← Акыда

Акыда · id 11352

كشف الشبهتين

سليمان بن سحمان

Полный текст (126 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

واللين عليهم، لأن هذا بزعمهم هو دعوة رسول الله ﷺ ، وسيرته. وما علم هؤلاء أن هذا كان في بدء١ الأمر قبل أن تنزل آية السيف والجهاد، ثم نسخ هذا كله، وأمر أن يجاهدهم حتى يكون الدين كله لله. وتأمل أيضاً ما ذكره أسد بن موسى من قوله: "وإياك أن يكون لك من أهل البدع أخ، أو جليس، أو صاحب فإنه جاء في الأثر" من جالس صاحب بدعة نزعت منه العصمة، ووكل إلى نفسه، ومن مشى إلى صاحب بدعة مشى في هدم الإسلام". ثم تأمل قيام هؤلاء في نحر طلبة العلم الذين يحذرون عن مجالسة الجهمية، ومواكلتهم، وأكل ذبائحهم، والركون إليهم. ثم انظر إلى كلام الشيخ محمد رحمه الله تعالى من أن هذا الكلام، وما يأتي من الكلام بعده من كلام السلف أنه في معاداة أهل البدع والضلال الضلالة التي لا تخرج عن الملة، فكيف الكلام في الجهمية الذين كفرهم السلف كما قال ابن القيم ﵀ في الكافية الشافية: ولقد تقلد كُفرَهُم خمسون في ... عشر من العلماء في البلدان

стр. 37

واللالكائي الإمام حكاه عنهم ... بل قد حكاه قبله الطبراني وذكر أيضاً أن كل أهل السنة أثنوا على خالدٍ بقتل جعداً قال ﵀: شكر الضحية كل ناصر سنة ... لله درك من أخي قربان وكذلك عباد القبور فإنهم ليسول من أهل الأهواء والبدع، بل يسميهم السلف: الغلاة، لمشابهتهم النصارى في الغلو في الأنبياء، والصالحين. ثم قال الشيخ ﵀: قال ابن وضاح في البدع والحوادث بعد حديث ذكره سيقع في هذه الأمة الكفر وفتنة الضلالة قال ﵀: إن فتنة الكفر هي الردة، يحل فيها السبي والأموال، وفتنة الضلالة لا يحل فيها السبي والأموال. وقال ﵀ أيضا أخبرنا أسد أخبرنا رجل عن ابن المبارك١ قال: قال ابن مسعود: إن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام ولياً من أوليائه، يذب عنها وينطق بعلامتها، فاغتنموا حضور تلك المواطن، وتوكلوا على الله وكفى بالله وكيلاً.

стр. 38

ثم ذكر بإسناده عن بعض السلف قال: "لأن أرد رجلاً عن رأي سيئ أحب إلي من اعتكاف شهر" أخبرنا أسد عن أبي إسحاق الحذاء عن الأوزاعي قال: "كان بعض أهل العلم يقولون: لا يقبل الله من ذي بدعة صلاة ولا صياماً ولا صدقة ولا جهاداً ولا صرفاً ولا عدلاً، وكانت أسلافكم تشتد عليهم ألسنتهم، وتشمئز منهم قلوبهم، ويحذرون الناس بدعتهم. قال: ولو كانوا مستترين ببدعتهم دون الناس، ما كان لأحد أن يهتك ستراً عليهم، أو يظهر منهم عورة، الله أولى بالأخذ بها، وبالتوبة عليها، فأما إذا جهروا فنشر العلم١ حياة، والبلاغ عن رسول الله ﷺ رحمة يعتصم بها على مصر ملحد. ثم روى بإسناده قال: جاء رجل إلى حذيفة وأبو موسى الأشعري قاعد فقال: أرأيت رجلاً ضرب بسيفه غضباً لله حتى قتل أفي الجنة أم في النار؟ فقال أبو موسى: في الجنة. فقال حذيفة: استفهم الرجل وأفهمه ما تقول – حتى فعل ذلك ثلاث مرات – فلما كان من الثالثة قال: والله لا استفهمه، فدعا به حذيفة فقال: رويدك إن صاحبك لو ضرب بسيفه حتى ينقطع، فأصاب الحق حتى يقتل عليه فهو في الجنة، وإن لم يصب الحق، ولم يوفقه الله للحق فهو في

стр. 39

النار. ثم قال: والذي نفسي بيده ليدخلن النار في مثل الذي سألت عنه أكثر من كذا وكذا١. ثم ذكر بإسناده عن الحسن قال: لا تجالس صاحب بدعة فإنه يمرض قلبك. ثم ذكر بإسناده عن سفيان الثوري قال: من جالس صاحب بدعة لم يسلم من إحدى ثلاث: إما أن يكون فتنة لغيره، وإما أن يقع في قلبه شيء فيزل به فيدخل النار، وإما أن يقول والله ما أبالي ما تكلموا٢، وإني واثق بنفسي فمن أمن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه. وبإسناده عن بعض السلف قال: من أتى صاحب بدعة ليوقره فقد أعان على هدم الإسلام. أخبرنا أسد بن موسى قال أخبرنا حماد بن زيد عن أيوب قال: قال أبو قلابة: لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم، فإن لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، ويلبسوا عليك ما تعرفون. قال أيوب: وكان والله من الفقهاء ذوي الألباب. أخبرنا أسد بن موسى قال أخبرنا زيد عن محمد بن طلحة

стр. 40

قال: قال إبراهيم: لا تجالسوا أهل البدع، ولا تكلموهم، فإني أخاف أن ترتد قلوبكم. وذكر الشيخ كلاماً طويلاً في هذا المعنى في إفادة المستفيد. وروى الحاكم والبيهقي عن أنس ﵁ تقربوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، والقوهم بوجوه مكفهرة، والتمسوا رضي الله عنكم بسخطهم. قال المناوي ﵀ في شرح الجامع الصغير على هذا الحديث: تقربوا إلى الله أي اطلبوا رضاه ببغض أهل المعاصي من حيث إنهم أهل المعاصي لا لذواتهم، فالمأمور ببغضه في الحقيقة إنما هو تلك الأفعال المنهية، والقوهم بوجوه مُكفَهِرَّة أي عابسة قاطبة فعسى أن ينجح ذلك فيهم، فينزجروا، والتمسوا أي اطلبوا ببذل الجهد رضي الله عنكم بسخطهم فإنهم أعداء الدين، وتقربوا إلى الله بالتباعد منهم، فإن مخالطتهم سم قاتل، وفيه شمول للعالم العاصي. ورواه ابن شاهين في كتاب الأفراد عن ابن مسعود بإسناد ضعيف. قال المناوي: وإسناد الأول واهٍ. والمقصود ما قاله المناوي ﵀ من أن مخالطتهم سم قاتل، وأن أهل المعاصي أعداء الدين، فكيف بمخالطة

стр. 41

أهل الكفر بالله من دعاة الأنبياء والأولياء والصالحين، والجهمية، والإباضية أعداء الدين، الخارجين عن طريقه المسلمين، والمجادلة عنهم والذب، وتضليل من نفر عن مجالستهم، وتجهيلهم وآل به الجهل بطبع مقالته، ونشرها في البلاد والعباد، سبحان من طبع على قلوب أكثر الناس. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: القسم الرابع من مخالطته الهلكة، ومخالطته بمنزلة أكل السم، فإن اتفق لآكله١ ترياق، وإلا فأحسن الله فيه العزاء. وما أكثر هذا الضرب في الناس لا كثرهم الله، وهم أهل البدع والضلالة، الصادون عن سنة رسول الله ﷺ ، الداعون إلى خلافها، فيجعلون السنة بدعة، والبدعة سنة، إن جَرَّدت التوحيد قالوا تنقصت الأولياء والصالحين، وإن جردت المتابعة للرسول قالوا أهدرت الأئمة المتبوعين، وإن وصفت الله بما وصف به نفسه، وبما وصف به رسوله، من غير غلو، ولا تقصير قالوا أنت من المشبهين، وإن أمرت بما أمر [الله به] ٢ رسوله من المعروف، ونهيت عن المنكر قالوا أنت من المفتنين، وإن اتبعت السنة، وتركت ما خالفهم٣ قالوا أنت

стр. 42

من الملبسين١، وإن تركت ما أنت عليه، واتبعت أهواءهم٢ فأنت عند الله من الخاسرين، وعندهم من المنافقين، فالحزم كل الحزم التماس مرضاة الله ورسوله بإغضابهم٣، وأن لا تبالي بذمهم وغضبهم فإنه عين كمالك انتهى. قلتُ: ما أشبه الليله بالبارحه، فانظر إلى مقالة هؤلاء في دعواهم على طلبة العم أنهم نفروا المسلمين عن الصراط المستقيم، ثم انظر كلام ابن القيم ﵀ ترى العجب العجاب. وأما قول المعترض: "وبعضهم لا يسلمون عليه، وبعضهم لا يردون السلام". فالجواب أن يقال: فرض هذا من الإخوان فيمن دون الجهمية، والإباضية، وعباد القبور، ممن يواليهم أو يجادل عنهم، وحينئذ فيقال: إن ترك السلام ابتداء ورداً على من أحدث حدثاً حتى يتوب منه كان من هدي رسول الله ﷺ ، وعمل به الصحابة، والتابعون، والأئمة المجتهدون، ولنا في رسول الله أسوة حسنة فإنه ﷺ هجر كعب بن مالك رضي الله

стр. 43

عنه وصاحبيه وكانا من أهل بدر، لما تخلفوا عن الغزو معه عام تبوك، من الكلام والسلام، والحديث بذلك في صحيح البخاري، وقد كان هؤلاء المهجورين من الأفاضل الكرام، وذوي الهيئات والاحترام، فهجرهم عن السلام والكلام، لما أحدثوا حدثاً أوجب لهم التعزير والتأديب والاهتضام، حتى تاب الله عليهم فتابوا ورجعوا إليه، وأنابوا. قال شيخ الإسلام في منهاج السنة: وكان يهجر بعض المؤمنين، كما هجر الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، لأن المقصود دعوة الخلق إلى طاعة الله بأقوم طريق، فيستعمل الرغبة حيث تكون أصلح، والرهبة حيث تكون أصلح. فبين ﵀ أن المقصود دعوة الخلق إلى طاعة الله، فكان في الهجر إذا كان فيه مصلحة من الدعوة إلى الله، ومن هدي رسول الله ﷺ وسيرته فحسن. وكذلك لما سلم عليه عمار بن ياسر ﵁، وقد خلقه أهله بزعفران فلم يرد ﵇ وقال: اذهب فاغسل عنك هذا. وكذلك لم يرد السلام على من أعلى بنيان بيته، حتى هدمه. ومن لبس بُرداً أحمر مصمتاً كما في حديث ابن عمر ﵄ قال: مر بالنبي ﷺ رجل عليه بردان أحمران فسلم، فلم يرد النبي ﷺ .

стр. 44

وفي الأدب المفرد للبخاري ﵀ عن علي ﵁ قال: مر النبي ﷺ على قوم فيهم رجل متخلق بخَلُوق، فنظر إليهم، وسلم عليهم، وأعرض عن الرجل، فقال الرجل أعرضت عني؟ قال: "بين عينيك جمرة". وفيه أيضاً عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: "ولا تسلموا على شراب الخمر". وفيه عن قتادة عن الحسن "ليس بينك وبين الفاسق حرمة". وقال ابن شهاب ﵀: أقام أخي أبو الخطاب معي في الدار عشرين سنة ما كلمته، وأشار أنه كان ينسب إلى الرفض. وكان أبو حفص لا يكلم رافضياً إلى عشرة. وقال القاضي أبو حسين: قرأت في بعض كتب أصحابنا أن ابن رجاء كان إذا مات بعكبر رجل من الرافضة فبلغه أن بزازاً باع له كفناً، أو غاسلاً غسله، أو حمالاً حمله، هجره على ذلك. وقال المهلب: ترك السلام على أهل المعاصي سنة ماضية. وقال في الفتح: وألحق بعض الحنفية بأهل المعاصي من

стр. 45

يتعاطى خوارم المروءة١ ككثرة المزاح، واللهو، وفحش القول، والجلوس في الأسواق لرؤية من يمر من النساء، ونحو ذلك. ولو ذهبنا نذكر أقوال العلماء لطال الكلام، والمقصود التنبيه على أن هذا من هدى رسول الله ﷺ ، وهدى أصحابه والتابعين لهم بإحسان هجر أهل المعاصي والبدع، ودرج على ذلك أفاضل العلماء من الأئمة الأعلام، فمن أخذ بهديهم، وسار بسيرتهم فقد سار على الصراط المستقيم. وقد ذكر المعترض في أول رسالته أن يجب على كل من نصح نفسه، وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه نصح نفسه، وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه، والناس في هذا بين مستقل ومستكثر ومحروم، فإذا تبين لك أن٢ ما ذكرناه من هدى رسول الله ﷺ ، وهدى أصحابه، ومن سيرته وشأنه، ومع هذا كله قام في نحر من قام به، واتبع هديه ﷺ في ذلك، وسار بسيرته، وجهلهم وضللهم، وزعم أنهم نفروا المسلمين عن الصراط المستقيم، تبين لكل منصف أنه هو ممن نكب عن هذه الطريقة، ولم يسر على منهاج هذه الحقيقة، وأنه من

стр. 46

المحرومين لا من المقلين ولا من المستكثرين، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور. وأما قوله: "بالله عليك أيها المنصف هكذا تكون الدعوة إلى الله، وهكذا سيرة محمد ﷺ "إلى آخر كلامه. فأقول: نعم هكذا تكون الدعوة إلى الله، وهكذا سيرة محمد ﷺ ، فمن كان له إطلاع، ومعرفة بكلام الله، ورسوله، وكلام العلماء يعرف ما ذكرناه أنه من سيرة رسول الله ﷺ وسيرة أصحابه، وسيرة السلف الصالح، وأما من جهل ذلك ولم يكن لديه معرفة ولا إلمام فإنه ينكر هذا، ويظن أنه خلاف سنة رسول الله ﷺ وسيرته ودعوته. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الهدي النبوي: وفي نهي النبي ﷺ عن كلام هؤلاء الثلاثة من بين سائر من تخلف دليل على صدقهم، وتكذيب الباقين، فأراد هجر الصادقين، وتأديبهم على هذا الذنب، وأما المنافقون فجرمهم أعظم من أن يقابل بالهجر، فدواء هذا المرض لا يعمل في مرض النفاق، ولا فائدة فيه، هكذا يفعل الرب بعباده في عقوبات جرائمهم، فيؤدب عبده المؤمن الذي يحبه وهو كريم عنده بأدنى زلة وهفوة، فلا يزال مستيقظاً حذراً، وأما من سقط من عينه، وهان عليه فإنه يخلي بينه وبين معاصيه، وكلما أحدث ذنباً أحدث الله له نعمة، والمغرور يظن أن ذلك من كرامته عليه، ولا يعلم أن ذلك عين الإهانة، وأنه يريد به العذاب

стр. 47

الشديد، والعقوبة، التي لا عافية معها، كما في الحديث المشهور: "إذا أراد الله بعبده خيراً عجّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده شراً أمسك عنه عقوبته في الدنيا فيرد القيامة١ بذنوبه "، إلى آخر كلامه. فانظر إلى كلام ابن القيم ﵀ وإلى ما قدمناه من كلام أهل العلم مما ذكره الحافظ محمد بن وضاح من سيرتهم، ومعاداتهم أهل البدع، ومقتهم، وعيبهم لهم والتحذير عن مجالستهم، إذا تأمله المنصف الخالي عن ثوبي الجهل والتعصب عرف سيرة السلف الصالح، والصدر الأول، وتحقق ما هم عليه من الغير لله، ولدينه، وتبين له جهل هؤلاء المتعارضين. والمقصود أن الإخوان كانوا على طريق مستقيم من هديه ﷺ وسيرته، وسيرة أصحابه فكفروا من كفره الله ورسوله، وأجمع على تكفيره أهل العلم، وهجروا من السلام من لم يكفرهم، ووالاهم، وذب عنهم، لأنهم حملوهم على الجهل وعدم المعرفة، وأنه قد قام معهم من الشبهة والتأويل ما أوجبهم الجدال عنهم، لأن هذا عندهم من الدعوة إلى الله، فلذلك ما عاملوهم إلا بالهجر من السلام ابتداءً ورداً، فإذا كان هذا هجر النبي ﷺ أصحابه الصادقين المخلصين لما اقترفوا هذا الذنب اليسير، وتركه هجر المنافقين لأن٢ جرمهم

стр. 48

لا ينجع فيه التأديب بالهجر، فقبل عذرهم، ووكل أمرهم إلى الله، وإنما تركهم ﵊ من المعاقبة لأنه خاف أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، لا لأن جرمهم لا يحتمل هذا الأمر، وقد بسط الكلام على هذا شيخ الإسلام ابن تيميه قدس الله روحه في الصارم المسلول على شاتم الرسول، فالاعتراض والتشنيع على طلبة العلم بهجر أهل المعاصي فضلاً عن هجر أعداء الله ورسوله النافين لعلو الله على خلقه والجاعلين معه آلهة أخرى من دونه خطأ عظيم، واعتراض ذميم وخيم، وجهل مفرط جسيم. وأما قوله: "ومن أجل هؤلاء ساء الظنون بالناصحين، فإذا قال بعض الناس لمن يريدوا نصيحتهم يقولون: لا تقبلوا نصيحتهم إنهم يكفرون الناس، لا تقبلوا لهم نصيحة، وسبب ذلك جهل جهال بعض البله أن ما لنا في أسمائهم حاجة، الحر تكفيه الإشارة، يزعمون أنهم دعاة إلى الله، ومن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وإفسادهم أكثر من إصلاحهم". فأقول سبحان الله ما أعظم شأنه، وأعز سلطانه، كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون، كيف استرسل من يترشح للعلم مع الشيطان إلى أن بلغ به إلى هذه الغاية، فإن الشيطان قد فتح لكثير من الناس أبواباً من الشُّبَه في إسقاط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وألقى على ألسنتهم هذه

стр. 49

الشبهة ليتوصل بذلك إلى أن يترك الناس الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن في ذلك تنفيراً للناس عن قبول النصيحة، ويظنون أن هذا من جهل الآمر والناهي، وأن العقل لا يسوغ هذا، وهذا العقل هو حظ كثير من الناس، بل أكثرهم وهو عين الهلاك، وثمرة النفاق، فإن أربابه يرون أن العقل إرضاء الناس جميعهم، وعدم مخالفتهم في أغراضهم، وشهواتهم، واستجلاب مودتهم ويقولون أصلح نفسك بالدخول مع الناس، والتسلك معهم، ولا تبغض نفسك عندهم، فلا يقبلوا لك نصحاً، وهذا هو إفساد النفس وإهلاكها، وفاعل ذلك قد التمس رضا الناس بسخط الله وصار الخلق في نفسه أجل من الله، ومن التمس رضى الناس في سخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، فمن نصح نفسه وأراد نجاتها فليلتمس رضا الله بمعاداة أعداء الله ورسوله، ويعلم أن أصل الأصول لا استقامة له، ولا ثبات إلا بمقاطعة أعداء الله، وجهادهم، والبراءة منهم والتقرب إلى الله بمقتهم، وعيبهم، وقد قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ

стр. 50

وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٧٨-٨١] . وأكثر الناس إنما يتعبد بما يحسن في العادة، ويثنى عليه به، وما فيه مقاطعة ومجاهدة وهجر في ذات الله ومراغمة لأعدائه فذاك ليس منه على شيء، بل ربما ثبَّط عنه، وقدح في فاعله، وهذا كثير في المنتسبين إلى العادة، والمنتسبين إلى العلم والدين، والشيطان أحرض شيء على ذلك منهم، لأنهم يرونه غالباً ديناً وحسن خلق فلا يتاب منه ولا يستغفر، ولأن غيرهم يقتدي بهم، ويسلك سبيلهم فيكونون فتنةً لغيرهم، ولهذا حذر الشارع من فتنة من فسد من العلماء والعباد وخاف على أمته، فالمؤمن إذا حصل له ظهر بحقائق الإيمان، وصار على نصيب من مرضاة الملك الرحمن، فقد حصل له الحظ الأوفى، والسعادة الكبرى، وإن قيل ما قيل. إذا رضي الحبيب فلا أبالي ... أقام الحي أم جد الرحيل وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: أصل الدين وقاعدته أمران: الأول: الأمر بالعبادة لله وحده لا شريك له، والتحريض على ذلك، والموالاة فيه، وتكفير من تركه. الأمر الثاني: الإنذار عن الشرك في عبادة الله تعالى، والتغليظ في ذلك، والمعاداة فيه، وتكفير من فعله. انتهى. فلا بد من تكفير من فعل الشرك، والإنذار عنه والتغليظ

стр. 51

في ذلك، والمعاداة فيه، وكذلك موالاة من أمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والتحريض على ذلك، وتكفير من ترك عبادة الله. ونسأل١ الله أن يهدينا، وإخواننا المسلمين لسلوك صراطه المستقيم. وقوله: "ينبغي أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عليماً فقيهاً حليماً صبوراً". فأقول: هذا حق وهو الواجب، ولكن لا يدفع هذا في نحر من أظهر عداوة أعداء الله الجهمية، والأباضية، والمرتدين، وإن كان المعادي لهم ليس بعالم ولا فقيه ولا حليم، بل على المسلم أن يعادي أعداء الله بحسب علمه وفهمه، وأن لا يتجاوز المشروع، وقد قال ﷺ : "من رأى منكم منكراً فليغره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". وأما قوله: "أما تكفيكم هذه الآية: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] آي بالترغيب والترهيب، وجادلهم بالتي هي أحسن، أي جادلهم بالبراهين المسلمة التي يُقِرُّ بها كل واحد، هكذا في الحسبة لشيخ الإسلام".

стр. 52

فأقول: هذا حق لا مرية فيه، وليس فيه أنه إذا دعاهم١ إلى الله بما ذكر من الموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن، ولم يرتدعوا، ولم ينتهوا أنه لا يقاطعهم، وينابذهم، ولا يبرأ٢ إلى الله منهم. وإذا كان ذلك كذلك فلا يخلو أمر هؤلاء الجهمية والإباضية والمرتدين من عباد القبور من إحدى ثلاث أمور: إما أن يكونوا قد دعوتموهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلتموهم بالبراهين التي يُقِرُّ بها ويسلمها كل أحد، فقبلوا ما دعوتموهم إليه من الهدى، ودين الحق، فرجعوا عن ضلالتهم، وتابوا وأنابوا والتزموا بما كان عليه أهل السنة والجماعة، وحينئذ يكون المعادي لهم والمعترض عليكم وعليهم مخطاً ظالما ً متعدياً. وإما أن يكونوا لم يقبلوا ما دعوتموهم إليه من الهدى، ودين الحق، وطريقة أهل السنة والجماعة، بل كابروا٣، وعاندوا، وتمردوا، وشَرَدُوا على الله شِراد البعير على أهله، فتكون الحجة قد قامت عليهم، وحينئذ فلا مانع من تكفيرهم، وإظهار عداوتهم، والبراءة منهم، وبغضهم، والتنفير عنهم

стр. 53

ومباعدتهم، ومقاطعتهم، لأن الحجة قد بلغتهم، وقامت عليهم. وإما أن يكونوا لم تدعوهم أنتم، ولم تناصحوهم، فتكونوا أنتم حينئذ من أنصارهم، وأعوانهم، والذابين عنهم قبل دعوتهم إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وإقامة الحجة عليهم: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ [النساء:١٠٩] وجعلتم أنفسكم دونهم هدفاً، تصنفون في الرد على من عاداهم، وغلبهم، ومقتهم، ونشر عورتهم، وخزيهم وضلالهم، أفلا تتقون يوماً ترجعون فيه إلى الله. وأما قوله: "فإذا كان هذا الأمر لسيد الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، بل لكل نبي، وأمرهم الله بالصبر في مواضع القرآن، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة". فأقول: هذا حق، لكن هذا كان في أول الإسلام وقد قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في المواضع التي نقلها من السيرة، وتكلم عليها قال: الموضع الثاني أنه ﷺ لما قام ينذرهم عن الشرك، ويأمرهم بضده وهو التوحيد، لم يكرهوا ذلك، واستحسنوه، وحدثوا أنفسهم بالدخول فيه، إلى أن صرح بِسَبِّ١ دينهم، وتجهيل

стр. 54

علمائهم، وتسفيه آرائهم، فحينئذ شمروا له، ولأصحابه عن ساق العداوة، وقالوا: سفه أحلامنا، وعاب ديننا، وشتم آلهتنا، ومعلوم أنه ﷺ لم يشتم عيسى، وأمه ولا الملائكة، والصالحين، لكن لما ذكر أنهم لا يُدْعَوْنَ، وأنهم لا ينفعون، ولا يضرون جعلوا ذلك شتماً. فإذا عرفت هذا عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام ولو وحّد الله، وترك الشرك إلا بعداوة المشركين، والتصريح لهم بالعداوة، والبغضاء كما قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية فإذا فهمت هذا فهماً جيداً عرفت أن كثيراً من الذين يدعون الدين لا عَرَفَهَا ولا فَهِمَهَا، وإلا فما الذي حمل المسلمين على الصبر على ذلك العذاب، والأسر، والضرب، والهجرة إلى الحبشة، مع أنه ﷺ أرحم الناس، ولو وجد لهم رخصةً لأرخص لهم، كيف وقد أُنْزِلَ عليه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] فإذا كانت هذه الآية فيمن وافقهم بلسانه ذا أو ذي فكيف بغير ذلك، انتهى. فتبين أن هذا كان من رسول الله ﷺ في أول الأمر، فلما أُنْزِلَ عليه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤] بادأهم بسب دينهم، وتسفيه آرائهم، شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة، إذاً فإن من عادى أعداء الله

стр. 55

ورسوله، وصرح بتكفيرهم، والبراءة منهم عادوه وآذوه ولا بد، فهذه كانت حال رسول الله ﷺ ، وسيرته، ودعوته إلى الله، ومع ذلك فهو أرحم الناس، وأحسنهم تلطفاً، ودعوة إلى الله، ولنا في رسول الله أسوة حسنة كما قد بيناه فيما مضى. وأما قوله: "فأمرهم بالصبر في مواضع من القرآن والأحاديث". فأقول: هذا حق وهو خلاف ما تدعون، فإنه أمرهم بالصبر على الأذى، وعلى الدعوة إلى الله، وتحمل المشاق، ولم يأمرهم بالصبر عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى التسلك مع الناس، والتطلف لهم، مع الإصرار على معاصي الله، لأن في نهيهم، وأمرهم بما أمر الله به ورسوله تنفيراً لهم عند هؤلاء الجهال، وقد تقدم من كلام الأئمة ما يكفي ويشفي لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. ومن المعلوم أن الصبر من صفات عباد الله المخلصين، كما شاع وذاع، وفي صفى الإمام أحمد ﵀ "عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، أتته البدع فنفاها، والدنيا فأباها "وهذه حال أئمة المتقين الذين وصفهم الله في كتابه بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ١ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] فبالصبر تترك الشهوات،

стр. 56

وباليقين تدفع الشبهات، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] وقوله: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [صّ:٤٥] وفي بعض المراسيل "إن الله يحب البصير الناقد عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات". فمن جادل عن أهل البدع فضلاً عن أهل الكفر بالله فقد خالف طريقة السلف الذين أمرهم الله بالصبر على أذى١ أعداء الله ورسوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥] وليس الصبر المحمود المأمور به أن يكون الإنسان مع أعداء الله، وأعداء رسله، ودينه دائماً في تطلف وتملق، مع الإغضاء على ركوب المحارم، والإصرار عليها، والعلم اليقين أنهم على ما كانوا عليه في المعتقد، ثم يتلطف الشيطان له بأن يزين له أنه إذا ناصحه عما كان عليه تعذيراً لهم، أنه قد صبر على الأذى، وعلى الدعوة إلى الله، ثم إذا كان من الغدِ٢ آكله وشاربه وانبسط إليه ففي المسند والسنن عن أبي عبيدة عن٣ عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من كان قبلكم إذا عمل العامل بالخطيئة جاءه الناهي تعذيراً فإذا كان الغد جالسه، وواكله،

стр. 57

وشاربه كأن لم يره على خطيئة بالأمس، فلما رأى الله ذلك منهم، ضرب قلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف ولتَنْهَوُنَّ عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطراً، أو ليضربن الله قلوب بضعكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم". فالتسلك مع الناس، وإرضاؤهم بسخط الله، والتلطف لهم، وترك أذاهم عند مخالفة أمر الله ورسوله، ودعوى أن هذا من الصبر على الدعوة إلى الله، هذا الذي يحوم حوله هؤلاء الجهال وهو عين مخالفة أمر الله ورسوله، مع أن هذا لو سلم لهم كان فرضه في أهل المعاصي والذنوب من أهل الإسلام مع مجاهدتهم وهجرهم، فأما الجهمية، والإباضية، وعباد القبور، فالرفق بهم، والشفقة عليهم، والإحسان، والتلطف، والصبر، والرحمة، والتبشير لهم، مما ينافي الإيمان، ويوقع في سخط الرحمن، لأن الحجة بلغتهم منذ أزمان، وقال الله ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية وهذا يكفي في جواب ما بقي من كلامه بما هو داخل في هذا المعنى. وأما ما ذكره عن بعض الجهال أنهم إذا رأوا أحداً يأمر بسنة النبي ﷺ أو يفعلها أنكروا عليه، مثل أن يفعل جلسة الاستراحة، والتسبيح بيده اليمنى، أو صلى في بعض الأوقات

стр. 58

في نعاله ما رأينا مشايخنا يفعلون ذلك. فأقول هذا لا يصدر إلا من جاهل ليس عنده علم بسنن رسول الله ﷺ ، فما سنّه رسول الله ﷺ أو فعله مما ليس من خصائصه، أو أمر به فهو الحق، وعلى كل مسلم أن يقبل ذلك، ولا يعارضه بقول أحد كائناً من كان، وقد أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحدٍ كائناً من كان، وليس هذا خاصاً بالسنن المذكورة فقط، بل هذا في كل سنة سنها رسول الله ﷺ ، وأمر بها أو فعلها ليقتدى به فيها، لكن جلسة الاستراحة مما تنازع فيها العلماء، هل هي من سنن الصلاة، أو سنة للحاجة إليها كما سنبينه إن شاء الله تعالى. والنزاع في هذا أسهل في جنب ما أسلفناه، فقد أوضحنا فيما تقدم وجوب معاداة أعداء الله، وأعداء رسوله، فإن هذا من الواجبات الدينية، وأما جلسة الاستراحة والصلاة في النعلين، وغيرهما من السنن فليس هي من الواجبات، بل من فعلها فقد أحسن، ومَن لا فلا حرج عليه، وقد ذكرنا فيما تقدم أقوال أئمة الإسلام من السلف والخلق في تكفير الجهمية، وعباد القبور، وأنه قد بلغتهم الدعوة، وقامت عليهم الحجة، وذكرنا أقوالهم في التحذير عن سائر أهل الأهواء والبدع، وعدم مجالستهم، والسلام عليهم ووجوب هجرهم، والبعد عنهم، فمن أوهم العامة الذين لا معرفة لهم بمقالات الطوائف

стр. 59

بأن هؤلاء الجهمية، وعباد القبور، والإباضية حكمهم وما يقال فيهم حكم أهل الفترات، ومن ليس عندهم من آثار الرسالة والنبوات ما يعرفون به الهدى، ممن لم تقم عليه الحجة ببلوغ الدعوة، وحكم من أخطأ في المسائل التي تنازع فيها أهل القبلة مما قد يخفى دليله فقد لبّس الحق بالباطل وفتح باب المغالطة، وأوقع العامة في الشر، فالواجب عليكم أن تقوموا لله مثنى وفرادى، وأن تنظروا بعين البصيرة في كلام أئمة الإسلام، وأن لا تأخذكم العزة بالإثم، وتنظروا وتناظروا، فإن من شأن المسلمين والمؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله أن يقولوا سمعنا وأطعنا، فإن أشكل عليكم شيء مما ذكرناه فاطلبوا الدليل وعلينا أن نجيبكم إلى ذلك، والحق ضالة المؤمن. وأما الإباضية فهم فيما نعلم أنهم من جنس الخوارج أو طائفة منهم أتباع عبد الله بن أباض، وأتباع حفص بي أبي المقدام، وأتباع يزيد بن نسية، وأتباع أبي الحارث، فعقيدتنا فيهم ما ذكره الإمام أحمد في كتاب السنة. وأما هؤلاء فأظن أنهم ليسوا على مذهب أوائلهم وأسلافهم، بل قد بلغنا عنهم أفعال في الصلاة وغيرها لا يفعلها يؤمن بالله واليوم الآخر، وهم مع ذلك فيما بلغنا أنهم ممن يعتقد بالأولياء والصالحين فيكونون من جملة عباد القبور، وهم يكفرون بالذنوب، وينفون الحوض، والشفاعة، ويفسقون الصدر الأول من الصحابة، ويعتقدون

стр. 60

عقيدة المعتزلة في نفي الصفات، ومن كان بهذه المثابة فلا شك في كفره وهجره وعدم موالاته، ومن والاهم، وذب عنهم فقد جهل طريق الحق وسبيل السلف. وأما ما ذكر في الفصل الأول من النصيحة فحق لا مرية فيه، والذي ظهر لنا أنما يفعله الإخوان من طلبة العلم في عُمان أنه١ من النصح لله ولكتابه ولرسوله وأئمة المسلمين وعامتهم في معاداتهم للجهمية، وعباد القبور، والإباضية، وتحذير الناس عنهم، وعن مجالستهم، وترك السلام عليهم، وعلى من والاهم، وجالسهم. وكذلك ما ذكره في الفصل الثاني من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من أوجب الواجبات، وما فعله الإخوان فهو من الواجب عليهم، واللين والرفق والتلطف فرض، وتقديره فيما هو دون تعطيل الصانع سبحانه عن أسمائه وصفاته ونعوت جلاله، وجحد علوه على خلقه، وأنه لا قدرة له، ولا مشيئة، ولا حياة، ولا علم، ولا يقوم بفعل البتة، وفيما دون الشرك الأكبر من عبادة غير الله، وصرفها لمن أشركوا به مع الله من الأنبياء والأولياء والصالحين، فإن هذا لا يعذر أحد في الجهل به، بل معرفته والإيمان به من ضروريات الإسلام، فعلى كل مسلم معاداة أهله، ومقتهم، وعيبهم، والطعن عليهم، ومصلحة إنكاره راجحة على مفسدة ترك ذلك من كل

стр. 61

وجه، فلا يدخل تحت ما دونه من المحرمات والذنوب والمعاصي، ولا يُلَبِّس بذلك إلا رجل مفتون مغموص بالنفاق، أو جاهل جهله مركب لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، أو رجل يبيع دينه بعرض من الدنيا. وأما قول المعترض: "الفصل الثالث في الذب عن تكفير المسلمين". فنقول: أولا: من تعني بهؤلاء المسلمين الذين تذب عن تكفيرهم، فإن كانوا الجهمية، وعباد القبور، فما أولئك بالمسلمين الذي يجب على المسلم أن يذب عنهم، بل هم أعداء الله وأعداء رسله، وشرعه ودينه، وقد بينا فيما مضى من كلام أئمة الإسلام ما يكفي ويشفي لمن كان له قلب أو أذن أو واعية. ومن ذلك ما أجاب به الشيخ عبد اللطيف ﵀ في جواب السؤال الذي ورد عليه من ساحل عُمان، وقد تقدم لكن نعيده هاهنا لأن هؤلاء يزعمون أنه ما قامت عليهم الحجة، ولم تبلغهم الدعوة، إما مكابرة وعناداً، أو لغرض من الأغراض الدنيوية قال فيه: ووصل إلينا السؤال الذي يورده بعض الملحدين وهو أنه ينسب عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه ذكر عن الإمام أحمد أنه كان يصلي خلف الجهمية. وجواب هذا السؤال لو سلم من أوضح الواضحات

стр. 62

عند طلبة العلم، وأهل الأثر وذلك أن الإمام وأمثاله من أهل العلم والحديث لا يختلفون في تكفير الجهمية، وأنهم ضلال زنادقة، وقد ذكر من صنف في السنة في تكفيرهم١ عن عامة أهل العلم والأثر وعد اللالكائي ﵀ منهم عدداً يتعذر ذكره هنا في هذه الرسالة، وكذا ابن الإمام أحمد٢ في كتاب السنة، والخلال في كتاب السنة، وابن أبي مليكة في كتاب السنة له، وإمام الأئمة ابن خزيمة قرر كفرهم ونقله عن أساطين الأئمة، وقد حكة كفرهم شمس الدين ابن القيم في كافيته عن خمسمائةٍ من أئمة المسلمين وعلمائهم، والصلاة خلفهم لا سيما صلاة الجمعة لا تنافي القول بتكفيرهم، لكن تجب الإعادة حيث لا تمكن الصلاة غيره، والرواية المشهورة عن الإمام أحمد هي المنع من الصلاة خلفهم، وقد يفرق بين من قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها وبين ملا شعور له بذلك، وهذا القول يميل إليه شيخ الإسلام في المسائل التي قد يخفى دليلها على بعض الناس، وعلى هذا القول فالجهمية في هذه الأزمنة قد بلغتهم الحجة، وظهر الدليل، وعرفوا ما عليه أهل السنة، واشتهرت الأحاديث النبوية، وظهر الدليل، وعرفوا ما عليه أهل السنة واشتهرت الأحاديث النبوية، وظهرت ظهوراً ليس بعده إلا المكابرة والعناد، وهذا حقيقة الكفر والإلحاد كيف لا وقولهم يقتضي من تعطيل الذات والصفات والكفر بما اتفقت عليه

стр. 63

الرسالة والنبوات، وشهدت به الفطر السليمات، ما لا يبقى معه حقيقة للربوبية والإلهية، ولا وجود للذات المقدسة المتصفة بجميل الصفات، وهم إنما يعبدون عدماً لا حقيقة لوجوده، ويعتمدون على الخيالات والشبه ما يعلم فساده بضرورة العقل، وبالضرورة من دين الإسلام عند من عرفه، وعرف ما جاءت به الرسل من الإثبات، ولبشر المريسي وأمثاله من الشبه والكلام من نفي الصفات ما هو من جنس هذا المذكور عن الجهمية المتأخرين، بل كلامه أخف إلحاداً من بعض كلام هؤلاء الضلال، ومع ذلك فأهل العلم متفقون على تكفيره، وعلى أن الصلاة لا تصح خلف كافر جهمي، أو غيره، وقد صرّح الإمام أحمد فيما نقل عنه ابنه عبد الله وغيره أنه كان يعيد صلاة الجمعة وغيرها، وقد يفعله المؤمن مع غيرهم من المرتدين إذا كانت لهم شوكة ودولة، والنصوص في ذلك معروفة مشهورة، نحيل طالب العلم على أماكنها ومظانها، وبهذا ظهر الجواب عن السؤال الذي وصل منكم، انتهى. فإن كان هؤلاء هم المسلمون عندكم فهذا كلام الأئمة في تكفيرهم، وإن كانوا غير هؤلاء سيأتي الجواب عنه. وأما قوله: "قال تقي الدين ابن تيمية في الفتاوى بعد أن سئل عن رجلين تكلما في مسألة١ التكفير فأجاب: إنما أصل التكفير

стр. 64

للمسلمين من الخوارج والروافض الذين يكفرون أئمة المسلمين، لما يعتقدون أنهم أخطئوا١ فيه من الدين، وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن علماء المسلمين لا يجوز تكفيرهم بمجرد٢ الخطأ٣ المحض، بل كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ، وليس كل من يترك قوله بخطأ أخطأه٤ يكفر، ولا يفسق، ولا يؤثم، فإن الله قال في دعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال الله: "قد فعلت" إلى أن قال: "ومن المعلوم أن المنع عن تكفير علماء المسلمين الذين تكلموا في هذه الباب، بل رفع التكفير عن علماء المسلمين وإن أخطئوا هو من أحق الأغراض الشرعية، حتى لو فرض أن القائل رفع التكفير عمن يعتقد أنه ليس بكافر حماية لأخيه المسلم لكان غرضاً شرعياً، وهو إذا اجتهد في ذلك فأصاب له أجران، وإن اجتهد فأخطأ٥ فله أجر واحد، فبكل حال هذا القائل محمود على ما فعل، مأجور على ذلك مثاب إذا كانت له فيه نية حسنة، والمنكر له أحق بالتعزير منه "، انتهى.

стр. 65

فالجواب أن يقال كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حق وصواب لا يمتري فيه عاقل فضلاً عن العالم، وهذا هو الدين الذي ندين الله به ونعتقده، فإن كان الكلام في الجهمية وعباد القبور والأباضية وأنهم داخلون تحت كلام الشيخ فقد تقدم الجواب عن هذا، فإنهم عند أهل السنة والجماعة كفار، ولكن قد كان من المعلوم بالضرورة أن إدخالهم في كلام الشيخ من الإفك الفاضح، والبهتان الواضح، الذي لا يشك فيه من عرف يمينه من شماله، فمن كفرهم لا يكون في عداد الخوارج والروافض الذين يكفرون أئمة المسلمين لما يعتقدون أنهم أخطئوا فيه، فإن الجهمية، وعباد القبور، والأباضية، ليسوا من أئمة المسلمين، بل قد ذكر شيخ الإسلام عن الإمام عبد الله بن المبارك ﵀ أنه لما سئل عن الجهمية فقال: ليسوا من أمة محمد ﷺ . وقال الشيخ أيضاً: من دعا علي بن أبي طالب فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر، قاله في الإقناع وشرحه. بل من كفرهم، وأظهر عداوتهم، وعيبهم، ومقتهم، يكون من جملة أهل السنة والجماعة الذين ينكرون المنكر وبإنكارهم ينكر. وإن كان الكلام فيمن يذب عنهم، ويجادل بالباطل دونهم خطأ١ فالذي بلغنا عن الإخوان من أهل عمان أنهم

стр. 66

يبرؤون إلى الله من تكفير هؤلاء الذابين والمجادلين، وعن أنهم لا يكفرون بالعموم كما يزعم الخصوم، ولا عندكم عليهم شهود بنثر القول ومنظوم، كما عندهم عليكم من الحجة المشهورة ما بين طبعٍ ونظمٍ، ويقولون إنما الكلم في الجهمية، وعباد القبور، والأباضية، ويقولون لم يصدر من على من جادل عنهم إلا الإنكار عليهم، وهجرهم، وترك السلام عليهم، فإذا كان ذلك كذلك كان الرد والتشنيع بالباطل على الإخوان من الصد عن سبيل الله، ومن الإتباع للهوى والعصبية. وغاية مرامهم أن تمشي الحال مع من هب ودرج، وأن لا يكون في ذلك من عار ولا حرج، هذا إن أحسنا الظن بهؤلاء الذابين عمن خرج عن سبيل المؤمنين، وأنه صدر ذلك منهم عن شبهة عرضت لهم أن هؤلاء الجهمية وعباد القبور والأباضية داخلون في كلام الشيخ – أعني شيخ الإسلام ابن تيمية – وأنه لم تبلغهم الدعوة، ولم تقم عليهم الحجة، مع أن هذا إن كان هو الشبهة العارضة لهم فهو من أبطل الباطل، فإنه لا يشك أحد عرف الإسلام، وما يجب لله فيه على المسلمين، وما حرمه الله تعالى من موالاة أعداء الله المشركين، والمعطلين لأسماء الله وصفاته ونعوت جلاله أن هؤلاء الجهمية قد قامت عليهم الحجة، وبلغتهم الدعوة منذ أعصار متطاولة، وأنه قد جرى بينهم وبين أهل الإسلام

стр. 67

مخاصمة ومجادلة عديدة، كما قدمناه من سؤالهم مشايخ الإسلام وجوابهم، وعندنا جملة رسائل، وأجوبة مسائل في الرد عليهم وتبين ضلالهم وزيغهم وإدحاض حججهم بالبراهين والدلائل من الكتاب والسنة وأقوال أئمة الأمة، فليس لهم بعد هذا من عذر، ولا حجة يحتجون بها إلا المكابرة والعناد، نعوذ بالله من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن. ثم قال المعترض: "فائدة منقولة من كلام شيخ الإسلام رحمة الله عليه في جواب له في الطائفة القدرية. قال: كل من كان من المتنسكة، والمتعبدة، والمتفقهة، والمتقعرة، والأغنياء، والكتاب، والحساب، والأطباء، والعامة خارجاً عن دين الهدى، ودين الحق الذي بعث الله به رسوله، لا يقر بجميع ما أخبر الله به على لسان رسوله، ولا يوجب ما أوجبه الله ورسوله، ولا يحرم ما حرمه الله ورسوله، أو يدين بدين يخالف الدين الذي بعث الله به رسوله ظاهراً أو باطناً، مثل أن يعتقد أن شيخه يرزقه، أو ينصره، أو يهديه، أو يعينه، أو كان يعبد شيخه ويدعوه ويسجد له، لو كان يفضله على النبي ﷺ تفضيلاً مطلقاً، أو مقيداً في شيء من الفصل الذي يقرب إلى الله، أو كان يرى أنه هو وشيخه مستغن عن متابعة الرسول، فكل هؤلاء كفار إن أظهروا ذلك، ومنافقون إن لم يظهروه، وهؤلاء الأجناس وإن كانوا قد كثروا في هذا الزمان فلقلة دعاة

стр. 68

العلم والإيمان، وفتور آثار الرسالة في أكثر البلدان، وأكثر هؤلاء ليس عندهم من١ آثار الرسالة وآثار النبوة ما يعرفون به الهدى , وكثير منهم لم يبلغهم ذلك، وفي أوقات الفترات، وأمكنة الفترات يثاب الرجل على ما معه من الإيمان القليل، ويعفوا الله فيه لمن لم تقم عليه الحجة، ما لم يغفره لمن قامت عليه الحجة، كما جاء في الحديث المعروف: "يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاةً ولا صياماً ولا حجاً ولا عمرة ً إلا الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة يقولون أدركنا آباءنا وهم يقولون: لا إله إلا الله، فقيل لحذيفة بن اليمان: ما تغني عنهم لا إله إلا الله، قال تنجيهم من النار، تنجيهم من النار، تنجيهم من النار". وأصل ذلك أن المقالات التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال هي كفر مطلقاً، كما دل على ذلك الدليل الشرعي، فإن الإيمان والكفر من أحكام المتعلقات عن دين الله ورسوله، ليس ذلك مما يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير، وتنتفي موانعه مثل إن قال: إن الزنا والخمر حلال لقرب عهده بالإسلام والنشأة ببادية بعيدة، أو سمع كلاماً أنكره ولم يعتقد أنه من القرآن، ولا من أحاديث النبي ﷺ كما كان بعض السلف ينكر أشياء حتى يثبت عنده

стр. 69

أن النبي ﷺ قالها، أو كما كان الصحابة ﵃ يشكون في شيء مثل رؤية الله تعالى فيسألون١ عن ذلك النبي ﷺ ، ومثل الذي قال: إذا مت فاحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في اليم، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحد من العالمين، فأمر الله البرّ برد ما أخذ منه، والبحر برد ما أخذ منه، وقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشية منك يا رب، فغفر له. فهذا يشك في قدرة الله في المعادة، بل ظن أنه لا يعود، وأنه لا يقدر عليه إذا فعل ذلك، فغفر له، وهذه مسائل مبسوطة في غير هذا الموضع، وهذا الحديث في الصحيح فإن هؤلاء لا يكفرون حتى تقوم عليهم الحجة الرسالية، كما قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان وقد أشبعنا الكلام في القواعد، انتهى. والجواب أن نقول: سبحان من طبع على قلوب كثير من الناس حتى قلبوا الحقائق، فإن من زعم أن حكم من نشأ٢بين أهل الإسلام كجهمية دبي وأبي ظبي الذين بلغتهم دعوة أهل الإسلام يبينون لهم، ويجادلونهم ومع هذا كله

стр. 70

يكابرون، ولا يرعوون عما كانوا عليه من الضلال، حكمهم وما يقال فيهم حكم من كان قريب العهد بالإسلام، ومن نشأ١ ببادية بعيدة، فهل لأهل هذا القول حظ من النظر والدليل، أو هو سفسطة وضلال عن سواء السبيل، وكلام شيخ الإسلام الذي أورده هؤلاء الجهلة في القلندرية لا في القدرية، وهذا الكلام قد أورده داود بن جرجيس طاغية العراق فيما اعترض به على شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، ومراد هؤلاء الجهال أن هؤلاء القلندرية، ومن حذى حذوهم ممن ذكره شيخ الإسلام، ممن هو خارج عن دين الهدى، ودين الحق الذي بعث الله به رسوله، الذين لا يقرون بجميع ما أخبر الله على لسان رسوله، ولا يوجبون ما أوجبه الله ورسوله، ولا يحرمون ما حرمه الله ورسوله، أو يدينون بدين يخالف الدين إلى آخر كلامه، أنه إذا وجد أحد من هؤلاء ممن لم تقم عليه الحجة. ولم تبلغه الدعوة، لا يكفر حتى تقام عليه الحجة. أن حكم الجهمية، وعباد القبور والإباضية وغيرهم من طوائف الكفر ممن قد نشأ في الإسلام، وبين أظهر المسلمين، ويسمعون كتاب الله وسنة رسوله ويقرؤون فيهما. وكتب أهل الفقه وأهل الحديث قد انتشرت اليوم في جميع الأقطار أشد الانتشار، ويعرفون ما عليه أهل الإسلام، ثم يخالفونهم عمداً على علم ومعرفة إلى

стр. 71

ما عليه أسلافهم الماضين من الملاحدة والمشركين، حكم أحد هؤلاء القلندرية، ومن حذى حذوهم، ممن لم تبلغه الدعوة، ولم تقم عليه الحجة، وقد أجاب على هذه الشبهة شيخنا الشيخ عبد اللطيف رحمه الله تعالى، ثم اعلم أن لكل قوم وارث. واعرف مواردهم تعرف مصادرهم ... وخذ قياسك تعليلاً وتشبيهاً قال الشيخ ﵀: والجواب أن يقال: هذا العراقي يتكثر بما ليس له ويخرج عن محل النزاع، ويوهم الجهال أنه قد أفاد وأجاد، وهو في ظلمات لا تنقشع ولا تكاد، وهذا الكلام الذي حكاه عن الشيخ صريح في تكفير من خرج عن الهدى، ودين الحق الذي بعث الله به رسوله، أو لا يقر بجميع ما أخبر الله به على لسان رسوله، أو لا يوجب ما أوجبه الله ورسوله، أو لا يحرم ما حرمه الله ورسوله، أو كان يدين١ بدين يخالف ما بعث الله به رسوله ﷺ ظاهراً أو باطناً مثل أن يعتقد أن شيخه يرزقه أو ينصره أو يهديه أو يعينه، أو كان يعبد شيخه، أو يسجد له، أو يفضله على النبي ﷺ تفضيلاً مطلقاً أو مقيداً، أو كان يرى أنه هو أو شيخه مستغن عن متابعة الرسول ﷺ ، قال: فكل هؤلاء كفار إن أظهروا، منافقون إن أبطنوا.

стр. 72

فجزم بكفرهم، وقرره، وهذا عين كلامنا، ولم نزد على الشيخ حرفاً واحداً، بل كلامه أبلغ، ويدخل تحته من التكفير بالجزئيات ما هو دون مسألة النزاع بكثير. وأما قوله: "وإن كانوا قد كثروا في هذه الأزمنة، فلقلة دعاة العلم، وفتور آثار الرسالة في أكثر البلدان، وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة، وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى، وكثير منهم لم يبلغه ذلك وفي أوقات الفترات. وأمكنة الفترات يثاب الرجل على ما معه من العلم، ويغفر له ما لم تقم الحجة عليه ما لا يغفر لمن قامت عليه الحجة، إلى آخر كلامه". فهذا هو الذي تمسك به العراقي أعني هذا الكلام الأخير فظن أنه له لا عليه، وهذا غلط ظاهر، وجهل مستبين، فإن النزاع فيمن قامت عليه الحجة، وعرف التوحيد، ثم تبين في عداوته١ ومسبته ورده، كما فعل هذا العراقي، أو أعرض عنه فلم يرفع به رأساً كحال جمهور عباد القبور، أو لم يعلم لكن تمكن من العلم ومعرفة الهدى فأخلد إلى الأرض واتبع هواه، ولم يلتفت إلى ما جاءت به الرسل ولا اهتم به. وكان شيخنا محمد بن عبد الوهاب يقرر في مجالسه ورسائله أنه لا يكفر إلا من قامت الحجة الرسالية، ومن

стр. 73

عرف دين الرسول بعد معرفته تبين في عداوته ومسبته، وتارة يقول: وإن كنا لا نكفر من يعبد قبة الكوافر، ونحوه لعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يهاجر إلينا. ويقول في بعضها: وأما من أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فلا أدري ما حاله. وإذا كان هذا شيخنا – ﵀، وهذه طريقته، فكيف يلزمه العراقي، وينسب إليه التكفير بالعموم، ويحتج عليه بقول الشيخ: إن أهل الفترات، ومن لم تبلغهم الدعوة ليغفر لهم ما لا يغفر لغيرهم، والعراقي لبّس الحق بالباطل، وافترى على الشيخ، ونسب إليه ما ليس من مذهبه، وما لم يقل وألزمه ما هو بريء منه، انتهى. والمقصود أن هؤلاء أوردوا كلام الشيخ ابن تيمية ﵀ في القلندرية، وأشباههم الذين ليس عندهم من آثار الرسالة، وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى، وكثير منهم لم يبلغهم ذلك، كما أورد ذلك داود وشبّه به، فما أشبه الليلة بالبارحة. والإخوان من طلبة العلم في عُمان إنما كلامهم في الجهمية، وعباد القبور، وفي الإباضية، وهؤلاء بين أظهر المسلمين، وفي أوطانهم، ويتظاهرون بالإسلام، ويناظرون على مذاهبهم، ويجادلون أهل الإسلام فقد قامت عليهم الحجة، وبلغتهم الدعوة، ولم يكونوا في أماكن بعيدة عن

стр. 74

أماكن أهل الإسلام، ولا في أوقات فترات، ولا نشؤوا١ ببادية بعيدة عن أهل الإسلام، وعندهم من آثار النبوة، وكتب الحديث ما لا يمكن جحده، ومع ذلك كله قاموا في عداوة الدين، وأهله، ولم يرفعوا بهذا الدين رأساً ولم يلتفتوا إلى ما كان عليه أهل السنة والجماعة، بل كابروا، وعاندوا، وأصروا على مذاهبهم، واعتقاداتهم الخبيثة، وأخلدوا إلى الأرض، واتبعوا أهواءهم٢. وقد قال شيخ الإسلام ﵀ في جواب له: فمسألة تكفير أهل الأهواء والبدع متفرعة على هذا الأصل، ثم ذكر مذاهب الأئمة في ذلك، وذكر تكفير الإمام أحمد للجهمية، وذكر كلام السلف في تكفيرهم، وإخراجهم من الثلاث والسبعين فرقة، وغلّظ القول فيهم، وذكر الروايتين في تكفير من لم يكفرهم، وذكر أن أصول هذه الفرق هم الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية، ثم أطال الكلام في عدم تكفير هذه الأصناف، واحتج بحديث أبي هريرة قال: وإذا كان كذلك فالمخطئ في بعض المسائل إما أن يلحق بالكفار من المشركين وأهل الكتاب مع مباينته لهم في عامة أصول الإيمان، فإن الإيمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، وتحريم المحرمات الظاهرة هو من أعظم أصول الإيمان،

стр. 75

وقواعد الدين، وإذا كان لابد من إلحاقه – أي المخطئ – بأحد الصنفين، فإلحاقه بالمؤمنين المخطئين أشد شبهاً١ من إلحاقه بالمشركين وأهل الكتاب، مع العلم بأن كثيراً ما يوجد في الرافضة والجهمية ونحوهم زنادقة منافقون، وأولئك في الدرك الأسفل من النار. فتبين بهذا مراد الشيخ، وأن كلامه في طوائف مخصوصة وأن الجهمية غير داخلين فيه، وكذلك المشركون، وأهل الكتاب لم يدخلوا في هذه القاعدة، فإنه منع إلحاق المخطئ بهذه الأصناف، مع مباينته لهم في عامة أصول الإيمان. قال شيخنا ﵀: وهذا هو قولنا بعينه، فإنه إذا بقيت معه أصول الإيمان، ولم يقع منه شرك أكبر، وإنما وقع في نوع من البدع فهذا لا نكفره، ولا نخرجه من الملة، وهذا البيان ينفعك فيما يأتي من التشبيه بأن الشيخ لا يكفر المخطئ والمجتهد، وأنه مسائل مخصوصة. وبين أن الإيمان يزول بزوال أركانه وقواعده الكبار، كالحج يفسد بترك أركانه، وهذا عين قولنا، بل هو أبلغ من مسألة٢ النزاع.
следующие страницы →