بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ال مقدمة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد:
فقد أثرى الشيخ الفاضل سليمان بن سحمان المكتبة الإسلامية بمؤلفاته الرصينة، المحتوية على العقيدة السلفية المستقيمة، الزائدة عن حوض الدين وآراء المبتدعة وأقوالهم الوخيمة.
ولقد صدق من قال:
كم سنة صاح أحيا رسم دارسها ... فصار يحكي سناها ساطع القمر
وبدعة درست واندك شامخها ... والحق يعلو وليل الجهل ذو غير
كم جاهل في الميدان حل به ... من مخلب الليث فتكا غير منجبر
ومن المحزن أن غالب كتبه قيد الوثاق، لا يظفر برؤيتها
стр. 2
إلا من عبثت به إليها الأشواق، وصار من جملة المحبين لها والعشاق.
ومن ضمن مؤلفاته التي هذه حالها، كتاب: "كشف الشبهتين عن رسالة يوسف بن شبيب والقصيدتين" وقد طبع هذا الكتاب طبعة حجرية في الهند عام ١٣٢٦ هـ، ولا أعلم أنه طبع غير هذه.
وقد تفضل الشيخ عبد العزيز بن مرشد –حفظه الله- بإعارتي هذه النسخة. فلما قرأتها قراءة متأمل أدركت أهمية الإسراع بإخراجها، وذلك لما اشتملت عليه من مباحث عقدية هامة تتلخص فيما يلي:
أولا: مسألة التكفير، ومعتقد أهل السنة والجماعة فيه ...
ثانيا: مسألة ولاء المؤمنين، والبراءة من الكافرين.
وبالإضافة إلى هذه المسائل اشتمل الكتاب على تحرير الأقوال في بعض المسائل الفقهية كجلسة الاستراحة، والصلاة في النعل، ورفع اليدين للدعاء بعد الصلاة المكتوبة، وعد التسبيح بالمسباح، كما اشتمل أيضا على بعض التعليمات الهامة للدعاة في كيفية معاملة النا س على اختلاف اتجاهاتهم عند إرادة دعوتهم ونصحهم.
وقد حداني كل ما تقدم من مباحث هامة إلى تصحيح هذه
стр. 3
النسخة المليئة بالأخطاء، وتوثيق أغلب النقول الواردة فيها، ووضع الفهارس الكاشفة عن مضمون الكتاب. ثم تقديمه إلى الطباعة في هذه الحلة التي أرجو أن تنال القبول والإعجاب من الجميع.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
كتبه
الفقير إلى ربه القدير
عبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريم
غفر الله له ولوالديه ولمشايخه وللمسلمين
٩/٥/١٤٠٨هـ
стр. 4
تمهيد
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد..
فإنه بلغنا عن بعض الإخوان الساكنين بالساحل من أرض عُمان أن في جهتهم جهميةً وإباضيةً١ وعباد قبور متظاهرين بمذاهبهم وعقائدهم، مظهرين العداوة للإسلام وأهله. وذكروا أنه كان لديهم أناس ممن ينتسب إلى العلم والطلب يجادلون عنهم، ويوالونهم، ويفرون إليهم، ويأخذون جوائزهم وصلاتهم، ويأكلون ذبائحهم.
وهؤلاء الجهمية الذين كانوا بالساحل من أرض عمان قد شاع ذكرهم وانتشر خبرهم، وظهر أمرهم من قديم الزمان.
стр. 5
وكذلك الإباضية١ كانوا بهذا الساحل معروفين مشتهر أمرهم لا يخفى على أحد.
وقد راسلنا بعض الإخوان في هؤلاء الذين يوالونهم، ويجادلون عنهم، فظننا أن الأمر ليس كما زعموا وأحسنا الظن بمن هناك من طلبة العلم فلم نُنعِم الإخوانَ بجواب، ولم نسمح لهم بخطاب، إلا نحضهم على الصبر على الأذى، وتحمل المشقة والبلوى، وبذل النصيحة لهم، والتلطف في الدعوة لهم، والدعاء لهم بالهداية، حتى رأينا لهم رسالة٢ طبعها لهم بعض الغزاونة أولاد عبد الله الغزنوي ﵀، ونسبوها إلى رجل يقال له: يوسف بن شبيب٣ الكويتي.
وهذا الرجل لم يكن معروفاً بالعلم والدارية، ولا بالمعرفة والرواية، بل كلامه وتركيبه يدل على جهله، وعدم معرفته. وقد قيل إن الذي ألفها غيره ممن يترشح للعلم والمعرفة.
وقد نقل هذا المؤلف عن شيخ الإسلام ابن تيميه قدّس الله روحه نقولاً يلبس بها على العوام الذين لا معرفة لهم بمدارك الأحكام، ولا٤ دراية لهم بموارد الأفهام. ويوهمهم أن هذه النقول التي نقلها عن شيخ الإسلام ابن تيميه تدل على
стр. 6
ما ذهب إليه من عدم تكفير الجهمية الخارجين عن شريعة الإسلام، ويظن أن هذه النقول له وهي عليه لا له، كما سنبينه إن شاء١ الله تعالى، وننقض استدلاله، وما ذاك إلا أنه ليس له إلمام بهذه الصناعة، ولا متجر له في هذه البضاعة.
وقبل الجواب على كلامه وسوء مرامه نذكر من كلام غلطهم وسوء فهمهم، وعدم معرفتهم بكلام أهل العلم فنقول:
اعلم وفقك الله لطاعته أن أصل مقالة التعطيل للصفات إنما هو مأخوذ عن تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصائبين، فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام، أعني أن الله سبحانه ليس على العرش حقيقة، وإنما استوى بمعنى استولى، ونحو ذلك. أول ما ظهرت هذه المقالة من جعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم بن صفوان، وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية إليه.
وقد قيل: إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان، وأخذها من طالوت بن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي ﷺ .
وكان الجعد بن درهم هذا فيما قيل من أرض حران،
стр. 7
وكان فيهم خلق كثير من الصابئة١ والفلاسفة بقايا أهل دين النمرود والكنعانيين الذين صنف بعض المتأخرين في سحرهم. والنمرود هو ملك الصابئة الكلدانيين المشركين، كما أن كسرى ملك الفرس والمجوس، وفرعون ملك مصر والنجاشي ملك الحبشة النصارى٢، فهذا اسم جنس، لا اسم علم فكانت الصابئة إلا قليلاً منهم إذ ذاك على الشرك، وعلماؤهم الفلاسفة، وإن كان الصابئي قد لا يكون مشركاً بل مؤمناً بالله واليوم الآخر، فأولئك الصابئون الذين كانوا إذ ذاك كفاراً أو مشركين، وكانوا يعبدون الكواكب، ويبنون لها الهياكل.
ومذهب النفاة من هؤلاء في الرب أنه ليس إلا صفات سلبية أو إضافية أو مركبة منها٣. وهم الذين بعث إبراهيم
стр. 8
الخليل ﷺ إليهم، فيكون الجعد قد أخذها من الصائبة والفلاسفة.
وكذلك أبو نصر الفارابي دخل حران وأخذ عن فلاسفة الصابئة تمام فلسفته، وأخذها الجهم أيضاً فيما ذكره الإمام أحمد وغيره لما ناظر السمنية بعض فلاسفة الهند وهم الذين يجحدون من العلوم ما سوى الحسيات. فهذه أسانيد جهم ترجع إلى اليهود والصابئين والمشركين.
ثم لما عربت الكتُب الرومية واليونانية في حدود المائة الثانية زاد البلاء، مع ما ألقى الشيطانُ في قلوب الضلال ابتداء، من جنس ما ألقاها في قلوب أشباههم، ولما كان في حدود المائة الثالثة انتشرت هذه المقالة التي كان السلف يسمونها مقالة الجهمية، بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته.
стр. 9
وكلام١ الأئمة مثل مالك وسفيان بن عيينة وابن المبارك وأبي يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق والفضيل بن عياض وبشر الحافي وغيرهم كثير في ذمهم وتضليلهم انتهى من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية٢.
فإذا كان أصل هذه المقالة مقالة التعطيل والتأويل مأخوذ عن تلامذة المشركين والصابئين واليهود فكيف تطيب نفس مؤمن أو عاقل أن يأخذ سبيل هؤلاء المغضوب عليهم والضالين، ويدع سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، أو ينصب نفسه هدفاً دونهم بالمجادلة عنهم، والاعتذار لهم بأنواع من التمويه والسفسطة، والقيام في نحر من أظهر عداوتهم وبغضهم، والتنفير عنهم وعن مجالستهم، أفلا يستحي من يدعي الإسلام، ويتظاهر به بين الأنام أن يكون في جملة أعداء الله ورسوله بالذب عنهم، وتجهيل من ضللهم وأمر بهجرهم والبعد عنهم.
فإذا تبين لك ما ذكره أهل العلم في أصل مقالة هؤلاء الجهمية. فاعلم أن مذهبهم أنه ليس فوق السماوات إله يعبد، ويصلى له ويسجد، ولا لله في الأرض من كلام، ولا يشار إليه بالأصابع إلى فوق، ولا ينزل منه شيء، ولا يصعد إليه
стр. 10
شيء، ولا تعرج الملائكة والروح إليه، ولا رفع المسيح إليه، ولا عرج برسول الله ﷺ ، وأنه لا يتكلم بقدرته ومشيئته، ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: هل من سائل فأعطيه، هل من داع فأجيبه، هل من مستغفر فأغفر له، وأنه لا يرى في الآخرة، ولا يقوم به فعل البتة، وأنه لا خارجَ العالم ولا داخله ولا متصلاً ولا منفصلاً ولا محايث له إلى غير ذلك من أقوالهم المتضمنة لتعطيله عن عرشه وعلوه على خلقه، وجحد أسمائه وصفاته ونعوت جلاله، وهذا هو الكفر والإلحاد الصريح نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه.
стр. 11
فصل
ولنذكر من كلام الأئمة الذين هم القدوة وبهم الأسوة الذين هم ورثة الأنبياء، وخلفاء الرسل، وأعلام الهدى، ومصابيح الدجى، الذي بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء فضلاً عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم وأحاطوا من حقائق المعارف وبواطن الحقائق بما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحى من يطلب المقابلة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله١: وفي كتاب الفقه الأكبر المشهور عند أصحاب أبي حنيفة الذي رووه بالإسناد عن أبي مطيع بن عبد الله البلخي قال: سألت أبا حنيفة عن الفقه الأكبر فقال: لا تكفرن أحداً بذنب، ولا تنف٢ أحداً به من الإيمان، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتعلم أنما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطئك لم يكن ليصبك، ولا
стр. 12
تتبرأ من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا توال١ أحداً دون أحد. إلى أن قال: قال أبو حنيفة عمن قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وعرشه فوق سبع سماوات، قلت: فإن قال إنه على العرش استوى، ولكنه يقول: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض، قال: هو كافر لأنه أنكر أن يكون في السماء، لأنه تعالى في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل – وفي لفظ – سألت أبا حنيفة عمن يقول: أعرف ربي في السماء أم في الأرض قال: قد كفر. قال لأنه الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وعرشه فوق سبع سماوات. قال فإنه يقول على العرش استوى لكن لا يدري العرش في الأرض أم في السماء. قال إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر.
ففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه أنه كفر الواقف الذي يقول: لا اعرف ربي في السماء أم في الأرض، فكيف يكون النافي الجاحد الذي يقول ليس في السماء ولا في الأرض؟ واحتج على كفره بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] قال وعرشه فوق سبع سماوات.
وبين بهذا أن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ
стр. 13
اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أن الله فوق السماوات فوق العرش، ثم أردف ذلك بتكفير من قال إنه على العرش استوى ولكن توقف في كون العرش في السماء أم في الأرض. قال: لأنه أنكر أنه في السماء لأن الله في أعلا عليين، وأنه يدعى من أعلا لا من أسفل.
وهذا تصريح من أبي حنيفة بتكفير من أنكر أن يكون الله في السماء، واحتج على ذلك بأن الله في أعلا عليين، وأنه يدعى من أعلا لا من أسفل، وكل من هاتين الحجتين فطرية عقلية، فإن القلوب مفطورة على الإقرار بأن الله في العلو، وعلى أنه يدعى من أعلا لا من أسفل، وقد جاء اللفظ الآخر صريحاً عنه بذلك فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر، وروى هذا اللفظ بالإسناد عنه شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي في كتاب الفاروق.
قال١ وروى بإسناد صحيح عن سليمان بن حرب الإمام، سمعت حماد بن زيد وذكر هؤلاء الجهمية فقال: إنما يحاولون٢ أن يقولوا: ليس في السماء شيء.
وروى ابن أبي حاتم في كتاب "الرد على الجهمية" عن سعيد بن عامر الضبعي – إمام أهل البصرة علماً وديناً من شيوخ
стр. 14
الإمام أحمد – أنه ذكر عنده الجهمية فقال: هم أشر قولاً من اليهود والنصارى، وقد اجتمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش، وقالوا هم: ليس على شيء.
وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام الأئمة: من لم يقل إن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، وجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ثم ألقي على مزبلة لئلا يتأذى بريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة. ذكره عنه الحاكم بإسناد صحيح.
وروى ابن الإمام أحمد بإسناده عن عباد بن العوام الواسطي – إمام أهل واسط من طبقة شيوخ الشافعي وأحمد – قال: كلمت بِشراً المريسي وأصحاب بِشر فرأيت آخر كلامهم ينتهي أن يقولوا ليس في السماء شيء.
وعن عبد الرحمن بن مهدي الإمام المشهور أن قال: ليس في أصحاب الأهواء أشر من أصحاب جهم، يدورون على أن يقولوا: ليس في السماء شيء، أرى والله أن لا يناكحوا ولا يوارثوا.
وروى عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب "الرد على الجهمية" عن عبد الرحمن بن مهدي قال: أصحاب جهم يريدون أن يقولوا إن الله لم يكلم موسى، ويريدون أن يقولوا
стр. 15
ليس في السماء شيء، وإن الله ليس على العرش، أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا قتلوا.
وعن الأصمعي قال: قدمت امرأة جهم فنزلت بالدباغين. فقال رجل عندها: الله على عرشه؟ فقالت: محدود على محدود. قال الأصمعي: كفرت بهذه المقالة.
وعن عاصم بن علي بن عاصم شيخ أحمد والبخاري وطبقتهما قال: ناظرت جهمياً فتبين من كلامه أن لا يؤمن أن في السماء رباً. انتهى.
وقال شيخ الإسلام أيضاً في أُثناء كلام له: والبدعة التي يُعَدَّ بها الرجل من أهل الأهواء ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة، كبدعة الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة، فإن عبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط وغيرهما قالوا: أصول البدعة اثنتان وسبعون فرقة هي أربع: الخوارج والروافض والمرجئة والقدرية، قيل لابن المبارك: فالجهمية، قال: ليس من أمة محمد ﷺ .
والجهمية نفات للصفات الذين يقولون: القرآن مخلوق، وإن الله لا يُرى في الآخرة، وإن محمداً لم يعرج به إلى الله، وإن الله لا علم له ولا قدرة ولا حياة، ونحو ذلك، كما يقوله المعتزلة والمتفلسفة ومن اتبعهم.
وقد قال عبد الرحمن بن مهدي هما صنفان، فأحدهما:
стр. 16
الجهمية والرافضة، فهذان الصنفان شرار أهل البدع ومنهم دخلت القرامطة والباطنية كالنصيرية والإسماعيلية، ومنهم اتصلت الإتحادية فإنهم من جنس الطائفة الفرعونية، والرافضة في هذه الأزمان مع الرفض جهمية قدرية، فإنهم ضموا إلى الرفض مذهب المعتزلة، ثم يخرجون إلى مذهب الإسماعيلية ونحوهم من أهل الزندقة والاتحاد انتهى كلامه ﵀.
فهذا كلام شيخ الإسلام الصحيح الصريح في تكفير الجهمية وإخراجهم من أمة محمد ﷺ ، بخلاف ما ينقله هؤلاء المشبهون الملبسون فإنهم إنما نقلوا كلامه في عموم أهل الأهواء والبدع، لا في خصوص الجهمية، وأوهموا أنه لا يكفر الجهمية فالله المستعان.
وفي كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد قال حدثني أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان قال: سمعت أبي يقول: سمعت معاذ بن معاذ يقول: من قال القرآن مخلوق فهو كافر.
حدثني الحسن بن عيسى مولى بن١ المبارك عن حماد بن قيراط سمعت إبراهيم بن طهمان يقول: الجهمية كفار والقدرية كفار.
стр. 17
حدثني الحسن بن عيسى قال كان ابن المبارك يقول: الجهمية كفار.
قال الحسن بن١ عيسى من قول نفسه: ومن يشك في كفر الجهمية؟ انتهى.
وقال شيخنا الشيخ عبد اللطيف ﵀ في جواب سؤال ورد عليه من ساحل عمان قال فيه: ووصل إلينا السؤال الذي يورده بعض الملحدين، وهو أنه ينسب عن شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله تعالى أنه ذكر عن الإمام أحمد ﵀ أنه كان يصلي خلف الجهمية.
وجواب هذا لو سلم من أوضح الواضحات عند طلبة العلم، وأهل الأثر، وذلك أن الإمام أحمد وأمثاله من أهل العلم والحديث لا يختلفون في تكفير الجهمية، وأنهم ضلال زنادقة، وقد ذكر من صنف في السنة تكفيرهم عن عامة أهل العلم والأثر، وعد اللالكائي رحمه الله تعالى منهم عدداً يتعذر ذكرهم في هذه الرسالة، وكذا ابن الإمام أحمد٢ في كتاب السنة، والخلال في كتاب السنة، وابن أبي مليكة في كتاب السنة، وإمام الأئمة ابن خزيمة قرر كفرهم، ونقله عن أساطين الأئمة.
стр. 18
وقد حكى كفرهم شمس الدين ابن القيم ﵀ في كافيته عن خمسمائة من أئمة المسلمين وعلمائهم.
والصلاة١ خلفهم لا سيما الجمعة لا تنافي القول بتكفيرهم، لكن تجب الإعادة حيث لا تمكن الصلاة١ خلف غيرهم.
والرواية المشهورة عن الإمام أحمد هي المنع من الصلاة١ خلفهم، وقد يفرق بين من قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها، وبين من لا شعور له بذلك، وهذا القول يميل إليه شيخ الإسلام في المسائل التي قد يخفى دليلها على بعض الناس.
وعلى هذا القول فالجهمية في هذه الأزمنة قد بلغتهم الحجة، وظهر الدليل، وعرفوا ما
عليه أهل السنة، واشتهرت الأحاديث النبوية، وظهرت ظهوراً ليس بعده إلا المكابرة والعناد، وهذا حقيقة الكفر والإلحاد، كيف لا وَقَولُهم يقتضي من تعطيل الذات والصفات، والكفر بما اتفقت عليه الرسالة والنبوات٢، وشهدت به العقول السليمات، ما لا يبقى معه حقيقة للربوبية والألوهية، ولا وجود للذات المقدسة المتصفة بجميل الصفات، وهم إنما يعبدون عدماً لا حقيقة لوجوده،
стр. 19
ويعتمدون من الخيالات والشبه ما يعلم فساده بضرورة العقل وبالضرورة من دين الإسلام عند من عرفه وعرف ما جاءت به الرسل من الإثبات.
ولبشر المريسي١ وأمثاله من الشبه والكلام من نفي الصفات ما هو جنس هذا المذكور عند الجهمية المتأخرين، بل كلامه أخف إلحاداً من بعض هؤلاء الضلال، ومع ذلك فأهل العلم متفقون على تكفيره، وعلى أن الصلاة لا تصح خلف كافر جهمي أو غيره، وقد صرح الإمام٢ أحمد فيما نقل عنه ابنه عبد الله وغيره أنه كان يعيد صلاة الجمعة وغيرها.
وقد يفعله المؤمن مع غيرهم من المرتدين إذا كان لهم شوكة ودولة، والنصوص في ذلك معروفة مشهورة، نحيل طالب العلم على أماكنها ومظانها، وبهذا ظهر الجواب عن السؤال الذي وصل منكم. انتهى.
стр. 20
فصل
إذا تمهد واتضح لك ما قدمناه من كلام أئمة الإسلام فاعلم أن هذا الرجل ابتدأ١ كلامه في فاتحة رسالته بالحضِّ على إفراد الرب سبحانه بجميع أنواع العبادات، ومتابعة رسول الله ﷺ ، وأنه لا سعادة للعبد ولا فلاح له في الدارين إلا بمتابعة هدى النبي ﷺ ، وذكر أن على كل من نصح نفسه، وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين إلى آخر كلامه.
وهذا حق لو وفق له، وعمل به إن كان قد علم به، ولكنه نكب عن هذه الطريقة ولم يسر على منهج هذه الحقيقة، فوضع الكلام في غير موضعه، وحرف كلام العلماء بمفهومه الساقط، وتأويله القاسط، وقد كان من المعلوم أنه لا يجتمع في قلب عبد موالاة٢ أعداء الله ورسوله، ومحبتهم، والجدال عنهم، وحماية حماهم، مع محبة الله تعالى، ومحبة أوليائه،
стр. 21
ومعاداة أهل الإسلام المبغضين لأعداء الله ورسوله، المنابذين لهم، الناهين عن متابعتهم، ومجامعتهم، ومجالستهم، والرد عليهم، وتجهيلهم، وتضليلهم.
قال ابن القيم ﵀:
أتحب أعداء الحبيب وتدعي ... حبا له ما ذاك في إمكان
وكذا تعادي جاهداً أحبابه ... أين المحبة يا أخا الشيطان
وهذا مما ينافي ما قدمه في مقدمة رسالته، فإن الحب في الله، والبغض في الله، والمعاداة فيه، والموالاة فيه من كمال الإيمان، والمتحقق به من أهل ولاية الرحمن.
وهؤلاء تظاهروا بالرد والتشنيع على من أظهر عداوة الجهمية، والإباضية، وعباد القبور، وسموا هؤلاء الملاحدة من الجهمية وغيرهم من المسلمين، وزعموا أن قصدهم النصيحة للمؤمنين عن تكفير المسلمين، أفلا يستحي من صنع هذا الصنيع، ورتع في هذا المرتع الفظيع، ممن يقف على كلامه السامج الساقط، وعلى غاية مرام قصده المارج القاسط، حيث قام في نحر من يظهر عداوة أعداء الله ورسوله، ويتظاهر بالرد عليهم، وتجهيلهم، وتضليلهم بغير دليل من كتاب الله، وسنة رسوله، وكلام أهل التحقيق من أهل العلم، بل بما سنح له من مفهومه، وتخيله في معلومه.
أقلوا عليهم لا أباً َ لأبيكموا ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
стр. 22
أولئك هم خير وأهدى لأنهم ... عن الحق ما ضلوا وعن ضده صعدوا
وعادوا عُداة الدين من كل ملحد ... وقد حذروا منهم وفي بغضهم جَدّوا
فعاديتموهم من سفاهة رأيكم ... وشيدتموا ركناً من الغي قد هدوا
بتكفيرهم جهميةً وأباضية ... وعباد أجداث لناولكم ضِدّوا
وقد كفر الجهمية السلفُ لأولى ... وما شك في تكفيرهم من له نقد
ولا من له علم ولكن لبعضهم ... كلام على جهالهم ولهم قصد
وقد كان هذا في خصوص سائل ... عليهم بها يخفى الدليل ولا يبدوا
وأنتم لهم وآليتموا من غبائكم ... على أنهم سِلم وأنتم لهم جند
وما كان هذا الأمر إلا تَعَنُّتاً ... وإلا فما التشنيع يا قوم والرد
إذا لم يكن هذا الذي قدصنعتموا ... لمرضاة من شاد والردى بل له شدوا
ألا فأفيقوا لا أباً لأبيكموا ... من اللوم يا قومي فقد وضح الرشد
стр. 23
فصل
قال المعترض في جوابه: "فلما رأينا ناساً في هذا الزمان جعلوا همتهم وسعيهم في تكفير المسلمين، وإيذائهم، وتفسيقهم، وضيعوا أوقاتهم، ونَفّروا المسلمين عن الصراط المستقيم".
والجواب أن نقول لهذا المعترض: قد كان من المعلوم، عند ذوي المعارف والعلوم، أن من جعل عمته وسعيه في تكفير الجهمية الخارجين عن شريعة الإسلام، وإيذائهم أنه قد اتبع سبيل المؤمنين، وسار على الصراط المستقيم، وجانب طرق أصحاب الجحيم، بدليل ما تقدم من كلام العلماء أئمة الإسلام، وهداة الأنام، فما الدليل على أن الجهمية هم المسلمون، وأن من كفرهم وبذل جهده في عداوتهم والتنفير عن طريقتهم أنه لم يكن على صراط مستقيم، ولم يكن له في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، ولم يكن على منهج أهل السنة والجماعة، أفكان رسوله الله ﷺ وأصحابه لا يعادون المشركين والمنافقين، ولا يكفرونهم، هذا لا يقوله إلا مكابر في
стр. 24
الحسيات، مباهت في الضروريات، لكن كان ﵊ في حالة ضعف الإسلام وأهله، قد أُمر باللين والرفق، وترك أذى الكافرين والمنافقين، كما قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُم﴾ [الأحزاب: من الآية٤٨] فلما قويت شوكة الإسلام، وأهله أنزل الله عليه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِم﴾ [التحريم: من الآية٩] وقد قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: من الآية٢٩] فكان في حال جهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم يبذل النصيحة لعموم الخلق، ويرحمهم، ويشفق عليهم، لكن رحمته ولطفه وشفقته بالمؤمنين كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] فأخبر أن رأفته ورحمته بالمؤمنين لا بالكفار والمنافقين، بل كان عليهم غليظاً شديداً، بل كان المقصود من إقامة الحدود هو رحمتهم وردعهم من الوقوع في المحرمات والمنهيات.
فهذا التلطف والشفقة والرحمة لا يجوز أن يعامل بها من ينكر علو الله على خلقه، ويعطل أسماءه١ وصفاته، بل يعامل بالغلظة والشدة والمعاداة الظاهرة، وكذلك لا يعامل بها من أشرك بالله وعدل به سواه.
стр. 25
وأما قول هذا المعترض: "ولا يقول يا كافر ويا مشرك ويا جهمي ويا فاسق ويا مبتدع" ونحو ذلك.
فأقول: أما في حالة الدعوة إلى الله فلا ينبغي أن يكافحهم بهذه الألفاظ ابتداء، بل الواجب أن تكون الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأما كون المسلم دائماً مع أعداء الله ورسوله في لين وتلطف فهذا لا يقوله من عرف سيرة رسول الله ﷺ ، وسيرة أصحابه، كما قدمنا أن ذلك منهم قد كان مبدأ١ الأمر، وحال الضعف، وأما مع قوة شوكة المسلمين ودولتهم، وبعد قيام الحجة، وبلوغ الدعوة فحاشا وكلا بل قد قال ﷺ لليهود: "يا إخوان القردة والخنازير" وكيف يكون اللين والتلطف دائماً مستمراً وقد قال تعالى لنبيه محمد ﷺ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ *لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون٢:١] إلى آخر السورة وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس: من الآية١٠٤] الآية وقال تعالى عن خليله إبراهيم إمام الحنفاء الذي قال الله فيه: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَه﴾ [البقرة: من الآية١٣٠] وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣] ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي
стр. 26
فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: من الآية٢٧:٢٦] وقال تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ *فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٧٧] وقال تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: من الآية٤٨] وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: من الآية٤] قال ابن جرير رحمه الله تعالى ما ملخصه: فكذلك أنتم أيها المؤمنون بالله فتبرؤوا من أعداء الله المشركين، ولا تتخذوا منهم أولياء حتى يؤمنوا بالله وحده، ويتبرؤوا من عبادة ما سواه، وأظَهِروا لهم العداوة والبغضاء.
وقوله: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ﴾ على كفركم بالله، وعبادتكم ما سواه، ولا صلح بيننا، ولا مودة١ حتى تؤمنوا بالله وحده.
فصرح الإمام ابن جرير أن الله خاطب المؤمنين بأن يتبرؤوا من أعداء الله المشركين، وأن يظهروا لهم العداوة والبغضاء، وأن يبادوهم بذلك، وإظهار العداوة والبغضاء والبراءة منهم ومما يعبدون من دون الله هو الإنكار باللسان، بدليل قوله ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾ لأن عداوة القلب وبغضه لا
стр. 27
تسمى إظهاراً لأنها أعمال قلبية، فلا بد من إظهار ما في القلوب من العداوة والبغضاء والبراءة من الشرك وأهله بالقول والعمل.
وقال البغوي ﵀ على هذه الآية في آخر الكلام عليها: قال مقاتل: فلما أمر الله المؤمنين بعداوة الكفار، عادى المؤمنون أقرباءهم١ المشركين، فأظهروا لهم العداوة والبراءة، فلما علم الله شدة وجد المؤمنين بذلك أنزل الله ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة: من الآية٧] انتهى.
وقال شيخنا الشيخ عبد اللطيف ﵀ في رده على ابن منصور: والهجرة إلى الحبشة، ومقام أبي بكر الصديق يتلوا القرآن، ويظهر دينه كل هذا يؤيد كلام الشيخ وينصره في وجوب التصريح بالعداوة، وأنه لا رخصة مع الاستطاعة، ولولا ذلك لم يحتاجوا إلى الهجرة، ولو تركوها في بلد النجاشي لم يحتاجوا إلى نصرته، وأن يقول: أنتم سيوم بأرضي، ولكان كل مسلم يخفي إيمانه ولا يبادر المشركين بشيء من العداوة، فلا يحتاج حينئذ إلى هجرة، بل تمشي الحال على أي حال كما هي طريقة من لا يعرف ما أوجب الله من عداوة المشركين، وإظهار دين المرسلين، ولولا التصريح بالعداوة من المهاجرين الأولين، ومباداة قومهم بإظهار الإسلام، وعيب ما هم عليهم
стр. 28
من الشرك وتكذيب الرسول، وجحد ما جاء به من البينات والهدى، لما حصل من قومهم من الأذية والابتلاء والامتحان ما يوجب الهجرة، واختيار بلد النجاشي، وأمثالها من البلاد التي تؤمن فيها الفتنة والأذية.
فالسبب المقتضي لهذا كله ما أوجبه الله من إظهار الإسلام ومباداة أهل الشرك بالعداوة والبراءة، بل هذا مقتضى كلمة الإخلاص، فإن نفي الآلهة عما سوى الله صريح في البراءة منه، والكفر بالطاغوت، وعيب عبادتهم، وعداوتهم ومقتهم، ولو سكت المسلم ولم ينكر كما يظنه هذا الرجل لألقت الحرب عصاها، ولم تدر بينهم رحاها كما هو الواقع ممن يدعي الإسلام وهو مصاحب معاشر عباد الصالحين والأوثان والأصنام، فسحقاً للقوم الظالمين، انتهى.
وإذا كان أعداء الله الجهمية، وعباد القبور قد قامت عليهم الحجة، وبلغتهم الدعوة، منذ أعصار متطاولة، لا ينكر هذا إلا مكابر، فكيف يزعم هؤلاء الجهلة أنه لا يقال لأحدهم: يا كافر، ويا مشرك، ويا فاسق، ويا متعور، ويا جهمي، ويا مبتدع وقد قام به الوصف الذي صار به كافراً، أو مشركاً، أو فاسقاً، أو مبتدعاً وقد بلغته الحجة، وقامت عليه، مع أن الذي صدر من القبورية الجهمية هؤلاء لم يكن من المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على الإنسان فَيُتَوقَّف في حال أحدهم، لكن قد علم بالضرورة من دين الإسلام أن من
стр. 29
جحد علوا الله على خلقه، وأنكر صفاته ونعوت جلاله أنه كافر معطل لا يشك في ذلك مسلم، فكيف يظن بالإخوان أنهم يقولون للمسلم يا سني: يا جهمي، وليس كذلك، أو يا كافر أو يا مبتدع.
وقد قال الإمام مالك لما سأله١ رجل عن الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعاً، وأمر به فأخرج عن مجلسه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيميه قدس الله روحه وهو في السجن لما طلب منه أعداؤه أن يوافقهم على أمر كتبوه في ورقة، وقالوا: المطلوب منه أن يعتقد هذا، فأبى عليهم، فأعادوا عليه الجواب، فأبى وأغلظ لهم في الجواب قال: فرفعت صوتي وقلت: يا زنادقة يا كفار يا مرتدين أو كلاماً نحو هذا ذكره في التسعينية.
وأما قوله: "وفي هذا الزمان مع أنهم لا يقول لهم أحد شيئاً، بل يتعوذون منه شرهم، ولكن لم يتركوا أحداً، بل قالوا لبعضهم: يا كافر، ولبعضهم يا مشرك، ولبعضهم يا مبتدع، ويا جهمي، ويا متعور، وبعضهم لا يُسَلِّمون عليه، وبضعهم لا يردون ﵇".
فأقول: هذا جواب جاهل مُتَمَعْلِم، لا يدري، ولا يدري أنه
стр. 30
لا يدري، فإنه لا يتوقف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومباداة أعداء الله ورسوله وأعداء دينه بالعداوة والبغضاء على كون أعداء الله ورسوله لا يقولون لأحد شيئاً، بل يتعوذون من شرهم لأن مباداة أعداء الله بالعداوة والبغضاء هو الواجب، وترك ذلك من المداهنة، وللشيطان وأعوانه غرض في الطائفتين قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم:٩] .
وثمود لو لم يدهنوا في ربهم
...
لم تدم ناقتهم بسف قدار
وليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شرٌّ كما يقوله هذا الجاهل.
فإن كان الكلام مع جهمي ينكر علوا الله على خلقه، ويعطل أسمائه١ وصفاته، كان هذا الفعل خيراً محضاً لا شر فيه وتسميته شراً يوقع في الفتنة التي توبق صاحبها، وتحلق بأهل الوعيد، نعوذ بالله من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، وكذلك لو كان هذا مع إباضي، أو مع عباد القبور، والأمر أشد من ذلك وأعظم.
فإن كان مع من يواليهم، ويجالسهم فقوله لأحدهم: يا كافر أو يا جهمي خطأ٢، فإنه لا يقال هذا إلا لكافر أو جهمي
стр. 31
قد قامت عليه الحجة وبعد ذلك كابر وعاند، ومن والاهم وجادل عنهم بعدما تبين له الحق، واتضح له كلام العلماء في تكفيرهم، وتحققوا أنه قد بلغتهم الحجة، وقامت عليهم بإنكار أهل الإسلام عليهم، وإن لم يفهموا الحجة، ثم كابر وعاند فإن كان عن تأويل فلا أدري ما حاله، وأمره شديد، ووعيده أشد وعيد إن كان غير ذلك، فنعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلالة بعد الهدى، من يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً ومن لم يجعل الله نوراً فما له من نور.
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: ولنذكر من كلام الله تعالى، وكلام رسوله، وكلام أئمة العلم جملاً في جهاد القلب واللسان، ومعاداة أعداء الله، وموالاة أوليائه، وأن الدين لا يصح ولا يدخل الإنسان فيه إلا بذلك.
فنقول: باب وجوب عداوة أعداء الله من الكفار المرتدين والمنافقين، وقول الله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُم﴾ [النساء: من الآية١٤٠] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: من الآية٥١] إلى قوله: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ
стр. 32
وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] .
وقوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] وقال الإمام الحافظ محمد بن وضاح أخبرني غير واحد أن أسد بن موسى كتب إلى أسد بن الفرات: اعلم أخي أنا ما حملني على الكتب١ إليك إلا٢ ما ذكر أهل بلدك من صالح ما أعطاك الله من إنصافك للناس، وحسن حالك مما أظهرت من السنة، وعيبك لأهل البدع، وكثرة ذكرك لهم، وطعنك عليهم، فقمعهم الله بك، وشد بك ظهر أهل السنة، وقواك٣ بإظهار عيبهم، والطعن عليهم، فأذلهم الله بك، وصاروا ببدعتهم مستترين، فأبشر يا أخي بثواب ذلك، واعتد به من أفضل حسناتك من الصلاة والصيام والحج والجهاد، وأين تقع هذه الأعمال من إقامة كتاب الله تعالى، وإحياء سنة رسول الله ﷺ ، وقد قال ﷺ : "من أحيا شيئا من سنتي كنت أنا وهو في الجنة كهاتين، وضم بين أصبعيه".
وقال: "أيما داع دعا إلى هدى فاتبع عليه كان له مثل أجر من اتبعه إلى يوم القيامة" فمتى يدرك أجر هذا شيء من عمله؟
стр. 33
وذكر أيضاً "أن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام ولياً لله يذب عنها وينطق بعلامتها".
فاغتنم يا أخي هذا الفضل وكن من أهله، فإن النبي ﷺ قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن وأوصاه قال: "لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من كذا وكذا" وأعظم القول فيه، فاغتنم ذلك، وادع إلى السنة حتى يكون لك في ذلك إلفة وجماعة يقومون مقامك إن حدث بك حدث، فيكونون أئمة بعدك، فيكون لك ثواب ذلك إلى يوم القيامة، كما جاء في الأثر، فاعمل على بصيرة، ونية، وحسبة، فيرد الله بك المبتدع المفتون، الزائغ الحائر، فتكون خلفاً من نبيك ﷺ ، فإنك لن تلق الله بعمل يشبهه.
وإياك أن يكون لك من أهل البدع أخ، أو جليس، أو صاحب فإنه جاء الأثر "من جالس صاحب بدعة نزعت منه العصمة، ووكل إلى نفسه، ومن مشى إلى صاحب بدعة مشى في هدم الإسلام".
وجاء "ما من إله يعبد من دون الله أبغض إلى الله من صاحب هوى" وقد وقعت اللعنة من رسول الله ﷺ على أهل البدع، وأن الله لا يقبل منهم صرفاً ولا عدلاً، ولا فريضة ولا تطوعاً، وكلما زادوا اجتهاداً أو صوماً وصلاة ازدادوا من الله بعداً، فارفض مجالسهم، وأذلهم وأبعدهم، كما أبعدهم الله، وأذلهم رسول الله ﷺ ، وأئمة الهدى بعده، انتهى كلامه ﵀.
стр. 34
واعلم رحمك الله أن كلامه وما يأتي من أمثاله من السلفة في معاداة أهل البدع والضلالة ضلالة لا تخرج عن الملة، لكنهم شددوا في ذلك وحذروا منه لأمرين:
الأول: غلظ البدعة في الدين في نفسها، فهي عندهم أجل من الكبائر، ويعاملون أهلها بأغلظ مما يعاملون أهل الكبائر، كما تجد في قلوب الناس اليوم أن الرافضي عندهم ولو كان عالماًً عابداً أبغض وأشد ذنباً من السني المجاهر بالكبائر.
والأمر الثاني: أن البدعة تجر إلى الردة الصريحة، كما وجد في كثير من أهل البدع.
فمثال البدعة التي شددوا فيها مثل تشديد النبي ﷺ فيمن عَبَدَ الله عند قبر رجل صالح، خوفاً مما وقع من الشرك الذي يصير به المسلم مرتداً.
فمن فهم هذا فهم الفرق بين البدع وبين ما نحن فيه من الكلام في الردة ومجاهدة أهلها، والنفاق الأكبر، ومجاهدة أهله، وهذا هو الذي نزل فيه الآيات المحكمات مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣-٧٤] .
стр. 35
قلت: فتأمل أيها المنصف ما ذكره هذا المعترض من قوله: "فلما رأينا ناساً في هذا الزمان جعلوا همتهم وسعيهم في تكفير المسلمين وإيذائهم وتفسيقهم، وضيعوا أوقاتهم، ونفروا المسلمين عن الصراط المستقيم" وهؤلاء المسلمون عندهم كالجهمية، والإباضية، وعباد القبور، كما ذكره الإخوان عنهم، ويدل على ذلك قوله: "بل قالوا لبعضهم: يا كافر ولبعضهم يا مشرك، ولبعضهم يا مبتدع، ويا جهمي".
ثم تأمل ما ذكره الإمام أسد بن موسى فيما كتبه إلى أسد ابن الفرات وقوله: "مما أظهرت من السنة، وعيبك لأهل البدع، وكثرة ذكرك لهم، وطعنك عليهم، فقمعهم الله بك، وشد بك ظهر أهل السنة، وقواك عليهم بإظهار عيبهم، والطعن عليهم، فأذلهم الله بك، وصاروا ببدعتهم مستترين".
وهذا الجاهل المعترض، وأصحابه الذين وازروه، وقاموا معه فإنهم ينكرون على من أظهر عداوة الجهمية، والإباضية، وعباد القبور، ويشنعون عليهم ويصنفون في الرد عليهم، والذب عن هؤلاء الكفرة ويسمونهم المسلمون، ويعيبون على أهل الإسلام بأنهم جعلوا عمتهم وسعيهم في تكفير من أنكر علوا الله على خلقه، وعطل أسماءه١ وصفاته، وأنهم بهذا نفروا المسلمين عن الصراط المستقيم. والصراط الم
م عند هؤلاء هو: التلطف بهم، والنصيحة لهم،
стр. 36
واللين عليهم، لأن هذا بزعمهم هو دعوة رسول الله ﷺ ، وسيرته. وما علم هؤلاء أن هذا كان في بدء١ الأمر قبل أن تنزل آية السيف والجهاد، ثم نسخ هذا كله، وأمر أن يجاهدهم حتى يكون الدين كله لله.
وتأمل أيضاً ما ذكره أسد بن موسى من قوله: "وإياك أن يكون لك من أهل البدع أخ، أو جليس، أو صاحب فإنه جاء في الأثر" من جالس صاحب بدعة نزعت منه العصمة، ووكل إلى نفسه، ومن مشى إلى صاحب بدعة مشى في هدم الإسلام".
ثم تأمل قيام هؤلاء في نحر طلبة العلم الذين يحذرون عن مجالسة الجهمية، ومواكلتهم، وأكل ذبائحهم، والركون إليهم.
ثم انظر إلى كلام الشيخ محمد رحمه الله تعالى من أن هذا الكلام، وما يأتي من الكلام بعده من كلام السلف أنه في معاداة أهل البدع والضلال الضلالة التي لا تخرج عن الملة، فكيف الكلام في الجهمية الذين كفرهم السلف كما قال ابن القيم ﵀ في الكافية الشافية:
ولقد تقلد كُفرَهُم خمسون في ... عشر من العلماء في البلدان
стр. 37
واللالكائي الإمام حكاه عنهم
...
بل قد حكاه قبله الطبراني
وذكر أيضاً أن كل أهل السنة أثنوا على خالدٍ بقتل جعداً قال ﵀:
شكر الضحية كل ناصر سنة
...
لله درك من أخي قربان
وكذلك عباد القبور فإنهم ليسول من أهل الأهواء والبدع، بل يسميهم السلف: الغلاة، لمشابهتهم النصارى في الغلو في الأنبياء، والصالحين.
ثم قال الشيخ ﵀: قال ابن وضاح في البدع والحوادث بعد حديث ذكره سيقع في هذه الأمة الكفر وفتنة الضلالة قال ﵀: إن فتنة الكفر هي الردة، يحل فيها السبي والأموال، وفتنة الضلالة لا يحل فيها السبي والأموال.
وقال ﵀ أيضا أخبرنا أسد أخبرنا رجل عن ابن المبارك١ قال: قال ابن مسعود: إن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام ولياً من أوليائه، يذب عنها وينطق بعلامتها، فاغتنموا حضور تلك المواطن، وتوكلوا على الله وكفى بالله وكيلاً.
стр. 38
ثم ذكر بإسناده عن بعض السلف قال: "لأن أرد رجلاً عن رأي سيئ أحب إلي من اعتكاف شهر" أخبرنا أسد عن أبي إسحاق الحذاء عن الأوزاعي قال: "كان بعض أهل العلم يقولون: لا يقبل الله من ذي بدعة صلاة ولا صياماً ولا صدقة ولا جهاداً ولا صرفاً ولا عدلاً، وكانت أسلافكم تشتد عليهم ألسنتهم، وتشمئز منهم قلوبهم، ويحذرون الناس بدعتهم. قال: ولو كانوا مستترين ببدعتهم دون الناس، ما كان لأحد أن يهتك ستراً عليهم، أو يظهر منهم عورة، الله أولى بالأخذ بها، وبالتوبة عليها، فأما إذا جهروا فنشر العلم١ حياة، والبلاغ عن رسول الله ﷺ رحمة يعتصم بها على مصر ملحد.
ثم روى بإسناده قال: جاء رجل إلى حذيفة وأبو موسى الأشعري قاعد فقال: أرأيت رجلاً ضرب بسيفه غضباً لله حتى قتل أفي الجنة أم في النار؟ فقال أبو موسى: في الجنة. فقال حذيفة: استفهم الرجل وأفهمه ما تقول – حتى فعل ذلك ثلاث مرات – فلما كان من الثالثة قال: والله لا استفهمه، فدعا به حذيفة فقال: رويدك إن صاحبك لو ضرب بسيفه حتى ينقطع، فأصاب الحق حتى يقتل عليه فهو في الجنة، وإن لم يصب الحق، ولم يوفقه الله للحق فهو في
стр. 39
النار. ثم قال: والذي نفسي بيده ليدخلن النار في مثل الذي سألت عنه أكثر من كذا وكذا١.
ثم ذكر بإسناده عن الحسن قال: لا تجالس صاحب بدعة فإنه يمرض قلبك.
ثم ذكر بإسناده عن سفيان الثوري قال: من جالس صاحب بدعة لم يسلم من إحدى ثلاث: إما أن يكون فتنة لغيره، وإما أن يقع في قلبه شيء فيزل به فيدخل النار، وإما أن يقول والله ما أبالي ما تكلموا٢، وإني واثق بنفسي فمن أمن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه.
وبإسناده عن بعض السلف قال: من أتى صاحب بدعة ليوقره فقد أعان على هدم الإسلام.
أخبرنا أسد بن موسى قال أخبرنا حماد بن زيد عن أيوب قال: قال أبو قلابة: لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم، فإن لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، ويلبسوا عليك ما تعرفون. قال أيوب: وكان والله من الفقهاء ذوي الألباب.
أخبرنا أسد بن موسى قال أخبرنا زيد عن محمد بن طلحة
стр. 40
قال: قال إبراهيم: لا تجالسوا أهل البدع، ولا تكلموهم، فإني أخاف أن ترتد قلوبكم. وذكر الشيخ كلاماً طويلاً في هذا المعنى في إفادة المستفيد.
وروى الحاكم والبيهقي عن أنس ﵁ تقربوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، والقوهم بوجوه مكفهرة، والتمسوا رضي الله عنكم بسخطهم.
قال المناوي ﵀ في شرح الجامع الصغير على هذا الحديث: تقربوا إلى الله أي اطلبوا رضاه ببغض أهل المعاصي من حيث إنهم أهل المعاصي لا لذواتهم، فالمأمور ببغضه في الحقيقة إنما هو تلك الأفعال المنهية، والقوهم بوجوه مُكفَهِرَّة أي عابسة قاطبة فعسى أن ينجح ذلك فيهم، فينزجروا، والتمسوا أي اطلبوا ببذل الجهد رضي الله عنكم بسخطهم فإنهم أعداء الدين، وتقربوا إلى الله بالتباعد منهم، فإن مخالطتهم سم قاتل، وفيه شمول للعالم العاصي. ورواه ابن شاهين في كتاب الأفراد عن ابن مسعود بإسناد ضعيف. قال المناوي: وإسناد الأول واهٍ.
والمقصود ما قاله المناوي ﵀ من أن مخالطتهم سم قاتل، وأن أهل المعاصي أعداء الدين، فكيف بمخالطة