Полный текст (368 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
القاضي أبي بكر ونحوه وهموا به حتى كان يختفي وإنما تستر بمذهب أحمد ثم ولى النظام وسعوا في رفع اللعنة واستفتوا من استفتوه من فقهاء العراق كالدمغاني والحنفي وأبي اسحق الشيرازي وفتواهما حجة على من بخراسان من الحنفية والشافعية وقد قيل أن أبا اسحق استعفى من ذلك ولزموه وأفتوا بأنه لا يجوز لعنتهم. وعلل الدمغاني بأنهم طائفة من المسلمين وعلل أبو اسحق بأن لهم ذبا وردا على أهل البدع فلم يكن المفتي أن يعلل رفع الذم إلا بموافقة الحديث ولهذا كان أبو إسحاق الشيرازي يقول إنما نفقت الأشعرية عند الناس بانتسابهم إلى الجبائية وهذا ظاهر عليهم وعلى أئمة أصحابه في كتبه قبل وقوع الفتنة القشيرية ببغداد، ولهذا قال ابن عساكر في مناقبه: ما زالت الجبائية والأشاعرة في قديم الدهر متفقين حتى حدثت فتنة بين القشيري ثم بعد حدوث الفتنة وقبلها لا تجد من يمدح الأشعرية إلا إذا وافق الحديث ولا يذمه من يذمه إلا بمخالفة السنة والحديث وهذا إجماع من جميع هذه الطوائف على تعظيم السنة والحديث واتفاق شهادتهم على أن الحق في ذلك ولهذا تجد أعظمهم موافقة لأئمة السنة والحديث أعظم عند جميعهم ممن هو دونهم فالأشعري نفسه لما كان أقرب إلى قول أحمد ومن قبل كان عندهم أعظم من أتباعه والقاضي أبو بكر الباقلاني لما كان أقربهم إلى ذلك كان أعظم عندهم من غيره، وأما مثل أبي المعالي وأبي حامد ونحوهما ممن خالفوا أصوله في مواضع فلا تجدهم يعظمون إلا بما وافقوا فيه السنة والحديث وبما ردوه مما يخالف السنة والحديث وبهذا القدر ينتحلون السنة وينحلونها وإلا لم يصح ذلك إلى آخر ما ذكر –﵀، فهذا ما ذكره العلماء العارفون بالله وبدينه وسنة نبيه ومقادير العلماء الأفاضل والأئمة الأماثل الذين حفظ الله بهم دينه وحموا حماه من تلاعب هؤلاء الزنادقة جعلوا فقهاء أئمة الحديث
стр. 177
حملة السنة والقرآن وأئمة أهل العلم والإيمان لا يعرفون شيئاً من الأحكام وما يستنبطونه من نصوص الكتاب السنة ولا بينوا في كتبهم للناس ما يتعبدون الله به ويتعاملون فيه بل كان همتهم حفظ الحديث وضبطه من غير معرفة لعلله وناسخه ومنسوخه ومقيده ومطلقه ومجمله ومفصله وغير ذلك ثم ما سمحت نفس هذا الملحد حتى عمد إلى إمام أهل الحديث وفقيههم ومقدمهم في الجرح والتعديل محمد بن إسماعيل البخاري وإلى أبي داود السجستاني فزعم أنهم لم يبينا في كتابهما الناسخ والمنسوخ وأما غيره من أئمة أهل الحديث فلم يبينوا ذلك بل سردوا الحديث سرداً وهذا لا يقوله إلا من أعمى الله بصيرة قلبه وقد كان في إبراز كلامه هذا وتحريره بلفظه لأهل العلم بالله وبدينه وشرعه كفاية في بيان خزيه الفاضح وخطئه الواضح لكن ما سمحت نفسي إلا بذكر هذه الإشارة اليسيرة ليتنبه من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد معظم جناية هؤلاء الزنادقة الذين يتطلعون بالدخول في جملة أهل العلم وهم في الحقيقة من أعداء علماء الشريعة المحمدية وحملتها أهل الملة الحنيفية الذين هم ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل وأعلام الهدى ومصابيح الدجى الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا وهم المعنيون بقوله – ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" قال الإمام أحمد –﵀ إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري منهم وكذلك أيضاً ما ذكره بعد ذلك بقوله ورأيت في كثير من أبواب البخاري أحاديث قد أجمعت الأمة على أن الحكم بها منسوخة ولا تجد في البخاري حديثاً يشير الشيخ واحد منها وأمثال يكاد لا يحصى إلى آخر كلامه وهذا أيضاً من المخازي التي؟ وهذه
стр. 178
المخرقة سابق ولم يتفوه بها قبله مشاقق ولا منافق بل جميع أهل السنة والجماعة يشهدون له بالصحة التي لم يشاركه في شروطها أحد من الخلائق وأجمع العلماء على أنه ليس تحت أديم السماء كتاب أصح من صحيح البخاري فكيف يماحل هذا المشاقق بالشقاشق ويماري، ثم نقول: من هؤلاء الأمة التي أجمعت على ما ذكرته من الأحكام المنسوخة في صحيح البخاري، وقد اعتنى أئمة أهل الحديث من أهل الجرح والتعديل ومن بعدهم بالنظر في أحكامه غاية الاعتناء فما وجدوا إلا ما ذكرته –أيها الملحد- سبيلاً ولا على ما مخرقت به من الانتقاد ليلاً فكيف تجد ذلك، وأنت لست من أهل العلم في شيء ولا تعرف الحي من الميت؟
فدع عنك الكتابة لست منها ... ولو سودت وجهك بالمداد
وقال آخر:
وقل للعيون الرمد للشمس أعين ... سواك تراها في مغيب ومطلع
وسامت نفوساً أطفأ الله نورها ... بأهوائها لا تستفيق ولا تعي
وما ذنب أئمة أهل الحديث عند هؤلاء الملاحدة إلا أنهم اعتصموا بكتاب الله وسنة رسوله ولم يقدموا عليها قول أحد من الخلق كائن من كان وتركوا لأجلها زي فلان وفلان ولذلك لم يكونوا عنده على ثقة من المعرفة والإتقان فليس لهم قوة على استنباط الأحكام من النصوص على أصح استنباط وأتم بيان ولعمري أن النصوص ضامنة بذلك وقد فاز بقصب السبق إليها حملة السنة والقرآن، قال ابن القيم ﵀:
стр. 179
فاعجب لعميان البصائر بصروا ... ورأوه بالتقليد أولى
من سواه ... وعموا عن الوحيين إذ لم يفهموا
معناهما عجباً لذي الحرمان ... قول الشيوخ أتم تبياناً من
الوحيين لا الرحمن ... النقل نقل صادق والقول من
ذي عصمة في عناية التبيان ... وسواه إما كاذب أو صح لم
يك قول معصوم وذي تبيان ... أفيستوي النقلان يا أهل النهى
والله لا يتماثل النقلان ... هذا ألقى العداوة بيننا
في الله نحن لأجله خصمان ... نصروا الضلالة من سفاهة رأيهم
لكن نصرهم موجب القرآن ... ولنا سلوك ضد مسلكهم فما
فما رجلان مثل قط يلتقيان ... إنا أبينا أن ندين بما به
دانوا من الآراء والبهتان ... إنا عزلناها ولم نعبأ بها
يكفي الرسول ومحكم القرآن ... من لم يكن يكفيه ذان فلا كفاه
الله شر حوادث الأزمان ... من لم يكن يشفيه ذان فلا شفاه
الله شر حوادث الأزمان ... من لم يكن يغنيه ذان رماه رب
العرش بالإعدام والحرمان ... من لم يكن يهديه ذان فلا هداه
الله من الحق والإيمان ... إن الكلام مع الكبار وليس مع
تلك الأراذل سفلة الحيوان ... أوساخ هذا الخلق بل أنتانه جيف
متقدمين منهم من اعلام الفقهاء وأجلاء المحدثين والأحكام من أهل السنة وإذا كان الفلاسفة وحكامهم.
стр. 180
الأئمة الأربعة فقد سقط الكلام معه لأنه قد كان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن هؤلاء لم يكونوا من أهل الإسلام فضلا عن أن يكونوا من أهل السنة ولا أدري ما مراده بالمذهب الخامس؟ يعني بهم من أخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له وتركوا عبادة ما سواه من الأنبياء والأولياء والصالحين والأحجار والأشجار والطواغيت فلم يشركوا بالله شيئا وجردوا متابعة الرسول ﷺ فلم يقدموا على قوله قول أحد من البشر كائنا من كان؟ فإن كان هذا هو المذهب الخامس عنده فليشهد الثقلان انا على هذا المذهب وإن سماه أعداء الله ورسوله مذهبا خامسا عليه نحيا وعليه نموت وعليه نبعث إن شاء الله تعالى:
فإن كان ديناً خامساً دين محمد ... شفيع الورى الهدي إلى منهج الرشد
لديكم ومن يأتي به متوهب ... على غير دين المصطفى كامل المجد
بدعوى ذوي الإشراك والكفر والردى ... وتلقيبهم أهل الهدى بالذي يردي
فنشهدكم أنا على ذلك الذي ... أتانا به المعصوم أفضل من يهدي
وإن كان قد سماه أعداء دينه ... ليشناه ديناً خامساً قول ذي اللد
فذلك لا يجدي لدى كل منصف ... عليم بما يجدي وما ليس بالمجدي
ومن كان لا يدري وليس بعالم ... فقوله مردودة عند ذي النقد
وما ضرنا أن قد تجارى بسبنا ... ذوو الغي والإشراك من كل مرتد
فليس يضر السحب كلب نبحه ... كذلك سب المعتدي لذوي الرشد
ودونك ما بداه "عمران" ذو التقى ... وذو العلم والإنصاف في كل ما يبدي
فقد قال ما يشفي الأوام من الصدى ... ويكمد أكباد الغواة ذوي الجحد
стр. 181
قال الشيخ ملا عمران بن رضوان أسكنه الله الجنان:
إن كان تابع "أحمد" متوهباً ... فأنا المقر بأنني وهابي
أنفي الشريك عن الإله فليس لي ... رب سوى المتفرد الوهاب
لا قبة ترجى ولا وثن ولا ... قبر له سبب من الأسباب
كلا ولا شجر ولا حجر ولا ... عين ولا نصب من الأنصاب
أيضاً ولست معلقاً لتميمة ... أو حلقة أو ودعة أو ناب
لرجاء نفع أو لدفع بلية ... الله ينفعني ويدفع ما بي
والابتداع وكل أمر محدث ... في الدين ينكره أولو الألباب
أرجو باني لا قاربه ولا ... أرضاه ديناً وهو غير صواب
وأمر آيات الصفات كما أتت ... بخلاف كل مؤول مرتاب
والاستواء فإن حسبي قدرة ... فيه مقال السادة الأقطاب
كالشافعي ومالك وأبي حنيفة ... وابن حنبل التقي الأواب
وكلام ربي لا قول عبارة ... كمقال ذي التأويل في ذا الباب
بل إنه عين الكلام أتى به ... جبريل ينسخ حكم كل كتاب
هذا الذي جاء الصحيح بنصه ... وهو اعتقاد الآل والأصحاب
وبعصرنا من جاء معتقداً به ... صاحوا عليه مجسماً وهابي
جاء الحديث بغربة الإسلام فلا ... يبك المحب لغربة الأحباب
هذا زمان من أراد نجاته ... لا يعتمد إلا حضور كتاب
خير له من صاحب متجهم ... ذي بدعة يمشي كمشي غراب
مهما تلي القرآن قال عبارة ... أي أنه كمترجم لخطاب
وإذا تلي آي الصفات يخوض في ... تنزيله خوضاً بغير حساب
стр. 182
فالله يجمعنا ويحفظ ديننا ... من شر كل معاند سباب
ويزيد الدين الحنيف بعصبة ... متمسكين بسنة وكتاب
لا يأخذون برأيهم وقياسهم ... ولهم إلى الوحيين خير مآب
لا يشربون من المكدر إنما ... لهم من الصافي لذ شراب
قد أخبر المختار عنهم أنهم ... غرباء بين الأهل والأصحاب
في معزل عنهم وعن شطحاتهم ... وعن الغلو وعن بناء قباب
سلكوا طريق السابقين على الهدى ... ومشوا على منهاجهم بصواب
من أجل ذا أهل الغلو تنافروا ... منهم فقلنا ليس ذا بعجاب
نفر الذين دعاهم خير الورى ... إذ لقبوه بساحر كذاب
مع علمهم بأمانة وديانة ... وصيانة فيه وصدق جواب
صلى عليه الله ما هب الصبا ... وعلى جميع الآل والأصحاب
انتهى، ولا شك عند من أصفى الله سريرته ونور بصيرته أنهم كانوا على الحق على ما كانت عليه الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة وأنهم إن شاء الله تعالى سيحشرون لواء محمد – ﷺ لأنهم، ولله الحمد والمنة، هم أتباعه على الحقيقة القائمون بدينه والمعتصمون بكتاب الله وسنة رسوله ولو كره الكافرون ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، وما ذكره من الوقاحة وما موه به من القباحة لأنك فيه على ذلك بل نقول حسبنا الله ونعم الوكيل ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
стр. 183
فصل: التوسل وزيارة القبور
قال الملحد: المسألة الثانية في التوسل والزيارة ثم ذكر مخرقة لا فائدة في الجواب عنها، ثم قال: وقد يرمي الإنسان في شرك الشرك من طريق الطاعة كما رمى الوهابين وإخوانهم بإغوائهم على أن التوسل بجباه الرسول ﵊ وزيارة قبره الشريف شرك بالله ومناف للتوحيد وأغواهم بما جاء في القرآن العظيم بحق المشركين فذهب بأيمانهم تحت ستار العبادة وغرس في قلوبهم بغض رسول الله ومعاداته بتعطيل الطاعة ففسروا الزيارة بمعاني عبادة الأوثان وشبهوا التوسل بما يفعله مشركو العرب وغيرهم، فانظر ما أشقاهم وأحمقهم وأبعدهم عن الحق ولو صح لهم هذا التأويل الباطل لكانوا هم أشد الناس شر، لأنهم يزورون الأمراء والحكام ويتزلفون إليهم ويتوسلون ببعضهم في حوائجهم بكل قول وعمل وربما خاب أملهم بما يرجون إلى آخر كلامه. والجواب: ومن الله استمد الصواب، أن يقال لهذا الملحد الضال المضل الذي ختم الله على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة فوقع في شرك الشرك العظيم ونهج منه المنهج الوخيم وسلك في طريق أصحاب الجحيم ونكب عن طريقة أهل الدين القويم والصراط المستقيم فبعدا للقوم الظالمين: قد كان من المعلوم أن الوهابية لا يقولون أن التوسل بذات النبي ﷺ وجاهه وحقه وزيارة قبره الشريف شرك بالله بل هذا من الكذب الموضوع على الوهابية وهم، ولله الحمد، فيما يقولونه وينتحلون على صراط مستقيم ولا يقولون بجهل الجاهلين وانتحال المبطلين الزائغين عن الدين القويم بل يقولون إن التوسل بجاه النبي – ﷺ من البدع المحرمة المحدثة في الإسلام لأنه لم يرد نص عن رسول الله – ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن التابعين ولا من بعدهم من سلف الأمة وأئمتها المهتدين
стр. 184
وإذا كان ذلك كذلك فنقول لفظ التوسل بالشخص والتوجه به والسؤال بما فيه إجمال واشتراك غلط بسببه من لم يفهم مقصود الصحابة يراد به التسبب به لكونه داعيا وشافعا مثلا أو لكون الداعي محبا له مطيعا لأمره مقتديا به فيكون بالتسبب إما بحجة السائل له وأتباعه له وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته ويراد به الأقسام به والتوسل بذاته فلا يكون التوسل لا بشيء عنه ولا بشيء من السائل بل بذاته أو بمجرد الأقسام به على الله، فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهوا عنه وكذلك لفظ السؤال بالشيء قد يراد به المعنى الأول وهو التسبب به لكونه سببا في حصول المطلوب وقد يراد به الأقسام إذا تبين لك هذا فأعلم أن معنى التوسل في لغة الصحابة ﵃ وعرفهم أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فيكون التوسل والتوجه به في الحقيقة بدعائه وشفاعته وهذا لا محذور فيه بل هذا هو المشروع كما في حديث الثلاثة الذين آووا إلى الغار وهو حديث مشهور في الصحيحين، فإنهم توسلوا إلى الله بصالح الأعمال لأن الأعمال الصالحة هي أعظم ما يتوسل به العبد إلى الله تعالى ويتوجه به إليه ويسأله به لأنه وعد أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله، وقال ربكم أدعوني أستجب لكم، وهؤلاء دعوه بعبادته وفعل ما أمر به من العمل الصالح وسؤاله والتضرع إليه فمن جعل دعاء الأولياء والصالحين سببا لنيل المقصود كان يطلب من الولي والصالح في حال الحياة أن يدعو الله له لكونه مطيعا لله محبا له فيشفع له عند الله بدعاء الله له فهذا حق، فقد كان الصحابة ﵃ يتوسلون إلى الله سبحانه برسوله فيدعو لهم، كما قال عمر بن الخطاب ﵁ "اللهم إنا كنا إذا اجد بنا نتوسل إليك بنبينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فاستسقوا به" كما كانوا يستسقون بالنبي صلى الله عليه وسلم
стр. 185
في حياته وهو أنهم يتوسلون بدعائه وشفاعته لهم فيدعو لهم ويدعون معه كالإمام والمأمومين من غير أن يقسمون على الله بمخلوق كما ليس لهم أن يقسم بعضهم على بعض بمخلوق، فإذا تحققت ذلك فاعلم أن التوسل في عرف أهل هذا الزمان من عباد القبور واصطلاحهم هو دعاء الأنبياء والأولياء والصالحين وصرف خالص حق الله تعالى بجميع أنواع العبادات من الدعاء والخوف والرجاء والذبح والنذر والالتجاء إليهم والاستغاثة بهم والاستعانة والاستشفاع بهم وطلب الحوائج من الولائج في المهمات والملمات لكشف الكربات وإغاثة اللهفات ومعافات أولي العاهات والبليات إلى غير ذلك من الأمور التي صرفها المشركون لغير فاطر الأرض والسموات، فمن صرف من هذه الأنواع شيئا لغير الله كان مشركا فهذا هو الذي تكره الوهابية ويقولون أنه شرك بالله ومناف للتوحيد وبذلك قال أهل العلم من سلف الأمة وأئمتها، وأما زيارة قبر النبي ﷺ على الوجه المشروع فالوهابية لا ينكرونها بل هي من أفضل الأعمال وإنما ينكرون شد الرحال إلى ذلك لقوله ﷺ "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا" وأما قوله: وغرس في قلوبهم بغض الرسول ومعاداته إلى آخره، فالجواب أن يقال: ليس في اتباع ما أمر الله به ورسوله من طاعته وطاعة رسوله واجتناب ما نهى الله عنه ورسوله وحذر أمته من ذلك ما يوجب البغض للنبي – ﷺ معاداته بل ذلك عين تعظيم الله ورسوله وتعظيم اتباعه كما ذكر ذلك أهل العلم في كل مصنف وكتاب قال شيخ الإسلام ابن تيمية –قدس الله روحه- ونور ضريحه في الجواب الباهر. الوجه الثالث: أن يقال لا ريب أن أهل البدع يحجون إلى قبور الأنبياء والصالحين ولا يقصدون الدعاء لهم
стр. 186
كالصلاة على جنائزهم بل الزيارة عندهم والسفر لذلك من باب تعظيمهم لعظم جاههم وقدرهم عند الله ومقصودهم دعاؤهم والدعاء بهم أو عندهم طلب الحوائج منهم وغير ذلك مما يقصد بعبادة الله تعالى، ولهذا يقولون: إن من نهى عن ذلك فقد تنقص بهم، فهذا القول مبني على ذلك الاعتقاد والقصد والظن، والنصار يحجون إلى الكنائس لأجل ما فيها من التماثيل ولأجل من بنيت لأجله كما يحجون إلى موضع قبر المسيح عندهم الكنيسة التي يقال إنها بنيت على قبره موضع الصلب بزعمهم، وهم يبنون الكنائس على من يعظمونه مثل جرجس وغيره، فيتخذون المعابد على القبور على القبور ممن لعنهم النبي – ﷺ على ذلك تحذيراً لأمته وقال لأمته "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك" رواهن مسلم، والكنيسة التي بنيت موضع ولادته المسماة بيت لحم وكنائس أخر التي يسمونها القيامة وكان صاحب الفيل قد بني كنيسة باليمن وأراد أن يصرف حج العرب عن الكعبة إليها فدخلها وبعض العرب وأحدث فيها فغضب وجمع الجنود وسار بالفيل ليهدم الكعبة حتى فعل الله به ما فعل، وكذلك كان بالطائف "اللات" وكانوا يحجون إليه وفي حديث أبي سفيان عن أمية بن أبي الصلت لما أخبر عن العالم الراهب أنه قد أظل زمان نبي يبعث من العرب طمع أمية بن أبي الصلت أن يكون إياه وقال له ذلك العالم: أنه من أهل بيت تحجه العرب، فقال: إنا معشر ثقيف فينا بيت تحجه العرب قال إنه ليس منكم إنه من إخوانكم من قريش وذلك البيت هو بيت اللات المذكور في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الَّلاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الْثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ والطائف ومكة هما القريتان اللتان قالوا فيهما ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ هَذَا الْقُرآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتِيْنِ عَظِيمٌ﴾ وآخر غزوات النبي
стр. 187
- ﷺ من غزوات القتال هي غزوة الطائف ولم يفتحها ثم إن أهلها أسلموا وطلبوا من النبي أن يمنعهم باللات حولاً فامتنع من ذلك وهدمها وأمر ببناء المسجد موضعها واستعمل عليهم عثمان بن أبي العاص الثقفي، وهذا معروف عند أهل العلم، والمقصود أنهم كانوا يسمون السفر إلى مثل ذلك حجاً ويقولون إن بيت اللات يحج كما تحج الكعبة وكانوا يحجون إلى "العزى" وكانت عند "عرفات" ويحجون إلى مناة الثالثة الأخرى وهي حذو "قديد" فكان لكل مدينة من مدائن الحجاز وثن يحجون إليه، فاللات بالطائف، والعزى عند مكة، ومناة لأهل المدينة، كانوا يهلون لها، وهؤلاء الذين يحجون إلى القبور يقصدون ما يقصده المشركون الذين يقصدون بعبادة المخلوق ما يقصده العابدون لله منهم من قصده قضاء حاجته وإجابة سؤاله يقول هؤلاء أقرب إلى الله مني فأنا أتوسل بهم فهم يتوسلون لي في قضاء حاجتي كما يتوسط خواص الملوك لمن يكون بعيداً عنهم، وقد ينذرون لهم أو يأتي بقربان بلا نذر ويتقربون إليهم بما ينذرونه ويهدونه إلى قبورهم كما يتقرب المسلمون بما يتقربون به إلى الله من الصدقات والضحايا وكما يهدون إلى مكة أنواع الهدي، ومنهم من يجعل لصاحب القبر نصيباً من ماله أو بعض ماله أو يجعل ولده له كما كان المشركون يفعلون بآلهتهم ومنهم من يسيب لهم السوائب فلا يذبح ولا يركب ما يسيب لهم من بقر وغيرها كما كان المشركون يسيبون لطواغيتهم فهذا صنف وصنف ثان يحجون إلى قبورهم لما عندهم من المحبة للميت والشوق إليه أو التعظيم والخضوع له فيجعلون السفر على قبره أو إلى صورته الممثلة تقوم مقام السفر إلى نفسه لو كان حياً ويجدون بذلك أنساً في قلوبهم وطمأنينة وراحة كما يحصل لكثير من المحبين إذا رأى قبر محبوبه كما يحصل للقريب والصديق إذا رأى قبر قريبه وصديقه لكن ذاك
стр. 188
حب وتعظيم ديني فهو أعظم تأثيراً في النفوس ولهذا يجد كل قوم عند قبر من يحبونه ويعظمونه ما لا يجدونه عند قبر غيره وإن كان أفضل وكثير من أتباع المشائخ والأئمة لا يجد عند قبر شيخه وإمامه ما لا يجده عند قبور الأنبياء لا نبياً ولا غيره، وذلك لأن الوجد الذي يجدونه ليس سببه نفس فضيلة المزور بل سببه ما قام بنفوسهم من حبه وتعظيمه وإن كان هو لا يستحق ذلك، بل قد يكون المزور كافراً مشركاً أو كتابياً، والمحبون له المعظمون يجدون مثل ذلك وهذا كما أن عباد الأوثان الذين جعلوهم أنداداً يحبونهم كحب الله يجدون عند الأوثان مثل ذلك، وكذلك عباد العجل، قال الله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ أي حب العجل، هذا قول الأكثرين وموسى حرقه ثم نسفه فإنه كان قد صار لحماً وقيل بل أشربوا برادته التي كانت في الماء، وأن موسى برده لكونه كان ذهباً والأول عليه الجمهور وهو أصح، وقد سئل سفيان بن عيينة عن أهل البدع والأهواء أن عندهم حباً لذلك، فأجاب السائل: بأن ذلك كقوله: ﴿وَمِنَ الْنَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادَاً يُحِبُونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ والَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبَاً للهِ﴾ وقوله: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ والله تعالى قد ذكر حب المشركين آلهتهم وبين أن من الناس من يتخذ إلهه هواه أي يجعل ما يألهه ويعبد ما يهواه فالذي يهواه ويحبه هو الذي يعبده، ولهذا ينتقل من آله إلى أله كالذي ينتقل من محبوب إلى محبوب إذا كان لم يحب بعلم، وهذا ما يستحق أن يحب ولا عبد من يستحق أن يعبد بل أحب وعبد ما أحبه من غير علم ولا هدى ولا كتاب منزله، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ إلى قوله: ﴿سَبِيلاً﴾ وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس ذلك الكافر اتخذ
стр. 189
دينه بغير هدى من الله ولا برهان، وقال سعيد بن جبير: كان أحدهم يعبد الحجر فإذا رأى ما هو أحسن منه ورماه وعبد الآخر، قال الحسن البصري: ذاك المنافق نصب هواه فما هوى من شيء ركبه، وقال قتادة: أي والله كلما هوي شيئاً وكلما اشتهى شيئاً أتاه لا يحجزهن عن ذلك ورع ولا تقوى رواهن ابن أبي حاتم وغيره، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكُرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿فَأْتُوْا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إلى قوله: ﴿بِغَيْرِ هُدَىً من الله﴾ وقال تعالى عن المشركين: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ ، إلى قوله ﴿فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ فالذين يحجون إلى القبور من جنس الذين يحجون إلى الأوثان، والمشركون كان يدعون مع الله آلهاً آخر يدعونه كما يدعون الله وأهل التوحيد لا يدعون إلا الله لا يدعون مع الله إلهاً آخر لا دعاء سؤال وطلب ولا دعاء عبادة وتأله والمشركون يقصدون هذا وهذا وكذلك الحجاج إلى القبور يقصدون هذا وهذا ومنهم من يصور مثال الميت ويجعل ذلك دعاءه ومحبته والأنس به قائماً مقام صاحب الصورة سواء كان نبياً أو رجلاً صالحاً أو غير صالح، وقد يصور المثال له أيضاً كما يفعل النصارى، وكثيراً ما يظنون في قبر أنه قبر نبي أو رجل صالح ولا يكون ذلك قبره بل قبر غيره أو لا يكون قبراً وربما كان قبر كافر يحسنون الظن بمن يظنونه رجلاً صالحاً ولياً لله ويكون كافراً أو فاجراً كما يوجد عند المشركين وأهل الكتاب وبعض الضلال من أهل القبلة وهذا الجنس من الزيارة ليس مما شرعه الرسول لا إباحة ولا ندباً ولا استحبه أحد عن أئمة الدين بل هم متفقون على النهي عن هذا الجنس كله؛ وقد لعن رسول الله
стр. 190
- ﷺ في الأحاديث الصحيحة المستفيضة ما هو أقرب من هؤلاء وهم الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا وأخبر أن من كان من قبلنا كانوا يتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، وقال: "ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك" فإذا كان قد نهى ولعن من يتخذها مسجداً يعبد الله فيه ويدعي لأن ذلك ذريعة ومظنة إلى دعاء المخلوق صاحب القبر وعبادته فكيف بنفس الشرك الذي سد ذريعته ونهى عن اتخاذها مساجد لئلا يفضي ذلك إليه فمعلوم أن صاحبه أحق باللعنة والنهي وهذا كما أنه نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها وقال: "فإنها تطلع بين قرني شيطان" وحيئنذٍ يسجد لها الكفار ونهى عن تحري الصلاة في هذا الوقت لما فيه من مشابهة الكفار في الصورة وإن كان المصلي يقصد السجود لله لا للشمس لكن نهتى عتن المشابهة في الصورة لئلا يفضي إلى المشاركة في القصد فإذا قصد الإنسان السجود للشمس وقت طلوع الشمس ووقت غروبها كان أحق بالذم والنهي والعقاب، ولهذا يكون هذا كافراً كذلك من دعا غير الله وحج إلى غير الله هو أيضاً مشرك والذي فعله كفر لكن قد لا يكون عالماً بأن هذا شرك محرم كما أن كثيراً من الناس دخلوا في الإسلام من التتار وغيرهم وعندهم أصنام لهم صغار من لبد وغيره وهم يتقربون إليها ويعظمونها ولا يعلمون أن ذلك محرم في دين الإسلام، ويتقربون إلى النار أيضاً ولا يعلمون أن ذلك محرم فكثيرا من أنواع الشرك قد يخفى على بعض من دخل في الإسلام ولا يعلم أنه شرك فهذا ضال عمله وعلمه الذي أشرك فيه باطل لكن لا يستحق العقوبة حتى تقوم عليه الحجة قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوْا لِلهِ أَنْدَادَاً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وفي صحيح أبي حاتم وغيره عن النبي – ﷺ أنه قال: "الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل" فقال أبو بكر: يا رسول الله فكيف ننجو منه
стр. 191
قال: "قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم" وكذلك كثير من الداخلين في الإسلام يعتقدون أن الحج إلى قبر بعض الأئمة والشيوخ أفضل من الحج أو مثله ولا يعلمون أن ذلك محرم ولا يجوز وقد بسطنا الكلام في هذا في مواضع والمقصود هنا أن هؤلاء المشركين الذين يجعلون أصحاب القبور وسائط يشركون بهم كما يشركون أصحاب الأوثان بأوثانهم يدعونهم ويستغيثون بهم ويرجونهم ويخافونهم وقد جعلوهم أنداداً يحبونهم كحب الله هم الذي يقولون لمن نهى عن هذا الشرك وأمر بعبادة الله وحده أنه تنقصهم وعاداهم وعاندهم كما يزعم النصارى أن من جعل المسيح عبداً لله لا يملك ضراً ولا نفعاً أنه قد تنقص المسيح وعاداه وسبه وعانده وأما من عرف أن الأنبياء نهوا عن هذا الشرك فأطاعهم واتبع سبيلهم وعبد الله وحده فهذا يمتنع أن يقول هذا تنقص ومعاداة فهذا الفرقان الذي يفصل بين عباد الرحمن وعباد الشيطان والأنبياء تجب محبتهم وموالاتهم وتعزيرهم وتوقيرهم لا سيما خاتم الرسل صلوات الله عليهم أجمعين وقد ثبت في الصحيحين عن أنس عن النبي – ﷺ أنه قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي – ﷺ أنه قال: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم ... الحديث" وفي البخاري عن عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي – ﷺ وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب –﵁ فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال النبي – ﷺ : "لا، والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك" فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي – ﷺ : "الآن يا عمر" وفي الصحيحين عن أنس عن النبي – ﷺ قال: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه
стр. 192
مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار" وفي بعض طرق البخاري "لا يجد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا الله" وذكر الحديث وتصديق هذه الأحاديث في كتاب الله قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ ... ﴾ الآية ومحبة الرسول هي من محبة الله فهي حب لله وفي الله ليست محبة ومحبوب مع الله كالذين قال الله فيهم ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ والحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان كما جاء في الحديث وحب ند مع الله شرك لا يغفره الله فأين هذا من هذا والمحبة التي أوجبها الله لرسوله وللمؤمنين لا يختص ببقعة لا تختص بقبورهم ولا غيرها وكذلك سائر حقوقهم من الإيمان بهم وما يدخل في ذلك فغن ذلك واجب في كل موضع وكذلك الصلاة والسلام على الرسول وغير ذلك فمن يجد قلبه عند الرسول أكثر محبة له وتعظيماً ولسانه أكثر صلاة عليه وتسليماً مما يجده في سائر المواضع كان ذلك دليلاً على أنه ناقص الحظ مبخوس النصيب من كمال المحبة والتعظيم وكان فيه من نقص الإيمان وانخفاض الدرجة بحسب هذا التفاوت بل المأمور به أن تكون محبته وتعظيمه وصلاته وتسليمه عند غير القبر أعظم فإن القبر قد حيل بين الناس وبينه وقد نهى أن يتخذ عيداً ودعا الله أن لا يجعل قبره وثناً فإن لم يجد إيمانه به ومحبته له وتعظيمه له وصلاته عليه وتسليمه عليه إذا كان في بلده أعظم مما يكون لو كان في نفس الحجرة من داخل لكان ناقص الحظ من الدين وكما الدين واليقين فكيف إذا لم يكن من داخل بل من خارج فهذا هذا والله أعلم.
والوجه الرابع: أن يقال عداوة الأنبياء وعنادهم هو بمخالفتهم لا بموافقتهم
стр. 193
كمن نهى عما أمروا به من عبادة الله وحده وأمر بما نهوا عنه من الشرك بالمخلوقات كلها بالملائكة والأنبياء والشمس والقمر والتماثيل المصورة لهؤلاء وغير ذلك ومن كذبهم فيما أخبروا به من إرسال الله لهم وما أخبروا به عن الله من أسمائه وصفاته وتوحيده وملائكته وعرشه وما أبخروا به من الجنة والنار والوعد والوعيد فلا ريب أن من كذب ما أخبروا به ونهى عما أمروا به وأمر بما نهوا عنه فقد عاداهم وعاندهم وأما من صدقهم فيما أخبروا به وأطاعهم فيما أمروا به فهذا هو المؤمن ولي الله الذي والاهم واتبعهم وإذا كان كذلك فننظر فيما جاء عن نبينا محمد – ﷺ وغيره من الأنبياء إن كانوا أمروا بالسفر إلى القبور كما يسافر المسافرون لزيارتها يدعونها ويستغيثون بها ويطلبون منها الحوائج ويتضرعون لها أي لأصحابها ويرون السفر إليها من جنس الحج أو فوق أو قريب منه فمن نهى عما أمر به الرسول ورغب فيه يكون مخالفاً له وقد يكون بعد ظهور قوله إصراره على مخالفته معادياً ومعانداً كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ الآية وإن كان الرسول لم يأمر بشيء من ذلك ولكن شرع السفر إلى المساجد الثلاثة، وقال: "لا تشد الرحال إلى إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي ومسجد هذا، والمسجد الأقصى"، ونهى عن اتخاذ القبور مساجد ولعن من فعل ذلك وهو أهون من الحج إليها ومن دعا أصحابها من دون الله فإن هذا هو الذي جاءت به الأنبياء دون ذاك فالممخالف للرسول الأمر بما نهى عنه من شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة الأمر بالسفر إلى زيارة القبور قبور الأنبياء والصالحين وهذا السفر قد علم أنه من جنس الحج وعلم أن أصحابه يقصدون به الشرك أعظم مما يقصد الذين يتخذون القبور مساجد الذي لا ينهى عما نهى عنه الرسول من اتخاذ القبور مساجد واتخاذها عيداً وأوثاناً المعادي لمن
стр. 194
وافق الرسول فأمر بما أمر ونهى عما نهى المكفر لمن وافق الرسول المستحل دمه وهو أحق بأن يكون معادياً للرسول معانداً له مجاهراً بعداوة أولياء الرسول وحزبه ومن كان كذلك كان هو المستحق لجهاده وعقوبته بعد إقامة الحجة عليه وبيان ما جاء به الرسول دون الموافق للرسول الناصر لسنته وشريعته وما بعثه الله به من الإسلام والقرآن ولكن هذا من جنس أهل البدع الذين يبتدعون بدعة ويعادون من خالفها وينسبونها إلى الرسول افتراءً وجهلاً كالرافضة الذين يقولون إن المهاجرين والأنصار عادوا الرسول وارتدوا عن دينه وأنهم هم أولياء الله والخوارج المارقين الذيبن يدعون أن عثمان وعلياً ومن والاهما كفار بالقرآن الذي جاء به الرسول ويستحلون دماء المسلمين بهذا الضلال ولهذا أمر النبي – ﷺ بقتالهم وأخبر بما سيكون منهم وقال فيهم: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامهم مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ويمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً عند الله، وقال لئن أدركتهم لأقتلهم قتل عاد" والأحاديث فيهم كثيرة وعظم ذنبهم بتكفير المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم وإلا فلا لم يفعلوا ذلك لكان لهم أسوة أمثالهم من أهل الخطأ والضلال ومعلوم أن الشرك بالله وعبادة ما سواه أعظم الذنوب والدعاء إليه والأمر به من أعظم الخطايا ومعاداة من ينهي عنه ويأمر بالتوحيد وطاعة الرسول أعظم من معاداة من هو دونه ولولا بعد عهد الناس بأول الإسلام وحال المهاجرين والأنصار ونقص العلم وظهور الجمل واشتباه الأمر على كثير من الناس لكان هؤلاء المشركون والآمرون بالشرك مما يظهر كفرهم وضلالهم للخاصة والعامة أعظم مما يظهر ضلال الخوارج والرافضة فإن أولئك تشبثوا بأشياء من الكتاب والسنة وخفي
стр. 195
عليهم بعض السنة اللهم إلا من كان منافقاً زنديقاً في الباطن مثل بعض الرافضة ويقال إن أول من ابتدعه كان منافقاً زنديقاً فإن قال هؤلاء من جنس أمثالهم من الزنادقة والمنافقين بخلاف الخوارك فإنهم لم يكونوا زنادقة منافقين بل كان قصدهم اتباع القرآن لكن لم يكونوا يفهمونه كما قال فيهم النبي – ﷺ يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم فالمبتدع العابد الجاهل يشبههم من هذا الوجه وأما الحجاج إلى القبور والمتخذون لها أوثاناً ومساجداً وأعياداً فهؤلاء لم يكن على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم منهم طائفة تعرف ولا كان في الإسلام قبر ولا مشهد يحج إليه بل هذا إنما ظهر بعد القرون الثلاثة والبدعة كلما كانت أظهر مخالفة للرسول يتأخر ظهورها وإنما تحدث أولاً ما كان أخفى مخالفة للكتاب والسنة كبدعة الخوارج ومع هذا فقد جاءت الأحاديث الصحيحة فيهم بذممهم وعقابهم وأجمع الصحابة على ذلك، قال الإمام أحمد: صح فهم الحديث من عشرة أوجه وقد رواها صاحبه مسلم كلها في صحيحه وروى البخاري قطعة منها وأما بدع أهل الشرك وعباد القبور والحجاج إليهم فهذا ما كان يظهر في القرون الثلاثة لكل أحد مخالفة لرسول فلم يتجرأ أحد أن يظهر ذلك في القرون الثلاثة وبسط هذا له موضع آخر ولكنها نبهنا على ما به يعرف ما وقع فيه مثل هذا المعترض وأمثاله من الضلال والحمل ومعاداة سنة الرسول ومتبعيها وموالاة أعداء الرسول وغير ذلك مما يبعدهم عن الله ورسوله ثم من قامت عليه الحجة استحق العقوبة وإلا كانت أعماله البدعية المنهي عنها باطلة لا ثواب منها وكانت منقصة له خافضة له بحسب بعده عن السنة فإن هذا حكم أهل الضلال وهو البعد عن الصراط المستقيم وما يستحقه أهله من الكرامة ثم قامت عليه الحجة استحق العقوبة وإلا كان بعده ونقصه وانخفاض درجته وما يلحقه في الدنيا
стр. 196
والآخرة من انخفاض منزلته وسقوطه حرمته وانحطاط درجة جزائه والله حكم عدل لا يظلم مثقال ذرة وهو عليم حكيم لطيف لما يشاء سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً، وله الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون. انتهى.
فرد من كلام الشيخ أعذب منهل ... وذقة تجد طعماً ألذ من الشهد
يريك صراطاً مستقيماً على الهدى ... وسالكه حقاً يسير على القصد
دلائله كالشمس تغدو شهيرة ... ولا تختفي إلا على الأعين الرمد
فخذ بكلام الشيخ إن كنت عالماً ... محقاً وخذ بالعلم عن كل ذي نقد
ودع عنك تلفيقات كل مموه ... يصد عن الدين الحنيفي والرشد
ويسعى بأن لا يعبد الله وحده ... بإشراكهم بالله من كان في اللحد
ودعوتهم غير الإله لحاجة ... وكشف مهما تجل عن العد
وإن يتسغيث المشركون بغيره ... تعالى عن الإشراك والجعل للند
وكدحلان ذي الكفران والشرك والردى ... ويوسف من يدعى لنبهان ذي الجحد
وكالكسم من قد كان بالله مشركاً ... وأشباههم من كل غاو ومرتد
فليسوا على نهج من الحق والهدى ... ولكنهم عن مهيع الحق في بعد
أضلوا وأضلوا واستزلوا عن الهدى ... غرة طغاة معتدين ذي حقد
يعادون أهل الحق من حنق بهم ... وبغي وعدوان وظلم بلا حد
وقد صدقوا المعصوم في كل أمره ... وقد جانبوا من نهيه كل ما يردي
стр. 197
وغيرهموا في مهمه الغي والهوى ... غواة حيارى زائغين عن القصد
فأما ذوي الإسلام من أهل "نجدنا" ... واتباعهم من كل ندب وذي نقد
فقد سلكوا نهجاً من الدين واضحاً ... على سنة المعصوم أكمل من يهدي
فمن كان هذا شأنه وطريقه ... ونحلته في الدين من غير ماصد
يكون بهذا مبغضاً ومعادياً ... ومستنقصاً للمصطفى الكامل لمجد
لعمري لقد أخطأتوا طرق الهدى ... وجانبتموها يا ذرى الغي والطرد
وعاديتموا الإسلام جهلاً يبغيكم ... وأحزابه من كل هاد ومستهدي
فتباً لهاتيك العقول التي غوت ... وحادت عن التقوى وعن ميع الرشد
لقد نكرت دين النبي محمد ... وعادته جهراً واجتراء على عمد
فظنوا غباء من سفاهة رأيهم ... بأنهم أهل الهدى وذو الجد
وأنهموا أولى بدين "محمد" ... وتلك الأماني لا تفيد ولا تجدي
وقد خرجوا عن منهج الحق والهدى ... إلى دين عباد القبور ذرى الطرد
فليس اتباع المصطفى يا ذوي الردى ... يكون معاداة وبغضاً لذي المجد
ولكنه عين الكمال لأنه ... على وفق ما قد قال في كل ما يبدي
وتعظيم أمر المصطفى باتباعه ... وترك الذي يأباه من كل ما يردي
فيأتي الذي يرضاه من كل مطلب ... وتجتنب المنهي إذ كان لا يجدي
فمن شد رحلاً للزيارة قاصداً ... إلى قبره لا للصلاة على عمد
بمسجده الأسنى، فقد خالف الذي ... أراد به المعصوم في القصد بالشد
وخالف أقوال الأئمة كلهم ... وأقوال أصحاب النبي ذوي المجد
وعادى رسول الله بل كان مبغضاً ... لدين المصطفى خير من يهدي
стр. 198
ومن شد رحلاً قاصداً بمسيره ... بمسجده الأسنى الصلاة ليستجدي
ويطلب غفراناً من الله وحده ... وأجراً وإحساناً من المنعم المسدي
ومن بعد أن صلى يزور "محمداً" ... فيدعو له لما هدانا إلى الرشد
ولا يدعه بل يذل الجهد في الثنا ... عليه بما أبدى من الخير والحمد
وإرشاد أهل الأرض بعد ضلالهم ... إلى كل ما يدني إلى جنة الخلد
فهذا هو المشروع وهو الذي أتى ... به النص عن أزكى الورى خير من يهدي
عليه صلاة الله ما انهل وابل ... وما هبت النكبا وقهقه من رعد
وأصحابه والآل مع كل تابع ... وتابعهم في الدين من كل مستهد
وأما قوله: "وأغواهم بما جاء في القرآن العظيم بحق المشركين".
فالجواب أن نقول: ليس الاستدلال بالقرآن غواء من الشيطان، ولكنه صينع أهل العلم من حملة السنة والقرآن، وأما كونه جاء في القرآن فنعم فمن فعل كما فعل المشركون من الشرك بالله بصرف خالص حقه لغير الله من الأنبياء والأولياء والصالحين ودعاهم مع الله واستغاث بهم كما يستغيث بالله وطلب منهم ما لا يطلب إلا من الله وتعلق عليهم ولجأ إليهم في جميع مهماته ومسلماته، فما المانع من تنزيل الآيات على من فعل المشركون وتكفيره، وقد ذكر أهل العلم العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ولكن إذا عميت قلوبكم عن معرفة الحق وتنزيل ما أنزله الله في حق المشركين على من صنع صنيعهم واحتذى حذوهم فلا حيلة فيه، ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً، ولم يجعل الله له نوراً فما له من نور.
وأما قوله: "فذهب بإيمانهم تحت ستار العبادة".
стр. 199
وقوله: "معاذ الله ما هذا بالذي يذهب بالإيمان بل هو محض الإيمان بالله ورسوله وامتثال ما أمر به والانتهاء عما نهى عنه وذلك لا يخفى إلا على من أعمى الله بصيرة قلبه وقد تقدم بيان ذلك بحمد الله منته وذلك لا يكون مبغضاً لرسول الله – ﷺ ولا معاداة له، وإنما المبغض لرسول الله – ﷺ والمعادي له من عصاه وخالف أمره وأشرك بالله في خالص حقه وإنما بعث النبي – ﷺ لتكفير من فعل هذا وقتله واستحلال ماله ودمه وأن يكون الدين كله ولا يكون فيه شركة لأحد سواه ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ .
وأما قوله "ففسروا الزيارة بمعنى عبادة الأوثان وشبهوا التوسل بما يفعله مشركو العرب وغيرهم".
فأقول: نعم من زار قبور الأنبياء والأولياء والصالحين وفعل كما فعل مشركو العرب من دعائهم الأنبياء والأولياء والصالحين وما يفعلونه عند الأشجار كالعزى والأحجار كاللات ومناة الثالثة الأخرى واستغاث بهم كما استغاث المشركون بأوثانهم وطلب منهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفان وذبح لهم الذبائح ونذر لهم النذور كما كان يفعله المشركون عند تلك الأشجار والصخور وكما كان يفعله اليوم عباد القبور فهذا هو معنى عبادة الأوثان وما الفارق بين من فعل هذا وهذا إن كنتم تعلمون؟ ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ، ﴿هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ .
وأما قوله: فانظر ما أشقاهم وأحمقهم وأبعدهم عن الحق ولو صح لهم هذا التأويل الباطل لكانوا هم أشد الناس شركاً لأنهم يزورون الأمراء والحكام ويتزلفون إليهم ويتوسلون ببعضهم في حوائجهم بكل قول وعمل وربما خاب
стр. 200
أملهم بما يرجون".
فالجواب أن نقول: من نظر بعين البصيرة وجدهم من أهدى الناس وأرشدهم وأقربهم إلى الحق الذي بعث الله به نبيه محمد – ﷺ وأنهم بذلك على الصراط المستقيم والدين القويم ووجدكم أشقى الخلق وأحمقهم وأبعدهم عن الحق الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه وأنكم بذلك على الكفر الوخيم والشرك الذميم الموافق لما عليه أصحاب الجحيم لا يمتري في ذلك من كان ذا قلب سليم وعقل مستقيم. وقوله: "ولو صح لهم هذا التأويل الباطل لكانوا هم أشد الناس شركاً لأنهم يزورون الأمراء والحكام" إلى آخره. فأقول هذا من أفسد القياس وأبطل الباطل وأمحل المحال وأضل الضلال فإن هذا لا يقوله من له أدنى مسكة من عقل أو دين ويفرق بين دين المسلمين ودين المشركين وبين ما يجوز من الأسباب العادية وما لا يجوز من الأمور والأفعال الشركية فإن زيارة الأمراء والحكام والتزلف إليهم والتوسل ببعضهم في حوائجهم فيما كان بأيديهم وداخل تحت قدرتهم وملكهم وتصرفهم من الأمور الدنيوية التي لا يعجزون عنها وهي تحت مقدورهم وفي طوقهم ليس بشرك بل هو من الأسباب العادية التي أجرى الله نفع العباد بعضهم ببعض بها فإن ذلك كله مما لا نزاع في جوازه لدى الموحدين وقد ذكر ذلك أهل العلم في مصنفاتهم، قال الشيخ صنع الله الحلبي –رحمه الله تعالى-: "والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسبة في قتال أو إدراك عدو أو سبع ونحوه كقولهم: يا لزيد، يا للمسلمين، بحسب الأفعال الظاهرة" انتهى. وهذا كما يقول الرجل لصاحبه في السفر أعني على حمل دابتي وعلى حمل متاعي وأعطني ما يرد علي هذا الشارد أو ادفع عني هذا السبع الصائل أو كمن يقول لبعض الأمراء والحكام
стр. 201
إذا وفد إليهم أعطني هذا أو تفضل علي بكذا مما هو اخل تحت قدرته ونحو ذلك فهذا جائز ولا نزاع فيه بين العلماء فإن هذا سؤال من حي حاضر قادر على ما ينفع به أخاه المسلم من الأمور الدنيوية ومن زعم أن هذا من الشرك المخرج من الملة فهو أضل من حمار أهله.
وأما قوله: "فماذا علينا إذا توسلنا بجاه من فضله الله على كل خلقه في طلب نعيم دائم ورضى كريم لا يمن ولا يمنع أو بقضاء حاجة دنيوية".
فالجواب أن يقال: نعم إن عليك من الإثم ما قد يستحقه من فعل أحد هذين الذنبين العظيمين فإن كان قصدك بالتوسل أنك تطلب من الله بجاه نبيه وبحرمته وحقه على الله أن يتفضل الله عليك بنعيم دائم ورضاء كريم لا يمن ولا يمنع أو بقضاء حاجة دنيوية فهذا التوسل بدعة مكروهة محرمة وعليك في ذلك إثم من ابتدع في الدين ما لم يأذن به الله ولا شرعه رسول الله – ﷺ لأمته ولا فعله الصحابة والتابعون ولا الأئمة المهتدون وقد ذم العلماء البدع وأهلها وذكروا إثم من عمل بها أو سنها وأنهم ملعونون على لسان محمد – ﷺ قال الإمام الحافظ محمد بن وضاح: أخبرنا غير واحد أن سد بن موسى كتب إلى أسد بن الفرات: "اعلم يا أخي أن ما حملني على الكتاب إليك ما ذكر أهل بلادك من صالح ما أعطاك الله من إنصافك الناس وحسن حالك مما أظهرت من السنة وعيبك لأهل البدع وكثرة ذكرك لهم وطعنك عليهم فقمعهم الله بك وشد بك ظهر أهل السنة وقواك عليهم عليهم بإظهار عيبهم والطعن عليهم فأذلهم الله بك وصاروا ببدعتهم مستترين فأبشر يا أخي بثواب ذلك واعتد به من أفضل حسناتك من الصلاة والصيام والحج والجهاد وأين تقع هذه الأعمال من إقامة كتاب الله وإحياء سنة رسوله، وقد قال رسول الله – ﷺ : " من أحيا شيئاً من
стр. 202
سنتي كنت أنا وهو في الجنة كهاتين وضم بين أصبعيه"، وقال: "أيما داع دعا إلى هدى فاتبع عليه كان له مثل أجر من اتبعه إلى يوم القيامة" فمتى يدك هذا أجر شيء من عمله؟ وذكر أيضاً أن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام ولياً لله يذب عنها وينطق بعلامتها فاغتنم يا أخي هذا الفضل وكن من أهله، فإن النبي – ﷺ قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن وأوصاه قال: "لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من كذا وكذا" وعظم القول فيه فاغتنم ذلك وادع إلى السنة حتى يكن لك بذلك إلفه وجماعة يقومون مقامك إن حدث بك حدث فيكونون أئمة بعدك فيكون لك ثواب ذلك إلى يوم القيامة كما جاء في الأثر فاعمل على بصير ونية وحسبة فيرد الله بك المبتدع المفتون الزائغ الحائر فتكون خلفاً عن نبيك – ﷺ فإنك لن تلقى الله بعمل شبهه وإياك أن يكون لك من أهل البدع أخ أو جليس أو صاحب فإنه جاء في الأثر: من جالس صاحب بدعة نزعت منه العصمة ووكل إلى نفسه ومن مشى إلى صاحب بدعة مشى في هدم الإسلام، وجاء: ما من إله يعبد من دون الله أبغض إلى الله من صاحب هوى، وقد وقعت اللعنة من رسول الله – ﷺ على أهل البدع وأن الله لا يقبل منهم صرفاً ولا عدلاً ولا فريضة ولا تطوعاً وكلما ازدادوا اجتهاداً وصوماً وصلاة ازدادوا من الله بعداً فارفض مجالسهم وأذلهم وأبعدهم كما أبعدهم الله وأذلهم رسول الله – ﷺ وأئمة الهدى من بعده" انتهى. ثم قال محمد بن وضاح بإسناده عن الحسن قال: لا تجالس صاحب بدعة فإنه يمرض قلبك، ثم ذكر بإسناده عن سفيان الثوري قال: من جالس صاحب بدعة لم يسلم من ثلاث إما أن يكون فتنة لغيره وإما أن يقع في قلبه شيء فيزل به فيدخل النار، وإما أن يقول والله ما أبالي بما تكلمون وإني واثق بنفسي فمن أمن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه، ثم ذكر
стр. 203
بإسناده عن بعض السلف قال: من أتى صاحب بدعة ليوقره فقد أعان على هدم الإسلام. انتهى وقد أخبر – ﷺ أن أهل البدع هم شرار الخلق عند الله ولعن – ﷺ وهو في السياق من فعل ذلك ففي الصحيحين عن عائشة –﵂ أن أم سلمة –﵂ ذكرت لرسول الله – ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح والعبد الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله" فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين فتنة القبور وفتنة التماثيل ولهما عنها قالت لما نزل برسول الله – ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا" ولولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً. أخرجاه وقال – ﷺ : "لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" رواه أهل السنن، وإن كان قصدك –أيها الملحد- بالتوسل طلب النبي – ﷺ ودعاؤه والاستغاثة به أن يتفضل عليك بنعيم دائم ورضاء كريم لا يمن ولا يمنع أو بقضاء حاجة دنيوية فهذا هو الشرك العظيم والذنب الجسيم الذي من أتى به فقد حرم الله عليه الجنة لأنه محض حق الله، ومن صرف ذلك لغير الله كان مشركاً قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ الآية فمن استغاث بغير الله في طلب حاجة أو كشف كربة أو سأل من غيره نعيماً دائماً فهو مشرك كافر بالله بنص كتاب الله وسنة رسوله – ﷺ ، وكلام أهل الله بالعلم وبدينه وشرعه، قال شيخ الإسلام –﵀ في "الرسالة السنية" فإذا كان على عهد النبي – ﷺ ممن انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته
стр. 204
العظيمة فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضاً من الإسلام لأسباب منها الغلو في بعض المشائخ بل الغلو في علي بن أبي طالب بل الغلو في المسيح –﵇ فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعاً من الإلهية مثل أن يقول يا سيد فلان انصرني أو أغثني وارزقني أو أنا في حسبك ونحو هذه الأقوال فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل، فإن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده لا شريك له ولا يدعى معه إله والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو تنزل المطر أو تنبت النبات وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو يعبدون صورهم يقولون ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ ويقولون ﴿هَؤلَاء شُفَعَاؤنَا عِنْدَ اللهِ﴾ فبعث الله سبحانه رسله تنهي عن أن يدعى من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة. انتهى. وقال أيضاً: من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم كفر إجماعاً نقله عنه صاحب "الفروع" وصاحب "الإنصاف" وصاحب "الإقناع" وغيرهم وقال ابن القيم –﵀: ومن أنواعه –يعني الشرك- طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم وهذا أصل شرك العالم فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسهنفعاً ولا ضراً فضلاً عمن استغاث به أو سأله أن يشفع له إلى الله وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، وقال الحافظ محمد بن عبد الهادي –﵀ في رده على السبكي "قوله إن المبالغة في تعظيمه، أي الرسول – ﷺ واجبة إن أريد به المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيماً حتى الحج إلى قبره والسجود له والطواف به واعتقاد أنه يعلم الغيب وأنه يعطي ويمنع ويملك لمن استغاث به من دون الله
стр. 205
الضر والنفع وأنه يقضي حوائج السائلين ويفرج كربات المكروبين وأنه يشفع فيمن يشاء ويدخل الجنة من شاء فدعوى المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك وانسلاخ من جملة الدين وفي "الفتاوى البزازية" من كتب الحنفية قال علماؤنا: من قال أرواح المشايخ حاضرة تعلم الغيب يكفر، وقال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي –رحمه اله- في كتابه في الرد على من ادعى أن لأولياء تصرفات في الحياة وبعد الممات على سبيل الكرامة: هذا وأنه قد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدعون أن للأولياء تصرفات بحياتهم وبعد مماتهم ويستغاث بهم في الشدائد والبيلات وبهمهم تكشف المهمات فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات مستدلين أن ذلك منهم كرامات وقالوا منهم أبدال ونقباء ونجباء وسبعون وسبعة وأربعون وأربعة والقطب والغوث للناس وعليه المدار بلا التباس وجوزوا لهم الذبائح والنذور وأثبتوا لهم فيهما الأجور قال: وهذا كلام فيه تفريط وإفراط بل فيه الهلاك الأبدي والعذاب السرمدي لما فيه من روائح الشرك المحقق ومصادمة الكتاب العزيز المصدق ومخالفة لعقائد الأئمة وما اجتمعت عليه الأمة، وفي التنزيل ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ولله در الشيخ ملا عمران حيث وشح قول النصراني بهذه الأبيات الآتي ذكرها لما نفي النصراني الشركة في حقه فكيف بحق الله قال النصراني:
تركت حبيب القلب لا عن ملالة ... ولكن جنا ذنباً يؤول إلى الترك
أراد شريكاً في المحبة بيننا ... وإيمان قلبي لا يميل إلى الشرك
وذلك أنه كان له زوجه فاتخذت خدناً فاطلع زوجها على ذلك ففارقها
стр. 206
وأنشد البيتين المذكورين، فقال "ملا عمران" توشيحاً على كلامه:
إذا كان ذا المخلوق عن نفسه نفا ... شراكة ند في المحبة والصفا
وأعلن للمحبوب بالترك والجفا ... فكيف بأن يرضي إله قد اصطفا
له رسلاً تدعوا إليه بلا شك ... فهل كان أهل الشرك فيما تقدما
يرجون من أوثانهم مطر السماء ... ولم يجعلوا زرقاً لمن كان معدماً
فما كان ذا منهم ولا بعضه كما ... أتى وحي رب العالمين بذا يحكي
ولكنهم يرجون منهم شفاعة ... تقربهم زلفى إليه وطاعة
وعند اشتداد الكرب حيناً وساعة ... يردون لله الرؤوس ضراعة
إليه يريدون النجاة من الهلك ... وبالعكس عباد القبور فإنهم
إذا اشتد خطب ساء في الله ظنهم ... وإن هاجت الأمواج ما زال فنهم
ينادون أصحاب القباب كأنهم ... يهلون في البيداء تلبية النسك
فلما أتى الشيخ الحكم منبهاً ... على الملة البيضاء بالنور والبها
وقال ذروا هذي القباب ومن بها ... وسنة خير الخلق منتصراً بها
تلقوه بالبهتان والزور والإفك ... فقالوا بسب الصالحين ويعتدي
ويقدح فيهم وهو ليس بمهتدي ... وبالعلما في دينه غير مقتدي
ويطنب في تكفير كل موحد ... ويحكم في الإسلام بالنهب والسفك
فحاشاه مما يفترون عليه بل ... أتى نصاحاً يدعو إلى صالح العمل
يوحد رباً قد تفرد في الأزل ... وينهى عن الشرك المؤدي إلى الزلل
стр. 207
ومن محدثات العرب والعجم والترك ... وقد قال قول الحق محض صريحه
على علمهم أن قد أتى بصحيحه ... ولكنهم لم ينشقوا طيب ريحه
فيا رب نزل رحمة في ضريحه ... وأتحفه بالغفران يا مالك الملك
ويا من على العرش استوى سرمداً ... وسلم على من جاء بالنور والهدى
وآل وصحب جاهدوا مصر العدا ... وبارك زد ما ناح طير وغردا
وما فاح نشر الورد والند والمسك
стр. 208
فصل: مشركوا هذا الزمان كمشركي العرب الاقدمين
ثم قال الملحد: فالمؤمن لا يعتقد أن المخلوق فعلاً أو تأثيراً، وقد بسط العلماء الجواب عما يفعله العوام مما يظن أن فيه شبهة شرك وما هي فيه ونحن وإياهم ما نقصد بذلك إلا اتباع الله تعالى باتخاذ الوسائل وابتغاء الأسباب التي منها السعي والكسب والدعاء واتخاذ الوسائط والتوسل بجاه أحبائه إلى آخره. والجواب أن نقول: هكذا كان مشركو العرب من الجاهلية حذو النعل بالنعل كانوا يدعون الصالحين والأنبياء والمرسلين طالبين منهم الشفاعة عند رب العالمين ويلجأون إليهم ويسألونهم على وجه التوسل بجاههم وشفاعتهم ويعلمون أن الله تعالى هو النافع الضار وأن الله سبحانه هو المؤثر وأن غيره لا تأثير له في جلب نفع أو دفع ضر، ولم يدخلهم ذلك في الإسلام لما جعلوا بعض المخلوقين وسائط بينهم وبين الله تعالى فلم ينفعهم إقرارهم بتوحيد الربوبية وأما ما يفعله العوام مما يظن أن فيه شبهة شرك فما أجابهم علماء السوء إلا بما أرداهم فأصبحوا من الخاسرين، وأنتم وإياهم في ميدان الكفر كفرسي رهان ولعمري لقد ضلوا وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل والألفاظ التي يقولها العوام وينطقون بها دالة دلالة مطابقة على اعتقاد التأثير من غير الله تعالى فما معنى الشبهة ثم لو سلم هذا الجهل لاستحال الارتداد وانسد باب الردة الذي يعقده الفقهاء في كل مصنف وكتاب من كتب أهل المذاهب الأربعة وغيرها فإن المسلم الموحد فمتى صدر منه قول أو فعل موجب للكفر يجب حمله على المجاز العقلي والإسلام والتوحيد قرينة على ذلك المجاز وأيضاً يلزم على هذا أن لا يكون المشركون الذين نطق كتاب الله بشركهم مشركين فإنهم كانوا يعتقدون أن الله هو
стр. 209
الخالق الرازق الضار النافع وأن الخير والشر بيده لكن كانوا يعبدون الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى، فالاعتقاد المذكور قرينة على أن المراد بالعبادة ليس معناه الحقيقي بل المراد هو المعنى المجازي أي التكريم مثلاً، فما هو جوابكم فهو جوابنا أيضاً أنكم هؤلاء أولتم عنهم في تلك الألفاظ الدالة على تأثير غير الله فما تفعلون في أعمالهم الشركية من دعاء غير الله والاستغاثة والنذر والذبح فإن الشرك لا يتوقف على اعتقاد تأثير غير الله بل إذا صدر من أحد عبادة من العبادات لغير الله صار مشركاً سواء اعتقد ذلك الغير مؤثراً أم لا. انتهى. فإذا عرفت أن هذا هو اعتقاد كفار قريش وغيرهم من العرب فإنهم كانوا معترفين بأن الله هو الفاعل لهذا الأشياء وأنه لا مشارك له في إيجاد شيء ولا أدخلهم ذلك في الإسلام بل قاتلهم رسول الله – ﷺ واستحل دماءهم وأموالهم إلى أن يخلصوا العبادة لله ولا يشركوا في عبادته أحداً سواه كان دعوى هؤلاء أن هذا من الألفاظ الموهمة من الأوهام الموبقة. وأما قوله: ونحن وإياهم ما نقصد بذلك إلا اتباع أمر الله تعالى باتخاذ الوسائل وابتغاء الأسباب التي منها السعي والكسب والدعاء. فالجواب أن نقول لهذا المفتري على الله وعلى رسوله ودينه وشرعه ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ
стр. 210
إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وقد أنكر الله على من اتخذ الملائكة والأنبياء والأولياء وسائل يدعونهم من دون الله فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً , أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ وأخبر تعالى أن هؤلاء المدعوين عبيده كما أن الداعين عبيده وأنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه فكيف تدعونهم من دون الله وقد أخبر تعالى أنهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة، أي القربة، وقيل الوسيلة الدرجة العليا، أي يتضرعون إلى الله في الدرجة العليا، وقيل الوسيلة كلما يتقرب به إلى الله فتبين أن الذي أمر الله به عباده المؤمنين دعاءه والتقرب إليه بالأعمال الصالحة فالوسيلة التي تطلب من الله هي التقرب إليه بطاعته والعمل بما يرضيه قال البغوي على قوله: ﴿وَابْتَغُوْا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ : أي: ما تتوسلون به إلى ثوابه والزلفى منه من فعل الطاعات وترك المعاصي من وسل إلى كذا إذا تقرب إليه. انتهى، فهذا الذي ذكره المفسرون في الوسيلة التي تبتغي وتطلب وأما التوسل بدعاء الأنبياء والأولياء والصالحين والاستغاثة بهم في المهمات والملمات فهو الكفر البواح الذي نهى الله عنه ورسوله وأجمع المسلمون على كفر من فعله وأتى به، والله لا يأمر بالكفر ولا يرضاه لعباده وإنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون، وأما قوله وابتغاء الأسباب التي منها السعي والكسب والدعاء فالجواب أن نقول: وهذا هو قول الجاهلية الكفار فإنهم ما عهدوا الأنبياء والأولياء والصالحين إلا لكونهم أسباباً ووسائل لنيل المقصود ولا فهم يعتقدون أن الله هو النافع الضار وأنه المتفرد بالإيجار والإعدام وأن الله هو
стр. 211
الخالق للأشياء وأنه هو رب كل شيء ومليكه ولا يعتقدون أن آلهتهم يدعونها من دون الله من الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة شاركوا في خلق السماوات والأرض واستقلوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد وإنما دعوهم والتجأوا إليهم واستغاثوا بهم على سبيل التسبب والتوسل بهم فكفرهم الله بذلك وقاتلهم رسول الله – ﷺ على ذلك واستحل دماءهم وأموالهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀: "الخامس" أن يقال نحن لا ننازع في إثبات ما أثبته الله من الأسباب والحكم والحكم، لكن من هو الذي جعل الاستغاثة بالمخلوق ودعاءه سبباً في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله؟ ومن الذي قال إنك إذا استغثت بميت أو غائب من البشر أو غير، كان ذلك سبباً في حصول الرزق والنصر والهدى وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله؟ ومن الذي شرع ذلك وأمر به؟ ومن الذي فعل ذلك من الأنبياء والصحابة والتابعين لهم بإحسان؟ فإن هذا المقام يحتاج إلى مقدمتين إحداهما أن هذه الأسباب مشروعة لا يحرم فعلها فإنه ليس كلما كان سبباً كونياً يجوز تعاطيه فإن المسافر قد يكون سفره سبباً لأخذ ماله وكلاهما محرم والدخول في دين النصارى قد يكون سبباً لمال يعطونه وهو محرم وشهادة الزور قد تكون سبباً لنيل المال يؤخذ من المشهود له وهو محرم وكثير من الفواحش والظلم قد يكون سبباً لنيل مطلب وهو محرم والسحر والكهانة سبب في بعض المطالب وهو محرم وكذلك الشرك كدعوة الكواكب والشياطين بل وعبادة البشر قد يكون سبباً لبعض المطالب وهو محرم فإن الله تعالى حرم من الأسباب ما كانت مفسدته راجحة على مصلحته كالخمر وإن كان يحصل به بعض الأغراض أحياناً وهذا المقام مما يظهر به ضلال هؤلاء المشركين خلقاً وأمر فإنهم مطالبون بالأدلة الشرعية. انتهى. فتبين أن الأسباب التي
стр. 212
يظن هؤلاء المشركون أنها أسباباً شركية لم يأمر الله بها ولا رسوله ولا شرعها الله ورسوله لا في القرآن ولا في السنة ولا عمل بها الصحابة –﵃ ولا من بعدهم من التابعين والأئمة والمهتدين، بل هي من الأوضاع الشركية التي ابتدعوها في الدين ويحسبون أنهم مهتدون.
وأما قوله: واتخاذ الوسائط والتوسل بجاه أحبائه إلى آخره.
فالجواب أن نقول: أن اتخاذ الوسائط بين الله وبين خلقه كفر بإجماع المسلمين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه: من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم كفر إجماعاً نقله عنه صاحب "الفروع" وصاحب "الإنصاف" وصاحب "الإقناع" وغيرهم وهؤلاء الذين نقلوا كلام شيخ الإسلام من أئمة الحنابلة وساداتهم وهم ممن أخذ عن الأئمة الأربعة أصول دينهم وفروعه وبواسطتهم إلى النبي – ﷺ ، فإن كان حقاً وصواباً فقد ذكروا الإجماع على كفر من اتخذ الوسائط من دون الله وأنت من جملة من تتخذ الوسائط وإن كان باطلاً فقد عدت على تأصيلك بالهدم والرد والتزمت مذهب أهل التلفيق الذي ترمي به وتلزمه أهل التحقيق وأنت به أليق من ذلك الفرق وعلى نفسها تجني براقش، وأما التوسل بجاه أحبائه فقد تقدم الجواب عنه وأما صراحته في القرىن العظيم والسنة فمن الكذب على الله ورسوله بل تقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ففي أي آية وفي أي سنة ذكر الله ذلك ورسوله إن كنتم صادقين ولن تجدوا إلى ذلك سبيلاً بلفظ صريح أو نص صحيح ولو ذكرت
стр. 213
ذلك لفصلنا لك الجواب تفصيلاً.
وقولك لكن إذا سبق الشقاء عميت الأبصار وضلت البصائر، فأقول:
نعم، قد سبق عليك الشقاء وعميت عينك عن معرفة الحق والهدى وضلت وبصيرتك عن إدراك حقائق الأمور التي يحبها الله ويرضاها من الإيمان بالله بالله ورسوله وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه وأمرتك نفسك الأمارة بالسوء إلى اتخاذ الوسائط والشفعاء من دون الله واتبعت نفسك هواها ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ثم قال الملحد: وحيث إن هذه المسألة ذات فروع ويتعلق بها مسائل أخر فاقسمها إلى مباحث إن شاء الله تعالى وما توفيقي إلا بالله. البحث الأول: في حياة الرسول –﵊ أن هذه المسألة هي من أهم المسائل التي اختلف فيها علماؤنا ببعضهم وهم والمعتزلة وغيرهم وسببه وعدم وجود نص في القرآن العظيم يبين كيفية حياته –﵊ بعد وفاته يؤيد الأحاديث الدالة على حياته الجسدية بعد وفاته إلى آخر كلامه.
والجواب أن نقول: قد أطنب هذا الملحد في هذا المبحث وذكر مخرقة وأقوالاً لا دليل عليها من كتاب ولا سنة ولا قول أحد من العلماء الراسخين الذين لهم قدم صدق في العالمين، وإنما ذكر اختلاف علمائه الذين لا معرفة لهم بمدارك الأحكام ولا دراية لهم بعلوم أهل الإسلام الذين لهم في هذه المباحث أعظم اهتمام وأحكموا البحث فيها غاية الأحكام وحيث ذكر في هذه المسألة ما تستك عند سماعه اسماع الموحدين وتنفر عنه طباع المؤمنين وتعرض فيها التأويل آيات الكتاب العظيم وسنة نبيه الكريم بما لم يذكره المحققون من أئمة التفسير وشراح الحديث الذين لهم في الدراية والرواية والرعاية ما ليس لغيرهم بأتم تبيان وحسن تعبير، وذكر في هذه المسألة أقوالاً وأبحاثاً ليست من أقوال
стр. 214
أهل الإسلام ولا أبحاثهم فلذلك ضربنا عن جوابه صفحاً وطوينا عليه كشحاً ومن أراد الاطلاع على حقيقة هذه المسألة وتنقيحها وتقرير الأدلة وتحرير أقوال العلماء بتوضيحها وذكر ما ورد في حياة الأنبياء والشهداء والأحاديث الواردة في ذلك فعلية بمطالعة كتاب "الروح" في الكلام على أرواح الأموات والأحياء لابن القيم –﵀ ونذكرها هنا كلامه في "الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية"، والمقصود بذلك أن يعلم من أراد الحق تحقيق الكلام فيها بأوضح بيان بأدلته عن أهل العلم والإيمان، وأما هؤلاء الملاحدة الزنادقة فلا يزيدهم ذلك إلا عتواً ونفوراً وتكبراًَ عن قول الحق تعنتاً وفجوراً، وكان ذلك تسويلاً من الشيطان لهم وغروراً، قال ابن القيم –رحمه الله تعالى-: فصل في الكلام في حياة الأنبياء في قبورهم:
ولأجل هذا رام ناصر قولهم ... ترقيعه يا كثرة الخلقان
قال الرسول بقبره حي كا ... قد كان فوق الأرض والرجمان
من فوق أطباق ذاك التراب ... واللبنات قد عرضت على الجدران
لو كان حياً في الضريح حياته ... قبل الممات بغير ما فرقان
ما كان تحت لأرض بل من فوقها ... والله هذي سنة الرحمن
أتراه تحت الأرض حياً ثم لا ... يتفيهموا بشرائع الإيمان
ويريح أمته من الآراء والخلف ... العظيم وسائر البهتان
أم كان حياً عاجزاً عن نطقه ... وعن الجواب لسائل لهفان
وعن الحراك فما الحياة اللاء قد ... أثبتموها أوضحوا ببيان
هذا ولما جاءه أصحابه ... يشكون بأس الفاجر الفتان
إذ كان ذلك دأبهم ونبيهم ... حي يشاهدون شهود عيان
стр. 215
هل جاءكم أثر بأن أصحابه ... سألوه فتيا وهو في الأكفان
فأجابهم بجواب حي ناطق؟ ... فأتوا إذا بالحق والبرهان
هلا أجابهمو جواباً شافياً ... إن كان حياً ناطقاً بلسان
هذا ما شهدت ركائبه عن ... الحجرات للقاصي من البلدان
مع شدة الحرص العظيم له على ... إرشادهم بطرائق التبيان
أتراه يشهد رأيهم وخلافهم ... ويكون للتبيان ذا كتمان
إن قلتمو صدق البيان صدقتموا ... قد كان بالتكرار ذا تبيان
هذا وكم من أمور أشكل بعده ... أعني على العلماء كل زمان
أو ما ترى الفاروق ود بأنه ... قد كان منه العهد ذا تبيان
بالجد في ميراثه وكلالة ... وببعض أبواب الربا الفتان
قد قصر الفاروق عند فريقكم ... إذا لم يسله وهو في الأكفان
أتراهمو يأتون حول ضريحه ... لسؤال أمهم أعز حصان
ونبيهم حتى يشاهدهم ... ويسمعهم ولا يأتي ببيان؟
أفكان يعجز أن يجيب بقوله ... إن كان حياً داخل البنيان
يا قومنا استحيوا من العقلاء ... والمبعوث بالقرآن والرحمن
والله لا قدر لرسول عرفتموا ... كلا ولا للنفس والإنسان
من كان هذا القدر مبلغ علمه ... فليستتر بالصمت والكتمان
ولقد أبان الله أن رسوله ... ميت كما قد جاء في القرآن
أفجاء أن الله باعثه لنا ... في القبر قبل قيامة الأبدان
أثلاث موات تكون لرسله ... ولغيرهم من خلقه موتان
إذ عند نفخ الصور لا يبقى امرؤ ... في الأرض حياً قط بالبرهان
следующие страницы →