← Акыда

Акыда · id 11352

كشف الشبهتين

سليمان بن سحمان

Полный текст (126 стр.). Показаны 106–126 · переход к 111.

стр. 106

أسبق الناس إليه أصحاب رسول الله ﷺ ، وكيف يكون المسباح أمراً مشروعاً محبوباً لله ويفوز بقصب السبق إليه هؤلاء الخلوف ويُحرمه أفاضل الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر أصحابه _ ﵃ _ هذا ما لا يكون أبداً، ومع كونه محدثة في الدين، لم يتخذه ويستعمله من الناس في الغالب إلا أهل الغفلة، والمرائين بأعمالهم، وفساق الناس الذين لا يذكرون الله إلا قليلاً، فإذا جاء أحدهم إلى مجامع الناس أو مساجدهم ومجالسهم أو أسواق المسلمين رأيت المسباح في يده. وقد قال شيخ الإسلام قدس الله روحه بعد كلام له: وإنما مثلهم بمنزلة من يحلي المصحف ولا يقرأ فيه، أو يقرأ فيه ولا يتبعه، وبمنزلة من يزخرف المسجد ولا يصلي فيه، أو يصلي فيه قليلاً، وبمنزلة من يتخذ المسابيح والسجادات المزخرفة، وأمثال هذه الزخارف الظاهرة التي لم تشرع، ويصحبها من الرياء والكبر ومخالفة الشرع ما يفسد حال صاحبها إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى. إذا عرفت هذا وعرفت أن اتخاذه على هذا الوجه ليس من الدين في شيء، وأنه بدعة ورياء محدثة، ومن جوزه من العلماء فإنما قاسه على الحصى ونحوها. وبلا نزاع أن التسبيح بالأصابع وعقدها في كاعة الله هو السنة المحمدية الثابتة من قوله وفعله، وفعل خلفائه وصحابته، وفي هديهم كفاية لكل مقتدي، ولكن شرط من أجازه من

стр. 107

متأخري العلماء بأن يتخذه الإنسان في محل ورده ومصلاه الذي يخلو العبد فيه بربه حيث لا يراه أحد ولا ينظرون إليه، وأما ما يفعله الناس اليوم فحاشا وكلا بل هو إلى الريا والسمعة أقرب منه إلى السنة، وكونه بهذا الوجه بدعة محدثة أوضح من الشمس في رابعة النهار، وإذا كان ذلك كذلك فما وجه الاعتراض والتشنيع على من نهي عنه، وسماه بدعة، بل الذي أجازه مطلقاً قد فتح للناس باباً من الريا والسمعة. ومما يوضح لك ما نقلناه أن العمل إذا كان على غير الوجه المشروع يكون بابَ ضلالة ما رواه الدارمي قال أخبرنا الحكم عن ابن المبارك قال أخبرنا عمرو بن يحيى قال سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كما نجلس على باب ابن مسعود قبل صلاة الغداة١ فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاء أبو موسى فقال: أَخَرَجَ عليك أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا. فجلس معنا فلما خرج قال: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت آنفاً شيئاً في المسجد أنكرته والحمد لله، ولم أر إلا خيراً. قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه. قال: رأيت في المسجد حلق خيرٍ جلوس ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول لهم: كبروا مائة، فيكبرون مائة فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة،.فيقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة. قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئاًَ انتظر رأيك.

стр. 108

فقال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يفوت من حسانتهم من شيء، ثم مضى حتى أتى حلقة منهم فقال: ما هذا؟ قالوا: حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح. قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يفوت من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم هؤلاء أصحاب محمد ﷺ بينكم متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى ملة محمد، أو مفتحوا باب ضلالة؟ قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير. قال: وكم من مريد الخير لن يصبه، إن رسول الله ﷺ حدثنا: "إن قوماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم" وأيم الله لا أدري لعل أكثرهم يكون منكم. قال عمرو بن سلمة: رأيت عامة أولئك يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوراج. وذكر محمد بن وضاح في كتابه ما هو هذا وزيادة كنحو قوله لهم: "لقد ركبتم بدعة ظلماء، أو فضلتم أصحاب محمد علماً". وثم ذكر ابن وضاح أن أبان بن عياش سأل الحسن عن العد بالحصى والنوى فقال: "لم يفعل العد أحد من نساء النبي ﷺ ولا المهاجرات". قال محمد بن وضاح حدثنا أسد عن جرير بن حازم عن الصلت بن بهرام قال مرّ ابن مسعود ﵁ بامرأة معها

стр. 109

تسبيح تسبح به، فقطعه وألقاه، ثم مرّ برجل يسبح بحصى فضربه برجله ثم قال: لقد ركبتم بدعة ظلماء، أو لقد غلبتم أصحاب محمد علماً. اهـ من كتابه. فانظر رحمك الله إلى هذا العمل المشروع المطلوب المحبوب لله المندوب إليه لمّا كان على غير عمل الصحابة، ولم يكونوا يفعلون على عهد رسول الله ﷺ ، ولا فعله أحد من الصحابة بعد وفاته، أنكره علماء الصحابة وأفاضلهم كعبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعري حتى قال عبد الله بن مسعود: "والذين نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، مفتحوا باب ضلالة". فتبين بهذا أن هذا بدعة وضلالة وأنه ليس من هدى الرسول وملته، وهم إنما يعدون التكبير والتهليل والتسبيح بالحصى، وأنهم إنما يتخذونه آلة لحفظ العدد المحصور في الحديث المشهور، فاتبع هؤلاء في الابتداع من كان من سلفهم على عهد الصحابة في استحسان البدع الذين كان آخر أمرهم يطاعنون الصحابة يوم النهروان، والمنكرون لهذا الابتداع اتبعوا سلفهم في إنكار ما هو محدث في الدين، كعبد الله بن مسعود، وأبي موسى، وحذيفة، والحسن البصري ولكل قوم وارث. فإذا علمت أن هذا العمل الصالح لما كان يفعله بعض الناس ظاهراً في المسجد أو المجلس ونحوه، بالحصى أو

стр. 110

المسباح أنه على غير عمل الرسول ﷺ ، وأصحابه كان فاعله مفتتحاً باب ضلاله، وعلى غير ملة محمد ﷺ في العمل، وأن الصحابة ﵃ لم يتخذوا المسابيح لا ظاهراً ولا خفاءً، تبين لك أن هذا العمل محدث. فإن قيل: قد فعل العد بالحصى ونحوه بعض السلف والخلف، ومستندهم حديث سعد بن أبي وقاص أنه ﷺ لم ينكر على المرأة، وإنما دلها على ما هو أفضل وأيسر عليها، وهذا يدل على الجواز. قيل: نعم صدر ذلك عن بعض منهم بوجه الخفاء، والمرأة رجعت لما هو أيسر وأفضل متابعة لما دلّها الرسول ﷺ ، وأما أبو هريرة ﵁ فكان لا يستعمله إلا في داره عند نومه، وتلك حالة لا يشاهده فيها أحد ولا يراه الناس، وفعل الصحابي الواحد ليس بحجة عند أهل الحديث ونحوهم، ومن فعل منهم فإنما يفعله في مصلاه، وكان السلف أحرص الناس على إخفاء العمل كما هو معروف مشهور عنهم. فإذا فهمت هذا علمت أن الذي يفعله الناس على خلاف مذهب من أجازه من العلماء.

стр. 111

فصل وأما ذكره بعد هذا عن شيخ الإسلام من أن جنس المفضول قد يكون أفضل من الفاضل. فأقول: هذا حق لا ريب فيه، لكن إذا كان المفضول مشروعاً وإدخال هذا في مسألة المسباح جهل، وتلبيس، وتكثر بما ليس هو في مشروعيته وكونه فاضلاً أو مفضولاً، فإن من نهى عنه إنما هو لكونه بدعة محدثة في طرف لم يعرفونه منذ أعصار متطاولة، حتى ما دعوتم وألفتم في رسائل، ومن نهى عن مراده سداً للذريعة المفضية إلى الرياء والمشابهة، وعدم فعل السلف له، وأما كونه يسبح الله أو يهلله ويحمده بعقد الأصابع، أو بغير عقدها، ويستعمل هذا الورد وهذا الذكر ويدع قراءة القرآن فهذا يكون المفضول بعد الفجر والعصر أفضل من الفاضل، أو يدع قراءة القرآن، ويتابع المؤذن مثلاً وهكذا في سائر ما مثل به شيخ الإسلام من تقديم المفضول على الفاضل.

стр. 112

فأما كون المسباح المبتدع وإن كان مفضولاً مثلاً أفضل من عقد الأصابع أو التسبيح أو التحميد والتهليل والتكبير من غير عقد أصابع فحاشا وكلا، ولا يدخل تحت كلام الشيخ هذا، ولا يقول هذا عالم، بل هذا من تحسين البدع، وإدخالها في المشروع المطلق بنوع من المشروع المقيد. وأما قوله: "وينبغي للفقيه أن يفرق بين البدعة الشرعية واللغوية". فأقول: البدعة في اللغة كل ما فعل ابتداء من غير مثالٍ سبق. والبدعة الشرعية هي ما لم يدل عليه دليل شرعي، فإذا علمت ذلك فالمسباح ليس هو من البدع اللغوية التي كان لها أصل في الشرع على هذا الوجه الذي يفعله الناس اليوم، بل أنكره ابن مسعود وغيره من الصحابة كما ذكره الدارمي ومحمد ابن وضاح، واتخاذه في اليد بحيث يعلمون به الناس مما لم يكن له أصل في الشرع، ولم يكن ذلك من شعار الصحابة كما ذكره شيخ الإسلام فيكون محدثاً مبتدعاً، ومن ادعى ذلك فعليه الدليل، ولم يكن يفعل العد بالحصى في الخلوات إلا القليل على طريق الاستحسان لا على أنه مشروع، ولو كان فيه فضل لكان أولى الناس به١، أسبقهم إلى كل خير أبو٢ بكر وعمر وعثمان وعلي والصحابة ﵃.

стр. 113

فصل وأما قوله في أول كلامه: "فالقربة كل عمل يرجو عامله من الله الثواب، وترك ما يرجو تاركه على تركه من الله الأجر ويخشى على فعله العقاب". فأقول: هذا لا يسلم على الإطلاق بل كل عمل يتقرب به العبد إلى الله مما هو مشروع على سنة رسول الله ﷺ وما لم يكن كذلك فليس بقربة، ولو أن كل عمل يرجو عامله من الله الثواب يكون قربة لكانت الصلوات الأسبوعية والحولية كصلاة يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة المذكورة في كتاب أبي طالب وأبي حامد وعبد القادر وغيرهم، وكصلاة الألفية التي في أول رجب، والنصف من شعبان، والصلاة الإثنا عشرية التي في أول رجب، والتي في أول تسع وعشرين من رجب، وصلوات١ أخرى تذكر في الأشهر الثلاثة، وصلاة ليلة العيدين، وصلاة يوم عاشوراء، وأمثال ذلك من الأوراد الأسبوعية، ونحوها مما يروى وضعها والعامل

стр. 114

بها يرجو ثواب الله في فعلها أتكون قربة كما قسته؟ ولما كان هذا على خلاف السنة وخلاف المشروع كان بدعة محدثة، وأصل الصلاة مشروع محبوب لله، فتأمل ذلك، ودع بنيات الطريق. وأما استدلاله بحديث: "نعم المذكر السبحة" على المسباح المتخذ من الخرز ونحوه فهذا غلط بالاتفاق، وخطأ على الرسول ﷺ ، فإنه لم يمدح المسباح قط ولا رآه، بل هذا الحديث بعينه عند صاحب مسند الفردوس في سبحة الضحى لا غير، وقد أورده السيوطي في باب مندوبات الصلاة في جمع الجوامع، وكذا أورده في الثبت الشيخ العالم عبد القادر المصري الشهير بالأمير المالكي قال: لم يصح هذا إلا في سبحة الضحى.

стр. 115

فصل ثم ذكر هذا المعترض فصلاً في بيان رفع اليدين للدعاء بعد صلاة المكتوبة، ثم ذكر الأدعية الواردة في ذلك على العموم منها ما هو صحيح ومنها ما هو ضعيف ومنها ما هوي موضوع على مؤلفه. وأما تخصيص رفع اليدين بعد الصلوات المكتوبة فلم يذكر فيه إلا ما ليس بصحيح لا يعتمد عليه في العبادات وجميع الأدعية التي ذكرها في الأحاديث التي أوردها إنما هي في الأدعية العامة، وأما بعد الصلوات فليس فيها إلا ما ذكره عن أنس والحديث الذي ذكره بعده وكلاهما ضعيف. وأما قوله: "لكنه يعمل به في الفضائل إلى آخر ما قال" فقال شيخ الإسلام ﵀ وقول أحمد إذا جاء الترغيب تساهلنا في الإسناد، إنما أراد به إذا كان الأمر مشروعاً، أو منهياً عنه بأصل معتمد، ثم جاء حديث فيه ترغيب في المشروع، أو ترهيب في المنهي لا يعلم أنه كذب، وما فيه من الثواب والعقاب قد يكون حقاً ولو قدر أنه ليس كذلك

стр. 116

فلا بد فيه من ثواب وعقاب وما يرويه مع علمه أنه كذب فمعاذ الله لا يجوز ذلك إلا مع بيان حاله، ولا يستند إليه في تريب ولا غيره، وكذلك لا يجوز أن يثبت به حكم شرعي من ندب أو كراهة أو فضيلة، ولا عمل مقدر في وقت معين بحديث لم يعلم حاله أنه ثابت، فلا بد من دليل ثابت في الحكم الشرعي وإلا كان قولاً على الله بغير علم عياذاً بالله، انتهى. فهذا الحديث الذي ذكره عن أنس وما بعده في وقت معين، ولا نعلم حاله أنه ثابت فالاعتماد عليه قول على الله بغير علم. قال ابن مفلح في الآداب: قال أحمد بن الحسن الترمذي: سمعت أبا عبد الله فذكر أحاديثاً. ثم قال: وقال أيضاً: من شر الحديث الغرائب التي لا يعمل بها، ولا يعتمد عليها. وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون غريب الحديث، ذكره الخلال. وقال ابن المبارك: لنا في صحيح الحديث شغل عن سقيمه. وقال ابن مهدي: لا ينبغي للرجل أن يشغل نفسه بكتابة الحديث الضعيف فأقل ما في ذلك أن يفوته من الصحيح بقدره، انتهى.

стр. 117

ثم قال المعترض: "وقال ابن القيم رحمه الله تعالى:- فصل وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة أو المأمومين فلم يكون ذلك من هديه ﷺ أصلا، ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن" ثم قال المعترض إلى آخر ما قال وأسقط من كلام ابن القيم ﵀ قوله: "وأما تخصيص ذلك بصلاتي الفجر والعصر فلم يفعل ذلك هو، ولا أحد من خلفائه، ولا أرشد إليه أمته، وإنما هو استحسان رآه١ من رآه١ عوضاً من السنة بعدهما والله أعلم". فلا أدري ما الحامل له على حذف هذا الكلام، وأظن ذلك أنه لما وقع بينه وبين من أنكر عليه رفع اليدين بعد الصلاة المكتوبة أن ذلك كان بعد صلاة الفجر والعصر فلذلك أسقط هذا الكلام، أو لأن الحديث الذي أورده برفع اليدين بعد صلاة الفجر كما ذكره عن الحافظ أبي بكر بن أبي شيبة٢ في مصنفه مما لا يصح رفعه، ولا يثبت كما نفاه ابن القيم ﵀. ثم ذكر كلام ابن القيم ﵀ ولم ينسبه إليه بل أبهم فقال: وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر بها فيها وهذا هو اللائق بحال المصلي، فإنه مقبل على ربه يناجيه ما دام في الصلاة، فإذا سلم منها انقطعت تلك

стр. 118

المناجاة، وزال ذلك الموقف بين يديه، والقرب منه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته، والقرب منه، والإقبال عليه، ثم يسأل إذا انصرف عنه، ولا ريب أن عكس هذا الحال هو الأولى بالمصلي، إلا أن ههنا نكتة لطيفة وهو أن المصلي إذا فرغ من صلاته وذكر الله وهلله وسبحه وحمده، وكبره بالأذكار المشروعة عقيب الصلاة، استحب له أن يصلي على النبي ﷺ بعد ذلك ويدعو بما شاء، ويكون دعاؤه١ عقب هذه العبادة الثانية لا لكونه دبر الصلاة فإن كل من ذكر الله وحمده، وأثنى عليه، وصلى على رسوله ﷺ استحب له الدعاء عقب ذلك كما في حديث فضالة بن عبيد "إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله، والثناء عليه، ويصلي على النبي ﷺ ، ثم ليدع بما شاء".قال الترمذي حديث صحيح. والجواب أن نقول ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى حق وصواب، ولكن الشأن كل الشأن في فهم كلامه ووضعه في موضعه، ومن تأمل كلام ابن القيم رحمه الله تعالى علم أن كلامه قطعاً إنما هو جائز أحياناً على الانفراد من غير رفع اليدين، وأما بعد المكتوبة فقد ذكر أنه لم يكن ذلك من هديه أصلاً، ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن، وأن من خص ذلك بصلاتي الفجر والعصر فإنما هو استحسان ورأي رآه من أتباع الأئمة، ولا مستند له في ذلك، وإنما يجوز ذلك في

стр. 119

الصلوات المكتوبة فيها، وبعدها أحياناً بعد الذكر المشروع، وأما المداومة على ذلك فليس بمشروع بل مكروه كما سيأتي كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، فالتمويه بأن ابن القيم أجاز ذلك بعد الصلوات المكتوبة من غير تفصيل لبسٌ للحق بالباطل. وتوضيح ما ذكرناه قول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى لما سئل عما يفعله الناس بعد الصلوات الخمس. فقال: الجواب الحمد لله، لم يكن النبي ﷺ يدعو هو، ولا المأمون عقيب الصلوات الخمس كما يفعله الناس عقيب الفجر والعصر، ولا نقل ذلك عنه أحد، ولا استحب ذلك أحد من الأئمة، ومن نقل عن الشافعي أنه استحب ذلك فقد غلظ عليه، ولفظه الموجود في كتبه ينافي ذلك، لكن طائفة من أصحاب أحمد، وأبي حنيفة، وغيرهما استحبوا الدعاء بعد الفجر والعصر قالوا: لأن هاتين الصلاتين لا صلاة بعدهما فتعوض بالدعاء عن الصلاة، واستحب طائفة من أصحاب الشافعي، وغيره الدعاء عقيب الصلوات الخمس، وكلهم متفقون على أن من ترك الدعاء لم ينكر عليه، ومن أنكر عليه فهو مخطئ باتفاق العلماء، فإن هذا ليس مأموراً به لا أمر إيجاب، ولا أمر استحباب في هذا الموطن، بل الفاعل أحق بالإنكار، فإن المداومة على ما لم يكن النبي ﷺ يداوم عليه في الصلوات الخمس ليس مشروعاً، بل مكروه، كما لو داوم

стр. 120

على الدعاء عقب الدخول في الصلوات، أو داوم على القنوت في الركعة الأولى في الصلوات الخمس، أو داوم على الجهر بالاستفتاح في كل صلاة، ونحو ذلك، فإنه مكروه، وإذا كان القنوت في الصلوات الخمس قد فعله النبي ﷺ أحياناً، وكان عمر بن الخطاب يجهر بالاستفتاح أحياناً، وجهر رجل خلف النبي ﷺ بنحو ذلك فأقره عليه، فليس كلما شرع فعله أحياناً تشرع المدوامة عليه، ولو دعا الإمام والمأموم أحياناً عقيب الصلاة لأمر عارض لم يعدّ هذا مخالفة للسنة، كالذي يداوم على ذلك، والأحاديث الصحيحة تدل على أن النبي ﷺ كان يدعو دبر الصلاة قبل السلام، ويأمر بذلك كما قد بسطنا الكلام على ذلك، وذكرنا ما في ذلك من الأحاديث، وما يظن أن فيه حجة للمنازل في غير هذا الموضع، وذلك لأن الداعي يناجي ربه، فإذا انصرف مُسَلَماً انصرف عن مناجاته، ومعلوم أن سؤال السائل لربه حال مناجاته هو الذي يناسب دون سؤاله بعد انصرافه، كما أن من يخاطب ملكاً أو غيره فإن سؤاله له وهو مقبل على مخاطبته أولى من سؤاله بعد انصرافه عنه، انتهى. فتبين من كلام شيخ الإسلام أن هذا في الصلوات الخمس، وأن فعل ذلك أحياناً عقيب الصلاة لأمر عارض لا يعد فاعله مخالفاً للسنة، فأما المداومة على ذلك، أو لغير عارض فهو مكروه، وهو أحق بالإنكار لأن رسول الله ﷺ لم

стр. 121

يكن فاعل ذلك إلا لعارض، ولم يكن يداوم على ذلك، فكلام شيخ الإسلام يفسر الأخير من كلام ابن القيم، ويزيل الإشكال عمن لا تمييز عند بمدارك الأحكام، فيستدل فيما هو مشروع في العموم بالتنصيص على موطن لم يكن يفعل ذلك رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه، ولا نقل جوازه عن أحد من الأئمة. بقي مسألة وهي: ما إذا فعل الإنسان ذلك أحياناً لعارض هل يرفع يديه بالدعاء في الموطن أو لا؟ والصحيح أنه في هذا الموطن لا يرفع يديه، فإن الأحاديث التي وردت بالأدعية دبر الصلاة سواء كان ذلك قبل التشهد، أو بعد السلام بعد الأذكار المشروعة لم يذكر فيها رفع اليدين لا بلفظ الأمر ولا بحكاية الفعل، وإنما ذلك في الأدعية العامة، فأما في هذا الموطن فلم ينقل ذلك عن الرسول ﷺ ، ولا عن أصحابه، والذي اختاره شيخ الإسلام أن عامة الأدعية المأثورة كانت قبل السلام: ولا يجوز أن تشرع سنة بلفظ مجمل يخالف السنة المتواترة، أو بحديث ضعيف، أو مكذوب بالألفاظ١ الصريحة والله أعلم.

стр. 122

فصل وأما جلسة الاستراحة فقال ابن القيم ﵀ في زاد المعاد: فصل ثم كان ﷺ ينهض على صدور قدميه وركبتيه معتمداً على فخذيه، كما ذكر عنه وائل وأبو هريرة، ولا يعتمد على الأرض بيديه، وقد ذكر عنه مالك بن الحويرث أنه كان لا ينهض حتى يستوي جالساً، وهذه هي التي تسمى جلسة الاستراحة. واختلف الفقهاء فيها هل هي من سنن الصلاة، فيستحب لكل أحد أن يفعلها، أو ليست من السنن، وإنما يفعلها من احتاج إليها؟ على قولين هما روايتان عن أحمد ﵀ قال الخلال رجع أحمد إلى حديث مالك بن الحويرث في جلسة الاستراحة، وقال أخبرني يوسف بن موسى أن أبا أمامة سئل عن النهوض فقال على صدور القدمين على حديث رفاعة، وفي حديث ابن عجلان ما يدل على أنه كان ينهض على صدور قدميه، وقد روي عن عدة من أصحاب النبي ﷺ ، وسائر من وصف صلاته ﷺ لم يذكر هذه الجلسة، وإنما

стр. 123

ذكرت في حديث أبي حميد، ومالك بن الحويرث، ولو كان هديه ﷺ فعلها دائماً لذكرها كل واصف لصلاته ﷺ ، ومجرد فعله ﷺ لها لا يدل على أنها من سنن الصلاة، إلا إذا علم أنه فعلها سنة يقتدى به فيها، وأما إذا قُدِّر أنه فعلها للحاجة لم يدل على كونها سنة من سنن الصلاة، فهذا من تحقيق المناط في هذه المسألة، انتهى. وقال في كتاب الصلاة: ولا ريب أنه ﷺ فعلها، ولكن هل فعلها على أنها من سنن الصلاة وهيئاتها كالتجافي وغيره، أو لحاجة لمّا أسن وأخذه اللحم؟ وهذا الثاني أظهر لوجهين: أحدهما: أن فيه جمعاً بينه وبين حديث وائل بن حجر، وأبي هريرة أنه كان ينهض على صدور قدميه. الثاني أن الصحابة الذين كانوا أحرص الناس على مشاهدة أفعاله وهيئات صلاته، كانوا ينهضون على صدور أقدامهم، فكان عبد الله بن مسعود يقوم على صدور قدميه في الصلاة ولا يجلس. رواه البيهقي عنه، انتهى. فتأمل رحمك الله قوله: وقد روي عن عدة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وسائر من وصف صلاته ﷺ لم يذكر هذه الجلسة، وإنما ذكرت في حديث أبي حميد ومالك بن الحويرث، ولو كان هديه ﷺ فعلها دائماً لذكرها كل واصف

стр. 124

لصلاته ﷺ ، ومجرد فعلها لا يدل على أنها من سنن الصلاة إلى آخره. وكذلك ما ذكره في كتاب الصلاة من أنه ﷺ إنما فعلها للحاجة لما أسن وأخذه اللحم بوجهين أظهرهما هذا، ولأن فيه جمعاً بين حديث وائل وحديث أبي هريرة، فإذا عرفت ذلك فمن فعلها للحاجة فلا إنكار عليه، ومن لم يفعلها فقد عمل بالسنة فيكون من فعلها للحاجة فقد فعل سنة مشروعة للمحتاج، ومن قوي على تركها ولم يحتج إليها فالمسنون في حقه أن ينهض على صدور قدميه، ولا يجلس جلسة الاستراحة والله أعلم.

стр. 125

فصل ثم ذكر المعترض فصلاً في زيارة القبور وما ذكره في هذا الفصل حق لا شك فيه ولا مرية، ولكن بلغنا أن الناس في تلك الأماكن إذا فرغوا من صلاتي العيدين نهضوا من مصلاهم إلى المقبرة يزورون أهل المقابر، وأن بعض الإخوان أنكر عليهم ذلك، وأنهم عارضوه بهذه الأحاديث في استحباب زيارة القبور، فإن كان ما نقل إلينا حقاً وهم يحضون الناس على اتباع السنة والمحافظة وترك آراء الرجال، فيأتونا على ذلك حديثاً عن المعصوم ﷺ صحيحاً أو حسناً أو ضعيفاً أنه كان ﷺ أو أحد من أصحابه إذا انصرف من صلاتي العيدين يمضي إلى المقابر فيزورهم، ويسلم عليهم، ويدعو لهم، فيكون هذا سنة عائدة بعود السنة في كل عام، وإن لم يكن معهم دليل إلا هذه الأحاديث التي في عامة استحباب الزيارة فالاستدلال بها كاستدلال من يَلْبس من الرجال ما حرم الله عليه من الذهب، والحرير، وأكل ما حرم عليه بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] ، فتخصيص زيارتها بعد صلاتي العيدين يحتاج

стр. 126

إلى دليل، ولو كان ذلك مستحباً أو مندوباً إليه لو توفرت الهمم والدواعي على نقله، ولكان أسبق الناس إليه أصحاب رسول الله ﷺ ، وقد نهى ﷺ في أول الأمر عن زيارة القبور، فلما استقر الإسلام في قلوبهم، وأمن المحذور قال ﷺ : "إني قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجراً" وفي حديث آخر "فزوروها فإنها تزهد في الدنيا، وتذكر الآخرة" فإذا تقرر هذا فتخصيص زيارتها بيوم من السنَة معلوم مما لم يشرعه الله ورسوله، فيكون بدعة محدثة في الإسلام. والله أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه تسليما كثيراً إلى يوم الدين.