← Акыда

Акыда · id 11352

كشف الشبهتين

سليمان بن سحمان

Полный текст (126 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ما عليه أسلافهم الماضين من الملاحدة والمشركين، حكم أحد هؤلاء القلندرية، ومن حذى حذوهم، ممن لم تبلغه الدعوة، ولم تقم عليه الحجة، وقد أجاب على هذه الشبهة شيخنا الشيخ عبد اللطيف رحمه الله تعالى، ثم اعلم أن لكل قوم وارث. واعرف مواردهم تعرف مصادرهم ... وخذ قياسك تعليلاً وتشبيهاً قال الشيخ ﵀: والجواب أن يقال: هذا العراقي يتكثر بما ليس له ويخرج عن محل النزاع، ويوهم الجهال أنه قد أفاد وأجاد، وهو في ظلمات لا تنقشع ولا تكاد، وهذا الكلام الذي حكاه عن الشيخ صريح في تكفير من خرج عن الهدى، ودين الحق الذي بعث الله به رسوله، أو لا يقر بجميع ما أخبر الله به على لسان رسوله، أو لا يوجب ما أوجبه الله ورسوله، أو لا يحرم ما حرمه الله ورسوله، أو كان يدين١ بدين يخالف ما بعث الله به رسوله ﷺ ظاهراً أو باطناً مثل أن يعتقد أن شيخه يرزقه أو ينصره أو يهديه أو يعينه، أو كان يعبد شيخه، أو يسجد له، أو يفضله على النبي ﷺ تفضيلاً مطلقاً أو مقيداً، أو كان يرى أنه هو أو شيخه مستغن عن متابعة الرسول ﷺ ، قال: فكل هؤلاء كفار إن أظهروا، منافقون إن أبطنوا.

стр. 72

فجزم بكفرهم، وقرره، وهذا عين كلامنا، ولم نزد على الشيخ حرفاً واحداً، بل كلامه أبلغ، ويدخل تحته من التكفير بالجزئيات ما هو دون مسألة النزاع بكثير. وأما قوله: "وإن كانوا قد كثروا في هذه الأزمنة، فلقلة دعاة العلم، وفتور آثار الرسالة في أكثر البلدان، وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة، وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى، وكثير منهم لم يبلغه ذلك وفي أوقات الفترات. وأمكنة الفترات يثاب الرجل على ما معه من العلم، ويغفر له ما لم تقم الحجة عليه ما لا يغفر لمن قامت عليه الحجة، إلى آخر كلامه". فهذا هو الذي تمسك به العراقي أعني هذا الكلام الأخير فظن أنه له لا عليه، وهذا غلط ظاهر، وجهل مستبين، فإن النزاع فيمن قامت عليه الحجة، وعرف التوحيد، ثم تبين في عداوته١ ومسبته ورده، كما فعل هذا العراقي، أو أعرض عنه فلم يرفع به رأساً كحال جمهور عباد القبور، أو لم يعلم لكن تمكن من العلم ومعرفة الهدى فأخلد إلى الأرض واتبع هواه، ولم يلتفت إلى ما جاءت به الرسل ولا اهتم به. وكان شيخنا محمد بن عبد الوهاب يقرر في مجالسه ورسائله أنه لا يكفر إلا من قامت الحجة الرسالية، ومن

стр. 73

عرف دين الرسول بعد معرفته تبين في عداوته ومسبته، وتارة يقول: وإن كنا لا نكفر من يعبد قبة الكوافر، ونحوه لعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يهاجر إلينا. ويقول في بعضها: وأما من أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فلا أدري ما حاله. وإذا كان هذا شيخنا – ﵀، وهذه طريقته، فكيف يلزمه العراقي، وينسب إليه التكفير بالعموم، ويحتج عليه بقول الشيخ: إن أهل الفترات، ومن لم تبلغهم الدعوة ليغفر لهم ما لا يغفر لغيرهم، والعراقي لبّس الحق بالباطل، وافترى على الشيخ، ونسب إليه ما ليس من مذهبه، وما لم يقل وألزمه ما هو بريء منه، انتهى. والمقصود أن هؤلاء أوردوا كلام الشيخ ابن تيمية ﵀ في القلندرية، وأشباههم الذين ليس عندهم من آثار الرسالة، وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى، وكثير منهم لم يبلغهم ذلك، كما أورد ذلك داود وشبّه به، فما أشبه الليلة بالبارحة. والإخوان من طلبة العلم في عُمان إنما كلامهم في الجهمية، وعباد القبور، وفي الإباضية، وهؤلاء بين أظهر المسلمين، وفي أوطانهم، ويتظاهرون بالإسلام، ويناظرون على مذاهبهم، ويجادلون أهل الإسلام فقد قامت عليهم الحجة، وبلغتهم الدعوة، ولم يكونوا في أماكن بعيدة عن

стр. 74

أماكن أهل الإسلام، ولا في أوقات فترات، ولا نشؤوا١ ببادية بعيدة عن أهل الإسلام، وعندهم من آثار النبوة، وكتب الحديث ما لا يمكن جحده، ومع ذلك كله قاموا في عداوة الدين، وأهله، ولم يرفعوا بهذا الدين رأساً ولم يلتفتوا إلى ما كان عليه أهل السنة والجماعة، بل كابروا، وعاندوا، وأصروا على مذاهبهم، واعتقاداتهم الخبيثة، وأخلدوا إلى الأرض، واتبعوا أهواءهم٢. وقد قال شيخ الإسلام ﵀ في جواب له: فمسألة تكفير أهل الأهواء والبدع متفرعة على هذا الأصل، ثم ذكر مذاهب الأئمة في ذلك، وذكر تكفير الإمام أحمد للجهمية، وذكر كلام السلف في تكفيرهم، وإخراجهم من الثلاث والسبعين فرقة، وغلّظ القول فيهم، وذكر الروايتين في تكفير من لم يكفرهم، وذكر أن أصول هذه الفرق هم الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية، ثم أطال الكلام في عدم تكفير هذه الأصناف، واحتج بحديث أبي هريرة قال: وإذا كان كذلك فالمخطئ في بعض المسائل إما أن يلحق بالكفار من المشركين وأهل الكتاب مع مباينته لهم في عامة أصول الإيمان، فإن الإيمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، وتحريم المحرمات الظاهرة هو من أعظم أصول الإيمان،

стр. 75

وقواعد الدين، وإذا كان لابد من إلحاقه – أي المخطئ – بأحد الصنفين، فإلحاقه بالمؤمنين المخطئين أشد شبهاً١ من إلحاقه بالمشركين وأهل الكتاب، مع العلم بأن كثيراً ما يوجد في الرافضة والجهمية ونحوهم زنادقة منافقون، وأولئك في الدرك الأسفل من النار. فتبين بهذا مراد الشيخ، وأن كلامه في طوائف مخصوصة وأن الجهمية غير داخلين فيه، وكذلك المشركون، وأهل الكتاب لم يدخلوا في هذه القاعدة، فإنه منع إلحاق المخطئ بهذه الأصناف، مع مباينته لهم في عامة أصول الإيمان. قال شيخنا ﵀: وهذا هو قولنا بعينه، فإنه إذا بقيت معه أصول الإيمان، ولم يقع منه شرك أكبر، وإنما وقع في نوع من البدع فهذا لا نكفره، ولا نخرجه من الملة، وهذا البيان ينفعك فيما يأتي من التشبيه بأن الشيخ لا يكفر المخطئ والمجتهد، وأنه مسائل مخصوصة. وبين أن الإيمان يزول بزوال أركانه وقواعده الكبار، كالحج يفسد بترك أركانه، وهذا عين قولنا، بل هو أبلغ من مسألة٢ النزاع.

стр. 76

قال: وحديث الرجل الذي أمر أهله بتحريقه كان موحداً، ليس من أهل الشرك، فقد ثبت من طريق أبي كامل عن حماد عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة "لم يعمل خيراً قط إلا التوحيد "فبطل الاحتجاج به على مسألة١ النزاع. وأما الخطأ في الفروع والمسائل الاجتهادية إذا اتقى المجتهد ما استطاع فلم نقل بتكفير أحد بذلك ولا بتأثيمه، والمسألة١ ليست من محل النزاع فإيراد العراقي لها هنا تكثراً بما ليس له، وتكبيراً لحجم الكتاب بما ليس يغني عنه فتيلاً. قلت: وإيراد المعترض لكلام شيخ الإسلام ليس هو في محل النزاع أيضاًَ، فإن الإخوان لم ينازعوا في هذه المسائل ولم يكفروا بها أحداً حتى يستدل عليهم بكلام شيخ الإسلام، لأن كلام الشيخ إنما هو في مسائل مخصوصة، وفيما قد يخفى دليله في المسائل النظرية الخفية الاجتهادية، كما سنبينه إن شاء الله٢ تعالى. وأما جحد علو الله على خلقه، واستوائه على رعشه بذاته المقدسة على ما يليق بجلاله وعظمته، وأنه مباين لمخلوقاته، وكذلك نفي صفات كماله، ونعوت جلاله فهذا لا يشك مسلم في كفر من نفى ذلك، لأنه من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام، ومما فطر الله عليه جميع خلقه إلا من اجتالته

стр. 77

الشياطين عن فطرته، وأدلة ذلك من الكتاب والسنة معلومة مشهورة مقررة لا يخفى ذلك إلا على من أخلد إلى الأرض وابتع هواه، وأضله الله على علم، وختم على قلبه وسمعه، وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله. ثم قال الشيخ: وهل أوقع الاتحادية والحلولية فيما هم عليه من الكفر البواح، والشرك العظيم، والتعطيل لحقيقة وجود رب العالمين إلا خطأهم١ في هذه الباب الذي اجتهدوا فيه فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل، وهل قَتل الحلاج باتفاق أهل الفتوى على قتله إلا بضلال اجتهاده، وهل كفر القرامطة، وانتحلوا ما انتحلوه من الفضائح الشنيعة، وخلع ربقة الشريعة إلا اجتهادهم فيما زعموا، وهل قالت الرافضة ما قالت، واستباحت ما استباحت من الكفر والشرك وعبادة الأئمة الإثني عشر وغيرهم، ومسبة أصحاب رسول الله ﷺ ، وأم المؤمنين إلا باجتهادهم فيما زعموا هؤلاء، هؤلاء سلف العراقي في قوله: إن كل خطأ مغفور، وهذا لازم لهم لا محيص عنه، فقف هنا واستصحب ما ذكر هنا في رد ما يأتي. والمقصود أن هؤلاء الجهال أوردوا كلام شيخ الإسلام ظناً منهم أن كل اجتهاد وكل خطأ٢ مغفور، وأن الجهمية المنكرين لعلوا الله على خلقه، وعباد القبور المتخذين الأنداد

стр. 78

والآلهة من دونه داخلون في هذا الكلام، وأنه مغفور لهم خطؤهم١.سبحانك هذا بهتان عظيم. واعلم أن هذا المعترض قد حذف من كلام شيخ الإسلام أوله فقال: فائدة منقولة من كلام شيخ الإسلام ﵀ في جواب له في الطائفة القدرية، وكلام شيخ الإسلام ليس في الطائفة القدرية بل في القلندرية، فلم يفرق الناقل بين اللفظين، والطائفتين فإن مذهب هؤلاء غير مذهب هؤلاء. والكلام المحذوف من جواب شيخ الإسلام هو قوله: "وأما قول هؤلاء القلندرية المحلقين اللحى فمن أهل الضلالة، وأكثرهم كافر بالله ورسوله لا يرون وجوب الصلاة، ولا الصيام، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق، بل كثير منهم أكفر من اليهود والنصارى، وليسوا من أهل الملة، ولا من أهل السنة، وقد يكون فيه من هو مسلم لكنه مبتدع ضال، أو فاجر فاسق إلى أن قال: تجب عقوبة جميعهم ومنعهم من هذا الشعار الملعون، كما يجب ذلك في كل معلن ببدعة وفجور، وليس ذلك مختصاً بهم، بل كان من كان من المتفقهة والمتعبدة والمتكلمة "، فانظر ماذا أراد بحذف هذا، وما ملخصه فيه فإن من كان من المتنسكة والمتفقهة إلى آخر كلامه ليسوا من الطائفة القلندرية.

стр. 79

فصل ثم نقل نقلاً آخر فقال: قال ﵀ في موضع آخر بعد كلام ذكره: وحقيقة الأمر في ذلك أن القول يكون كفراً فيطلق القول بتكفير صاحبه، ويقال من قال هذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قال لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، فهذا كما في نصوص الوعيد أن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء:١٠] .فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق، لكن الشخص المعين لا يشهد عليه بالوعيد، يعني لا يقال هذا من أهل النار، فلا يشهد لمعين من أهل القبلة بالنار لجواز أن لا يلحقه لفوات شرط، أو ثبوت مانع، فقد لا يكون التحريم بلغه، وقد يتوب من فعل المحرم، وقد يكون له حسنات عظيمة تمحو عقوبة ذلك المحرم، وقد يبتلى بمصائب تكفر عنه، وقد يشفع فيه شفيع مطاع، وكذلك الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد يكون بلغه ولم

стр. 80

يثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهداً في طلب الحق فإن الله تعالى يغفر له خطأه١ كائناً من كان، سواء كان في المسائل النظرية والعملية، هذا الذي عليه أصحاب محمد ﷺ وجماهير أئمة المسلمين من أهل السنة، انتهى كلام شيخ الإسلام باختصار. والجواب أن يقال أما كلام شيخ الإسلام في عدم تكفير المعين فالمقصود به في مسائل مخصوصة قي يخفى دليلها على بعض الناس كما في مسائل القدر والإرجاء ونحو ذلك مما قاله أهل الأهواء، فإن بعض أقوالهم تتضمن أموراً كفرية من أدلة الكتاب والسنة المتواترة، فيكون القول المتضمن لرد بعض النصوص كفراً، ولا يحكم على قائله بالكفر لاحتمال وجود مانع كالجهل، وعدم العلم بنفس النص، أو بدلالته فإن الشرائع لا تلزم إلا بعد بلوغها، ولذلك ذكر هذا في الكلام على بدع أهل الأهواء، وقد نص على هذا فقال في تكفير أناس من أعيان المتكلمين بعد أن قرر هذه المسألة٢ قال: وهذا إذا كان في المسائل الخفية فقد يقال بعدم التكفير، وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية، أو ما يعلم من الدين بالضرورة فهذا لا يتوقف في كفر قائله.

стр. 81

وبهذا تعلم غلظ هؤلاء المشبهين بكلام شيخ الإسلام، وجهلهم، وعدم معرفتهم، ولبسهم الحق بالباطل لدى العامة أو شبيهاً بالعامة، فإن هاتين البلدتين قد بلغتهم الحجة، والحجة القرآن والحديث وعقائد الأئمة الأربعة، وناظروهم مرات عديدة علماؤنا١ ولم يزدادوا إلا تمرداً وعناداً، إلى الإصرار على التجهم، ودعوة غير الله، والذبح لغير الله كما هو مشهور منهم من أعوام متطاولة. قال شيخنا الشيخ عبد اللطيف ﵀ في رده شبهات داود ابن جرجيس: والجواب أن شيخنا ﵀ قال في مثل هذه الشبه التي يوردها المبطلون من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية: إن من تأمل كلامه ﵀ وجده يصله بما يفصل النزاع ويبين المراد، وقد بين في هذا النقل بياناً يقطع النزاع بقوله: إلا إذا علم أنه قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة، وفاسقاً أخرى. وهذا البيان كاف فإن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ لا يكفر أحداً قبل قيام الحجة، وهذا يأتي على جميع ما ساقه العراقي بالرد والدفع، فسياق هذه العبارات المتحدة المعاني والتشبيه بها وكثرة عددها مجرد تخيل وهوس. قلت تأمل رحمك الله أيها المصنف ما قاله الشيخ ﵀ أن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى

стр. 82

قال في إدخال هذه الشبهة التي يوردها المبطلون من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية إلى آخره: إن من شبه بها كان مبطلاً، لأنه ما عرف كلام شيخ الإسلام حيث وضعه في غير موضعه، وشيخ الإسلام قد وصله بما يفصل النزاع، ثم تأمل ما يأتي بعد هذا من كلام تلميذه ابن القيم ﵀. قال الشيخ: وقال في موضع آخر: قال ابن القيم ﵀ في طبقات المكلفين بعد أن ذكر الطبقة السادسة عشر وأطال الكلام فيها، ثم ذكر الطبقة السابعة عشر فقال: الطبقة السابعة عشر طبقة المقلدين، وجهال الكفرة، وأتباعهم، وحميرهم الذين معهم تبع ما يقولون إنا وجدنا آباءنا١ على أمة، ولنا أسوة بهم، ومع هذا فهم مسالمون لأهل الإسلام غير محاربين لهم كنساء المحاربين وخدمهم وأتباعهم الذين لم ينصبوا أنفسهم لما نصب له أولئك أنفسهم من السعي في إطفاء نور الله وعدم دينه، وإخماد كلماته، بل هم بمنزلة الدواب، وقد اتفقت الأمة على أن هذه الطبقة كفار، وإن كانوا جهالاً مقلدين لرؤسائهم وأئمتهم، إلا ما يحكى عن بعض أهل البدع أنه لم يحكم لهؤلاء بالنار، وجعلهم بمنزلة من لم تبلغه الدعوة، وهذا مذهب لم يقل به أحد من أئمة المسلمين ولا الصحابة، ولا التابعون، ولا من بعدهم، وإنما يعرف عن بعض أهل الكلام المحدث في الإسلام. إلى أن قال:

стр. 83

والإسلام هو توحيد الله، وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان برسوله، وإتباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وإن لم يكن كافراً معانداً، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفاراً، فإن الكافر من جحد توحيد الله تعالى، وكذب رسوله إما عناداً، وإما جهلاً وتقليداً لأهل العناد، فهذا وإن كان غايته أنه غير معاند فهو متبع لأهل العناد، وقد أخبر الله تعالى في القرآن في غير موضع بعذاب المقلدين لأسلافهم من الكفار وأن الأتباع مع متبوعيهم، فإنهم يتحاجون في النار، وإن الأتباع يقولون: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ﴾ [لأعراف: ٣٨] . وذكر آيات نحو هذه ثم قال: نعم لا بد في هذا المقام من تفصيل به يزول الإشكال، وهو الفرق بين مقلد تمكن من العلم، ومعرفة الحق فأعرض عنه، ومقلد ل يتمكن من ذلك، والقسمان واقعان في الوجود، فالمتمكن المعرض تارك للواجب عليه لا عذر له عند الله، وأما العاجز عن السؤال والعلم الذي لا يتمكن من العلم بوجه فهم قسمان: - أحدهما: مريد للهدى، مؤثر له، محب له، غير قادر عليه، ولا على طلبه لعدم مرشد، فهذا حكمه أرباب الفترات، ومن لم تبلغه الدعوة.

стр. 84

الثاني: معرض لا إرادة له، ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه. فالأول يقول: يا رب لو أعلم لك ديناً خيراً مما أنا عليه لدنت به، وتركت ما أنا عليه، ولكن لا أعرف سوى ما أنا عليه، ولا أقدر على غيره فهو غاية جهدي، ونهاية معرفتي. والثاني راض بما هو عليه لا يؤثر غيره، ولا تطلب نفسه سواه، ولا فرق عنده بين حال عجزه وقدرته، وكلاهما عاجز، ولهذا لا يجب أن يلحق بالأول لما بينهما من الفرق. فالأول كم طلب الدين في الفترة فلم يظفر به فعدل عنه بعد استغراقه الوسع في طلبه عجزاً أو جهلاً. والثاني كمن لم يطلبه، بل مات على شركه وإن كان لو طلبه لعجز عنه، ففرق بين عجز الطالب، وعجز المعرض فتأمل هذا الموضوع والله يقضي بين عباده يوم القيامة بعدله وحكمته، ولا يعذب إلا من قامت عليه الحجة بالرسل، فهذا مقطوع به في جملة الخلق، وأما كون زيد بعينه وعمرو قامت عليهما الحجة أم لا فذلك مما لا يمكن الدخول بين الله وعباده فيه، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله سبحانه لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول، هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى علم الله تعالى، وحكم هذا في أحكام الثواب والعقاب،

стр. 85

وأما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر، فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم١. وبهذا التفصيل يزول الإشكال في المسألة٢ وهو مبني على أربعة أصول: أحدها: أن الله سبحانه لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥] وقال: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك: ٩:٨] وقال: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١١] وقال: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام:١٣٠] وهذا كثيرا في القرآن يخبر تعالى أنه إنما يعذب من جاءه الرسول أو قامت عليه الحجة، وهو المذنب الذي يعترف بذنبه، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف:٧٦] والظالم من عرف ما جاء به الرسول، أو تمكن

стр. 86

من معرفته ثم خالفه، وأعرض عنه، وأما من لم يكن عنده الرسول خبر أصلاً، ولا تمكن من معرفته بوجه، وعجز عن ذلك فكيف يقال إن ظالم. الأصل الثاني: أن العذاب يُسْتَحَقّ بشيئين: أحدهما الإعراض عن الحجة وعدم إرادته لها وبموجبها. الثاني العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها. فالأول كفر إعراض، والثاني كفر عناد، وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا هو الذي نفى الله التعذيب عليه، حتى تقوم حجته بالرسل. الأصل الثالث: أن تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان، وفي بقعة وناحية دون أخرى، كما أنها تقوم على شخص دون آخر، إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير والمجنون، وإما لعدم فهمه لكونه لا يفهم الخطاب ولم يحضر ترجمان يترجم له فهذا بمنزلة الأصم الذي لا يسمع شيئاً، ولا يتمكن من التفهم وهو أحد الأربعة الذين يدلون على الله بالحجة يوم القيامة كما تقدم في حديث الأسود وأبي هريرة وغيرهما. الأصل الرابع: أن أفعال الله سبحانه تابعة لحكمته التي لا يخل بها، وأنها مقصودة لذاتها المحمودة، وعواقبها الحميدة، تبنى مع تلقي أحكامها من نصوص الكتاب والسنة، لا من آراء الرجال وعقولهم، ولا يدري قدر الكلام في هذه الطبقة

стр. 87

إلا من عرف ما في كتب الناس، ووقف على أقوال الطوائف في هذا الباب، وانتهى إلى غاية مرامهم ونهاية إقدامهم والله تعالى الموفق للسداد الهادي إلى الرشاد إلى آخر كلامه ﵀. قال شيخنا فقف هنا وتأمل هذا التفصيل البديع فإنه ﵀ لم يستثن إلا من عجز عن إدراك الحق مع شدة طلبه وإرادته له، فهذا الصنف هو المراد في كلام شيخ الإسلام وابن القيم وأمثالهما من المحققين. وأما العراقي وإخوانه المبطلون فشبهوا بأن الشيخ لا يكفر الجاهل، وأنه يقول هو معذور، وأجملوا القول ولم يفصلوا، وجعلوا هذه الشبهة ترساً يدفع بها الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وصاحوا على عباد الله الموحدين كما جرى لأسلافهم من عباد القبور والمشركين وإلى الله المصير وهو الحاكم بعلمه بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون، انتهى. فتبين أن فرض كلام الشيخ شيخ الإسلام فيما نقله هؤلاء الجهال أنه في غير ما يعلم من الدين بالضرورة، وفي غير المفرط في طلب العلم والهدى وكما تقدم فيما نقلناه من طبقات المكلفين، وأنه في المسائل التي قد يخفى دليلها، فإذا عرفت هذا تبين لك أنه لا حجة لهم في كلام الشيخ بل هو عليهم لا لهم، وإيرادهم إياه مجرد هوس وتلبيس وتمويه وسفسطة على عامة ساكني ساحل عمان. والله الهادي إلى الرشاد والموفق للسداد.

стр. 88

فصل في الفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة قال شيخنا الشيخ عبد اللطيف ﵀: وينبغي أن يعلم الفرق بين قيام الحجة، وفهم الحجة، فإن من بلغته دعوة الرسل فقد قامت عليه الحجة إذا كان على وجه يمكن معه العلم، ولا يشترط في قيام الحجة أن يفهم عن الله ورسوله ما يفهمه أهل الإيمان والقبول والانقياد لما جاء به الرسول، فافهم هذا يكشف عنك شبهات كثيرة في مسألة١ قيام الحجة، قال الله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] وقال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَة﴾ [البقرة: ٧] انتهى. قلت: ومعنى قوله ﵀: "إذا كان على وجه يمكن معه العلم" فمعناه أن لا يكون عديم العقل والتمييز كالصغير والمجنون، أو يكون ممن لا يفهم الخطاب، ولم

стр. 89

يحضر ترجمان يترجم له، ونحو هؤلاء فمن بلغته رسالة محمد ﷺ ، وبلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة، قال الله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وقال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ً﴾ [النساء: ١٦٥] فلا يعذر أحد في عدم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فلا عذر له بعد ذلك بالجهل، وقد أخبر الله سبحانه بجهل كثير من الكفار مع تصريحه بكفرهم، ووصف النصارى بالجهل مع أنه لا يشك مسلم في كفرهم، ونقطع أن أكثر اليهود والنصارى اليوم جهال مقلدون، ونعتقد كفرهم وكفر من شك في كفرهم، وقد دل القرآن على أن الشك في أصول الدين كفر، والشك هو التردد بين شيئين كالذي لا يجزم بصدق الرسول ولا كذبه، ولا يجزم بوقوع البعث ولا عدم وقوعه، ونحو ذلك كالذي لا يعتقد وجوب الصلاة ولا عدم وجوبها، أو لا يعتقد تحريم الزنا ولا عدم تحريمه، وهذا كفر بإجماع العلماء، ولا عذر لمن كان حاله هكذا لكونه لم يفهم حجج الله وبيناته لأنه لا عذر له بعد بلوغها لكونه لم يفهمها، وقد أخبر الله تعالى عن الكفار أنهم يفهموا فقال: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرا﴾ [الأنعام: ٢٥] وقال: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [لأعراف: ٣٠] فبين سبحانه أنهم لم يفقهوا، فلم يعذرهم لكونهم لم يفهموا، بل

стр. 90

صرح القرآن بكفر هذا الجنس من الكفار كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ [الكهف: ١٠٣-١٠٤-١٠٥] الآية. فإذا تبين لك هذا واتضح فاعلم أن هؤلاء الذين شبهوا بكلام شيخ الإسلام وأجملوا ولم يفصلوا لبسوا الحق بالباطل، وشيخ الإسلام ﵀ قد وصل كلامه بما يقطع النزاع، ويزيل الإشكال، فذكر أن ذلك في المقالات الخفية، والمسائل النظرية التي قد يخفى دليلها على بعض الناس وأما مسألة١ توحيد الله وإخلاص العبادة له فلم ينازع في وجوبها أحد من أهل الإسلام لا أهل الأهواء ولا غيرهم، وهي معلومة من الدين بالضرورة كل من بلغته الرسالة وتصورها على ما هي عليه عرف أن هذا زبدتها وحاصلها وسائر الأحكام تدور عليه، وكذلك الجهمية الذين أخرجهم أكثر السلف من الثنتين والسبعين فرقةً. قال شيخ الإسلام في الرد على المتكلمين لما ذكر أن بعض أئمتهم توجد منه الردة عن الإسلام كثيراً قال: "وهذا إن كان في المقالات الخفية فقد يقال فيها إنه مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر تاركها، لكن هذا يصدر منهم في

стр. 91

أمور يعلم الخاصة والعامة من المسلمين أن رسول الله ﷺ بُعث بها، وكفر من خالفها مثل عبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سواه من الملائكة والنبيين وغيرهم، فإن هذه أظهر شعائر الإسلام، مثل إيجاب الصلوات الخمس، وتعظيم شأنها، ومثل تحريم الفواحش والزنا والخمر والميسر، ثم تجد كثيراً من رؤساهم وقعوا فيها فكانوا مرتدين، وأبلغ من ذلك أن منهم من صنف في دين المشركين كما فعل أبو عبد الله الرازي. قال: وهذه ردة صريحة، انتهى. فالشخص المعين إذا صدر منه ما يوجب كفره من الأمور التي هي معلومة من ضروريات دين الإسلام، مثل عبادة غير الله ومثل جحد علو الله على خلقه، ونفي صفات كماله ونعوت جلاله الذاتية والفعلية، ومسألة١ علمه بالحوادث والكائنات قبل كونها، فإن المنع من التكفير والتأثيم بالخطأ٢ في هذا كله رد على من كفر معطلة الذات، ومعطلة الربوبية، ومعطلة الأسماء والصفات، ومعطلة إفراد الله تعالى بالإلهية، والقائلين بأن الله لا يعلم الكائنات قبل كونها كغلاة القدرية، ومن قال بإسناد الحوادث إلى الكواكب العلوية، ومن قال بالأصلين النور والظلمة، فإن من التزم هذا كله فهو أكفر وأضل من اليهود والنصارى.

стр. 92

وكلام شيخ الإسلام إنما يعرفه ويدريه من مارس كلامه، وعرف أصوله فإنه قد صرح في غير موضع أن الخطأ قد يغفر لمن لم يبلغه الشرع، ولم تقم عليه الحجة في مسائل مخصوصة، إذا اتقى الله ما استطاع، واجتهد بحسب طاقته، وأين التقوى وأين الاجتهاد الذي يدعيه عباد القبور، والداعون للموتى والغائبين، والمعطلون للصانع عن علوه على خلقه، ونفي أسمائه وصفاته ونعوت جلاله، كيف والقرآن يتلى في المساجد والمدارس والبيوت، ونصوص السنة النبوية مجموعة مدونة معلومة الصحة والثبوت. وكذلك ابن القيم ﵀ لما ذكر طبقات المكلفين قال في الطبقة السابعة عشر: وأما كون زيد بنفسه وعمرو قامت عليه الحجة أم لا فذلك مما لا يمكن الدخول بين الله وعباده فيه، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر. فإنه فَصَلَ النزاع، وأزال الإشكال بهذا وبقوله: وإن الله لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى علم الله تعالى وحكمه، هذا في أحكام الثواب والعقاب، وأما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر. فبين ﵀ أن هذا في أحكام الثواب والعقاب، وأنه لا يجوز لأحد أن يحكم على إنسان بعينه أن الله يعذبه ويعاقبه على ما صدر منه قبل قيام الحجة عليه بالرسول، وأما أحكام

стр. 93

الدنيا فهي جارية على ظاهرها، ومَثَّلَ ذلك بأطفال الكفار ومجانينهم، بأنهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم، وقد تقدم كلام الشيخ في الرازي وتصنيفه في دين المشركين، وأنها رِدَّة صريحة، وهو معين، وتقدم في كلام الشيخ عبد اللطيف ﵀ حكاية إجماع العلماء على تكفير بشر المريسي، وهو رجل معين، وكذلك الجهم بن صفوان، والجعد بن درهم، وكذلك الطوسي نصير الشرك، والتلمساني، وابن سبعين، والفارابي، أئمة الملاحدة، وأهل الوحدة، وأبي معشر البلخي، وغيرهم وفي إفادة المستفيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في تكفير المعين ما يكفي طالب الحق والهدى.

стр. 94

فصل وأما ما ذكره من أن من أصول أهل السنة والجماعة أنهم يصلون الجمع والأعياد والجماعات إلى آخره. فالجواب: أن هذا من المعلوم بالضرورة لا ينكره إلا مكابر، وهذا فيمن كانت بدعته لا تخرجه عن الملة، أو كان فاسقاً أو فاجراً، وليس الكلام في هذا وإنما الكلام والنزاع في الصلاة خلف عباد القبور، وخلف الجهمية الذين ينكرون علو الله على خلقه، وقد تقدم في جواب الشيخ عبد اللطيف ﵀ بعد أن ذكر أقوال الأئمة، وأنهم لا يختلفون في تكفير الجهمية، وأنهم ضلال زنادقة. قال: والصلاة خلفهم لا سيما صلاة الجمعة لا تنافي القول بتكفيرهم، لكن تجب الإعادة حيث لا تمكن الصلاة خلف غيرهم، وقد يفرق بين من قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها، وبين من لا شعور له بذلك، وهذا القوم يميل إليه شيخ الإسلام في المسائل التي قد يخفى دليلها على بعض الناس، وعلى هذا القول فالجهمية في هذه الأزمنة قد بلغتهم الحجة، وظهر الدليل، وعرفوا ما

стр. 95

عليه أهل السنة، واشتهرت الأحاديث النبوية، وظهرت ظهوراً ليس بعده إلا المكابرة والعناد، وهذا حقيقة الكفر والإلحاد. إلى أن قال ﵀: ولبشر المريسي وأمثاله من الشبه والكلام من نفي الصفات ما هو من جنس هذا المذكور عند الجهمية المتأخرين، بل كلامه أخف إلحاداً من بعض كلام هؤلاء الضلال، ومع ذلك فأهل العلم متفقون على تكفيرهم، وعلى أن الصلاة لا تصح خلف كافر جهمي أو غيره، وقد صرح الإمام أحمد فيما نقل عنه ابن عبد الله وغيره أنه كان يعيد صلاة الجمعة وغيرها، وقد يفعله المؤمن مع غيرهم من المرتدين إذا كان لهم شوكة ودولة، والنصوص في ذلك معروفة مشهورة، انتهى. وفي كتاب السنة لعبد الله بن أحمد ﵀ قال حدثني إسحاق بن بهلول قال قلت لأبي ضمرة أنس بن عياض: أُصَلِّي خلف الجهمية؟ قال: لا ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين. حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي قال حدثنا إبراهيم بن نعيم البابي السجستاني سمعت سالم بن أبي مطيع يقول: الجهمية كفار لا أصلي خلفهم، انتهى. فإذا تبين هذا فالتلبيس والتشبيه على الناس بجواز الصلاة خلف أهل البدع والأهواء، وأهل الفجور والفسق والمعاصي، وإدخال الجهمية وعباد القبور في جملتهم لبس للحق بالباطل،

стр. 96

وصد عن سبيل الله، وافتراء على الأخوان، فإن هذا فرض فيمن لم تخرجه بدعته من الملة، وأما عباد القبور والجهمية فقد تقدم كلام الأئمة فيهم، والمؤمن من يخاف الله ويتقيه لا يلبس الحق بالباطل، ويوقع الناس في الشبهات لملاحظة الشهوات، والله الهادي إلى الصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 97

فصل وأما ما ذكره عن شيخ الإسلام ﵀ من ذكره طائفة من المصنفين في الرقائق والفضائل في الصلوات الأسبوعية إلى آخر كلامه. فالجواب أن يقال ما ذكره شيخ الإسلام حق وصواب، وهو خارج عن محل النزاع، ومن المعلوم أن هؤلاء العلماء إنما صنفوا في فضائل هذه الأعمال لما ظنوا صحة ما بلغهم فيها، فعملوا به، فهم مأجورون على حسن قصدهم، لا على مخالفتهم للسنة، وكَونُه لم يبدعهم ولم يفسقهم ولم يجهلهم فما ذاك إلا لكونهم عملوا بما بلغهم، ولم يتعمدوا مخالفة السنة، وقد أحسن من انتهى إلى ما سمع، وهذا بخلاف من يعلم أن هذا الأمر مخالف للسنة، أو يعلم أن هؤلاء القوم مثلاً أهل بدع مخالفون لما عليه أهل السنة، فإذا أنكر عليه أحد من المسلمين بدعتهم وضلالتهم قام في نحره، وجادل عن أهل البدع، ونصب نفسه هدفاً دونهم، وأنهم لا يبدعون ولا يفسقون ولا يجهلون بفعل البدع والفسوق لكون أهل العلم لم يبدعوا ولم يفسقوا ولم يجهلوا من العلماء ممن

стр. 98

علموا أنهم مجتهدون فأخطؤا١ في اجتهادهم، فإن أهل العلم مغفور لهم ما أخطؤا١ فيه باجتهادهم، وهؤلاء متعمدون في ردع أهل الحق دون أهل الباطل، وهم يعلمون أنهم أهل بدع فكيف إذا كان النزاع في عباد القبور، ومعطلة الصانع سبحانه عن علوه على خلقه، واستوائه على عرشه، ونفي صفات كماله، ونعوت جلاله، فقياس هؤلاء الملاحدة على أولئك من أفسد القياس وأبطل الباطل، وليس لصاحب هذا القول والقياس حظ من النظر والدليل، بل هو سفسطة وضلال عن سواء السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وأما ما ذكره المعترض من أنه لا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله ولا بخطأ أخطأ فيه كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة إلى آخر ما ذكر. فالجواب أن يقال هذا حق وصواب لا مرية فيه، ولا يكفر بالذنوب إلا الخوارج والروافض كما تقدم ذكره عن شيخ الإسلام، فأصل التكفير إنما هو من الخوارج الذين يكفرون أئمة المسلمين فيما أخطؤوا فيه، وبما ظنوه خطأ وليس بخطأ في نفس الأمر، وهم عشرون فرقة. المُحَكِّمَة وهم الذين خرجوا على علي بن أبي طالب رضي الله عن التحكيم، وكفروه، وكفروا عثمان رضي الله

стр. 99

عنه، وأكثر الصحابة ﵃، وكانوا إثنا عشر ألفاً، وكانوا أهل صلاة وصيام وقراءة. ومنهم البيهسية قالوا من وقع في شيء لا يعلمه أحلال أم حرام فهو كافر. ومنهم الأزرقية أصحاب نافع بن الأزرق كفروا علياً بالتحكيم، وكفروا عثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الله بن عباس، وعائشة ﵃، والمسلمين، وحكموا بالخلود في النار. ومنهم النجدية أصحاب نجدة بن عامر. ومنهم العاذرية الذين عذروا الناس في الجهالات إلا في الفروع. ومنهم الأصفرية أصحاب زياد بن الأصفر. ومنهم الأباضية أصحاب عبد الله بن أباض كفروا علياً وأكثر الصحابة، وافترقوا سبع فرق. ومنهم الحفصية أصحاب حفص بن أبي المقدام. ومنهم اليزيدية أصحاب يزيد بن نسيئة قالوا يبعث نبياً١ من العجم بكتاب يكتب في السماء ويترك ملة محمد ويختار ملة الصابئة.

стр. 100

ومنهم الحارثية أصحاب أبي الحارث الأباضي خالفوا في القدر. ومنهم العجاردة أصحاب عبد الرحمن بن عجرد وهم أربع فرق كلها معلومة بالمحال مشهورة بالضلال. فإذا تبين لك هذا من حالهم ومقالهم تبين لك طريقة أهل السنة والجماعة في عدم تكفير المسلمين بالذنوب، أو تكفير من أخطأ خطأ لا يخرجه من الملة، فأما تكفير الجهمية، وعباد القبور فليس من هذا القبيل، ولا على منهاج هذا السبيل، فإن الجهمية قد أخرجهم أكثر السلف من اثنتين وسبعين فرقة كما تقدم عن عبد الله بن المبارك لم سئل عن الجهمية فقال: ليسوا من أمة محمد ﷺ . وأما عباد القبور فهم عند أهل السنة والجماعة يسمون الغالية لمشابهتهم النصارى في الغلو في الأنبياء والأولياء والصالحين، فمن كفرهم، وأظهر عداوتهم، وبغضهم، وحذر عن مجالستهم، وبالغ في التنفير عنهم فقد اتبع سبيل المؤمنين واقتفى آثار الأئمة المهتدين، وخالف ما انتحله الخوارج والروافض من تكفير المسلمين، فمن جعل تكفير هؤلاء كتكفير هؤلاء فهو من الملبسين، ومن الصادين عن سبيل الله، والباغينها عوجاً، نعوذ بالله من رين الذنوب، وانتكاس القلوب.

стр. 101

فصل قال المعترض: "الفصل الأول في بيان جواز المسبحة، ثم قال بعد الخطبة: عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" رواه البخاري , قال ابن رجب ﵀ في عرض كلامه على هذا الحديث: فمن تقرب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة فعمله باطل مردود عليه، انتهى باختصار. قلت: فالقربة كل عمل يرجو عامله عليه من الله الثواب، وترك ما يرجو تاركه من الله الأجر، ويخشى على فعله العقاب، والمسباح ليس من ذلك إنما يتخذ آلة لحفظ العدد المحصور في الحديث المشهور "من قال سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" وما أشبه ذلك من الأذكار الواردة على مثل ذلك، فالمسباح آلة لا قربة، فكيف يصير متخذه مبتدعاً، والآلات ليست من القربات، ولم يردع الشرع بتحريمها إذا لم يستعين بها على المعاصي، وقد علمت أن الجهاد على عهد رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين

стр. 102

ومن بعدهم من الصحابة ﵃ كان بالرمح والسيف والنبل، فلما حدثت المدافع والبنادق اتخذها المسلمون آلة في الجهاد يقاتلون في سبيل الله ولم ينكرها أحد من علماء الملة المحمدية، وكذلك الساعات" إلى آخر كلامه. فالجواب أن يقال: أمر المسباح والكلام فيه أمر جزئي في جنب ما تقدم من المسائل، والكلام فيه من أسهل ما يكون لقلة الفائدة، لأن مسألة المسباح مسألة خلافية بين العلماء المتأخرين، وللعلماء فيه كلام منهم من أجازه خفيةً على الوجه المباح كما سنبينه، ومنهم من منع ذلك وقال: إن السبحة بدعة محدثة ورياء وسمعة، ولو لم يكن في المنع منها إلا سد الذريعة عن محظورات الشريعة، وسد الذريعة أصل أصيل، ومذهب جليل، فمن اتخذ المسباح فقد خالف ما روته أم المؤمنين عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" لأن رسول الله ﷺ لم يأمر به ولم يشرعه لأمته لوم يفعله، ولو أمر به، وسنه لأمته، وشرعه، وكان فيه فضل لكان أسبق الناس إلى فعله واتخاذه، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأفاضل الصحابة ﵃ لا سيما عبد الله بن عمر فإنه كان يتحرى ما فعله رسول الله ﷺ حتى إنه كان يصلي في المكان الذي يصلي فيه رسول الله ﷺ ويبول في المكان الذي كان يبول فيه، وكان عمر ﵁ وسائر الصحابة يخالفون في ذلك، وينهون عن

стр. 103

تتبع آثار الأنبياء، فإذا وضح لك هذا فمن أجازه فإنما أجازه على سبيل القياس، والقياس يخطئ ويصيب، وقد علمت أن منه ما هو صحيح، ومنه ما هو سقيم، ومنه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم، وأيضاً فقد نقل هذا المعترض عن ابن رجب ﵀ على هذا الحديث قوله: "فمن تقرب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة فعمله باطل مردود عليه" فأين في كتاب الله وسنة رسوله الأمر باتخاذ المسابيح المحدثة سبحانك هذا بهتان عظيم، فليس في الحديث الصحيح ما يدل على ذلك بوجه من الوجوه، ولا في كلام ابن رجب ما يدل على ذلك بل يناقضه أشد المناقضة، ويخالفه أشد المخالفة، راجع شرحه لهذا الحديث في كتابه تجد غلط هؤلاء، وتصحيفهم عليه، فالحديث حجة عليهم لا لهم. وأما قول القائل: إنها ليست بقربة إنما هي آلة لحفظ العدد المحصور في الحديث المشهور، والمسباح آلة فكيف يصير متخذه مبتدعاً إلى آخر كلامه. فأقول اعلم وفقك الله لطاعته أن هذا القياس من أبطل القياس، وأوهنه بلا التباس،وهو منقوض عليه فإن المدافع والبنادق والصمع من جنس السلاح، فالبندق من جنس النبل يرمى بها كما يرمى بالنبل بل هي أشد نكاية في العدو، والمدفع من جنس المنجنيق يرمى به كما يرمى بالمنجنيق بل هو أشد نكاية وأعظم إرهاباً للعدو، والكل آلة للجهاد، ولا

стр. 104

يشك في ذلك من كان له أدنى ممارسة وانتقاد، وكذلك الخيل والركاب والدروع آلاتٌ يستعان بها في جهاد الكفار، واقتناؤها وشراؤها واستعمالها في الجهاد من أفضل القربات وقد حَبَسَ الصحابة وأوقفوا من ذلك في الجهاد، وفي سبيل الله ما هو معلوم مشهور، مقرر في محاله ومظانه، ولا يتغير الحكم لكون هذه نبلاً وهذا سيف ورمح أو منجنيق إذا حدث من جنسه ما هو أنكأ في العدو منه كالمدفع والبندق والصمع، فلو أوقف مسلم في جهاد الكفار مدافع وبنادق لكان هذا قربة إلى الله، وعمل صالح لا يشك في ذلك مسلم، كمن وقف خيلاً وركاباًً ودروعاً في سبيل الله لا فرق، ومن فرق فعليه الدليل، فإنه لا يقول من له أدنى معرفة إن هذه الآلات ليست من القربات، ومن قال ذلك فقد كابر المنقول والمعقول. قال ابن دقيق العيد في شرح العمدة على قوله ﷺ : "فإنكم تظلمون خالداً وقد احتبس أدراعه وعتاده في سبيل الله" قال: العتاد ما أعد الرجل منه السلاح والدواب وآلات الحرب، انتهى، وهذا لا إشكال فيه. وأما الساعات والجداول والروزنامات فليس لها جنس معهود في عهد رسول الله ﷺ فلا اعتماد عليها، والمعتمد في ذلك ما شرعه الله ورسوله من معرفة ما حدّ في المواقيت، فلا اعتداد بالساعات والجداول، فلا يقاس بها ولا عليها، وليست من القرب في شيء، وإذا كان المسباح قد أقررتم أنه ليس

стр. 105

بقربة كما هو كذلك وقد وضح لك أن قياسه على ما ذكر هذا المعترض ممنوع عقلاً ونقلاً فكان بدعةً محدثةً لأنه ليس بمشروع، ولا قيس على فعل مشروع فيكون باطلاً بل قياسه على النوى والحصى والخيط المعقود لو كان مشروعاً أولى من قياسه على ما ذكره من النبل والرمح والسيف، وعلى ما حدث بعد هذا من آلات الحرب، لكن التسبيح بالنوى والحصى ليس بمشروع، ومن أجازه اشترط الإخفاء به، فاتخاذ السبحة على هذا الوجه الذي يفعله الناس اليوم بدعة لأنه لم يكن على عهد رسول الله ﷺ ، ولا اتخذه، ولا رآه بأبي هو وأمي، ولا اتخذه أحد من أصحابه لا ظاهراً ولا باطناً فليس من الدين في شيء لقوله ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" وفي لفظ "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" أي مردود عليه. ولا يخل ناقل المسباح من أحد أمرين: إما أن يتخذ ذلك زاعماً أنه يسبح به فيكون قد رآء الناس بهذا العمل، ومن رآء الناس بعمله فقد أشرك، أو لا يريد به التسبيح وإنما يتخذه ملهاً يلهو به، ويلعب به كما هو الواقع المشاهد من كثير من الناس اليوم، أو ينزلها منزلة العصى فيكون مخالفاً للسنة، ومن المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن الله تعالى لم يأذن في اللهو واللعب، ولم يشرعه رسول الله ﷺ لأمته، ولا كان ذلك ديناً ينسب إليه، وإلى رسله ودينه وشرعه، إلا ما خصه الدليل من اللهو بالقوس والفرس والمرأة، ولو كان مشروعاً لكان

стр. 106

أسبق الناس إليه أصحاب رسول الله ﷺ ، وكيف يكون المسباح أمراً مشروعاً محبوباً لله ويفوز بقصب السبق إليه هؤلاء الخلوف ويُحرمه أفاضل الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر أصحابه _ ﵃ _ هذا ما لا يكون أبداً، ومع كونه محدثة في الدين، لم يتخذه ويستعمله من الناس في الغالب إلا أهل الغفلة، والمرائين بأعمالهم، وفساق الناس الذين لا يذكرون الله إلا قليلاً، فإذا جاء أحدهم إلى مجامع الناس أو مساجدهم ومجالسهم أو أسواق المسلمين رأيت المسباح في يده. وقد قال شيخ الإسلام قدس الله روحه بعد كلام له: وإنما مثلهم بمنزلة من يحلي المصحف ولا يقرأ فيه، أو يقرأ فيه ولا يتبعه، وبمنزلة من يزخرف المسجد ولا يصلي فيه، أو يصلي فيه قليلاً، وبمنزلة من يتخذ المسابيح والسجادات المزخرفة، وأمثال هذه الزخارف الظاهرة التي لم تشرع، ويصحبها من الرياء والكبر ومخالفة الشرع ما يفسد حال صاحبها إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى. إذا عرفت هذا وعرفت أن اتخاذه على هذا الوجه ليس من الدين في شيء، وأنه بدعة ورياء محدثة، ومن جوزه من العلماء فإنما قاسه على الحصى ونحوها. وبلا نزاع أن التسبيح بالأصابع وعقدها في كاعة الله هو السنة المحمدية الثابتة من قوله وفعله، وفعل خلفائه وصحابته، وفي هديهم كفاية لكل مقتدي، ولكن شرط من أجازه من

стр. 107

متأخري العلماء بأن يتخذه الإنسان في محل ورده ومصلاه الذي يخلو العبد فيه بربه حيث لا يراه أحد ولا ينظرون إليه، وأما ما يفعله الناس اليوم فحاشا وكلا بل هو إلى الريا والسمعة أقرب منه إلى السنة، وكونه بهذا الوجه بدعة محدثة أوضح من الشمس في رابعة النهار، وإذا كان ذلك كذلك فما وجه الاعتراض والتشنيع على من نهي عنه، وسماه بدعة، بل الذي أجازه مطلقاً قد فتح للناس باباً من الريا والسمعة. ومما يوضح لك ما نقلناه أن العمل إذا كان على غير الوجه المشروع يكون بابَ ضلالة ما رواه الدارمي قال أخبرنا الحكم عن ابن المبارك قال أخبرنا عمرو بن يحيى قال سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كما نجلس على باب ابن مسعود قبل صلاة الغداة١ فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاء أبو موسى فقال: أَخَرَجَ عليك أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا. فجلس معنا فلما خرج قال: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت آنفاً شيئاً في المسجد أنكرته والحمد لله، ولم أر إلا خيراً. قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه. قال: رأيت في المسجد حلق خيرٍ جلوس ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول لهم: كبروا مائة، فيكبرون مائة فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة،.فيقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة. قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئاًَ انتظر رأيك.

стр. 108

فقال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يفوت من حسانتهم من شيء، ثم مضى حتى أتى حلقة منهم فقال: ما هذا؟ قالوا: حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح. قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يفوت من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم هؤلاء أصحاب محمد ﷺ بينكم متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى ملة محمد، أو مفتحوا باب ضلالة؟ قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير. قال: وكم من مريد الخير لن يصبه، إن رسول الله ﷺ حدثنا: "إن قوماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم" وأيم الله لا أدري لعل أكثرهم يكون منكم. قال عمرو بن سلمة: رأيت عامة أولئك يطاعنوننا يوم النهروان مع الخوراج. وذكر محمد بن وضاح في كتابه ما هو هذا وزيادة كنحو قوله لهم: "لقد ركبتم بدعة ظلماء، أو فضلتم أصحاب محمد علماً". وثم ذكر ابن وضاح أن أبان بن عياش سأل الحسن عن العد بالحصى والنوى فقال: "لم يفعل العد أحد من نساء النبي ﷺ ولا المهاجرات". قال محمد بن وضاح حدثنا أسد عن جرير بن حازم عن الصلت بن بهرام قال مرّ ابن مسعود ﵁ بامرأة معها

стр. 109

تسبيح تسبح به، فقطعه وألقاه، ثم مرّ برجل يسبح بحصى فضربه برجله ثم قال: لقد ركبتم بدعة ظلماء، أو لقد غلبتم أصحاب محمد علماً. اهـ من كتابه. فانظر رحمك الله إلى هذا العمل المشروع المطلوب المحبوب لله المندوب إليه لمّا كان على غير عمل الصحابة، ولم يكونوا يفعلون على عهد رسول الله ﷺ ، ولا فعله أحد من الصحابة بعد وفاته، أنكره علماء الصحابة وأفاضلهم كعبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعري حتى قال عبد الله بن مسعود: "والذين نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، مفتحوا باب ضلالة". فتبين بهذا أن هذا بدعة وضلالة وأنه ليس من هدى الرسول وملته، وهم إنما يعدون التكبير والتهليل والتسبيح بالحصى، وأنهم إنما يتخذونه آلة لحفظ العدد المحصور في الحديث المشهور، فاتبع هؤلاء في الابتداع من كان من سلفهم على عهد الصحابة في استحسان البدع الذين كان آخر أمرهم يطاعنون الصحابة يوم النهروان، والمنكرون لهذا الابتداع اتبعوا سلفهم في إنكار ما هو محدث في الدين، كعبد الله بن مسعود، وأبي موسى، وحذيفة، والحسن البصري ولكل قوم وارث. فإذا علمت أن هذا العمل الصالح لما كان يفعله بعض الناس ظاهراً في المسجد أو المجلس ونحوه، بالحصى أو

стр. 110

المسباح أنه على غير عمل الرسول ﷺ ، وأصحابه كان فاعله مفتتحاً باب ضلاله، وعلى غير ملة محمد ﷺ في العمل، وأن الصحابة ﵃ لم يتخذوا المسابيح لا ظاهراً ولا خفاءً، تبين لك أن هذا العمل محدث. فإن قيل: قد فعل العد بالحصى ونحوه بعض السلف والخلف، ومستندهم حديث سعد بن أبي وقاص أنه ﷺ لم ينكر على المرأة، وإنما دلها على ما هو أفضل وأيسر عليها، وهذا يدل على الجواز. قيل: نعم صدر ذلك عن بعض منهم بوجه الخفاء، والمرأة رجعت لما هو أيسر وأفضل متابعة لما دلّها الرسول ﷺ ، وأما أبو هريرة ﵁ فكان لا يستعمله إلا في داره عند نومه، وتلك حالة لا يشاهده فيها أحد ولا يراه الناس، وفعل الصحابي الواحد ليس بحجة عند أهل الحديث ونحوهم، ومن فعل منهم فإنما يفعله في مصلاه، وكان السلف أحرص الناس على إخفاء العمل كما هو معروف مشهور عنهم. فإذا فهمت هذا علمت أن الذي يفعله الناس على خلاف مذهب من أجازه من العلماء.
следующие страницы →