← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 11347

كتابة الحديث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته وأثرها في حفظ السنة النبوية

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (44 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ال مقدمة: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد.. فإن العناية بتلقي السنة النبوية المطهرة عن مصدرها المباشر، وهو الرسول ﷺ ، ثم عن صحابته الكرام فمن بعدهم، قد توافر فيها ثلاثة جوانب، متزامنة، ومتكاملة، وهي: ١- حفظ الصدور ٢- حفظ السطور ٣- حفظ التطبيق العملي بالقلوب والجوارح آناء الليل والنهار. وتناول مسيرة هذه الجوانب الثلاثة بالتفصيل وبيان مظاهرها وثمارها يضيق عنه المقام، وليس من مطالب هذا البحث. حيث إن مقصوده هو تناول معالم فترة معينة في جانب معين وهو كتابة الحديث في عهد النبي ﷺ ، وصحابته ﵃ وأثرها في حفظ السنة المطهرة، وذلك لأن هذا الجانب في هذه الفترة قد خفي الكثير من حقائقه على عدد غير قليل من الباحثين الشرقيين والمستشرقين، وبالتالي اختلفت الأنظار حوله حتى وجهت إلى السنة المطهرة بسبب التصور الخاطئ له بعض الانتقادات المغرضة، كما سنشير إلى ذلك في موضعه من هذا البحث إن شاء الله.

стр. 2

تمهيد: الأُمِيُّون وحفظ السنة في الصدور: يقول الله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] . والذكر هنا هو القرآن الكريم، وقد قررت هذه الآية بوضوح وتأكيد أن الله تعالى بعظمته العليا كما تفرد بإنزاله على رسوله الكريم، فقد تفرد أيضا بحفظه وصيانته العامة الأبدية من أي تحريف أو دخيل، ومن لوازم حفظه -سبحانه- لكتابه العظيم، أنه حفظ أيضًا سنة رسوله ﷺ التي جعلها بيانا له معصوما من الخطأ، لصدوره من مقام النبوة الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ولما كانت بداية بعثته ﷺ في الأميين لحكم سامية، فإن المرحلة الأولى لتلك البعثة قد شاعت فيها أمية القراءة والكتابة بلغة العرب التي اختارها -الله تعالى- لتكون لغة القرآن الكريم، ولم تكن تلك الأمية مثل أمية عصورنا هذه التي تحول بين صاحبها وبين سلامة النطق واستقامة الفهم لما يسمعه، بل كان من دلائل نبوته ﷺ كونه أميًا، وكان الأمي من العرب الخلص يتمتع بسليقة أصيلة تجعله ينطق العربية نطقًا صحيحًا، ويفهمها فهمًا سديدًا. كما كان العربي الأمي يتمتع أيضًا بحافظة تفوق قوتها ودقتها الوصف بحيث جعل الغالب فيهم تعويله الأصلي عليها بما يعوضه في غالب أمره عن حفظ الكتابة والقراءة، بل إن محمد بن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال:"كان ابن شهاب يختلف إلى الأعرج -يعني عبد الرحمن بن هرمز صاحب أبي هريرة فيسأله الحديث، ثم يأخذ قطعة ورق فيكتب بها ثم يتحفظ،

стр. 3

فإذا حفظ الحديث مزق الرقعة". وفي رواية: كنا نأتي الأعرج ويأتيه ابن شهاب، فنكتب، ولا يكتب ابن شهاب، فربما كان الحديث فيه طول فيأخذ ابن شهاب ورقة من ورق الأعرج ثم يكتب، ثم يقرأ، ثم يمحوه مكانه، وربما قام بما معه فيقرؤها ثم يمحوها (١) . وروى الفسوي في تاريخه من طريق عبد الرحمن بن سلمة الجمحي قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يحدث عن رسول الله ﷺ حديثًا فكتبته، فلما حفظته محوته: "قد أفلح من أسلم وكان رزقه كفافًا وصبر على ذلك" (٢) . ومن هذا يستفاد أهمية الحفظ للسنة في الصدور ومدى الاعتماد عليه في عهد الصحابة والتابعين.

стр. 4

كتابة الحديث في عهد النبي ﷺ وصحابته وأثرها في حفظ السنة إعداد الأستاذ الدكتور/ أحمد معبد عبد الكريم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المبحث الأول: الإذن النبوي العام لمن سمع منه ﷺ أن يكتب ما سمع ورد الشبه عن ذلك إجمالا لكن رغم هذا فإن الرسول ﷺ استعمل الكتابة وأذن في استعمالها في حفظ السنة النبوية طالما توافر تمييزها عن المكتوب من القرآن الكريم من جهة، وكانت الكتابة محققة لغاية الحفظ المطلوب للسنة أو لتبليغها للغير من جهة أخرى. وبهذا صارت السنة النبوية تحفظ عن الرسول ﷺ وعن صحابته بطريقين متكاملين ومتزامنين في أوقات كثيرة. الأولى: طريقة التلقي بالسماع أو المشاهدة أو غيرهما، وحفظ المُتلَقّي في الذاكرة فقط دون كتابة. والثانية: طريقة الكتابة بجانب الحفظ في الذاكرة وذلك في ما كان متيسرًا مما يكتب عليه حينذاك، من العظام والجلود والأوراق. لكن هذه الطريقة الثانية لم تأخذ حظًا كافيًا من إظهار دلائلها وصور العناية بها، وتعداد من قام بها من الصحابة والتابعين في مباحث خاصة بذلك، ولعل ذلك لأنها لم تكن محل شك أو إنكار في عصور تدوين السنة في مصنفات خلال القرن الثاني والثالث. لكن جاء في العصور المتأخرة غير واحد، ممن ينسبون إلى البحث والاطلاع والتمحيص ينتقدون السنة النبوية من جهة عدم العناية بكتابتها وتدوين مروياتها وتصنيفها في مصنفات متداولة إلا في وقت متأخر عن عصر الرسول ﷺ وصحابته، ويرتبون على ذلك الزعم بكثرة الدخيل فيها عند

стр. 5

تصنيفها المتأخر عن عصر النبوة والصحابة. وقد نهض -بحمد الله- من الباحثين المخلصين مَن ناقش هذه الانتقادات وردها جملة وتفصيلاً بالأدلة المناسبة، وذلك مثل الشيخ المعلمي ﵀ في كتاب: "الأضواء الكاشفة" والدكتور محمد عجاج الخطيب في كتابه: "السنة قبل التدوين" يعني قبل كتابتها كتابة عامة بأمر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز في مدونات جامعة، والأستاذ الدكتور محمد مصطفى الأعظمي في كتابه: "دراسات في الحديث النبوي" (١) وغير هؤلاء كثير. وما أقدمه اليوم هو مساهمة متواضعة في البيان الواقعي للعناية الظاهرة بكتابة السنة النبوية في عصره ﷺ وعصر صحابته الكرام، مع الإذن العام في ذلك فمن وقائع عنايته ﷺ بكتابة السنة: ما رواه رافع بن خديج ﵁ قال: مر علينا رسول الله ﷺ يومًا ونحن نتحدث فقال: "ما تحدثون؟ " فقلنا: ما سمعنا منك يا رسول الله، قال: "تحدثوا وليتبوأ مقعده مَن كذب عليَّ من جهنم" ومضى لحاجته، وسكت القوم فقال: "ما شأنهم لا يتحدثون؟ " قالوا: للذي سمعناه منك يا رسول الله. قال: "إني لم أرد ذلك، إنما أردت مَن تعمد ذلك" فتحدثنا، قال: قلت: يا رسول الله إنا نسمع منك أشياء أفنكتبها؟ قال: "اكتبوا ذلك ولا حرج" (٢) .

стр. 6

وفي الحديث كما نرى أمر بمعنى الإذن في كتابة الحديث عمومًا مع اجتناب الكذب عليه ﷺ قولاً وكتابة. وللحديث شواهد منها: ما أخرجه الحاكم في المستدرك (١/١٠٦) من طريق عبد الله بن المؤمل، والنسائي في الكبرى (التحفة ٣/ ٨٨٨٥) من طريق الوليد بن مسلم، كلاهما عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ أن النبي ﷺ قال: "قيدوا العلم" قلت: وما تقييده؟ قال: "كتابته". وروي الحديث عن أنس ﵁ مرفوعًا وموقوفًا (١) وتضعيف المرفوع ينجبر بالشاهد السابق والآتي. ولفظ رواية النسائي: إن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: يا رسول الله إنا نسمع منك أحاديث أفتأذن لنا أن نكتبها؟ قال: "نعم" فكان أول ما كَتبَ: كتاب النبي ﷺ إلى أهل مكة. "لا يجوز شرطان في بيع واحد، ولا بيع وسلف جميعًا..." الحديث. وما في سند هذا الحديث من عنعنة ابن جريج ينجبر بباقي الطرق

стр. 7

السابقة واللاحقة فيرتقي إلى الصحيح لغيره (١) وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ فنهتني قريش، وقالوا: تكتب كل شيء تسمعه ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأومأ بإصبعه إلى فيه فقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق" (٢) . وأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: ما من أصحاب النبي ﷺ أحد أكثر حديثًا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب (٣) . وفي رواية لأحمد وغيره أن أبا هريرة ﵁ قال: إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب بيده ويعي بقلبه، وكنت أعي ولا أكتب بيدي، واستأذن رسول الله ﷺ في الكتابة فأذن له (٤) . وبهاتين الروايتين ينجبر ضعف غيرهما مما تقدم، من حديث رافع بن خديج وأنس وبعض طرق حديث عبد الله بن عمرو ويكون ما ذكره الشيخ رشيد رضا ﵀ في مجلة المنار (٥) وتابعه غيره (٦) من الاقتصار على تضعيف بعض طرق حديث عبد الله بن عمرو، وحديث أنس -رضي الله

стр. 8

عنه- مِنْ بعض طرقه مردود عليه بوجود ما يشهد له من الصحيح والحسن كما ترى. كما أن حديث أبي هريرة السابق ينبغي أن يلاحظ فيه أمران متعلقان بموضوعنا: الأمر الأول: المنافسة الظاهرة بين أبي هريرة وبين عبد الله بن عمرو ﵃ في حفظ ما تلقياه عن الرسول ﷺ بما يدل على علو همة مَنْ تصدَّى لهذه المهمة من الصحابة الكرام، وحرصه على القيام بها على أتم وجه. الأمر الثاني: توافر عوامل طريقتي الحفظ معًا وهما حفظ الصدور من أبي هريرة، وحفظ الصدور والسطور من عبد الله بن عمرو -رضي الله عن الجميع- بحيث لا يُظن من اقتصار أبي هريرة عن حفظ الصدور أن محصلته كانت أقل أو ضبطه كان أضعف. وذلك لأن ابن الجوزي وغيره ذكروا أن أبا هريرة قد رُوي عنه (٥٣٧٤) حديثًا (١) في حين ذكروا أن عبد الله بن عمرو قد روي عنه (٧٠٠) حديث وقيل أقل من ذلك (٢) . كما أن أبا هريرة أتيحت له فرصة ذهبية جعلت لحفظه مزية عليا حيث إن رسول الله ﷺ حدَّث يومًا وقال: " أيكم يبسط ثوبه فيأخذ من حديثي هذا، ثم يجمعه إلى صدره، فإنه لم ينس شيئًا سمعه؟ " قال أبو هريرة: فبسطت بردة عليّ حتى فرغ من حديثه، ثم جمعتها إلى صدري فما نسيت

стр. 9

بعد ذلك اليوم شيئا حدثني به (١) . ومن أجل ذلك قال الذهبي: كان حفظ أبي هريرة الخارق، من معجزات النبوة (٢) , وشهد له به غير واحد من الصحابة عن رؤية ومعايشة علمية، واختبار (٣) .

стр. 10

المبحث الثاني: مما كتبه وصنفه الصحابة قد سبق أن ذكرت أن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قد أذن له الرسول ﷺ بأن يكتب عنه كل ما يصدر منه في كافة أحواله من الغضب والرضا، وأن العلماء استدلوا بهذا على جواز ذلك أيضًا لغير عبد الله ابن عمرو من الصحابة. وقد جاء عن عبد الله بن عمرو نفسه ما يفيد وقوع ذلك فعلاً، فعن أبي قبيل المعافري قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وسُئِل: أي المدينتين تفتح أولاً: القسطنطينية (١) أو رُومِيَّة؟ (٢) ، قال: فدعا عبد الله بن عمرو بصندوق له حَلَق، قال: فأخرج منه كتابًا فجعل يقرؤه، قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب، إذ سئل رسول الله ﷺ أي المدينتين تفتح أولاً: قسطنطينية أو رومية؟ فقال النبي ﷺ : "بل مدينة هرقل أولاً تفتح" (٣) يعني القسطنطينية.

стр. 11

وتقدم في حديث عبد الله بن عمرو هذا أيضًا: قلت: يا رسول الله إنا نسمع منك أحاديث لا نحفظها، أفلا نكتبها؟ قال: "بلى فاكتبوها" فمن قول عبد الله بن عمرو ﵁ "أفلا نكتبها"، وقوله ﷺ "اكتبوها". ومن قوله في الحديث السابق "بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب" يستفاد أن الكتابة للسنة كانت تقع بين يدي رسول الله ﷺ مباشرة، بعلمه وموافقته، وأن عبد الله بن عمرو استأذن الرسول ﷺ لنفسه ولجماعة معه، وأذن الرسول ﷺ لجماعتهم فقال: "اكتبوها". وبمقتضى هذا الإذن كانوا يجتمعون حوله ﷺ ويكتبون كتابة جماعية، كما يستفاد من الحديث الأول أن عبد الله بن عمرو كان يعتني بصيانة ما كان يكتبه عن رسول الله ﷺ في صندوق خاص حتى لا يتطرق إليه تلف أو ضياع أو دخيل، وهذا يعد تأصيلاً لما ذكره علماء المصطلح في ضبط الكتاب، دون أن يذكروا له مثالاً كهذا، ويستفاد كذلك أن عبد الله بن عمرو كان يخرج المكتوبات التي في هذا الصندوق، ويحدث منها بقراءته ويسمع منه جماعة الحاضرين، ومنهم من يسأله، كما يفيده قول الراوي عنه: "كنا عند عبد الله بن عمرو ﵁ وسئل..." وقول الراوي: إن الصندوق الذي أخرج عبد الله منه المكتوب الذي حدثهم به كان له "حلق" إشارة منه لتأكده من مناسبة الحديث وملابساته، ووجود تلك الحَلَق في الصندوق تفيد، إما كبر حجمه، بحيث وُضع له حَلَق تُسهل حملَه ونقلَه، وإما مزيد العناية بوضع حلق فيه لإحكام إغلاقه.

стр. 12

كما أن هذا يدل على أن ما كتبه عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ لم يكن صحيفته المشهورة فقط، والتي كان يعتز بها، ويسميها (الصادقة) كما سيأتي ذكره، ولكن كان ما كتبه عنه ﷺ أكثر، بحيث احتاج في حفظه وصيانته إلى صندوق له حَلَق مما يدل على أنه كان كبير الحجم. وقد حكم الذهبي بتحسين حديث الصندوق المذكور، ثم قال: "وهو دال على أن الصحابة كتبوا عن النبي ﷺ بعض أقواله...، ثم قال: وكتبوا عنه كتاب الديات، وفرائض الصدقة، وغير ذلك" (١) . وقال أيضًا عن عبد الله بن عمرو ﵁:"وكَتَبَ الكثيرَ بإذن النبي ﷺ وترخيصه له في الكتابة بعد كراهيته للصحابة أن يكتبوا عنه سوى القرآن، وسوَّغ ذلك النبيُّ ﷺ ثم انعقد الإجماع بعد اختلاف الصحابة ﵃ على الجواز والاستحباب لتقييد العلم... ثم قال الذهبي أيضًا: والظاهر أن النهي كان أولاً لتتوافر هممهم على القرآن وَحْدَه، وليمتاز القرآن بالكتابة عما سواه من السنة النبوية، فيؤمن اللبس، فلما زال المحذور واللبس ووضح أن القرآن لا يشتبه بكلام الناس، أذن في كتابة العلم، والله أعلم" (٢) . وقد تقدم أن مجمل مرويات عبد الله بن عمرو بن العاص بلغت (٧٠٠) حديث أو أقل، ولو أننا استعرضنا ما توافر لدينا من أدلة معتد بها على ما كتبه عبد الله بن عمرو بنفسه، وما كتبه عنه بعض من سمع منه، فسنجد أن ذلك يكوِّنُ نسبة غير قليلة من مجموع ما تقدم ذكره من أحاديثه المدونة في كتب الحديث الأصلية من الصحيحين والسنن والمسانيد وغيرها.

стр. 13

كما جاءت عنه بعض روايات أنه كان يحتفظ ببعض الآثار الموقوفة: فروى عمرو بن شعيب قال: وجدنا في كتاب عبد الله بن عمرو، عن عمر بن الخطاب قال: "إذا عبث المعتوه (١) بامرأته، أُمر وَليُّهُ أن يُطلِّق" (٢) . وفي رواية أن عمر كتب إلى عمرو بن العاص: "أنه يُؤجَّل سَنَةً، فإن برئ، وإلا فرق بينه وبين امرأته" (٣) . وجاء عن عبد الله بن عمرو ﵁ أن مما كتبه عن رسول الله ﷺ صحيفة سماها (الصادقة) فعن مجاهد قال: أتيت عبد الله بن عمرو فتناولت صحيفة من تحت مفرشه، فمنعني، قلت: ما كنت تمنعني شيئًا، قال: "هذه الصادقة، هذه ما سمعت من رسول الله ﷺ ليس بيني وبينه (فيها) أحد، إذا سلمتْ لي هذه، وكتاب الله ﵎ والوَهْط (٤) فما أبالي ما كانت

стр. 14

عليه الدنيا" (١) ، ومن ذلك يفهم أن عنايته بكتابة السنة، لم تشغله عن عنايته بالقرآن الكريم. وجاءت عنه رواية أخرى قال فيها: أما الصادقة فصحيفة كتبتها عن رسول الله ﷺ وأما الوَهْط فأرض تصدق بها عمرو بن العاص، وكان يقوم عليها (٢) . ونقل الذهبي عن بعض العلماء قوله: ينبغي أن تكون تلك الصحيفة أصح من كل شيء؛ لأنها مما كتبه عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ والكتابة أضبط من حفظ الرجال (٣) . ويذكر الدارسون: أن هذه الصحيفة الصادقة هي التي رواها عمرو بن

стр. 15

شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو (١) . فإذاً ومَنْ يقف على وصف محتوياتها يظهر له أن تسميتها صحيفة ليس معناه أنها عبارة عن ورقة واحدة كما هو المتبادر؛ بل كانت أوراقًا كثيرة، فقد وقف ابن حبان على نسخة منها ورواها عن شيخه أبي يعلى الموصلي وقال: في نسخة كتبناها عنه طويلة (٢) . فالمراد بالصحيفة أو النسخة في اصطلاح المحدثين: مجموعة الأحاديث التي رُويت بإسناد واحد ولو بلغت أوراقًا كثيرة مثل صحيفة أو نسخة عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده (٣) . وقد أطلق ابن معين وغيره على صحيفة عمرو بن شعيب اسم "الكتاب" (٤) . ومن آخر البحوث المتخصصة عن عدد أحاديثها ما قرر فيه صاحبه أنها تبلغ (٢٣١) حديثًا غير المكرر أكثر من مرة، وذلك بعد إحصائه لها من عدد من كتب السنن والمسانيد، وعلم الرجال حيث روى كل منها بعض أحاديثها (٥) . لكن بعض تلاميذ عبد الله بن عمرو غير: شعيب والد عمرو هذا،

стр. 16

ومحمد بن عبد الله بن عمرو، جد شعيب، جاء عنهم أيضًا ما يفيد وجود مكتوبات متعددة عنده، وكان يُسمعهم منها. فتلميذه أبو راشد الحمراني (١) قال: أتيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت له: حدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ فألقى بين يدي صحيفة فقال: هذا ما كتب لي رسول الله ﷺ فنظرت فيها فإذا فيها: أن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله علمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت، فقال له رسول الله ﷺ : "يا أبا بكر قل: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، لا إله إلا أنت ..." الحديث (٢) وقوله: "هذا ما كتب لي رسول الله ﷺ " أي: أذن لي بكتابته عنه، كما في الروايات الأخرى التي سبق بعضها. وكلام أبي راشد هذا، يفيد أنه كان بمفرده عندما جاء إلى عبد الله بن عمرو وأطلعه على صحيفة مما كتبه، ويعتبر صنيع عبد الله بن عمرو هذا مع تلميذه أبي راشد، من تأصيل التحمل بالمناولة، حيث ألقى بين يديه الصحيفة المكتوب فيها الحديث، وأخبره بأنها مما أذن له الرسول ﷺ بكتابته عنه، ثم مكنه من النظر فيها، وقراءة الحديث المذكور منها. ويبدو أن جماعة غير أبي راشد قد رأوا هذه الصحيفة أيضًا، وتحملوا منها رواية الحديث السابق نفسه بلفظ مقارب، فقد قال أبو عبد الرحمن الحُبلي المصري، تلميذ عبد الله بن عمرو أيضًا: أخرج لنا عبد الله بن عمرو قرطاساً (٣) وقال: كان رسول الله ﷺ

стр. 17

يعلمنا، يقول: "اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت رب كل شيء..." الحديث (١) . فقول أبي عبد الرحمن الحبلي: "أخرج لنا" يفيد أنهم كانوا جماعة، وأن عبد الله بن عمرو قرأ عليهم المكتوب. ومن تلاميذه من روى بعض الأحاديث التي كتبها عبد الله بن عمرو وأرسل بها إليه، فأرض "الوهْط" التي كانت ل عبد الله بن عمرو - كما تقدم - كان له فيها عامل زراعيّ يقال له: "سالم مولى عبد الله بن عمرو" وعرض عليه جيرانه أن يشتروا منه ما يفيض عن حاجة عبد الله بن عمرو من المياه، قال سالم: أعطَوْنِي بفضل الماء من أرضه بالوهْط ثلاثين ألفًا، قال: فكتبت إلى عبد الله بن عمرو، فكتب إلي: لا تبعه، ولكن أقِمْ قِلْدَك (٢) ثم اسق الأدنى فالأدنى، فإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع فضل الماء (٣) . وجاء عن أحد تلاميذ عبد الله أنه أملى عليه بعض حديثه وكتبها عنه في صحيفة وهو: أبو سبرة الهذلي، فقد قال لعبيد الله بن زياد - لما سمعه يجادل في حوض رسول الله ﷺ الذي جعله الله له في الآخرة -: ألا أحدثك حديثًا فيه شفاء هذا، إن أباك بعث معي بمالك إلى معاوية، فلقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فحدثني مما سمع من رسول الله ﷺ وأملى عليَّ، فكتبت بيدي فلم أزد حرفًا، ولم أنقص حرفًا، حدثني أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله لا يحب

стр. 18

الفحش، أو يبغض الفاحش والمتفحش، قال: ولا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والتفاحش وقطيعة الرحم وسوء المجاورة، وحتى يؤتمن الخائن، ويُخوَّن الأمين، وقال: "ألا إن موعدكم حوضي عرضه وطوله واحد وهو كما بين أيلة (١) ومكة".. الحديث وفيه: "من شرب منه لم يظمأ بعده أبدًا" فقال عبيد الله: ما سمعت في الحوض حديثًا أثبت من هذا، فصدق به، وأخذ الصحيفة فحبسها عنده (٢) . وفي رواية أخرى للحديث: أنه لما حبس عبيد الله بن زياد الكتاب عنده، قال أبو بُسرة: فجزعت عليه، فلقيني يحيى بن يعمر، فشكوت إليه، فقال: والله لأنا أحفظ له من السورة من القرآن فحدثني به كما كان في الكتاب سواء (٣) . وهذه الرواية تفيد أن حفظ الصدور، وحفظ الكتاب كانا متضافرين على صيانة السنة وتعويض أحدهما ما فُقد من الآخر، وأن حفظ الصدور كان من القوة بحيث يطمأن إلى نيابته عن الكتابة عند افتقادها. وجاء أيضًا عن أحد تلاميذ عبد الله بن عمرو من التابعين المصريين، وهو شُفَى بن ماتع الأصبحي المصري (٤) : أنه سمع من عبد الله بن عمرو كتابين:

стр. 19

أحدهما: عبارة عن أحاديث قولية وفعلية مرفوعة. والآخر: فيه ما يتعلق بما يقع آخر الزمن من الفتن وعلامات الساعة إلى يوم القيامة، وذكر ابن يونس: أن نسختي هذين الكتابين قد افتقدتا بإلقاء أحد الناس لهما في النيل (١) ووصفهما بأنهما كتابان، مع بيان مشتملاتهما إِجمالاً، يستفاد منه أن حجمهما كان كبيرًا، لكن قد عوضنا الله - تعالى- عنهما بما حفظه لنا بعض تلاميذ شُفَي هذا، إما صدرًا، وإما كتابة، ووصل إلينا مدونًا في بعض كتب السنن (٢) والمسانيد وغيرها (٣) . وهكذا يظهر لنا من خلال ما تقدم: أن ماكتبه عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله ﷺ كان قدرًا كبيرًا، فمنه ما كان يحفظه في صندوق ذي حلقات، ومنه ما كان يعتز به أكثر فيحفظه تحت فراشه؛ ليكون قريبًا منه. وبلغت نسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وحدها قرابة مائتين وخمسين حديثًا مرفوعًا بدون المكرر منها مرة فأكثر لما قدمت. كما يظهر لنا أن عددًا آخر من تلاميذ عبد الله بن عمرو من غير أهله، قد تلقوا عنه مدونات في أكثر من كتاب، مشتملة على سنن فعلية، أو قولية، في العقيدة والشريعة، كما اشتملت أيضًا على بعض سنن الخلفاء الراشدين. ويظهر لنا أيضًا أن ما أملاه عبد الله بن عمرو، أو كتب عنه عمومًا، قد

стр. 20

انتشر بواسطة تلاميذه في أقطار الإسلام شرقًا وغربًا، كالشام، ومصر، والعراق، وغيرها. ولم تقتصر عناية الصحابة على الكتابة الإجمالية لمروياتهم دون تنظيمها في مصنفات وأبواب موضوعية، بل وجدنا منهم من يجمع مما تلقاه عن رسول الله ﷺ أحاديث متعلقة بموضوع واحد في تصنيف خاص به. من ذلك أن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري ﵁ المتوفى سنة ٧٨هـ بالمدينة المنورة قد عُرف بأنه حمل عن النبي ﷺ علما كثيرا نافعا، وعرف بالفقه والفتوى والرحلة في طلب الحديث، ومروياته المسندة -كما ذكر الحافظ الذهبي - (١٥٤٠) حديثاً. ويعد من أول من صنف الحديث على الموضوعات من الصحابة حيث ذكر الذهبي أن له منسكاً (١) صغيراً في الحج، أخرجه مسلم في صحيحه (٢) . وعند مراجعة صحيح مسلم نجد مصداق ذلك فعلا حيث إنه في كتاب الحج باب حجة النبي ﷺ أخرج من طريق حاتم بن إسماعيل المدني عن جعفر ابن محمد عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبد الله، فسأل عن القوم (٣) حتى انتهى إلىَّ فقلت أنا محمد بن علي بن حسين، فأهوى بيده إلى رأسي، فنزع زِرّي الأعلى (٤) ثم نزع زري الأسفل، ثم وضع كفه بين ثدْيَيَّ وأنا يومئذ غلام شباب فقال مرحبا بك يا بن أخي، سل عما شئت، فسألته وهو أعمى

стр. 21

وحضر وقت الصلاة، فقام في نساجة (١) ملتحفا بها، كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المشجب (٢) فصلَّى بنا، فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله ﷺ الحديث بطوله (٣) ، ويقع في ست صفحات من المطبوع، ثم أخرج رواية أخرى هذه من طريق غياث بن طلق عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: أتيت جابر بن عبد الله فسألته عن حجة رسول الله ﷺ وأحال ببقية المتن على الرواية السابقة بنحوها، ثم ذكر زيادة في هذه الرواية تبلغ ثلاثة أسطر، وأتبعها برواية ثانية من طريق غياث أيضا بذكر زيادة نحو سطرين، ورواية ثالثة من طريق سفيان عن جعفر عن أبيه به بزيادة نحو سطرين، ورواية من طريق مالك وخامسة من طريق مالك وابن جريج كلاهما عن جعفر بن محمد عن أبيه، بزيادة تتعلق بالطواف (٤) وقد انفرد مسلم عن البخاري برواية هذا الحديث فعلا (٥) . ويلاحظ أن الحديث اشتمل على سنة فعلية في أوله وهي صلاة جابر ﵁ بجماعة الحاضرين عنده إمامًا وعليه لباس معين، كما اشتملت الرواية على وصفه في هذه الحالة بأنه كان أعمى، والمعروف أنه ﵁ عَمِيَ في آخر عمره - ومقتضاه أنه حدثهم الحديث بطوله من حفظه، لا من كتاب، لكن جاء في روايات أخرى أن راوي الحديث عن جابر وهو محمد بن علي بن الحسين كان يذهب مع مجموعة إلى جابر بن عبد الله ﵁

стр. 22

ويتلقون عنه الحديث كتابة وتعلما فأخرج ابن عدي والخطيب من طريق يعقوب القُمي عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب قال: كنت أنطلق أنا ومحمد بن علي أبو جعفر ومحمد بن الحنفية إلى جابر بن عبد الله الأنصاري، فنسأله عن سنن رسول الله ﷺ وعن صلاته، فنكتب عنه ونتعلم منه (١) . ويلاحظ أن هذه الرواية معبرة عما جاء في رواية مسلم السابقة لأنها ذكرت سؤال محمد بن علي ومن معه لجابر عن سنن رسول الله ﷺ التي منها مناسك حجته ﷺ التي أمر بأن تؤخذ عنه، وفيها الصلاة وفيها كتابة السائلين لما حدثهم به، وتعلمهم منه كيفية الصلاة. وفي لفظ آخر من طريق يعقوب القمي أيضا: أن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: كنا نأتي جابرا فنسأله عن سنن رسول الله ﷺ فنكتبها (٢) . وفي رواية من طريق محمد بن علي السلمي عن ابن عقيل قال: كنت أختلف أنا وأبو جعفر إلى جابر بن عبد الله فنكتب عنه في الألواح (٣) وفي لفظ للخطيب "معنا ألواح نكتب فيها" (٤) . ومن ذلك يستفاد أن جابراً صنف منسكه هذا وهو مبصر، وكان مع ذلك يحفظه في صدره، ويسمعه إملاء لمن سأله عنه، وبذلك تلازم وتزامن الحفظان معا: حفظ الصدور وحفظ السطور. ولو من صحابي واحد.

стр. 23

ومما صنفه الصحابة أيضا كتاب الفرائض لزيد بن ثابت ﵁، وهو المعروف بكتابة الوحي القرآني أيضا بين يدي رسول الله ﷺ وممن قام بجمعه في مصحف واحد، وكان مبرزاً في علم الفرائض، وباشر القضاء وتوفي سنة ٤٥هـ على الراجح (١) وتعد وفاته مبكرة جدا عن وفاة جابر ﵁ كما تقدم ذكرها. وقد أخرج الفسوي بسنده إلى الزهري قال: لولا أن زيد بن ثابت كتب الفرائض رأيت أنها ستذهب من الناس (٢) . فيعد كتاب زيد هذا مؤلفا مخصصاً لموضوع المواريث الشرعية، وتاريخ وفاة زيد سنة ٤٥هـ يجعل تأليفه هذا مبكرًا جدا، ومن الروايات التي توافرت عنه، يفهم أن زيداً جمع في كتابه هذا بين الأحاديث المرفوعة، وبين الآثار التي رواها عن بعض الخلفاء الراشدين، وبين تفسير منه لبعض آيات المواريث، وبين اجتهاد منه هو (٣) . كما يفهم أنه كتب بعض هذا الكتاب لعمر بن الخطاب ﵁ لما سأله في الجد، وقرأه عمر ﵁ ناسباً إياه إلى زيد مع إقراره له (٤) .

стр. 24

ثم كتب به إلى معاوية ﵁ في خلافته، وذكر له فيه ما أقره عليه عمر وعثمان ﵄ (١) وقد صار الكتاب يُروَى وينقل مجموعا ومتفرقا بالأسانيد عن زيد بواسطة الرواة عنه وبخاصة كبراء أولاده وآله مثل سعيد بن سليمان بن زيد، عن أبيه عن جده (٢) وعن خارجة بن زيد عن أبيه، ومن هذا الطريق اشتهرت رواية الكتاب عند المتقدمين ومن بعدهم من المشارقة والمغاربة (٣) . ويفهم من مراجعة نصوص هذا الكتاب المتفرقة في المصنفات الحديثية كما سبقت الإحالة عليها أن كتاب زيد ﵁ في الفرائض، كان أكبر حجما من كتاب جابر ﵁ في حجة رسول الله ﷺ . أمّا ما أخرجه الطبراني من امتناع زيد بن ثابت عن كتابة مروان بن الحكم للحديث عنه، وروايته أن النبي ﷺ نهاهم أن يكتبوا حديثه (٤) فإنه لو صح عنه أو عن غيره فالجواب عنه مع مثله من أحاديث النهي، قد ذكره الحافظ ابن حجر حيث قال: إن هذه الأحاديث الصحيحة المفيدة لإذنه ﷺ في كتابة الحديث عنه، والأحاديث أيضاً التي اشتملت على نهيه عن ذلك كحديث أبي سعيد الخدري ﵁ عند مسلم، أنه ﷺ قال: "لا

стр. 25

تكتبوا عني شيئاً غير القرآن" (١) يمكن الجمع بينها بوجوه متعددة ومعتبرة، وقال الحافظ: إن أقربها أن النهي متقدم زمنا، والإذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس، ثم قال: وقيل إن النهي خاص بمن خُشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن أُمِنَ منه ذلك، ثم قال الحافظ قال العلماء: كره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث، واستحبوا أن يؤخذ عنهم حفظا، كما أخذوا حفظا، لكن لما قصرت الهِمَمُ وخشِيَ الأئمة ضياع العلم دونوه. ثم قال: وأول من دون الحديث ابن شهاب الزهري على رأس المائة، بأمر عمر بن عبد العزيز، ثم كثر التدوين، ثم التصنيف، وحصل بذلك خير كثير، فلله الحمد (٢) .

стр. 26

المبحث الثالث: الإذن النبوي الخاص لبعض أفراد الصحابة بالكتابة ورد الشبه عنه وبجانب ما أفادته الأحاديث السابقة من إذنه ﷺ العام في كتابة الصحابة الحديث عنه، فقد جاءت أحاديث أخرى بإذنه بالكتابة لأسباب ودواع خاصة: فمن ذلك: أنه في عام الفتح لما قتل رجل من خزاعة رجلاً من بني ليث، ركب ﷺ راحلته ليخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين" ... الحديث في حرمة مكة وحُكْم مَنْ يقتل فيها، فقام أبو شاه -رجل من أهل اليمن- قال اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "اكتبوا لأبي شاه" قال الوليد ابن مسلم- راوي الحديث عن الأوزاعي - قلت للأوزاعي: ما قوله: اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله ﷺ (١) وفي رواية للبخاري أيضا إن الرجل قال: اكتب لي يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : "اكتبوا لأبي شاه" (٢) . وتحديد زمن الحديث بأنه عام الفتح صريح في صحة تأخر الإذن بالكتابة؛ لأن الفتح كان في أواخر حياته ﷺ كما هو معلوم. ولفظ الحديث كما ترى بصيغة الأمر بالكتابة، وتنفيذ الصحابة لذلك،

стр. 27

فعلاً، يفيد الحمل على الوجوب فتكون دلالته على الإذن من باب أولى. وقد علق عبد الله بن أحمد ﵁ على رواية الحديث في المسند بقوله: " ليس يُروى في كتابة الحديث شيء أصح من هذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ أمرهم فقال: "اكتبوا لأبي شاه" ما سمع النبي ﷺ ، خطبته" (١) . ويلاحظ أن هذا الإذن بمناسبته المذكورة، ولسائل معين، ومع ذلك قرر عبد الله بن أحمد أنه أصح ما يروى في كتابة الحديث مطلقا دون تقييد. وهناك ما ذُكر أن سبب الإذن في كتابته كان خشية النسيان أو عدم فهم المعنى المراد حال السماع، فقد أخرج الإمام أحمد وغيره من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - يعني عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قلتُ يا رسول الله، إنا نسمع منك أحاديث لا نحفظها أفلا نكتبها؟ قال: بلى فاكتبوها (٢) . وفي لفظ "أن عبد الله بن عمرو قال: إني أسمع منك أشياء أحب أن أعيها، فأستعين بيدي مع قلبي؟ قال: نعم (٣) وفي لفظ أن عبد الله بن عمرو قال: إني أسمع منك أشياء أخاف أن أنساها، فتأذن لي أن أكتبها؟ قال:

стр. 28

اكتبها (١) وفي رواية زيادة أن ذلك كان أول ما كتب عبد الله بن عمرو (٢) ،وما في بعض طرقه من ضعف ينجبر بطرقه الأخرى، فيرتقي إلى الصحيح لغيره, وبه يندفع تضعيف الشيخ رشيد رضا ﵀ للحديث من طريق عمرو بن شعيب وحدها دون البحث أو النظر فيما يعضدها (٣) . وأخرج الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: كان رجل من الأنصار يجلس إلى النبي ﷺ فيسمع منه الحديث فيعجبه فشكا ذلك إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: إني أسمع منك الحديث فيعجبني ولا أحفظه، فقال رسول الله ﷺ : "استعن بيمينك" وأومأ بيده للخط. وقد ضعف الترمذي الحديث بإسناده الذي أخرجه به، ولكن أشار إلى أن ضعفه ينجبر بما يشهد له من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ فقال: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو (٤) وهو حديث صحيح كما تقدم.

стр. 29

المبحث الرابع: الأمر الوجوبي من الرسول ﷺ بالكتابة ولا سيَّما للولاة والقبائل والمعاهدات، ورؤساء الدول فلم يقتصر ﷺ على الإذن الخاص والعام لصحابته الكِرام بالكتابة بأنفسهم أو بواسطة بعضهم لبعض ما تلقوه عنه من السنن، وإنما صدرت منه أوامر متعددة ونُفذت فعلاً على جهة الوجوب، مع تضمن المكتوب أنواعاً من التشريعات والأحكام. فمن ذلك ما تقدم من أمره ﷺ بالكتابة لأبي شاه، وتنفيذ الصحابة فعلاً لذلك، حيث كتب بعضهم لأبي شاه ما سمعه حين ذاك من الرسول ﷺ من أحكام الحج. ومن ذلك ما أمر بكتابته لولاته على البلاد والقبائل من الصحابة، مثل عمرو بن حزم الأنصاري ﵁ وكان ممن شهد غزوة الخندق، وقد استعمله النبي ﷺ على نجران، وكتب له كتابا إلى أهل اليمن، فيه الفرائض من صلاة وزكاة وديات وغيرها، وقد أخرج ابن حبان في صحيحه نسخة هذا الكتاب في نحو ست صفحات، وذلك من طريق محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم فقرئت على أهل اليمن وهذه نسختها: ثم ساقها، وقد أخرجها غير ابن حبان أيضا مختصرة ومطولة (١) .

стр. 30

فكتابة هذا الكتاب وأمثاله، كانت بأمر وجوبي منه ﷺ إلى بعض من كان يكتب له، ووجود نسخة هذا الكتاب وأمثاله في كتب الحديث المعتمدة التي بين أيدينا حتى اليوم، دليل الالتزام بكتابتها وتداولها، حتى وصلت إلينا بأسانيدها المتصلة إليه ﷺ . ومن ذلك ما كتب به ﷺ إلى بني زهير، في قطعة من أديم، وبعث بها مع النمر بن تولب بن زهير بن أقيش العكلي الصحابي الشاعر، وقد أخرج ابن حبان من حديث يزيد بن عبد الله بن الشخير أنه هو وآخرين التقوا بـ "النمر" هذا في موضع يقال له " المربد " من أحياء البصرة قال: فقلنا له: ناولنا هذه القطعة الأديم التي في يدك، فأخذناها فقرأنا ما فيها:" فإذا فيها من محمد رسول الله إلى بني زهير، أعطوا الخمس من الغنيمة وسهم النبي، والصَّفيِّ (١) وأنتم آمنون بأمان الله وأمان رسوله"، قال ابن الشخير فقلنا: من كتب لك هذا؟ قال رسول الله ﷺ ، قال: قلنا ما سمعت منه شيئا قال: نعم سمعت رسول الله ﷺ يقول: " صوم شهر الصبر" (الحديث) (٢) .

стр. 31

يلاحظ في هذه الرواية بيان ما كان يكتب فيه حينذاك وهو الجلود بعد دباغتها وتنظيفها، وبيان محتويات المكتوب وأنه في صيغة معاهدة لأهل هذه القبيلة فيها أمرهم ببعض التشريعات والالتزام لهم كذلك بحق الأمان المكفول من الله تعالى ومن رسوله ﷺ . كما أن في الرواية أن الصحابي الذي حمل إليهم هذه المعاهدة المكتوبة قد حفظ أيضا في صدره غيرها مما سمعه من الرسول ﷺ وأداه لمن سألوه من أهل البصرة وهو في طريقه إلى قومه بالكتاب المذكور. وعن الضحاك بن سفيان الكلابي - ممن وفد على رسول الله ﷺ وكان والياً على قومه، وقد روى سعيد بن المسيب عنه: "أن الرسول ﷺ كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها" (١) . وعن رافع بن خديج ﵁ أنه قال لمروان بن الحكم: إن مكة إن لم تكن حراماً، فإن المدينة حرم، حرمها رسول الله ﷺ وهو مكتوب عندنا في أديم خولاني، إن شئت أن نقرئكه فعلنا، فناداه مروان: أجَلْ بلغنا ذلك (٢) وله شاهد في صحيح مسلم يرقيه إلى الصحيح لغيره (٣) والأديم الخولاني نوع من الجلود، وسبق في الحديث السابق أنه كان مكتوبا في جلد أيضا. ومن هذا الحديث يستفاد أن رافعاً ﵁ كان يحتفظ ببعض الأحاديث المكتوبة عن رسول الله ﷺ ، ويرجع إليها في مناسبتها للاحتجاج بها.

стр. 32

وقد سبق روايته حديث إذنه ﷺ له بالكتابة لما سمعه منه خشية النسيان. ومن كتبه لأهل الولايات وحكام الدول أيضا: ما أخرج ابن حبان في صحيحه عن ابن عباس أن النبي ﷺ كتب إلى "حبر تيماء" فسلم عليه (١) . وأخرج ابن حبان أيضا في صحيحه أن رسول الله ﷺ كتب إلى كسرى وقيصر، وأُكيدر دومة، يدعوهم إلى الله جل وعلا (٢) وسيأتي ذكر مصدر جامع لمشتملات تلك الكتب بأسانيدها. ومن أشهر ما أمر ﷺ بكتابته إلى الملوك ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي سفيان ابن حرب أنه في مدة الهدنة التي كانت بين الرسول ﷺ وبين كفار مكة بمن فيهم أبو سفيان - قال أبو سفيان: فبينا أنا بالشام إذ جيء بكتاب رسول الله ﷺ إلى هرقل، جاء به دحية الكلبي فدفعه إلى عظيم بُصرى فدفعه بدوره إلى هرقل (الحديث) (٣) . ومما أمر ﷺ بكتابته أيضا ما كان ردًّا على مكاتبات تُرسل إليه. فقد أخرج البيهقي من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: أتى النبي ﷺ كتاب رجل قال لعبد الله بن الأرقم: أجب عني، فكتب جوابه، ثم قرأه عليه، فقال: "أصبت وأحسنت اللهم وفقه"، فلما ولى عمر- ﵁ كان يشاور عبد الله بن الأرقم هذا (٤) .

стр. 33

وأخرج البيهقي أيضا من حديث عبد الله بن الزبير أن النبي ﷺ استكتب عبد الله بن أرقم فكان يكتب عبد الله بن أرقم (١) وكان يجيب عنه ﷺ الملوكَ فبلغ من أمانته أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب، ثم يأمره أن يكتب ويختم ولا يقرأه لأمانته عنده، ثم استكتب أيضا زيد بن ثابت، فكان يكتب الوحي، ويكتب إلى الملوك أيضا، وكان إذا غاب عبد الله بن أرقم وزيد ابن ثابت واحتاج أن يكتب إلى بعض أمراء الأجناد والملوك، أو يكتب لإنسان كتاباً بقَطِيعةَ (٢) أمر جعفراً أن يكتب، وقد كتب له عمر وعثمان، وكان زيد والمغيرة، ومعاوية وخالد بن سعيد بن العاص وغيرهم ممن قد سُمِّي من العرب (٣) . هذا وقد ألف الإمام محمد بن طولون الدمشقي المتوفى سنة ٩٥٣هـ كتابًا بعنوان: "إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين" (٤) وقد أورد فيه (٤٩) كتابًا، أمر الرسول ﷺ عددًا من أصحابه بكتابة كل منها على لسانه، بعضها إلى ملوك دول العالم والحكام في وقته، في فارس، والروم، واليمن،

стр. 34

والشام، ومصر، والبحرين، وبعضها إلى قبائل وشخصيات معينة في أنحاء جزيرة العرب وما حولها، وبعضها إلى بعض من عينهم من الولاة على بعض مناطق الجزيرة العربية التي دخلت في الإسلام. وتعد مشتملات هذه الكتب عمومًا من سنته ﷺ القولية، أو الفعلية أو التقريرية في عامة أمور الدين، العقدية والتشريعية وأحكام المعاهدين من غير المسلمين. ونجد ما ذكره الإمام ابن طولون في هذا الكتاب قد جمعه مما هو مُفرَّق في كتب السنة والسيرة النبوية المدونة والتي وقف عليها في عصره، والمتداولة بيننا الآن، وفي مقدمتها صحيحا البخاري ومسلم، وكتب السنن، والمسانيد، وبعضها يرويه المؤلف بسنده إلى أحد المسانيد التي تعد حاليًا مما افتقدت نسخه الخطية للأسف، وهو مسند بقي بن مخلد الأندلسي (١) المتوفى سنة ٢٧٦هـ قال عنه ابن حزم الذي اطلع عليه: ليس لأحد مثله (٢) . ومن يقرأ هذه الكتب النبوية يتضح له من مضمونها، ومناسبة كتابتها، ومَنْ كُتبت لهم أن الكثير منها كان بعد غزوة الحديبية، في أواخر السنة السادسة للهجرة، وخلال السنة السابعة وما بعدها، وهذا يؤيد تأييدًا واقعيًا أن نهيه ﷺ عن كتابة أحاديثه كان متقدمًا، وأن إذنه ﷺ بالكتابة، وكذا أمره بها وجوبًا كان متأخرًا كما في مكاتبة الملوك والحكام، لدعوتهم إلى الإسلام وإبلاغهم مجمل عقائده، وأحكامه. ونكتفي هنا بتقرير الخطيب البغدادي حيث يقول: "ولو لم يكن في

стр. 35

هذا الباب إلا وقوع العلم بما كان رسول الله ﷺ يكتبه من عهود السعاة على الصدقات، وكتابه لعمرو بن حزم لما بعثه إلى اليمن لكفى، إذ فيه الأسوة، وبه القدوة" (١) . وسيأتي في المبحث التالي مصداق ما ذكره الخطيب.

стр. 36

المبحث الخامس: كتابة الصحابة بعضهم إلى بعض أو عن بعض فقد كان لقدوته ﷺ آثارها الفاعلة في صحابته الكرام، فكتب بعضهم إلى بعض بما تلقوه منه ﷺ ، تبليغا أو استدلالا أو تذكيرا، وأيضا كتب بعضهم عن بعض، ولو جمع الآن ما هو متفرق في دواوين السنة من تلك الكتابات، لظهر لنا أن كميته أكثر جدا مما جمع من كُتبه ﷺ التي تقدم ذكرها في المبحث السابق، ولكن يكفينا في الدلالة على ذلك بعض الأمثلة فمن ذلك ما جاء عن القعقاع بن حكيم أن عبد العزيز بن مروان كتب إلى عبد الله بن عمر أن ارفع إليَّ حاجتك، قال: فكتب إليه عبد الله: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ابدأ بمن تعول واليد العليا خير من اليد السفلى" (١) . وكان لعبد الله بن عمر صديق من أهل الشام يكاتبه، فكتب إليه مرة عبد الله بن عمر: أنه بلغني أنك تكلمت في شيء من القدر فإياك أن تكتب إليَّ، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر" (٢) . وعن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي: أنه كان مع عقبة بن فرقد بأذربيجان أو بالشام قال: جاءنا كتاب عمر: أما بعد يا عتبة بن فرقد... الحديث وفيه: كان رسول الله ﷺ نهى عن لبوس الحرير إلا هكذا،

стр. 37

ورفع لنا رسول الله ﷺ إصبعه الوسطى والسبابة وضمهما (١) ، قال زهير: قال عاصم: هذا في الكتاب (٢) . وفي رواية لأحمد: عن أبي عثمان النهدي أيضا، كنا مع عتبة بن فرقد، فكتب إليه عمر بأشياء يحدثه عن النبي ﷺ فكان فيما كتب إليه: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يلبس الحرير في الدنيا إلا من ليس له في الآخرة من شيء، إلا هكذا وقال: بإصبعه السبابة والوسطى" (٣) . ومن ذلك ما أخرجه الحميدي بسند صحيح أن الشعبي قال: كتب معاوية بن أبي سفيان إلى عائشة ﵂ أن اكتبي إليَّ بشيء سمعتيه من رسول الله ﷺ قال فكتبت إليه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه من يعمل بغير طاعة الله يعود حامده من الناس ذامًّا (٤) . وأخرج البخاري في الصحيح من طريق ورَّاد -كاتب المغيرة بن شعبة- قال: أملى عليَّ المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية:"أن النبي ﷺ كان يقول في دُبر كل صلاة مكتوبة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له " الحديث (٥) . ومن هذا يظهر أن تلك المكاتبات شارك فيها الصحابة والصحابيات، ولاسيما عائشة ﵂ أم المؤمنين-.

стр. 38

الخاتمة ... خاتمة في خلاصة نتائج البحث: مما تقدم خلال فقرات هذا البحث نستخلص النتائج التالية: ١- أن نهي الرسول ﷺ عن كتابة السنة عنه ثابت صحيح، ولكنه لا يتعارض مع ما صح أيضا عنه من الإذن بذلك، لأنه أمكن التوفيق بينهما بوجوه متعددة معتدّ بها، ومقنعة لمن كان له قلب واع، والتزام بالحقائق العلمية الثابتة. ٢- أنه ثبت عنه ﷺ الإذن بنوعيه الخاص والعام، وذلك من دلائل عنايته بكتابة السنة عنه في حياته، وتبليغها لمن بعده. ٣- أن حرص الصحابة على طلب الإذن بالكتابة للسنة دليل على عنايتهم بذلك، دون الاقتصار على حفظهم لها في الصدور رغم تمتعهم بالحافظة القوية، وتطبيقهم العملي لها في الليل والنهار. كما أنهم بمجرد الإذن النبوي لهم قاموا بالكتابة كل على قدر طاقته، وكتب بعضهم إلى بعض. كما تنوعت كتابتهم بين جمع عام لما تلقاه الصحابي، وبين تصنيف موضوعي في موضوعات خاصة. ٤- أن كتابات الصحابة، وإن لم يوجد كل منها إلى الآن بصورته التي كتبه عليها الصحابي، إلا أنها قد وجدت متضمنة في ثنايا المصادر الحديثية الأصلية بأسانيدها إلى الصحابة الكرام ﵃ وهي متداولة الآن بيننا. ٥- أن الرسول ﷺ لم تقتصر عنايته بكتابة السنة عنه على الإذن العام والخاص، ولكنه أمر أيضا أمرًا وجوبيا بكتابة الكثير منها.

стр. 39

٦- أن الشبه التي أثيرت قديما وحديثا حول كتابة السنة في عصره ﷺ حال التلقي منه مباشرة أو بالواسطة في عصر صحابته الكرام، كل ذلك مردود على قائله جملة وتفصيلا. والله ولي التوفيق. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 40

مصادر ومراجع ... قائمة مراجع البحث ١- القرآن الكريم ٢- إتحاف المهرة لابن حجر العسقلاني، بتحقيق عبد العظيم البستوي. طبع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة. ٣- الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، بتحقيق شعيب الأرناؤوط. طبع مؤسسة الرسالة. ٤- الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني مع الاستيعاب. طبعة مصورة بدار صادر ببيروت. ٥- إعلام السائلين لابن طولون، بتحقيق محمود الأرناؤوط. طبع مؤسسة الرسالة. ٦- تاريخ ابن عساكر. بتحقيق شكر الله بن نعمة الله قوجاني (ترجمة الزهري) طبع مؤسسة الرسالة. ٧- تاريخ الإسلام للذهبي، بتحقيق عمر عبد السلام تدمري. نشر دار الكتاب العربي. ٨- تحفة الأشراف للمزي، بتحقيق عبد الصمد شرف الدين. طبع المكتب الإسلامي ببيروت. ٩- تذكرة الحفاظ للذهبي، طبع دار الفكر العربي بيروت. ١٠- تهذيب تهذيب الكمال للذهبي (مخطوط) . ١١- تقييد العلم للخطيب البغدادي، بتحقيق يوسف العش. طبع دار إحياء السنة النبوية.
следующие страницы →