Полный текст (368 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
لبعض الأولياء حسماً لمادة الشرك وتنفيراً عن الوقوع فيه ما أمكن، لعظمة شأنه فإنه لا يغفر، وهو أقبح من نسبة الولد إلى الله تعالى إذ الولد كمال في حق المخلوق، وأما الشرك فنقص حتى في حق المخلوق، لقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ الآية فالهدم إنما وقع على القباب ولم ينبشوا من قبور آل البيت ولا غيرهم من قبور الأولياء والصالحين، واحداً، ولكن هذه عادة أعداء الله ورسوله يلبسون الحق بالباطل ويكتمون الحق وهم يعلمون. ثم إن هذا الملحد لما فرع من نقل ما ذكره إمام كفرهم وضلالهم أخذ يفرع عليه ويقرر ما ذهب إليه طاغيتهم من الأكاذيب والهذيان، ولكن زاد عليه هذا بالوقاحة والطغيان وتحذير من يعلم بحقيقة الحال عن الدخول في زمرة أهل الإيمان وحملة السنة والقرآن، ليزرع في قلوبهم عداوة أهل الإيمان بما لفقه من هذه المخرقة وصريح الكفر والزندقة، وبالكلام على ما ذكرهم إمامهم من التأصيل يبطل ما ذكره هذا الملحد من التفريع والتذييل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل. ولنختم الكلام على ما ذكره هذا المعترض من الأكاذيب الموضوعة على الشيخ بما ذكره الشيخ الإمام ملا عمران، نزيل لنجة، جواباً لمن اعترض على الشيخ بنحو من هذه الأكاذيب الموضوعة والترهات المصنوعة، فقال –رحمه الله تعالى-:
جاءت قصيدتهم تروح وتغتدي ... في سب دين الهاشمي محمد
قد زخرفوها للعوام بقولهم ... إن الكتاب هو الهدى فيه اقتد
لو أن ناظمها تمسك بالذي ... قد قال فيها أولاً إذ يبتدي
لهدي ووفق ثم حاز سعادة ... لا شك فيها عند كل موحد
стр. 142
لكنه قد زاغ عما قاله ... متأولاً فيها بتأويل ردي
فأنت كشهد فيه سم ناقع ... من ذاق منه ففي الهلاك المبعد
إذ شبه الشيخ الإمام المهتدي ... بأخي مسيلمة الكفور المعتدي
فهو الذي إن مات معتقداً بذا ... يا ويله ماذا يلاقي في غد
ماذا يجيب وما يقول ومن له ... يوم القيامة وهو خصم محمد؟
قد شبه التوحيد بالكفر الذي ... شهد الكتاب به وسنة أحمد
الشيخ شاهد بعض أهل جهالة ... يدعون أصحاب القبور الهمد
تاجاً وشمسان ومن ضاهاهما ... من قبة أو تربة أو مشهد
يرجون منهم قربة وشفاعة ... ويؤملون كذاك أخذاً باليد
ورأى لعباد القبور تقرباً ... بالنذر والذبح الشنيع المفسد
ما أنكر القراء والأشياخ ما ... شهدوا من الفعل الذي لم يحمد
بل جوزوه وشاركوا في أكله ... من كان يذبح للقبور ويفتدي
فأتاهم الشيخ المشار إليه بالنصح ... المبين وبالكلام الجيد
يدعوهم لله أن لا تعبدوا ... إلا المهيمن ذا الجلال السرمد
لا تشركوا ملكاً ولا من مرسل ... كلا ولا من صالح أو سيد
فتنافروا عنه وقالوا ليس ذا ... إلا عجيب عندنا لم يعهد
ما قاله آباؤنا أيضاً ولا ... أجدادنا أهل الحجى والسؤدد
إنا وجدنا جملة الآباء على ... هذا فنحن بما وجدنا نقتدي
فالشيخ لما أن رأى ذا الشأن من ... أهل الزمان اشتد عليه غير مقلد
ناداهمو يا قوم كيف جعلتم ... لله أنداداً بغير تعدد
قالوا له بل إن قلبك مظلم ... لم تعتقد في صالح متعبد
стр. 143
قد عيروه بأنه قد كان في ... وادي حنيفة دار من لم يسعد
قلنا لهم ما ضر مصر بأنها ... كانت لفرعون الشقي الأطرد
وكذا النماردة الفراعنة الأولى ... كانوا بأرض الله أهل تردد
ذا قال أنا رب وذا متنبئ ... هم في بلاد الله أهل تردد
يمناً وشاماً والعراق ومصرها ... من كل طاغ في البرية مفسد
فبموتهم طابت وطار غبارها ... وزهت بتوحيد الغله المفرد
إن المواطن لم تشرف ساكناً ... فيها ولا تهديه إن لم يهتد
من كان لله الكريم موحد ... لو مات في جوف الكنيف المرد
وبعكسه من كان يشرك فهو لم ... يفلح ولو قد مات وسط المسجد
خرج النبي المصطفى من مكة ... وبقي أبو جهل الذي لم يهتد
إن الأماكن لا تقدس أهلها ... إن لم يكونوا قائمين على الهدى
لو أنصفوا لرأوا له فضلاً على ... إظهار ما قد ضيعوه من اليد
ودعوا له بالخير بعد مماته ... ليكافئوه على وفاق المرشد
لكنهم قد عاندوا وتكبروا ... ومشوا على منهاج قوم حسد
ورموه بالبهتان والإفك الذي ... هم يعملون به ومنهم ييبتدي
كمقالهم هو للمتابع قاطع ... بدخول جنات وحور خرد
حاشا وكلا ليس هذا شأنه ... بل إنه يرجو بها لموحد
قالوا له أشقى الورى مع كونه ... ينهي عن الأنداد للمتفرد
قالوا له يا سالكاً طرق الردى ... لم لا تسير على الطريق الأرشد
وهمو يرون الشمس ظاهرة لهم ... لن أعمى القلب ليس بمهتد
قالوا له يا كافراً يا فاجراً ... ما ضره قول العداة الحسد
стр. 144
قالت قريش قبلهم للمصطفى ... ذا سحر ذا كاهن ذا معتدي
قد اتهموه بأنه يحتال في ... تأذينه ليجئ أهل المسجد
فإذا أتوا قتلوا بغير جناية ... تالله هذا إفك أفاك ردي
قالوا يعم المسلمين جميعهم ... بالكفر قلنا ليس ذا بمؤكد
بل كل من جعل العديل لربه ... ونهى فصد فذاك كالمتهود
قالوا له غشاش أمة أحمد ... وهو النصيح بكل وجه يبتدي
هل قال إلا وحدوا رب السما ... وذروا عبادة ما سوى المتفرد
وتمسكوا بالسنة البيضاء ولا ... تنطعوا بزيادة وتردد
هذا الذي جعلوه غشاً وهو قد ... نطقت به الرسل الكرام لمن هدي
من عهد آدم ثم نوح هكذا ... تترى إلى عهد النبي محمد
وكذلك الخلفاء بعد نبيهم ... والتابعون وكل حبر مهتدي
منهاجهم هذا عليه تمسكوا ... من كان مستناً بهم فليقتد
عجباً لمن يتلو الكتاب ويدعي ... علم الحديث مسلسلاً في المسند
ويقول للتوحيد غشاً أن ذا ... خطر على من قال فليتشهد
ويجدد الإسلام والإيمان معتقداً ... بأن الشيخ خير مجدد
ما ذنبه في الناس إلا أنه ... هدم القباب وتلك سيرة أحمد
ما صح عند ثقيف لما عاهدوا ... إلا بهدم اللات لو لم يعبد
ما اللات إلا كان عبداً صالحاً ... لت السويق لطائف متعبد
لما توفي عظموا لضريحه ... كصنيع عباد القبور النكد
إذ كان حياً قادراً قاموا بإطعام ... له وبكسوة وتفقد
وإذا توارى عنهمو في قبره ... جعلوه نداً للإله السيد
стр. 145
ولقد رأى الفاروق يوماً قبة ... نصبت على قبر تشد بأعمد
فأشار نحوها دعوه يظله ... عمل له إن لم يكن عمل ردي
وحديث أبي الهياج فيه كفاية ... لذوي البصائر والعقول النقد
في طمس تمثال وقبر مشرف ... جاء الحديث به صحيح المسند
لما نفى الإطراء عنهم والغلو ... قالوا أتيت بذا الجفاء المبعد
لو كان حبك للنبي محقق ... لفعلت فعلتنا لعلك تهتدي
أما الدلائل فهو لم ينكر بها ... صلوات أزكى العالمين الأمجد
إلا التظاهر بالغلو وجعلها ... درساً يكرر في كتاب مفرد
فترى لهم حرصاً على تجويدها ... خطاً وتزويقاً وحسن محلد
لا يعتنون بمصحف لهم كما ... هم يعتنون براتب وبمولد
لكفاه كل مؤونة وتكلف ... ومشى على النهج القويم الأرشد
سأل النبي من الصحابة سائل ... كيف الصلاة عليك كالمسترشد؟
فأجاب يرشده بما قد جاء في ... قول المصلي دبر كل تشهد
لوحت فيه ولم أصرح حيث لم ... يدخل على وزن القريض المنشد
هذا الكلام على الدلائل ليس ما ... قد قاله من شذ عن ذا المقصد
وكذا في روض الرياحين الذي ... فيها الغلو بصالح وبسيد
والله قد ذم الغلو فقال يا ... أهل الكتاب بغلظة وتهدد
إذ قال لا تغلو بنهي لازم ... في دينكم في الحكم لم يتردد
عجباً لهم لو كان فيهم منصف ... لرأي المحب محمداً لمحمد
стр. 146
من حيث إن الاتباع مقارن ... للحب في نص الكتاب الأمجد
قالوا صبأتم قلنا لهم ... الحق شمس للبصير المهتدي
ما بيننا نسب نميل له ولا ... حسب يقربنا له بتودد
أيضاً ولا هو جارنا الأدنى الذي ... تمتاز نعمته ولم نسترفد
لكنها شمس الظهيرة قد بدت ... لذوي البصائر فاهتدى من يهتدي
فالعالمون العاملون المنصفون ... له أقروا بالفضائل واليد
لكن قليل منهموا في عصرنا ... كالشعرة البيضا يجلد أسود
والله قد ذم الكثير وقال في ... حق القليل مقالة لم تجحد
بسبأ، وص فاتلها متدبراً ... تلق الصحيح بها فخذه تهتد
فإن اعتراكم في الذي قد قاله ... شك وريب واختلاف يبتدي
فزنوا بميزان الشريعة قوله ... تجدوه حقاً ظاهراً للمقتدي
ولئن وجدتم فاسقاً أو جافياً ... أو جاهلاً في العلم كالمتردد
قد زل يوماً أو هفا لا تنسبوا ... هفواته لجناب ذاك المرشد
فالآل والأصحاب ماذا ضرهم ... من بعدهم تكدير صافي المورد
من بعد ذاك الاجتماع على الهدى ... ظهروا ذوي فرق وأهل تبدد
ماذا يضر السحب نبح الكلب أم ... ماذا يضر الصحب سب الملحد
ثم الصلاة على النبي محمد ... أزكى الورى أصلاً وأطيب محتد
والآل والأصحاب جمعاً كلما ... قد ذب عن ذا الدين كل موحد
стр. 147
فصل: التقليد والاجتهاد
ثم إن المعترض بعد أن فرغ من تلفيق هذه الموضوعات وتقرير ما حرره من المخرقة والترهات بما لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قول أحد من العلماء المحققين الذين لهم قدم صدق في العالمين وغنما اعترض على الوهابية بأقوال أعداء الله ورسوله الذين ما عرفوا دين الإسلام ولا ما ينبني عليه من الأحكام لأنهم نشأوا في جاهلية جهلاء وضلالة عمياء وقد ألفوا ما كان عليه أسلافهم وطواغيتهم من الشرك بالله وما اعتادوه من تعظيم قبور الأنبياء والأولياء والصالحين ودعائهم والاستغاثة بهم في الشدائد والالتجاء إليهم في جميع الطلبات والرغبات والتعلق عليهم في جميع المهمات والملمات فلما أظهر الله شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ودعا الناس إلى إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه من الأنبياء والأولياء والصالحين والأشجار والأحجار وبين لهم أن هذه العبادات التي صرفوها لغير الله هي محض حق الله لا يصلح منها شيء لغير الله لا لملك مقرب ولا نبي مرسل، فضلاً عن غيرهما أنكروا ذلك عليه وكفروه وضللوه وبدعوه ورموه بهذه الأكاذيب التي يستحي العاقل من ذكرها ولا تتفق إلا عند من أعمى الله بصيرة قلبه والخصومة بينهم وبينه عند الملك الحق العدل الذي لا يظلم أحداً وما ربك بظلام للعبيد.
إلى ديان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم
قال المعترض: ولنرجع إلى المقصود من هذه الرسالة وبالله الاستعانة، المسألة الأولى: في الاجتهاد وقد تبين لك ما تقدم أن من أصول الوهابية إباحة التعبد بالاجتهاد بشرط الاستنباط من القرآن العظيم فقط وإنكار الإجماع الذي اتخذه علماؤنا أصلاً من الأصول التي تبني عليها الأحكام وحيث إن هذا
стр. 148
الأصل من أصول مذهب دعاة الاجتهاد في هذا الزمان فإيضاحاً لفساد قولهم هذا التكلم إن شاء الله عن كل فرع منه على حدة.
والواجب وبالله التوفيق أن نقول: قد بينا فيما تقدم أن هذا ليس من أصول الوهابية وأنه من الكذب الموضوع عليهم ونذكر هاهنا أيضا ما ذكره الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعد دخول مكة المشرفة لما سأله بعض المسلمين عن غالب هذه الموضوعات فأجابه عن هذه المسألة فقال ﵀ تعالي: ونحن أيضا في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ولا ننكر على من قلد أحد الأئمة الأربعة دون غيرهم لعدم ضبط مذاهب الغير كالرافضة والزيدية والإمامية ونحوهم لا نقرهم ظهرا على شيء من مذاهبهم الفاسدة بل بخبرهم على تقليد أحد الأئمة الأربعة ولا نستحق بمرتبة الاجتهاد المطلق ولا أحد منا يدعبها إلا أنا في بعض المسائل إذا صح لنا نص جلي من الكتاب أو سنة غير منسوخ ولا مخصص ولا معارض بأقوى منه وقال به أحد الأئمة الأربعة أخذنا به وتركنا المذهب كإرث الجد والإخوة فإنا نقدم الجد بالإرث وإن خالف مذهب الحنابلة ولا نفتش على أحد في مذهبه ولا نعترض عليه إلا إذا اطلعنا على نص جلي مخالف لمذهب أحد الأئمة وكانت المسألة مما يحصل بها شعائر ظاهرة كإمام الصلاة فنأمر الحنفي والمالكي مثلاً بالمحافظة على الطمأنينة في الاعتدال والجلوس بين السجدتين لوضوح دليل ذلك بخلاف جهر الإمام الشافعي بالبسملة فلا نأمره بالإسرار وشتان ما بين المسألتين فإذا قوي الدليل أرشدناهم بالنص وإن خالف المذهب وذلك يكون نادراً جداً ولا مانع من الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض ولا مناقضة لعدم الاجتهاد المطلق، وقد سبق جمع من أئمة
стр. 149
المذاهب الأربعة لاختيارات لهم في بعض المسائل مخالفة لمذهب الملتزمين تقليد صاحبه، ثم إنا نستعين على فهم كتاب الله بالتفاسير المتداولة المعتبرة ومن أجلها لدينا تفسير ابن جرير ومختصره لابن كثير الشافعي، وكذلك البغوي والبيضاوي والخازن والجلالين وغيرهم، وعلى فهم الحديث بشروح الأئمة المبرزين كالعسقلاني والقسطلاني على البخاري والنووي على مسلم والمناوي على الجامع الصغير ونحرص على كتب الحديث خصوصاً الأمهات الست وشروحها، ونعتبر بسائر الكتب في سائر الفنون أصولاً وفروعاً وقواعداً وسيراً ونحواً وصرفاً وجميع علوم الأمة ولا نأمر بإتلاف شيء من المؤلفات أصلاً إلا ما اشتمل على ما يوقع الناس في الشرك كروض الرياحين إلى آخر كلامه، فانظر أيها المنصف أولاً ما ذكره الشيخ –﵀ حيث قال: ونحن في الفروع على مذهب أحمد وليسوا منه في شيء وأنه يرى منهم بالدعوى المجردة والتحكم بالباطل، ثانياً قوله: ولا ننكر على من قلد أحد الأئمة الأربعة دون غيرهم إلى آخره وهؤلاء يزعمون أنا نحرم التقليد ولا نرى إلا الاجتهاد، ثالثاً قوله: ولا نستحق بمرتبة الاجتهاد المطلق ولا أحد منا يدعيها، وهذا يبطل دعوى هؤلاء المفترين حيث قالوا: إنهم يتعبدون بالاجتهاد بشرط الاستنباط من القرآن العظيم فقط، رابعاً قوله: إلا أنا في بعض المسائل إذا صح لنا نص جلي من كتاب أو سنة غير منسوخ ولا مخصص ولا معارض بأقوى منه إلى آخره، وهذا هو الحق الذين ندين الله به لإجماع العلماء على ذلك.
قال الإمام الشافعي –﵀ أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد كائناً من كان، وهؤلاء يوجبون
стр. 150
تقليد أحد الأئمة المقلدين وإن خالف قوله كتاب الله وسنة رسوله والأئمة الأربعة منعوا من تقليدهم مع وجود النص بخلاف ما قالوا، خامساً قوله ثم إن نستعين على فهم كتاب الله بالتفسير إلى آخره، وهذا يبطل دعوى هؤلاء الزنادقة حيث زعموا أنا نبيح التعبد بالاجتهاد بشرط الاستنباط من القرآن العظيم فقط، وأنا نفسر القرآن من عند أنفسنا وبما نهواه وأنا لا نلتفت إلى السنة ولا نعمل بها، وأنا نتلف كتب الحديث وسائر كتب أهل السنة إلى غير ذلك مما نسبوه إلينا وافتروه علينا ظلماً وعدواناً وتنفيراً للناس عن الدخول في دين الله ورسوله بهذا الهذيان والزور والبهتان.
فإذا تبين لك أيها المنصف أنا لا ندعي أنا نستحق بمرتبة الاجتهاد وأنه لا أحد منا يدعيها، فلا لوم علينا ولا عيب يتوجه إلينا بعد هذا البيان فنضرب عن الكلام في هذه المسألة صفحاً ونطوي عليها كشحاً، اللهم إلا وقفنا على بعض الخطأ الواضح والكلام المتناقض مما عثر به قدمه وزل به قلم من هذه المباحث التي لا يسع السكوت لمسلم عندها ننبه عليها بعض التنبيه، فإن أبى أهل الشقاق والنفاق إلا إلزامنا ما لا يلزمنا والتحكم بالباطل على ما يهضمنا فلا عجب من ذلك، فقد زعموا أنا ننتقص الرسل والأنبياء والصالحين والأولياء لما جردنا التوحيد وأخلصنا العبادة لله وحده لا شريك له ولم نجعل فيها شركة لأحد سواه كائناً من كان وتجريدنا متابعة الرسول فلم نقدم على قوله قول أحد كائناً من كان وبالله المستعان وعليه التكلان.
стр. 151
فصل
قال المعترض في الفصل الأول في الإجماع، أما الوهابية وإخوانهم الذينسول لهم الشيطان التكبر عن الأئمة العظام وأفاضل العلماء كما سولت له نفسه التكبر على آدم إلى آخر كلامه.
والجواب أن نقول: قد قدمنا قريباً أنا في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل –﵀، وبينا أنا لا نستحق بمرتبة الاجتهاد ولا أحد منا يدعيها، فدعوى هؤلاء الزنادقة أنا نتكبر عن تقليد الأئمة العظام كذب وافتراء علينا ولله الحمد والمنة على صراط مستقيم ومنهج قويم، بل نحن أحق بالأئمة وأولى بهم منهم وقد امتثلنا على ما أمرنا به أئمتنا العظام وانتهينا عما نهونا عنه من هذا المرام، وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أنه لا يجوز دعاء الخلق إلى طاعة رجل معين في كل ما يأمر به وينهى عنه ويبيحه إلا رسول الله – ﷺ ، وهؤلاء الأئمة أنفسهم قد نهوا الناس على اتباعهم إلا بحجة إلا إذا ظهرت الحجة في غير قولهم، فقال أبو حنيفة: هذا رأي فمن جاءنا برأي خير منه قبلنا، وقال مالك: إنما أنا بشر فأعرضوا قولي على الكتاب والسنة أو كما قال، وقال أيضاً: ما منا إلا راد أو مردود عليه إلا صاحب هذا القبر يعني رسول الله – ﷺ وقال الشافعي: إذا رأيتم الحجة ملقاة على الطريق فاعلموا أني آخذ بها، وقال إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط.
وحكي المزني عنه أنه نهى الناس عن تقليده وتقليد غيره من العلماء وله كلام كثير في هذا المعنى ذكره ابن القيم في الإعلام، وقال أحمد لا تقلد دينك
стр. 152
الرجال فإنهم لن يسملوا من أن يغلطوا وقال تقلد دينك أحداً وعليك بالأثر وقال لا تكتب رأيي ولا رأي إسحاق ولا سفيان ولا الشافعي ولا مالك وعليك بالأصل، وقال عجب لقوم عرفوا الإسناد وصحته ويذهبوا إلى رأي سفيان والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك لعله أن يرد بعض قوله فيهلك. فإذا كان هؤلاء الأئمة ينهون من تقليدهم مطلقاً فمن قلدهم مطلقاً فعليه أن يقلدهم في أن لا يقلدهم في وذلك جمع بين الضدين، وإذا كنا لا نستحق بمرتبة الاجتهاد ولا أحد منا يدعيها ولسنا نقلدهم مطلقاً، فالواجب علينا وعلى كل مسلم أنه إذا صح الدليل واستنبانت السنة أن لا نقلد أحداً مع سنة سنها رسول الله – ﷺ قال الشافعي: أجمع الناس على أن من استبانت له السنة فليس له أن يدعها لقول أحد كائناً من كان، وإذا لم يتبين لنا مثلاً نص من الكتاب والسنة ساغ لنا أن نقلد فيها إمامنا أحمد لما تقدم بيانه من الأدلة، ولما كان عليه أئمتنا، وما ذكر هذا الملحد سوى ما أجبنا عليه من هذيانه فلا نجيب عنه ولا حاجة بنا إلى المناقشة فيما لا طائل تحته لأنه جعجعة بلا طحن وهذيان بارد ولا يستفز به كل ذي قلب سليم ولا ينخدع به إلا الخب اللئيم، ومن كان لا يستحي قال ما يشتهي، والله المستعان.
وأما ما ذكره في الفصل الثاني في أسباب اختلاف الأئمة فالذي نعتقده وندين الله به أن الأئمة الأربعة وسائر علماء أهل السنة والجماعة لم يختلفوا في أصل دينهم بل كلهم متفقون على إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه وعلى تقديم قول رسول الله – ﷺ على قول كل أحد كائناً من كان ولا شك أنهم قد اختلفوا في الفروع وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله
стр. 153
- ﷺ فإنه لا يقول إلا الحق، فمن وافق قوله ما في الكتاب والسنة فقوله مقبول على الرأس والعين، ومن خالف قوله ما في الكتاب والسنة فقوله مردود، وقد كان من المعلوم أنهم ﵃ قد بذلوا الوسع في الجد والاجتهاد وبذلوا النصح لنفع العباد واجتهدوا في ذلك غاية الاجتهاد، فمن أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر لأجل اجتهاده، وهم معذورون فيما لم تبلغهم فيه سنة عن رسول الله – ﷺ فعلينا أن نتولاهم ونعتقد فيهم ما ينبغي أن يعتقد وتكون محبتنا لمن نحب منهم تبعاً لمحبة رسول الله – ﷺ ونكون في ذلك على عدل وعلم ونعتقد أنهم كانوا على الصراط المستقيم، فعلينا أن نحقق قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ , صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فإن المغضوب عليهم اليهود والضالين والنصارى وقد ذمهم الله بقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وإذا كان العلماء ورثة الأنبياء وقد أمرنا الله أن لا نفرق بين أحد من رسوله فنؤمن ببعض ونكفر ببعض، ونهانا النبي – ﷺ عن التفضيل بين الأنبياء إذا كان فيه انتقاص لمفضول فعلينا أن لا نفعل في ورثتهم كذلك، فإيثار بعض أو روايته بلا برهان من الله تفريق بينهم كما فعله أهل الكتاب في الأنبياء، فالواجب علينا أن نجتهد في طاعة الله ورسوله وندعو إلى سبيله على بصيرة ونتعاون على البر والتقوى ولا نتعاون على الإثم والعدوان، وأيضاً فإن الله فرض علينا طاعته وطاعة رسوله والمقصود من الأئمة أن يدلونا على طاعة الله وطاعة رسوله، فلو أطعنا أحدهم فيما قاله لا لأن الله أمر بذلك لم نثب على ذلك بل ربما عوقبنا عليه، ولو اجتهدنا في طاعة الله ورسوله فأخطأنا أئمتنا على ذلك فكم ممن ينصر قولاً صحيحاً وهو آثم بنصره لق٠صيده الفاسد وخروجه عن الدليل الشرعي، ومن ينصر قولاً ضعيفاً وهو
стр. 154
مثاب لقصده الصالح وسلوكه الطريق المرشد لمثله. انتهى. فهذا الذي نعتقده وندين الله به وما سوى ذلك مما لفقه هذا الملحد وألزمنا به مما لا يلزمنا أو انتحل فيه طريقة أو مقالة تخالف ما عليه أهل السنة والجماعة فنحن نبرأ إلى الله من ذلك وحسبنا الله ونعم الوكيل، ونعتقد أن الإجماع حق وأن الأمة لا تجتمع على ضلالة وأن القياس منه حق وباطل وصحيح وفاسد فما وافق الحق منه فهو صحيح وما خالفه فهو من قسم الفاسد وقد ذكر ذلك العلماء، ومن أحسن من تكلم فيه من العلماء شمس الدين ابن القيم في "إعلام الموقعين" فمن أراد الوقوف عليه فليراجعه هناك.
стр. 155
فصل: حقيقة الفرقة الناجية
ومن خطئه الواضح وخزيه الفاضح ما قاله في الفصل الأول في الإجماع حيث قال: ولو نصحتم أنفسكم لعرفتم أن الإجماع الذي أنعم الله به علينا معشر أهل السنة لم يكن مثله لأمة من الأمم أو نحلة من النحل، نحن أهل السنة البالغ عددنا نحو مائتين وخمسين مليوناً منتشرين في كل جهة من كرة الأرض لم نزل متفقين على أخذ أصول ديننا وفروعه عن الأئمة الأربعة العظام وبواسطتهم إلى نبينا –﵊ إلى آخر كلامه.
والجواب أن نقول: قد كان من المعلوم بالضرورة عند من له أدنى مسكة من عقل أن هذه الدعوى التي ذكرها هذا الملحد من أمحل المحال وأضل الضلال فإن أحداً من الناس لا يستطيع أن يضبط هذا العدد من اتباع الأئمة المنتشرين في كل جهة من كرة الأرض وأنهم جميعهم مائتين وخمسين مليوناً، وأنهم كلهم متفقون على أخذ أصول دينهم وفروعه عن الأئمة الأربعة العظام وبواسطتهم إلى نبينا ﵊، ومن ادعى هذا فهو من أحمق الخق وأقلهم عقلاً وأفسدهم مزاجاً، فإن هذا ليس في العقل ولا في الممكن ضبطه بهذا العدد المحصور بل يكذبه الحس والعقل والشرع، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ الْنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الْشَّكُورُ﴾ وقال تعالى: ﴿إِلا الّّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الْصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ وفي الحديث الصحيح أنه – ﷺ قال: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار
стр. 156
إلا واحدة" قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي" فبين أن عامة المختلفين هالكون من الجانبين إلا فرقة واحدة وهي أهل السنة والجماعة، ومن المعلوم أن الثنتين والسبعين فرقة من أمة محمد كلهم أو أكثرهم من أهل الأهواء والبدع ومن المتفقهة والمتكلمين والمنتسبين إلى العبادة من المتصوفة والمتفقرة ونحو ذلك منهم أو المتعصبون لطائفة على طائفة، بل وسائر أهل الأهواء أنهم كلهم على الحق لم يزالوا متفقين على أخذ أصول دينهم وفروعه عن الأئمة الأربعة العظام وبواسطتهم إلى نبينا ﵊ على زعم هذا الملحد، ولو سلمنا ذلك لهذا الملحد لكانت الأهواء والبدع مأخوذة عن الأئمة الأربعة وبواسطتهم إلى النبي – ﷺ ، وهذا لا يقوله إلا من هو من أكفر الخلق وأضلهم عن سواء السبيل، قال شيخ الإسلام في أثناء كلام له: ولهذا اختلف الناس في الفقهاء هل هم من أولي الأهواء؟ فأدرجهم الشيخ أبو حامد الإسفراييني والقاضي أبو يعلى بن الفراء وغيرهم في أهل الأهواء لما في نفوس كثير منهم من الهوى في الأحكام، وأخرجهم جماعة منهم ابن عقيل من أهل الأهواء وكلاهما صادق فإن الأصل فيهم أنهم ليسوا من ذوي الأهواء، ثم قد فشا فيهم الهوى فصار لهم نصيب من ذلك حتى يظهر فيهم من البغضاء لغير طائفتهم وإن كانوا من أهل العلم والإيمان ومن الموالاة لذوي طائفتهم وإن كانوا من أهل العلم والإيمان ومن الموالة لذوي طائفتهم وإن كانوا بخلاف ذلك ما يكرهه الله ورسوله وحتى إن المسائل التي اتفقوا فيها على الجواز وإنما اختلفوا في الاستحباب أو الكراهة كمسألة الترجيح في الأذان وشفع الإقامة والاستفتاح والبسملة والقنوت ونحو ذلك لما صارت شعار أظهر فيها من الهوى ما لم يظهر في غيرها، وحتى إن الرجل يحرص على ضبط مقالة
стр. 157
طائفة ويعرض عن الآخرين كأنهم أهل صلة أخرى وإن كانوا قد يكونون أولى بالله ورسوله في كثير مما يعرض عنهم فيه هذا وكتابهم واحد ودينهم واحد ونبيهم واحد. انتهى. فتبين أن الاختلاف الواقع إنما كان بين اتباع الأئمة الأربعة أما في اختلاف التنوع ويكون سببه تارة فساد النية لما في النفوس من البغي والحسد وإرادة العلو في الأرض ونحو ذلك فيجب لذلك ذم قول غيره أو فعله أو غلبته التميز أو يحب قول من يوافقه في نسب أو مذهب أو بلد أو صداقة ونحو ذلك لما في قيام قوله من حصول الشرف لهما لهما والرياسة، وما أكثر هذا في بني ىدم "وهذا ظلم" ويكون سببه تارة جهل المختلفين بحقيقة الأمر الذي يتنازعون فيه والجهل بالدليل الذي يرشد به أحدهما الآخر أو جهل أدهما بما مع الآخر من الحق في الحكم أو في الدليل، وإن كان عالماً بما مع نفسه من الحق حكماً ودليلاً والجهل والظلم هما أصل كل شر، كما قال : ﴿وَحمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومَاً جَهُولاً﴾ انتهى.
فهل يقول من يؤمن بالله واليوم الآخر أو من له أدنى معرفة أو إلمام بالعلوم الشرعية أن ما وقع في نفوس بعضهم من الجهل بين المختلفين بحقيقة الأمر الذي يتنازعان فيه والجهل بالدليل الذي يرشد به أحدهما الآخر وجهل أحدهما بما مع الآخر من الحق في الحكم أو في الدليل، أن أصل هذا الاختلاف كله مأخوذ عن الأئمة الأربعة وبواسطتهم إلى النبي – ﷺ سبحانك هذا بهتان عظيم وأما اختلاف التضاد فلم يقع ذلك بين الأئمة الأربعة فيما نعلم، وإنما يقع بين اتباع الأئمة، كما يكون ذلك مثلاً في أوصاف الله سبحانه وأفعاله القائمة بذاته، فبعضهم يثبت
стр. 158
استواء الله على عرشه ويثبت كلامه وسمعه وبصره وإرادته وحبه وبغضه وسخطه ومقته ورضاه ونزوله إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، وأن المؤمنين يرونه يوم القيامة عياناً إلى غير ذلك من أوصافه وأفعاله الثابتة في الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة، وبعضهم ينكر هذا كله ويرى أن ذلك مما ينزه الله عنه وهذا يكون بين اتباع الأئمة الأربعة وقد يكون بين أهل المذهب الواحد منهم، وهذا معلوم مشهور مذكور في الكتب المدونة لا ينكره أحد، فهل يقول أحد أن هذا الاختلاف بينهم مأخوذ عن الأئمة الأربعة وأن من أصول دينهم الذي أخذوه بواسطة الصحابة عن النبي – ﷺ ، هذا لا يقوله إلا من هو من أجهل الناس وأجرأهم على الكذب على الله ودينه وشرعه ثم اعلم أن الصحابة –رضوان الله عنهم- لم يختلفوا في شيء من قواعد الإسلام لا في الصفات ولا في القدر ولا في مسائل الأحكام، بل كانوا مثبتين لصفات الله التي أخبر بها عن نفسه، نافين عنها تمثيلها بصفات المخلوقين، مثبتين للقدر كما أخبر الله به ورسوله، مثبتين للأمر والنهي والوعد والوعيد، مثتبتين لحكوة الله في خلقه وأمره، مثبتين لقدرة العبد واستطاعته ولفعله مع إثباتهم للقدر، ثم لم يكن في زمنهم ومن يحتج للمعاصي بالقدر، ويجعل القدر حجة لمن عصى أو كفر ولا من يكذب بعلم الله ومشيئته الشاملة وقدرته التامة وخلقه لكل شيء، وينكر فضل الله وإحسانه وخصهم بهذه النعمة ومنه على أهل الإيمان والطاعة وأنه هنو الذي أنعم عليهم بالإيمان والطاعة وخصهم بهذه النعمة دون أهل الكفر والمعصية، ولا يمن ينكر افتقار العبد إلى الله في كل طرفة عين وأنه لا حول ولا قوة إلا به في كل دق وجل، ولا من يقول إن الله يجوز أن يأمر بالكفر والشرك وينهى عن عبادته وحده، ويجوز أن يدخل إبليس وفرعون الجنة ويدخل
стр. 159
الأنبياء النار وأمثال ذلك، فلم يكن فيهم من يقول بقول القدرية النافية ولا القدرية الجبرية، ولا كان فيهم من يقول بتخليد أحد من أهل القبلة في النار، ولا من يكذب بشفاعة النبي ﷺ ، في أهل الكبائر ولا من يقول إيمان الفساق كإيمان الأنبياء بل ثبت عنهم بالأقوال الصحيحة، القول بخروج من في قلبه مثقال ذرة من إيمان من النار، وأن إيمان الناس يتفاضل، وأن الإيمان يزيد وينقص إلى غير ذلك من هذه القواعد الدينية التي اختلف فيها من بعد الصحابة، لم يختلفوا فيها بالقول ولا بالخطوبات كما اختلف فيها من بعدهم، وكثير من أتباع الأئمة الأربعة قد خاضوا في هذه الأحداث التي خالفوا فيها السلف، ودخلوا بها في جملة أهل الأهواء والبدع فهل يقول من له عقل أو دين أو أدنى ممارسة للعلوم أنهم إنما أخذوها عن الأئمة الأربعة والأئمة الأربعة أخذوها من الصحابة والصحابة أخذوها عن النبي – ﷺ ، سبحان الله ما أعظم شأنه كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون، ونزيد هذا المقام أيضاً بما ذكره شمس الدين ابن القيم في ديباجة كتابه إعلام الموقعين عن رب العالمين ليتبين لك ضلال هذا المتنطع الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها، قال –رحمه الله تعالى-: ولما كان التلقي عنه – ﷺ على نوعين نوع بواسطة ونوع بغير واسطة، وكان التلقي بلا واسطة حظ أصحابه الذين حازوا قصبات السباق واستولوا على الأمد لأحد من الأمة بعدهم في اللحاق، ولكن المبرز من اتبع صراطهم المستقيم واقتفى منهاجهم القويم والمتخلف من عدل عن طريقهم ذات اليمين وذات الشمال، وذلك المنقطع التائه في بيداء المهالك والضلال، فأي خصلة خير لم يسبقوا إليها، وأي خطة رشد لم يستولوا عليها "تالله لقد وردوا رأس الماء من عين الحياة عذباً صافياً زلالاً، وأيدوا قواعد الإسلام
стр. 160
فلم يدعوا لأحد بعدهم مقالاً، فتحوا القلوب بعد لهم بالقرآن والإيمان والقرى بالجهاد بالسيف والسنان، وألقوا إلى التابعين ما تلقوه من مشكاة النبوة خالصاً صافياً، وكان سندهم فيه عن نبيهم – ﷺ عن جبرائيل عن رب العالمين سنداً صحيحاً عالياً، وقالوا هذا نبينا وقد عهدنا إليكم وهذه وصية ربنا وفرضه علينا وهي وصيته وفرضه عليكم، فجرى التابعون لهم بإحسان على منهاجهم القويم واقتفوا على آثارهم صراطهم المستقيم، ثم سلك تابعو التابعين هذا المسلك الرشيد، وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد، وكانوا بالنسبة إلى من قبلهم كما قال أصدق القائلين: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الآخَرِينَ﴾ ثم جاء الأئمة من القرن الرابع المفضل في إحدى الروايتين كما ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد وابن مسعود وأبي هريرة وعائشة وعمران بن حصين فسلكوا على آثارهم اقتصاصاً واقتبسوا هذا الأمر عن مشكاتهم اقتباساً وكان دين الله سبحانه أجل في صدورهم وأعظم في نفوسهم من أن يقدموا عليه رأياً أو معقولاً أو تقليداً أو قياساً، فطار لهم الثناء الحسن في العالمين وجعل الله سبحانه لهم لسان صدق في الآخرين، ثم سار على آثارهم الرعيل الأول ودرج على منهاجهم الموفقون من أشياعهم زاهدين في التعصب للرجال واقفين مع الحجة والاستدلال يسيرون مع الحق أين سارت ركائبه وينقلون مع الصواب حيث استقلت مضاربه، إذا بدا لهم الدليل بأخذته طاروا إليه زرافات ووحداناً وإذا دعاهم الرسول إلى أمر انتدبوا إليه ولا يسألون على ما قال برهاناً ونصوصه أجل في صدورهم وأعظم في نفوسهم من أن يقدموا عليها قول أحد من الناس أو يعارضوها برأي أو قياس، ثم خلف من بعدهم خلوف فرقوا وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون، وتقطعوا أمرهم بينهم زبراً وكل
стр. 161
إلى ربهم راجعون جعلوا التعصب للمذاهب ديانتهم التي بها يدينون ورؤوس أموالهم التي بها يتجرون، وآخرون منهم قنعوا بمحض التقليد وقالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون، والفريقان بمعزل عما ينبغي اتباعه من الصواب ولسان الحق يتلو ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ قال الشافعي –رحمه الله تعالى-: أجمع المسلمون أن من استبانت سنة رسول الله – ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس، قال أبو عمر وغيره من العلماء: أجمع الناس على أن المقلد ليس معدوداً من أهل العلم وأن العلم معرفة الحق بدليله، وهذا كما قال ابن عمر –رحمه تعالى- فإن الناس لا يختلفون أن العلم هو المعرفة الحاصلة عن الدليل وأما بدون الدليل فإنما هو تقليد فقد تضمن هذا أن الإجماعان إخراج المتعصب بالهوى والمقلد الأعمى عن زمرة العلماء. وسقوطهما باستكمال من فوقهما الفروض من وراثة الأنبياء فإن العلماء هم ورثة الأنبياء فإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما وروثا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر وكيف يكون من ورثة الرسول – ﷺ من يجهد ويكدح في رد ما جاء به إلى قول مقلده ومتبوعه ويضيع ساعات عمره في التعصب والهوى ولا يشعر بتضييعه تالله إنها فتنة عمت فأعمت ورمت القلوب فأصمت ربا عليها الضمير وهرم فيها الكبير واتخذ لأجلها القرآن مهجوراً وكان ذلك بقضاء الله وقدره في الكتاب مسطوراً ولما عمت بها البلية وعظمت بسببها الرزية بحيث لا يعرف أكثر الناس سواها ولا يعدون العلم إلا إياها فطالب الحق من مظانه لديهم مفتون ومؤثرة على ما سواه عندهم مغبون نصبوا لمن خالفهم في طريقهم الحبائل وبغواله الغوائل ورموه عن قوس الجهل والبغي والفساد وقالوا لإخوانهم إنا نخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد فحقيق بمن لنفسه عنده قدر
стр. 162
وقيمة أن لا يلتفت إلى هؤلاء ولا يرضى لهم بما لديهم وإذا رفع له علم السنة النبوية شمر إليه ولم يحبس نفسه عليهم فما هي إلا ساعة حتى يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدر وتساوي أقدام الخلائف في القيام لله وينظر كل عب ما قدمت يداه ويقع التمييز بين المحقين والمبطلين ويعلم المعرضون عن كتاب ربهم وسنة نبيهم أنهم كانوا كاذبين. انتهى. فتأمل ما ذكره ابن القيم –رحمه الله تعالى- في شأن الخلوف الذين خلفوا الرعيل الأول من أصحاب الأئمة الأربعة وأنهم فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون إلى آخر كلامه ليتبين لك ما في كلام هذا الملحد من الخطأ الواضح والخزي الفاضح الذي لم يسبقه إليه سابق فنعوذ بالله من رين الذنوب وانتكاس القلوب وقد تبين لك الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال والله المستعان.
стр. 163
تحذير الأئمة لاربعة من تقليدهم
...
فصل: تحذير الائمة لاربعة من تقاليدهم
ثم قال الملحد: المبحث الخامس في ترجمة الأئمة الأربعة وغيرهم.
والجواب أن نقول لقد حكيت ولكن فاتك الشنب وذكر وذكرت من فضلهم ما لا يفي بالمقصود من مناقب ذوي الفضائل والرتب وإنما ذكرت قليلاً من كثير ولم تأت من ذاك إلا باليسير وقد ذكر العلماء من ذلك ما يشفي ويكفي ولكن العجب أنك ذكرت الأئمة الأربعة عموماً وذكرت من فضلهم ما كان مشهوداً معلوماً وأغفلت عن ذكر الإمام أحمد فلا أدري ما الموجب لذلك حيث لم تذكره بشيء من الفضائل فيما هنالك إذ لك جهل بفضائله ومناقبه ومقداره أم لشيء مما حاك في صدرك من أنبائه وأخباره وأنه عندك من أئمة المحدثين الذين لهم قدم صدق في العالمين وهم فيما لديك قاصرون مقصورن عن درك درجة الأئمة الثلاثة المبرزين الذين هم في الغاية والنهاية عند المحققين فلا جرم أن نذكر من فضائله ومزاياه نزراً يسيراً ونذكر من ذلك ما كان معلوماً شهيراً من فضائله ومزاياه أنك استحق الإمامة بدلالة قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوْقِنُونَ﴾ وأنه أظهر السنة لما اضطرب أمر الدين في شرق الأرض وغربها قريباً من؟ حتى كاد أن يذهب وصار العلماء بين منقلب ومرتاب ومداهن وشاك فأظهر وشاك فأظهر الحق وبين أعلامه حتى استقر الدين كما أظهر أبو بكر الحق لأهل الردة حتى قيل هو الصديق وقال أبو يعلى: سمعت علي بن المديني يقول إن الله أعز هذا الدين برجلين ليس لهما ثالث أبو بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة، وقال الخلال: حدثني الميموني سمعت علي بن المديني يقول: ما أقم أحد بأمر الإسلام بعد
стр. 164
رسول الله – ﷺ ما قام أحمد بن حنبل قلت يا أبا الحسن ولا أبو بكر الصديق؟ قال: ولا أبو بكر الصديق إن أبا بكر الصديق كان له أعوان وأصحاب وأحمد بن حنبل لم يكن له أعوان ولا أصحاب، وأعطي من الصبر على أمر الله في الضراء والسراء حيث تداوله أربعة خلفاء بعضهم بالضراء ولا مخافة وبعضهم بالسراء والكرامة فلم يتغير عن دينه لا مخافة له. وإذ هم له ولا لموافقة هؤلاء وإكرامهم له هذا شيء لم يبتل أحد من الأئمة به فكان استحقاقه لمنصب الإمامة بنص القرآن أقوى من غيره ولهذا ألهم الله الأمة خاصتها وعامتها وهم شهداء الله في الأرض على ما تلقيبه بالإمامة فيقال قال فلان: قال فلان: وقال فلان وقال الإمام أحمد يقول ذلك المصنفون وإن لم يكونوا من أتباعه وأيضاً فإنه قد اشتهر عند جميع الأمة أنه إمام السنة حتى رضيه عامة أهل السنة إماماً في السنة الاعتقادية وإن خالفوه في بعض مسائل الأحكام فتجد خلقاً كثيراً من أئمة أصحاب مالك والشافعي وأهل الحديث يقول أحدهم إنا على اعتقاد أحمد بن حنبل وإنا في الفروع على مذهب فلان. ومن لم يقل ذلك منهم فإنه لا يخالفه وإن لم ينتسب إليه بل قد يقول القول مالك والشافعي والأظهر لأحمد بن حنبل حتى إن المتكلمين الذين انتسبوا إلى الذب عن السنة كأبي محمد بن كلاب وأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن الأشعري إنما صار لهم قول عند من اتبعهم باتباعهم لمقالته وذبه عنها وانتسابهم إليه وإلى أصحابه كما ذكره الأشعري في كتابه الإبانة وفي كتاب المقالات وكما تدل عليه مصنفاتهم فإنه قال في الإبانة، لما قيل له قد أنكرت ما قاله الجهمية والروافض والخوارج ونحوهم، فيقول من تقولون وبدين من تدينون؟ فقال: نأخذ بكتاب الله وسنة نبيه وإجماع
стр. 165
المسلمين وبما كان عليه شيخنا وإمامنا أحمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون ولما خالفه مخالفون لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي بان الله به الحق ودفع به الضلالة وأوضح به المنهاج وقمع به المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين فرحمة الله عليه من إمام مقدم وجليل معظم وكبير مفهم وحتى إنه استفاض عند أهل اليمن أن جماعة من الفقهاء من أصحاب الشافعي وغيره تحيروا في الاعتقاد فصلوا ودعوا الله دعاء المضطر إلى أن يهديهم فرأوا النبي – ﷺ في المنام فأمرهم باعتقاد أحمد وقد رأوا في ذلك من المنامات ما يضيق هذا الموضع إحصائها، ومنامات المؤمنين إذا تواطأت على وجه واحد لم تكن إلا حقاً كما دل عليه قول النبي – ﷺ وحتى أن جماهير الأولياء والصالحين وأئمتهم لا يميلون إلا إلى طريقته لا سيما في الأصول حتى روى الإمام يحيى بن يوسف الصرصري عن الإمام أبي الحسن علي بن إدريس ذي الكرامات الظاهرة قال قلت للشيخ عبد القادر: هل كان لله ولي على غير اعتقاد أحمد بن حنبل؟ قال: لا، لا، كان لا يكون وتحقيق ذلك أنه انتهى له من نصوص النبي – ﷺ وأصحابه والتابعين في مسائل الأصول ما لم ينته إلى غيره يقيناً وله في ذلك من الكلام الكثير والدعاء إليه ما ليس لغيره فإذا كان إماماً في السنة الأصلية ومقاله راجح على غيره فيها والناس بعده تبع له كان هذا مرجحاً له في السنة الفرعية لأن العلم بالأصول يقوى على العلم بالفروع وأيضاً فإنه كان آخر الأئمة وجمع طرائقهم وطرائق غيرهم فإنه جالس أبا يوسف ومحمد أو كتب كتب الرأي وحفظها وجالس سفيان بن عيينة والشافعي وغيرهما من فقهاء الحجاز وفقهاء الحديث وجالس يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي ووكيع بن الجراح وكلهم في الفقه على طريق أهل الحديث واطلع من نصوص
стр. 166
النبي – ﷺ والصحابة والتابعين على ما لم يطلع عليه غيره مع شهادة الشافعي وغيره له فإنه لم يكن في بغداد أفقه منه وإنه لم يكن في الدنيا مثل بغداد وهو شاب له بضع وثلاثون سنة فمن كان بهذه المثابة كان قد اجتمع عنده علوم الناس مع فقهه وتقواه فيكون اختياره أقرب من اختيار غيره فعلوم مالك والشافعي اجتمعت له إلى غير ذلك مما ذكره العلماء من فضائله ومزاياه التي امتاز بها على من سواه، ثم ذكر الملحد كلاماً لا لفائدة في الجواب عنه.
ثم قال المعترض: ولا خلاف بين المسلمين بأن اختلاف الأئمة في الفروع هو عين الرحمة من الله تعالى إلى آخر كلامه.
والجواب أن يقال: هذا الكلام لا ينبغي أن يؤخذ على إطلاقه وعمومه بل يقتصر به في اختلاف التنوع مما قد شرع جميعه لكن المكروه المحرم المذموم من ذلك المعاداة فيه والموالاة فيه والتحاسد والتدابر والتقاطع والبغي والحسد وإرادة العلو في الأرض والاختلاف المذكور ربما قد يكون منه طريقتان مشروعتان ورجل أو قوم قد سلكوا هذا الطريق وآخرون سلكوا الأخرى وكلاهما حسن في الدين ثم الجهل والظلم يحمل على ذم أحدهما أو تفضيلهما بلا قصد صالح أو بلا علم أو بلا نية أو بلا علم وأما الاختلاف المذموم مطلقاً فهو اختلاف التضاد.
وهو القولان المتنافيان إما في الأصول وإما في الفروع عند الجمهور الذين يقولون لمصيب واحد ولا فمن قال إن كل مجتهد مصيب فعده هو من باب اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد لأن القولين يتنافيان لكن تجد كثير من هؤلاء قد يكون القول الباطل الذي مع منازعه فيه حق أو معه دليل يقتضي.
стр. 167
حقا ما فيرد الحق في الأصل هذا كله حتى يبقى هذا مبطلا في البعض كما كان الأول مبطلا في الأصل وتمام الكلام في هذا مذكور مبسوط في "اقتضاء الصراط المستقيم" لشيخ الإسلام بن تيمية قدس الله روحه، فمن أراد الوقوف عليه فليراجعه هناك وبالله التوفيق، وأما ما ذكره عن الشيخ عبد الغني النابلسي عن والده من الحديث الذي رواه البيهقي في المدخل بسنده عن بن عباس فلم يذكر له اسنادا واذا لم يذكر له إسناداً فلا يعتمد عليه ولا يعول عليه ومثل هذا لا تثبت به الأحكام الشرعية إلا بعد ذكر روايته وأنهم عدول أثبات ليس فيهم مجروح ولا مغمور والله أعلم بصحته.
وأما ما ذكر بعد ذلك من قوله: أن الأئمة الأربعة ضبطوا في كتبهم التفسير والحديث بقصد العمل بهما فلذا تحروا وجه صحة ما دونوه وما اتفق عليه الصحابة وما اختلفوا فيه وما كان عليه التابعون بعد الصحابة وأئمة الحديث ما دونوه بهذا القصد ولا تتبعوا فيه أحوال الصحابة والتابعين بل دونوه لأجل حفظه فلذا ما كان مقصدهم تحري ما تحراه الأئمة سيما أن الأربعة سبقوهم لبيان ما يجوز التعبد والتعامل فيه وما لا يجوز إلى آخره.
فالجواب: أن يقال هذا من الخطأ الواضح والإفك الفاضح ومن أعظم الكذب والجرأة على منصب أئمة الحديث واهتضامهم بهذا القصد الخبيث ومن المعلوم بالضرورة أن أئمة الحديث إنما دونوا ما دونوه من الحديث عن النبي – ﷺ إنما هو لقصد العمل به وقصد حفظه ضبطه كما قصد ذلك أو الأئمة الأربعة وكان أيضاً من المعلوم بالضرورة أن أئمة الحديث كانوا في العلم بالناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمقيد والمطلق والمجمل والمفصل والظاهر والمضمر
стр. 168
كالأئمة الأربعة بل الأئمة الأربعة من آحاد الألوف المؤلفة من أئمة الحديث إلا أنهم من أفضلهم وأشدهم اهتماماً وكان اهتمامهم جميعاً بما يصلح الأمة وينفيها ويدفع عنهم الحرج في ذلك معلوماً مشهوراً عند من اصطفى الله سريرته ونور بصيرته.
стр. 169
فصل: الناس بالنسبة إلى الهدى ثلاث طبقات
ومن أبشع خطئه الواضح وسوء قصده الفاضح ما ذكره بقوله: فهذه كلها أحاط الأئمة الأربعة وأصحابهم بأطرافها وما تركوا فيها زيادة لمستزيد حال كون أئمة الحديث ما تعرضوا لشيء منها البتة بل سردوا الأحاديث سرداً في أبوابها على علاتها فإذا وجدتم حديثاً في البخاري أو غيره في مسألة مثله في موطأ مالك مثلاً أحدهما فيه تشديداً والثاني فيه ترخيص لكم في معرفة الناسخ فترجحوه على المنسوخ وهكذا في سائر الأقسام التي تتوقف صحة الحكم على معرفتها وأنتم لا تجدون في كتب الحديث بياناً ولا إشارة تهديكم إلى الصواب، إلى آخره، وهذه فيه من الجرأة والظلم والكذب ما يفيده شدة غباوة هذا المعترض وعداوته لأئمة الحديث وتنقصه لهم واهتضامه لمقامهم الأسنى ومنصبهم الأعلى الذي يتقاصر عنه المتطاول ويخسر دونه في مهامه الغي كل غوي وجاهل ولعمري إن أئمة الحديث قد أحاطوا بها علماً وفصلوا أحكامها حكماً فحكماً وبيان ذلك بما ذكره شمس الدين ابن القيم –﵀ فقال في كتابه "الوابل الصب في الكلم الطيب" وفي الصحيح من حديث أبي موسى عن النبي – ﷺ قال: "مثل ما بعثني الله تعالى به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً فكان منهاطائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها طائفة أجادب أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله تعالى ونفعه بما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدي الله الذي أرسلت به"، فجعل النبي – ﷺ الناس بالنسبة إلى الهدى والعلم ثلاث طبقات الطبقة الأولى ورثة الرسل والأنبياء
стр. 170
عليهم الصلاة والسلام وهم الذين قاموا بالدين علماً وعملاً ودعوا إلى الله ورسوله – ﷺ فهؤلاء أتباع الرسل صلوات الله عليهم وسلامه حقاص وهم بمنزلة الطائفة الطيبة من الأرض التي زكت فقبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير فزكت في نفسها وزكى الناس بها وهؤلاء هم الذين جمعوا بين البصيرة في الدين والقوة على الدعوة ولذلك كانوا ورثة الأنبياء ﷺ الذين قال الله تعالى فيهم ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ﴾ الإبصار في دين الله فبالبصائر يدرك الحق ويعرف وبالقوى يتمكن من تبليغه وتنفيذه والدعوة إليه فهذه الطبقة كان لها قوة الحفظ والفهم والفقه في الدين والبصر بالتأويل ففجرت من النصوص أنهار العلوم واستنبطت منها كنوزها وزرعت فيها فهماً خاصاً كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب –﵁ وقد سئل: هل خصكم رسول الله – ﷺ بشيء دون الناس؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهماً يؤتيه الله عبداً في كتابه فهذا الفهم هو بمنزلة الكلأ والعشب الكثير الذي أنبتته الأرض وهو الذي تميزت به هذه الطبقة عن الطبقة الثانية فإنها حفظت النصوص وكان همها حفظها وضبطها فوردها الناس وتلقوها منهم فاستنبطوا منها واستخرجوا كنوزها وغوامضها وأسرارها واتجروا فيها وبذروها في أرض قابلة للزرع والنبات ووردوها كل بحسبه قد علم كل أناس مشربهم وهؤلاء هم الذين قال فيهم النبي – ﷺ "نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" وهذا عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن مقدار ما سمعه من النبي – ﷺ نحو العشرين حديثاً الذي يقول فيه سمعت ورأيت وسمع الكثير من الصحابة وبورك له في فهمه والاستنباط منه حتى ملأ الدنيا علماً وفقهاً
стр. 171
قال أبو محمد بن حزم وجمعت فتاويه في سبعة أسفار كبار وهي بحسب ما بلغ جامعها وإلا فعلم ابن عباس كالبحر وفقهاً قال أبو محمد بن حزم وجمعت فتاويه في سعة أسفار كبار وهي بحسب ما بلغ جامعها وإلا فعلم ابن عباس كالبحر وفقهه واستنباطه وفهمه في القرآن بالموضع الذي فاق به الناس وقد سمع كما سمعوا وحفظ القرآن كما حفظ ولكن أرضه كانت من أطيب الاراضي وأقبلها للزرع فبذر فيها النصوص فأنبتت من كل زوج كريم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وأين تقع فتاوى ابن عباس وتفسير واستنباطه من فتاوى أبي هريرة وتفسيره وأبو هريرة أحفظ منه بل هو حافظ الأمة على الإطلاق يؤدي الحديث كما سمعه ويدرسه بالليل درساً فكانت همته مصروفة إلى الحفظ وتبليغ ما حفظه كما سمعه وهمة ابن عباس مصروفة إلى التفقه والاستنباط وتفجير النصوص وشق الأنهار منها واستخراج كنوزها؟ وهكذا الناس بعده قسمان: قسم حفاظ معتنون بالضبط والحفظ والأداء كما سمعوا ولا يستنبطون ولا يستخرجون كنوز ما حفظوه، وقسم معتنون بالاستنباط واستخراج الأحكام من النصوص والتفقه فيها فالأول كأبي زرعة وأبي حاتم وابن دارة وقبله كبدار محمد بن بشار وعمرو الناقد وعبد الرزاق وقبلهم كمحمد بن جعفر غندر وسعيد بن أبي عروبة وغيرهم من أهل الحفظ والإتقان والضبط لما سمعوه من غير استنباط في تصرف واستخراج الأحكام من ألفاظ النصوص والقسم الثاني كمالك والشافعي والأوزاعي وإسحاق والإمام أحمد بن حنبل والبخاري وأبي داود ومحمد بن نصر المروزي وأمثالهم ممن جمع الاستنباط والفقه إلى الرواية فهاتان الطائفتان وهما أسعد الخلق بما بعث الله تعالى به رسوله – ﷺ وهم الذين قبلوه ورفعوا به رأساً، وأما الطائفة الثالثة وهم أشقى
стр. 172
الخلق الذين لم يقبلوا هدى الله ولم يرفعوا به رأساً ولا حفظ ولا فهم ولا رواية ولا دراية ولا رعاية، فالطبقة الأولى أهل رواية ودراية، والطبقة الثانية أهل رواية وعاية ولهم نصب من الدراية بل حظهم من الرواية أوفر، والطبقة الثالثة الأشقياء لا رواية ولا دراية ولا رعاية إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً وهم الذين يضيقون الديار ويغلون الأسعار إن همة أحدهم إلا بطنه وفرجه فإن ترقت همته فوق كان همه مع ذلك لباسه وزينته فإن ترقت همته فوق ذلك كان في داره وبستانه ومركوبه وإن ترقت همته لما فيه رياسة والانتصار للنفس الغضبية قد ارتفعت همته عن نصرة النفس الكلبية إلى نصرة النفس السبعية فلم يعطها أحد من هؤلاء فإن النفوس ثلاثة كلبية وسبعية وملكية فالكلبية تقنع بالعظم والكسرة والجيفة والعذرة، والسبعية لا تقنع بذلك، بل لقهر النفوس تريد الاستعلاء عليها بالحق والباطل، وأما الملكية فقد ارتفعت عن ذلك وشمرت إلى الرفيق الأعلى فهمتها العلم والإيمان ومحبة الله تعالى والإنابة إليه والطمأنينة به والسكون إليه وإيثار محبته ومرضاته وإنما تأخذ من الدنيا ما تأخذ لتستعين به على الوصول إلى فاطرها وربها ووليها لا لتنقطع به عنه. انتهى. فتأمل ما ذكره ابن القيم –رحمه الله تعالى- حيث جعل من القسم الذين اعتنوا بالاستنباط واستخراج الأحكام من النصوص والتفقه من أئمة الحديث كالأوزاعي وإسحاق بن راهوية والبخاري وأبي داود ومحمد بن نصر المروزي وأمثالهم ممن لا يحصي عددهم إلا الله وقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في كتابه "الانتصار لأهل الأثر" بعد أن ذكر كلاماً طويلاً قال: فنقول من المعلوم أن أهل الحديث يشاركون كل طائفة فيما ينتحلون به من صفات الكمال ويمتازون عنهم بما ليس عندهم فإن المنازع لهم لا بد أن يذكر فيما يخالفهم فيه طريقاً آخر
стр. 173
مثل المعقول والرأي والمحاجة والمكاشفة ونحو ذلك وكل هذه لأهل الحديث صفوتها وخلاصتها فهم أكمل الناس عقلا وأعدلهم قياسا وأصوبهم رأيا وأسدهم كلاما وأصحهم نظرا وأهداهم استدلالا وأقومهم جدلا وأتمهم فراسة وأصدقهم إلهاما واحدهم بصرا أو مكاشفة وأصوبهم سمعا ومخاطبة وأعظمهم وأحسنهم وجد، وذوقا وهذا للمسلمين بالنسبة إلى سائر الأمم ولأهل السنة والحديث بالنسبة إلى سائر الملل فمن استقرأ أحوال العالم وجد المسلمين احد واسد عقلا وأنهم ينالون في المدة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أصناف ما يناله غيرهم في قرون واجبال وكذلك أهل السنة والحديث تجدهم كذلك وذلك لأن إعتقاد الحق الثابت يقوي الإدراك ويصححه قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً﴾ وغير ذلك وهذا يعلم تارة بموارد النزاع بينهم وبين غيرهم فلا تجد مسألة خولفوا فيها إلا تبين الحق معهم وتارة بإقرار مخالفيهم ورجوعهم إليهم دون رجوعهم إلى غيرهم وتارة بشهود المؤمنين الذين هم شهداء الله في الأرض وتارة بأن كل طائفة تعتصم بهم فيما خالفت فيه الأخرى وتشهد بالضلال على من خالفها أعظم مما تشهد به عليهم فإما شهادة المؤمنين فهذا ظاهر معلوم بالحس والتواتر لا تجد في الأمة أحدا أعظم مما عظموا به ولا تجد غيرهم يعظم إلا بقدر ما وافقهم فيه كما لا ينقص إلا بقدر ما خالفهم فيه حتى إنك تجد المخالفين لهم كلهم وقت الحقيقة يقر بذلك كما قال الإمام أحمد: آية ما بيننا وبينهم يوم الجنائز، فإن الحياة سبب اشتراك الناس في المعاش يعظم الرجل طائفته فإما وقت الموت فلابد من الاعتراف بالحق من عموم الخلق ولهذا لم يعرف في الإسلام مثل جنازته وإنما نبل عند الأمة بإتباع الحديث والسنة وكذلك الشافعي واسحق ومالك والشورى والبخاري وغيرهم إنما نبلوا عند الأمة وقبل قولهم بذلك، وما تكلم فيمن تكلم فيه منهم إلا بسبب المواضع التي لم يتفق له
стр. 174
ما بتعتها من الحديث والسنة وكذلك المسائل الاعتقادية لم ينل أحد من الطوائف عند الأمة إلا بما معه من الإثبات والسنة، فالمعتزلة أولا هم فرسان الكلام، إنما يحمدون ويعظمون عند إتباعهم ومن يغض عن مساويهم بما والقوا فيه من مذهب أهل السنة وردهم على الرافضة بعض ما خرجوا فيه عن السنة من إمامة الخلفاء وعدالة الصحابة وقبول الأخبار وتحريف الكلم عن مواضعه والغلو في علي ونحو ذلك، وكذلك الشيعة المتقدمون كانوا يرجحون على المعتزلة بما خالفوهم فيه من إثبات الصفات والقدر والشفاعة ونحو ذلك وكذلك كانوا يستحمدون بما خالفوا فيه الخوارج من تكفير عثمان وعلي وغيرهما وما كفروا به من المسلمين من الذنوب ويستحمدون بما خالفوا فيه المرجئة من إدخال الواجبات في الإيمان ولهذا قالوا بالمنزلة وإن لم يهتدوا إلى السنة المحضة وكذلك متكلمة أهل الإثبات مثل الانباتية والكرامية والأشعرية إنما قبلوا واتبعوا واستحمدوا إلى عموم الأمة بما أثبتوه من أصول الإيمان من إثبات الصانع وصفاته وإثبات النبوة والرد على أهل التناقض النفاة وبيان تناقض حججهم وكذلك استحمدوا بما ردوه على الجهمية وغيرهم من أنواع المقالات التي يخالفون فيها السنة فحسناتهم نوعان: إما موافقة أهل الحديث وإما الرد على مخالفهم، ولم يتبع أحد مذهب الأشعرية ونحوه غلا لهذين وكلاهما وكل من انتصر له إنما ينتصر له بذلك لا يحتجون له عند الأمة وعلمائها وأمره بها إلا بهذين الوصفين كالبيهقي والقشيري وابن عساكر ولولا أنه كان من أقرب بني جنسه بذلك لألحق بطبقته الذين لم يكونوا كذلك كشيخة أبي علي ورفيقه أبي هاشم لكن له من موافقة أهل الحديث في الصفات والقدر والشفاعة والحوض والصراط والميزان وله من الردود على المعتزلة وغيرهم وبيان تناقضهم ما أوجب أن يمتاز بذلك عن أولئك ويعرف
стр. 175
له قدره فقد جعل الله لكل شيء قدرا لكن الموافقة التي فيها قهر المخالف وإظهار فساد قوله هي من جنس المجاهد المنتصر فالراد على أهل البدع مجاهد حتى كان يحي بن يحي يقول: الذب عن السنة أفضل من الجهاد، والمجاهد قد يكون عدلا في سياسته وقد لا يكون وقد يكون فيه فجور كقوله أن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم، ولهذا مضت السنة أن يغزا مع كل أمير برا كان أو فاجرا، والجهاد عمل مشكورا لصاحبه في الظاهر ومع النية الحسنة مشكور باطنا وظاهرا ووجه شكره نصره للسنة والدين فهكذا المنتصر للإسلام والسنة يشكر على ذلك من هذا الوجه فحمد الله رجال عند الله ورسوله والمؤمنين بحسب ما وافقوا فيه دين الله إذ الحمد أنما يكون على الحسنات وهي ما وافق طاعة الله ورسوله من التصديق بخبر الله والطاعة لأمره وهذا هو السنة فالخير كله باتفاق الأمة فيما جاء به الرسول _صلى الله عليه وسلم_ وكذلك ما يذم من يذم من المنحرفين عن الشريعة إلا بمخالفة ذلك ولهذا ذم السلف أهل الكلام من الصفاتية كابن كلاب والأشعري لخفائه عليهم أو أعراضهم عنه أو اقتضاء أصل قياس مهدوه رد ذلك كما يقع نحوه في المسائل العملية فإن مخالفة المسلم الصحيح الإيمان إنما يكون لعدم علمه به أو لاعتقاد صحة ما عارضه لكن هو فيما ظهر من السنة وعظم أمره يقع بتفريط في المخالف وعدوان فيستحق من الذم ما لا يستحقه في الرد الخفي وكذلك فيما يوقع الفرقة والاختلاف يعظم أمر المخالفة للسنة ولهذا لما اهتم كثير من الملوك والعلماء بأمر الإسلام وجهاد أعدائه حتى صاروا يلعنون الرافضة والجهمية وغيرهم على المنابر حتى لعنوا كل طائفة رأوا فيها بدعة فلعنوا الكلابية والأشعرية، كما كان في مملكة محمود بن سبكتكين وفي دولة؟ وكذلك الخليفة القادر بما اهتم بذلك ورفعوا إليه أمر
стр. 176
القاضي أبي بكر ونحوه وهموا به حتى كان يختفي وإنما تستر بمذهب أحمد ثم ولى النظام وسعوا في رفع اللعنة واستفتوا من استفتوه من فقهاء العراق كالدمغاني والحنفي وأبي اسحق الشيرازي وفتواهما حجة على من بخراسان من الحنفية والشافعية وقد قيل أن أبا اسحق استعفى من ذلك ولزموه وأفتوا بأنه لا يجوز لعنتهم. وعلل الدمغاني بأنهم طائفة من المسلمين وعلل أبو اسحق بأن لهم ذبا وردا على أهل البدع فلم يكن المفتي أن يعلل رفع الذم إلا بموافقة الحديث ولهذا كان أبو إسحاق الشيرازي يقول إنما نفقت الأشعرية عند الناس بانتسابهم إلى الجبائية وهذا ظاهر عليهم وعلى أئمة أصحابه في كتبه قبل وقوع الفتنة القشيرية ببغداد، ولهذا قال ابن عساكر في مناقبه: ما زالت الجبائية والأشاعرة في قديم الدهر متفقين حتى حدثت فتنة بين القشيري ثم بعد حدوث الفتنة وقبلها لا تجد من يمدح الأشعرية إلا إذا وافق الحديث ولا يذمه من يذمه إلا بمخالفة السنة والحديث وهذا إجماع من جميع هذه الطوائف على تعظيم السنة والحديث واتفاق شهادتهم على أن الحق في ذلك ولهذا تجد أعظمهم موافقة لأئمة السنة والحديث أعظم عند جميعهم ممن هو دونهم فالأشعري نفسه لما كان أقرب إلى قول أحمد ومن قبل كان عندهم أعظم من أتباعه والقاضي أبو بكر الباقلاني لما كان أقربهم إلى ذلك كان أعظم عندهم من غيره، وأما مثل أبي المعالي وأبي حامد ونحوهما ممن خالفوا أصوله في مواضع فلا تجدهم يعظمون إلا بما وافقوا فيه السنة والحديث وبما ردوه مما يخالف السنة والحديث وبهذا القدر ينتحلون السنة وينحلونها وإلا لم يصح ذلك إلى آخر ما ذكر –﵀، فهذا ما ذكره العلماء العارفون بالله وبدينه وسنة نبيه ومقادير العلماء الأفاضل والأئمة الأماثل الذين حفظ الله بهم دينه وحموا حماه من تلاعب هؤلاء الزنادقة جعلوا فقهاء أئمة الحديث
стр. 177
حملة السنة والقرآن وأئمة أهل العلم والإيمان لا يعرفون شيئاً من الأحكام وما يستنبطونه من نصوص الكتاب السنة ولا بينوا في كتبهم للناس ما يتعبدون الله به ويتعاملون فيه بل كان همتهم حفظ الحديث وضبطه من غير معرفة لعلله وناسخه ومنسوخه ومقيده ومطلقه ومجمله ومفصله وغير ذلك ثم ما سمحت نفس هذا الملحد حتى عمد إلى إمام أهل الحديث وفقيههم ومقدمهم في الجرح والتعديل محمد بن إسماعيل البخاري وإلى أبي داود السجستاني فزعم أنهم لم يبينا في كتابهما الناسخ والمنسوخ وأما غيره من أئمة أهل الحديث فلم يبينوا ذلك بل سردوا الحديث سرداً وهذا لا يقوله إلا من أعمى الله بصيرة قلبه وقد كان في إبراز كلامه هذا وتحريره بلفظه لأهل العلم بالله وبدينه وشرعه كفاية في بيان خزيه الفاضح وخطئه الواضح لكن ما سمحت نفسي إلا بذكر هذه الإشارة اليسيرة ليتنبه من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد معظم جناية هؤلاء الزنادقة الذين يتطلعون بالدخول في جملة أهل العلم وهم في الحقيقة من أعداء علماء الشريعة المحمدية وحملتها أهل الملة الحنيفية الذين هم ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل وأعلام الهدى ومصابيح الدجى الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا وهم المعنيون بقوله – ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" قال الإمام أحمد –﵀ إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري منهم وكذلك أيضاً ما ذكره بعد ذلك بقوله ورأيت في كثير من أبواب البخاري أحاديث قد أجمعت الأمة على أن الحكم بها منسوخة ولا تجد في البخاري حديثاً يشير الشيخ واحد منها وأمثال يكاد لا يحصى إلى آخر كلامه وهذا أيضاً من المخازي التي؟ وهذه
стр. 178
المخرقة سابق ولم يتفوه بها قبله مشاقق ولا منافق بل جميع أهل السنة والجماعة يشهدون له بالصحة التي لم يشاركه في شروطها أحد من الخلائق وأجمع العلماء على أنه ليس تحت أديم السماء كتاب أصح من صحيح البخاري فكيف يماحل هذا المشاقق بالشقاشق ويماري، ثم نقول: من هؤلاء الأمة التي أجمعت على ما ذكرته من الأحكام المنسوخة في صحيح البخاري، وقد اعتنى أئمة أهل الحديث من أهل الجرح والتعديل ومن بعدهم بالنظر في أحكامه غاية الاعتناء فما وجدوا إلا ما ذكرته –أيها الملحد- سبيلاً ولا على ما مخرقت به من الانتقاد ليلاً فكيف تجد ذلك، وأنت لست من أهل العلم في شيء ولا تعرف الحي من الميت؟
فدع عنك الكتابة لست منها ... ولو سودت وجهك بالمداد
وقال آخر:
وقل للعيون الرمد للشمس أعين ... سواك تراها في مغيب ومطلع
وسامت نفوساً أطفأ الله نورها ... بأهوائها لا تستفيق ولا تعي
وما ذنب أئمة أهل الحديث عند هؤلاء الملاحدة إلا أنهم اعتصموا بكتاب الله وسنة رسوله ولم يقدموا عليها قول أحد من الخلق كائن من كان وتركوا لأجلها زي فلان وفلان ولذلك لم يكونوا عنده على ثقة من المعرفة والإتقان فليس لهم قوة على استنباط الأحكام من النصوص على أصح استنباط وأتم بيان ولعمري أن النصوص ضامنة بذلك وقد فاز بقصب السبق إليها حملة السنة والقرآن، قال ابن القيم ﵀:
стр. 179
فاعجب لعميان البصائر بصروا ... ورأوه بالتقليد أولى
من سواه ... وعموا عن الوحيين إذ لم يفهموا
معناهما عجباً لذي الحرمان ... قول الشيوخ أتم تبياناً من
الوحيين لا الرحمن ... النقل نقل صادق والقول من
ذي عصمة في عناية التبيان ... وسواه إما كاذب أو صح لم
يك قول معصوم وذي تبيان ... أفيستوي النقلان يا أهل النهى
والله لا يتماثل النقلان ... هذا ألقى العداوة بيننا
في الله نحن لأجله خصمان ... نصروا الضلالة من سفاهة رأيهم
لكن نصرهم موجب القرآن ... ولنا سلوك ضد مسلكهم فما
فما رجلان مثل قط يلتقيان ... إنا أبينا أن ندين بما به
دانوا من الآراء والبهتان ... إنا عزلناها ولم نعبأ بها
يكفي الرسول ومحكم القرآن ... من لم يكن يكفيه ذان فلا كفاه
الله شر حوادث الأزمان ... من لم يكن يشفيه ذان فلا شفاه
الله شر حوادث الأزمان ... من لم يكن يغنيه ذان رماه رب
العرش بالإعدام والحرمان ... من لم يكن يهديه ذان فلا هداه
الله من الحق والإيمان ... إن الكلام مع الكبار وليس مع
تلك الأراذل سفلة الحيوان ... أوساخ هذا الخلق بل أنتانه جيف
متقدمين منهم من اعلام الفقهاء وأجلاء المحدثين والأحكام من أهل السنة وإذا كان الفلاسفة وحكامهم.
стр. 180
الأئمة الأربعة فقد سقط الكلام معه لأنه قد كان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن هؤلاء لم يكونوا من أهل الإسلام فضلا عن أن يكونوا من أهل السنة ولا أدري ما مراده بالمذهب الخامس؟ يعني بهم من أخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له وتركوا عبادة ما سواه من الأنبياء والأولياء والصالحين والأحجار والأشجار والطواغيت فلم يشركوا بالله شيئا وجردوا متابعة الرسول ﷺ فلم يقدموا على قوله قول أحد من البشر كائنا من كان؟ فإن كان هذا هو المذهب الخامس عنده فليشهد الثقلان انا على هذا المذهب وإن سماه أعداء الله ورسوله مذهبا خامسا عليه نحيا وعليه نموت وعليه نبعث إن شاء الله تعالى:
فإن كان ديناً خامساً دين محمد ... شفيع الورى الهدي إلى منهج الرشد
لديكم ومن يأتي به متوهب ... على غير دين المصطفى كامل المجد
بدعوى ذوي الإشراك والكفر والردى ... وتلقيبهم أهل الهدى بالذي يردي
فنشهدكم أنا على ذلك الذي ... أتانا به المعصوم أفضل من يهدي
وإن كان قد سماه أعداء دينه ... ليشناه ديناً خامساً قول ذي اللد
فذلك لا يجدي لدى كل منصف ... عليم بما يجدي وما ليس بالمجدي
ومن كان لا يدري وليس بعالم ... فقوله مردودة عند ذي النقد
وما ضرنا أن قد تجارى بسبنا ... ذوو الغي والإشراك من كل مرتد
فليس يضر السحب كلب نبحه ... كذلك سب المعتدي لذوي الرشد
ودونك ما بداه "عمران" ذو التقى ... وذو العلم والإنصاف في كل ما يبدي
فقد قال ما يشفي الأوام من الصدى ... ويكمد أكباد الغواة ذوي الجحد
следующие страницы →