه الأحاديث وأقواها سنداً حديث أبي سعيد الخدري، الذي خرَّجه مسلمٌ مرفوعا، بلفظ: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه"، على أنه قد أعلّه البخاري وأبو داود -كما تقدم في تخريجه- وعلى كلٍ فإنَّ تخريج مسلمٍ يعدُّ تصحيحاً له، ويكسبه هيبة الصحيح، ويدلّ على ثبوته –أيضاً– ما يشهد له من الأحاديث الأخرى، التي تقدمت الإشارة إليها.
وقد اختلفت آراء العلماء في إزالة هذا التعارض، ومحاولة الجمع والتوفيق بين أحاديث النهي والإذن، بعد أن استقر الأمر وانتهى الخلاف، وانعقد الإجماع على جواز كتابة الحديث، بل وعلى استحسانها. قال الخطابي في "معالم السنن" (١) : ... أمر رسول الله ﷺ أمته بالتبليغ، وقال: "ليبلغ الشاهد
стр. 65
الغائب"، فإذا لم يقيدوا ما يسمعونه منه تعذر التبليغ، ولم يؤمن ذهاب العلم، وأن يسقط أكثر الحديث، فلا يُبلَّغ آخر القرون من الأمة، والنسيان من طبع أكثر البشر، والحفظ غير مأمون عليه الغلط، وقد قال النبي ﷺ لرجلٍ شكا إليه سوء الحفظ: "استعن بيمينك"، وقال: "اكتبوها لأبي شاه" خطبةً خطبها، وقد كتب رسول الله ﷺ كتباً في الصدقات والمعاقل والديات أو كتبت عنه، فعملت بها الأمة، وتناقلها الرواة، ولم ينكرها أحدٌ من علماء السلف والخلف، فدل ذلك على جواز كتابة الحديث والعلم. ا. هـ. وقال ابن الصلاح في "علوم الحديث" (١) : اختلف الصدر الأول ﵃ في كتابة الحديث، فمنهم من كره كتابة الحديث والعلم وأَمروا بحفظه، ومنهم من أجاز ذلك، ثمّ إنه زال ذلك الخلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته، ولولا تدوينه في الكتب لدُرس في الأعصر المتأخرة. ا. هـ. وقال النووي في "شرح مسلم" (٢) : "قال القاضي: كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلافٌ كثيرٌ في كتابة العلم، فكرهها كثيرون منهم، وأجازها أكثرهم، ثمّ أجمع المسلمون على جوازها، وزال ذلك الخلاف ".ا.?. وقال المنذري في "مختصر السنن" (٣) : ... اختلف السلف في ذلك –يعني: في كتابة الحديث– فكرهه كثيرٌ منهم، وأجازه الأكثر، ومنهم من كان يكتب، فإذا حفظ محا، ثمّ وقع بعدُ الاتفاق على الجواز. ا. هـ، وقال الكرماني في "شرح
стр. 66
البخاري" (١) : ...كان بين السلف الاختلاف في كتابة غير القرآن، ثمّ أجمع المسلمون على جوازها، بل على استحبابها. ا. هـ، وقال ابن القيم في "تهذيب السنن" (٢) : ...وقع الاتفاق على جواز الكتابة وإبقائها، ولولا الكتابة ما كان بأيدينا اليوم من السنة إلا أقل القليل. ا. هـ، وقال ابن كثير في "اختصار علوم الحديث" (٣) : ...وقد حكي إجماع العلماء في الأعصار المتأخرة على تسويغ كتابة الحديث، وهذا أمرٌ مستفيضٌ شائعٌ ذائعٌ، من غير نكير" ا. هـ.
وهكذا، بعد أن عرفنا إجماعهم على جواز كتابة الحديث واستحسانها أذكر ملخص آرائهم وأقوالهم في إزالة التعارض بين أحاديث النهي والإذن، فأقول –وبالله التوفيق بعد تتبعي كلامهم في ذلك-: إنه قد اختلفت أقوالهم، وتعددت مذاهبهم في هذه المسألة، إلا أنه يمكن حصر ذلك في مذهبين وقولين رئيسين:
стр. 67
· القول الأول: مذهب الجمع بين الأحاديث:
ولا شك أن هذا المذهب هو الأصل، وهو الأولى عند تعارض الأحاديث الصحيحة، ولا يصار إلى غيره مع إمكان القول به، بدون تكلف، إلا أنه قد اختلفت أقوالهم في طريقة الجمع بين هذه الأحاديث:
فقال قومٌ: إن النهي عامٌ، والإذن خاصٌ بعبد الله بن عمرو؛ لكونه قارئاً كاتباً متقناً، لا يخشى عليه من الالتباس فيما كتبه، وكان غيره من
стр. 68
- الصحابة أميين، لا يكتب منهم إلا القليل، وإذا كتب لم يتقن، ولم يصب التهجي، فلما خشي عليهم الغلط فيما يكتبون نهاهم، ولما أمن على عبد الله بن عمرو ذلك أذن له (١) ،
- وقال آخرون: إنما نهي عن كتابة الحديث؛ لئلا يضاهى بكتاب الله غيره، أو يشتغل عن القرآن بسواه، فلما أمن ذلك، ودعت الحاجة إلى كتب العلم أذن في كتبه (٢) ،
- وقال قومٌ: إن النهي في حق من يوثق بحفظه، ويخاف اتكاله على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن لا يوثق بحفظه ويخاف عليه من النسيان إذا لم يكتب (٣) .
- وقال قومٌ: إن النهي كان في أول الإسلام؛ خشية من اختلاط القرآن بغيره، فلما علم القرآن واشتهر وتميز، وأمنت عليه مفسدة الاختلاط أذن في الكتابة (٤) ، وأخصُّ من هذا القول:
стр. 69
- قول من قال: إن النهي إنما هو عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفةٍ واحدةٍ؛ خشية اختلاطهما على غير العارف في أول الإسلام (١) ،
- وقال آخرون: إن النهي عن الكتابة مخصوصٌ بحياة النبي ﷺ ؛ لأن النسخ يطرأ في كل وقت، فيختلط الناسخ بالمنسوخ (٢) .
وبعد، فهذه جملةٌ من اجتهادات العلماء والأئمة للتوفيق بين الأحاديث المتعارضة في النهي والإذن في الكتابة، إلا إنها تفتقر إلى الدليل النصي على أحدها؛ لترجيحه على الآخر، ولذا فإن المحدث العلامة المحقق الشيخ أحمد شاكر – لما ساق بعضها – قال: وكلُّ هذه إجاباتٌ ليست قويةً (٣) ، وعليه فالذي يظهر أن الأقرب للصواب هو القول الثاني الآتي، وهو:
стр. 70
· القول الثاني: مذهب النسخ:
والمراد به: أنّ أحاديث النهي الأربعة منسوخةٌ بأحاديث الإذن الثابتة الكثيرة، والتي تدل على القطع بوقوع الكتابة للأحاديث في عهده ﷺ ، ومما يدل على ذلك ويقويه تأخر أحاديث الإذن، ووقوع بعضها في أواخر حياته ﷺ . قال ابن القيم في كتابه القيم "تهذيب السنن" (١) : قد صح عن النبي ﷺ
стр. 71
النهي عن الكتابة والإذن فيها، والإذن متأخر فيكون ناسخاً لحديث النهي:
- فإن النبي ﷺ قال في غزاة الفتح: "اكتبوا لأبي شاه". يعني: خطبته التي سأل أبوشاه كتابتها.
- وأذن لعبد الله بن عمرو في الكتابة، وحديثه متأخر عن النهي؛ لأنه لم يزل يكتب، ومات وعنده كتابته، وهي الصحيفة التي كان يسميها الصادقة، ولو كان النهي عن الكتابة متأخراً لمحاها عبد الله؛ لأمر النبي بمحو ما كتب عنه غير القرآن، فلما لم يمحها وأثبتها دل على أن الإذن في الكتابة متأخرٌ عن النهي عنها، وهذا واضحٌ، والحمد لله،
- وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال في مرض موته: "ائتوني باللوح والدواة والكتف لأكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً" ...،
وإنما نهى النبي عن كتابة غير القرآن في أول الإسلام؛ لئلا يختلط القرآن بغيره، فلما علم القرآن وتميز، وأفرد بالضبط والحفظ، وأمنت عليه مفسدة الاختلاط أذن في الكتابة. أ. هـ كلامه ﵀. وهو كلامٌ نفيسٌ في بابه، وهذا القول هو الذي مال إليه كثيرٌ من الأئمة: كابن شاهين، كما في "ناسخ الحديث ومنسوخه" (١) ، وابن قتيبة في "تأويل مختلف الحديث " (٢) ، والخطابي في "معالم السنن " (٣) ، والمنذري في "مختصر سنن أبي داود " (٤) ، والنووي في "شرح مسلم" (٥) ، وابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٦) ، وتلميذه ابن القيم –كما
стр. 72
تقدم – وابن حجر في "فتح الباري" (١) فإنه بعد أن ختم الأقوال في هذه المسألة بالنسخ قال: "... وهو أقربها مع أنه لا ينافيها". يعني أن القول بالنسخ لا ينافي الأقوال السابقة، التي قيلت في الجمع بين الأحاديث، بل ينسجم معها، فيستفاد منها معرفة علة النهي التي كانت في أول الأمر، ثم لما زالت أبيحت الكتابة، والله تعالى أعلم، وقد مال إلى هذا القول من المحدثين المعاصرين: الشيخ أحمد شاكر كما في "الباعث الحثيث" (٢) ، والشيخ الألباني في "تعليقه على الباعث الحثيث" والشيخ الدكتور محمد أبوشهبة في كتابه "دفاع عن السنة" (٣) ، ومما يزيد الأمر وضوحا وتأكيداً استقرار الأمر بين الأمة على الإجماع على جواز كتابة الأحاديث واستحباب ذلك، وهذا قرينةٌ قاطعة على أن آخر الأمرين عنه ﷺ هو الإذن بكتابة الحديث. قال السخاوي "... وبالجملة، فالذي استقر الأمر عليه الإجماع على الاستحباب، بل قال شيخنا: إنه لا يبعد وجوبه على من خشي النسيان، ممن يتعين عليه تبليغ العلم" (٤) ، والله تعالى أعلم.
стр. 73
المبحث السادس: في الرد على بعض الشبه المثارة حول السنة من جهة كتابتها
من خلال ما تقدم من المباحث السابقة يتبين لنا تواتر وقوع الكتابة في عهده ﷺ ، وأنه قد كتب من حديثه ﷺ في حياته شيءٌ كثير (١) ، حيث أذن لبعض الصحابة أن يكتبوا أحاديثه -بعد أن كان ينهي عن كتابتها في أول الإسلام؛ خشية اختلاطها بالقرآن– فأمر أن تكتب خطبته ﷺ عام الفتح لأبي شاه، وكتب وبعث كثيراً من الكتب، وأراد أن يكتب قبيل وفاته كتاباً يكون مرجعاً للناس، لا يضلون بعده أبدا، وما إن توفي ﷺ وجاور الرفيق الأعلى حتى كثر عدد من يكتب الحديث من الصحابة ﵃ أجمعين، وكذلك التابعين من بعدهم كتبوا فأكثروا.
إلا إنه شاع في أوساط بعض المتفقهين والمثقفين مقولةٌ خطيرةٌ، سببها عدم فهم كلام أهل العلم على حقيقته، وقد تولى كبر هذه المقالة ونشرها والدعاية لها بعض المستشرقين (٢) ، للكيد للإسلام والطعن في أعظم مصدرٍ من مصادره بعد القرآن، ألا وهي السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة
стр. 74
والتسليم، وملخص هذه المقالة يقول: "إن الأحاديث لم تكتب في عهده ﷺ كما هو الشأن بالنسبة للقرآن، حيث لم يأمر ﷺ بذلك، بل إن الأمر تعدى ذلك إلى النهي والأمر بمحو ما كُتب منها، وأن الأمر استمر على ذلك في عصر الصحابة والتابعين، فظلَّت الأحاديث تنقل شفاهاً لمدة مائة عام أو أكثر، حتى جاء الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى، فأمر بتدوينها، فكان أول من دوَّن الحديث ابن شهاب الزهري (ت ١٢٤هـ) ، وقد أدَّى عدم تقييد السنة هذه الفترة الطويلة إلى احتمال ضياع كثيرٍ منها، واحتمال حصول الخطأ والنسيان، أو التبديل والتغيير فيها، مما يورث عدم الاعتماد عليها والاحتجاج بها"،
والجواب عن هذه الشبهة في عدة نقاط:
* أولا: أن إنكار تقييد الحديث وكتابته في عهده ﷺ لا يمكن، حيث إنه قد تعددت الأحاديث والروايات وكثرت، مما يبلغ بها درجة التواتر المفيد للعلم القطعي اليقيني في إثبات وقوع الكتابة للأحاديث في عهده ﷺ ، وقد كان ذلك آخر الأمرين منه ﷺ ، بعد أن كان ينهى عن كتابتها في أول الإسلام خشية اختلاطها بالقرآن.
* ثانياً: أن الحكمة في أمره ﷺ بكتابة القرآن دون الحديث؛ لأن المقصود بالحديث هو المعنى، ولا يتعلق في الغالب حكمٌ بالمبنى، بخلاف القرآن، فإن لألفاظه مدخلاً في الإعجاز، فلا يجوز إبدال لفظٍ منه بلفظٍ آخر، ولو كان مرادفاً، بل لا يجوز إبدال حرف منه بحرف آخر؛ لأن الله قد تعبدنا بتلاوة لفظه في الصلاة وغيرها، علاوةً على أن ترتيب الآيات ووضع بعضها بجانب بعض أمرٌ توقيفي منه ﷺ ، وقد كان القرآن ينزل منجماً بحسب
стр. 75
الوقائع؛ ولما لم تكن السنة بهذه المثابة: لا ترتيب بين الأحاديث بعضها مع بعض، وليست بمعجزة، ولم يتعبدنا الله تعالى بتلاوة لفظها، وأجاز لنا تغييره ما دامت المحافظة على المعنى متحققة، سواءٌ أكان ذلك بنفس اللفظ الصادر عن رسول الله ﷺ أم بغيره، لأجل ذلك كله لم يأمر ﷺ بكتابة الحديث (١) .
* ثالثاً: أنه ما إن توفي النبي ﷺ حتى كثر من يكتب الحديث من الصحابة والتابعين، حيث فهموا إذنه العام لكل من يرغب في ذلك ويقدر عليه، يدل عليه أنه قبيل وفاته أراد أن يكتب للمسلمين كتاباً لا يضلون بعده أبدا، فلم ير بذلك بأساً بعد أن أمن اختلاط السنة بالقرآن (٢) .
* رابعاً: أن تدوين الحديث الذي دعا إليه عمر بن عبد العزيز –رحمه الله تعالى– على رأس المائة الأولى، إنما كان المقصود به التدوين العام للأحاديث؛ ليكون هناك كتبٌ معتمدةٌ تُجمع وترتب فيها الأحاديث، ويتداولها عامة الناس، وليس هذا يعني أنّ الأحاديث لم تدوَّن من قبل، وهذا ما يرمي إليه الحافظ ابن حجر حين يقول: "إن آثار النبي ﷺ لم تكن في عصر أصحابه وكبار من تبعهم مدونة في الجوامع ولا مرتبة ... " (٣) ، وبدعوته هذه ينتهي الخلاف الذي وُجد عند الصدر الأول في كتابة الحديث،