Полный текст (368 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
والجواب أن يقال: هذا الحديث ضعيف بل موضوع فلا يعتمد عليه ولا يعول عليه قال الذهبي في "الميزان" روى عبد الله بن مسلم أبو الحارث الفهري عن إسماعيل بن مسلمة بن قعنب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم خبراً باطلاً فيه: "يا آدم لولا محمد ما خلقتك" رواه البيهقي في "دلائل النبوة" قال في مجمع الزوائد رواه الطبراني في "الأوسط" و "الصغير" ويه من لا أعرفهم. انتهى وذكر الحافظ ابن عبد الهادي عن الإمام مالك –﵁ أنه قال: اهذب إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يحدثك عن أبيه عن نوحن وقال الربيع بن سليمان سمعت الشافعي يقول سأل رجل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم حدثك ابوك عن أبيه عن جده أن سفينة نوح طافت بالبيت وصلت ركعتين قال: نعم وقال ابن خزيمة عبد الرحمن بن زيد ليس ممن يحتج أهل العلم بحديثه، وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني حدث عن أبيه لا شيء وقال أيضاً في "الصارم المنكي" وإني لأتعجب منه كيف قلد الحاكم فيما صححه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم الذي رواه في التوسل وفيه قول الله لآدم: "لولا محمد ما خلقتك" مع أنه حديث غير صحيح ولا ثابت بل هو حديث ضعيف الإسناد جداً وقد حكم عليه بعض الأئمة بالوضع وليس إسناده من الحاكم إلى عبد الرحمن بن زيد صحيحاً بل هو مفتعل على عبد الرحمن كما سنبينه ولو كان صحيحاً إلى عبد الرحمن لكان ضعيفاً غير محتج به لأن عبد الرحمن في طريقه وقد أخطأ الحاكم في تصحيحه وتناقض تناقضاً فاحشاً كما عرف له ذلك في غير موضع فإنه قال في كتاب "الضعفاء" بعد أن ذكر عبد الرحمن منهم وقال ما حكيت عنه فيما تقدم أنه روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا تخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه في آخر الكتاب فهؤلاء الذين قدمت ذكرهم قد ظهر عندي جرحهم
стр. 282
لأن الجرح لا يثبت إلا ببينة فهم الذين أبين جرحهم لمن طالبني به فأن الجرح لا أستحله تقليداً والذي اختاره لصاحب هذا الشأن أن لا يكتب حديثاً واحداً من هؤلاء الذين سميتهم فإن الراوي لحديثهم داخل في قوله – ﷺ "من حدث بحديث عني وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" هذا كله كلام الحاكم أبي عبد الله صاحب "المستدرك" وهو متضمن أن عبد الرحمن بن زيد قد ظهر له جرحه بالدليل وأن الراوي لحديثه داخل في قوله – ﷺ "من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" انتهى. فتبين من كلام العلماء حملة السنة وأهل الجرح والتعديل الذين حفظ الله بهم الدين عن تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الزائغين أن هذا الحديث موضوع مكذوب لا يعتمد عليه وأقل أحواله أن يكون ضعيفاً ولا نقول على رسول الله – ﷺ حديث لا نجزم بصحته وثبوته وإن كان قد صححه الحاكم فالجرح مقدم على التعديل مع أنه قال في عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ما قال فنأخذ بقوله مع أقوال أئمة هذا الشأن ولا نأخذ بغلطه وخطئه فإذا عرفت هذا وتحققته فالصحيح المأثور عن أئمة التفسير على قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ أن هذه الكلمات هي المفسرة بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ وهذا مروي عن سعيد بن جبير ومجاهد وأبي العالية والربيع بن أنس والحسن وقتادة ومحمد بن كعب القرظي وخالد بن معدان وعطاء الخراساني وعبد الرحمن بن زيد وعن ابن عباس قال علم شأن الحج وعن عبد الله بن عمر أنه قال: قال يا رب خطيئتي التي أخطأت شيء كتبته علي قبل أن تخلقني أو شيء ابتدعته من قبل نفسي؟ قال: بل كتبته عليك قبل أن أخلقك، قال فكما كتبته عليّ فاغفر لين قال فذلك قوله ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ وعن ابن عباس
стр. 283
قال آدم –﵇ ألم تخلقني بيدك؟ قيل له بلى ونفخت في من روحك قيل بلى وعطست فقلت رحمك الله وسبقت رحمتك وكتبت علي أن أعمل هذا؟ قيل له بلى قال أفرأيت أن تبت هل أنت راجعي إلى الجنة؟ قال نعم، وكذا رواه العوفي وسعيد بن مبعد ورواه الحاكم في مستدركه إلى ابن عباس وروى ابن أبي حاتم حديثاً مرفوعاً شبيهاً بهذا وعن مجاهد قال الكلمات "اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الراحمين، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك إني ظلمت نفسي فتب عليّ أنت التواب الرحيم، هذا ما عليه المفسرون لا ما قاله هذا الأحمق فإن كان بعض من لا بصيرة له قد ذكره فالحجة فيما ثبت عن الصحابة وعن سلف الأمة وأئمتها ولا يجوز تفسير القرآن بأقوال شاذة أو موضوعة لا تثبت عند أهل العلم والحديث وأئمة التصحيح والتجريح. انتهى. وقد روي في بعض طرقه هذا الحديث الموضوع أنه لما خرج آدم من الجنة رأى مكتوباً على ساق العرش وعلى كل موضع في الجنة محمد – ﷺ مقروناً باسمه تعالى فقال يا رب هذا محمد هو قول الله ولدك الذي لولاه ما خلقتك فقال يا رب بحرمة هذا الولد ارحم هذا الوالد فنودي يا آدم لو تشفعت إلينا بمحمد في أهل السماوات والأرض لشفعناك ذكر هذا في "المواهب اللدنية" وجوابه أن يقال هذا من غلط ما قبله من الموضوعات المكذوبات التي لا أصل لها في الكتاب والسنة ولا رواها أحد ممن يعتمد عليه من الأئمة فلا يلتفت إليه ولا يعول عليه في الحكم والله أعلم.
стр. 284
فصل
قال الملحد: التاسع ما رواه البخاري وجمهور أهل الحديث في حديث الشفاعة أن الخلق بينما هم في هول القيامة استغاثوا بآدم ثم بنوح ثم بإبراهيم ثم بموسى ثم بعيسى كلهم يعتذرون فيقول عيسى اذهبوا إلى محمد فيأتون إليه فيقول "أنا لها" الحديث وقد سلم ابن تيمية بهذا الحديث وما كابر بإنكاره.
والجواب أن نقولك قال بعض المحققين من أهل العلم في جوابه: إن استغاثة الناس بالنبي – ﷺ قبله بآدم ثم بنوح إلى آخر حديث الشفاعة فهذه شفاعة بالدعاء والاستغاثة بما يقدر عليه المستغاث مستحسنة عقلاً وشرعاً ومن ذلك الوقفة يستغيث بعضهم بعضاً أي في مهماتهم التي يقدرون عليها وكذلك ما طلب الناس وهي الشفاعة التي هي الدعاء ولذلك يقول سيد الشفعاء – ﷺ في آخر الحديث "فأجئ فأسجد وأنه يلهمه الله من الثناءؤ والدعاء شيئاً لم يفتحه لغيره –صلى الله –عليه وسلم- فعند ذلك يأذن الله في الشفاعة ويقول له كما ورد في الحديث: يا محمد "ارفع رأسك وقل يسمع واشفع تشفع" وهذا ظاهر جداً.
فصل
قال الملحد: العاشر روى الطبراني عن زيد بن عقبة أن النبي – ﷺ قال: "إذا ضل أحدكم شيئاً أو أراد عوناً وهو بأرض ليس بها أنيس فليقل يا عباد الله أعينوني فإن لله عباداً لا يراهم". انتهى.
والجواب أن نقول: قد روي من طرق أخرى منها ما رواه ابن مسعود عن النبي – ﷺ أنه قال: "إذا انفلتت دابة أحدكم في أرض فلاة فليناد يا عباد الله
стр. 285
احبسوها" وفي رواية "إذا أعيت فليناد يا عباد الله أعينوا" وفي رواية "فإن الله حاضر سيحبسها" وكل أسانيد هذه الروايات لا تخلو من مقال وعلى تقدير صحتها فليس فيه إلا نداء الأحياء والطلب منهم ما يقدر هؤلاء الأحياء عليه وذلك مما لا يجحد أحده، وأين هذا من الاستغاثة بأصحاب القبور من الأولياء والصالحين؟ وكون المراد بعباد الله رجال الغيب كما زعم بعض المتصوفة فهو مردود بل هو من الخرافات ومثله زعم وجود الأوتاد والأقطاب والأربعين وما أشبه ذلك، فإن قيل إن عباد الله المذكورين غائبون وأنتم تمنعون من دعاء الأموات والغائبين.
فالجواب أن نقول: هؤلاء ليسوا بغائبين وعدم رؤيتهم لا يستلزم غيبتهم فإنا لا نرى الحفظ ومع ذلك فهم حاضرون ولا نرى الجن ومع ذلك فهم حاضرون وكذلك الشياطين والهواء ونحو ذلك فإن علة الرؤية ليس هو الوجود فقط وأيضاً فإن الأسباب الظاهرة العادية ولا خلاف بين أهل العلم في جوازها فلا حجة لهم في هذا الحديث ولا متعلق لهم فيه بوجه من الوجوه والله أعلم. وهذه الاحاديث التي ذكرها هذا الملحد التي وعد بها في فصل لزيارة أنه يدحض بها حجة شيخ الإسلام ويرد بها ضلالة على زعمه وهي كما ترى سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاء لم يجده شيئاً وهذه حال حجة كل مشبه لا يعتمد فيها على كتاب الله وعلى ما صح من سنة رسول الله – ﷺ وإنما يعتمدون على مثل هذه الأحاديث الموضوعة والأكاذيب المصنوعة وعلى ما يتناولونه من الأقوال التي تأولها بعض المحرفين لمعاني كلام الله ورسوله وذلك لا يجديهم شيئاً عند التحقيق إذ لا قوام له على منهج الطريق التي سلكها المحققون من أهل الكمال والعلم والتدقيق.
стр. 286
بطلان جواز التوسل من الناحية العقلية
...
فصل: بطلان التوسل من الناحية العقلية
قال الملحد: فهذه عشرة من مئات وفي كل واحد من هذه العشرة معنى من معاني التوسل. وأزيدك إقناعاً إن شاء الله بمثل أضربه لك من نفسك وهو لو قال لك سلطان قد أمرت وزيري فلاناًَ أن يرفع لك حوائجك فأقضي ما أريد وأرد ما أريد فارفع أنت حوائجك وهو يرفعها إليّ فهل ترى من الأدب والطاعة والحزم امتثال أمره وطاعة مرسومه أم رده مخالفته بقولك لا أفعل ذلك ولا يكون بيني وبينك واسطة لأني أعتقد أن فيه شركاً بسلطانك؟ إخالك تدرك ما في هذا الرد من الفتح لأنك خالفت الأمر وتمردت عن الطاعة واستحقرت مقام وما لا يحسب ولعمرك إن فعلت ذلك وقعت في مثل الحفرة التي وقع فيها إبليس وأنت تحسب انك أحسنت صنعاً فتأمل أرشدني الله وإياك والحمد لله على إحسانك.
والجواب أن نقول: قد بينا فيما تقدم أن من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم كفر إجماعاً ولما ذكر شيخ الإسلام والمنع والتوسل والتشفع بغير الله وأن ذلك هو الذي أوقع الأمم السابقة في الشرك وذكر من الآيات والأحاديث الثابتة في الصحيحين ما يدل على ذلك أنكر عليه هذا الملحد وزعم أن هذا ضلال وتحريف لكلام الله ورسوله وزعم أنه سيدحض حجة شيخ الإسلام ويبين ضلاله وتحريفه لكلام الله ورسوله فذكر هذه الأحاديث الضعيفة التي لا يستدل بها إلا الضعفاء المنتسبين إلى العلم من الغلاة المحرفين لكلام الله ورسوله ثم أردف هذه الأحاديث بهذا المثل الذي ضربه لله
стр. 287
مثلاً وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا للهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وسوى بين الله وبين خلفه فيما لا يقدر عليه إلا الله، وقد حكى الله عن المشركين المتخذين أولياء من دونه أنهم يقولون في النار لمن يعبدونهم ﴿تَالْلهِ إِنْ كُنَّا ضَلالٍ مُبِينٍ , إِذْ نُسَوِيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ , وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ , فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ , وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ الآية فصار بما ذكر أنه يرد قول شيخ الإسلام ضحكة للساخرين وأعجوبة للمتعجبين سبحان من طبع على قلوب أعدائه للمتعجبين سبحان من طبع على قلوب أعدائه فأضلهم وأعمى أبصارهم فبعداً للقوم الظالمين! وقد سبقه إلى هذا المثل أناس قبله ممن ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم أنهم يحسنون صنعاً فأجابهم على ذلك خلفاء الرسل وورثة الأنبياء ومصابيح الدجى فجزاهم الله عن الإسلام وأهله خيراً قال شيخ الإسلام وهؤلاء المشبهون شبهوا الخالق بالمخلوق وجعلوا لله أنداداً وفي القرآن من الرد على هؤلاء ما لا تتسع له هذه الفتوى فإن الوسائط التي بين الملوك وبين الناس على أحد وجوه ثلاثة أما لأخبارهم من أحوال الناس ما لا يعرفون ومن قال إن الله لا يعرف أحوال العباد حتى يخبره بذلك بعض الملائكة أو الأنبياء أو غيرهم فهو كافر بل هو سبحانه يعلم السر وأخفى لا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء وهو السميع البصير يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات لا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل ولا يتبرم بإلحاح الملحين.
الوجه الثاني: أن يكون الملك عاجزاً عن تدبير رعيته ودفع أعاديهم إلا بأعوان يعينونه فلا بد له من أعوان وأنصار لذله وعجزه والله سبحانه ليس له ظهير ولا ولي من الذل قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الذين زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي الْسَّمَاوَات وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِنْ
стр. 288
ظَهِيرٍ﴾ وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدَاً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكَاً فِي الْمُلْكِ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنْ الْذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرَاً﴾ وكل ما في الوجود من الأسباب فهو سبحانه خالقه وربه ومليكه فهو الغني عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهرائهم وهم في الحقيقة شركاؤهم والله سبحانه ليس له شريك في الملك لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ولهذا لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه لا ملك ولا نبي ولا غيرهما فإن من يشفع عند غير بغير إذنه فهو شريك في حصول المطلوب لأنه أثر فيه بشفاعته حتى جعله يفعل ما يطلب منه والله لا شريك له بوجه من الوجوه ويسمى الشفع شفيعاً لأنه يشفع غيره أي يصير له شفعاً قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ وكل من أعان غيره على أمر فقد شفعه فيه والله تعالى وتر لا يشفعه أحد بوجه من الوجوه.
الوجه الثالث: أن يكون الملك ليس مريداً لنفع رعيته والإحسان إليه ورحمتهم إلا بمحرك يحركه من خارج فإذا خاطب الملك من ينصحه ويعظ أو من يدل عليه بحيث يكون يرجوه ويخافه تحركت إرادة الملك وهمته في قضاء حوائج رعيته إما لما يحصل في قلبه من كلام الناصح الواعظ المشير وإما لما يحصل له من الرغبة والرهبة من كلام المدلول عليه والله تعالى هو رب كل شيء ومليكه وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها وكل الأسباب إنما تكون بمشيئته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو إذا أجرى نفع العباد بعضهم على أيدي بعض فنجعل هذا يحسن إلى هذا ويدعو له ويشفع فيه ونحو ذلك فهو الذي خلق ذلك كله وهو الذي خلق في قلب هذا المحسن والداعي والشافع إرادة الإحسان والدعاء والشفاعة ولا يجوز أن يكون في الوجود من يكرهه على خلاف مراده
стр. 289
أو يعلمه ما لم يكن يعلمه أو من يرجوه الرب ويخافه، ولهذا قال النبي – ﷺ : "لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ولكن ليعزم المسألة فالله لا مكره له" والشفعاء الذين يشفعون عنده لا يشفعون إلا بإذنه قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الْشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ بخلاف الملوك فإن الشافع عندهم قد يكون له ملك وقد يكون شركه لهم في الملك وقد يكون مظاهراً لهم معاوناً على ملكه وهؤلاء يشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك لهم والملك يقبل شفاعتهم تارة على إنعامهم عليه حتى إنه يقبل شفاعة ولده وزوجته لذلك فإنه محتاج إلى الزوجة وإلى الولد حتى لو أعرض عنه ولده وزوجته لتضرر بذلك ويقبل شفاعة مملوكه فإنه إن لم يقبل شفاعته يخاف أن لا يطيعه أو أن يسعى في ضرره وشفاعة العبادة بعضهم عند بع كلها من هذا الجنس فلا يقبل أحد شفاعة أحد إلا لرغبة أو رهبة والله تعالى لا يرجو أحداً ولا يخافه ولا يحتاج إلى أحد بل هو الغني قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلهِ مَنْ فِي الْسَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الْظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية وقوله:
﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكَاءَ﴾ استفهام إنكار، أي ليس متبع الذين يدعون من دون الله شركاء حجة ولا برهاناً ما يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون بين الله تعالى أن من دعا من دون الله شركاء فليس معه علم، ليس معه إلا الظن والخرص، والظن المقرون بالخرص هو ظن باطل غير مطابق للحق، فإن الخرص هنا معني الكذب، كقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ ومن ظن أن "ما" هنا نافية فقد فسر الآية بما هو خطأ كما قد بسط في غير هذا الموضع، والمشركون يتخذون شفعاء من جنس ما يعهدونه من
стр. 290
الشفاعة عند المخلوق. قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُنَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤلَاءِ شُفَعَاؤنَا عِنْدَ اللهِ , قُلْ أَتُنَبِئُونَ اللهَ بِمَا لَا يَعْلمُ فِي الْسَّمَاوَاتَ وَلَا فِي الْأَرَضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون﴾ وقال عن صاحب يس ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ , أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ , إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ الآية وقال ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ، وأخبر عن المشركين أنهم قالوا ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ وقال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ، وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً , أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ فأخبر أن من يدعي من دونه لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً وأنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه ويتقربون إليه فقد نفى سبحانه ما أثبتوه من توسط الملائكة والأنبياء إلى أن قال: والمقصود هنا أن من أثبت بين الله تعالى وبين خلقه كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك بل هذا دين المشركين عباد الأوثان وكانوا يقولون إنها تماثيل الأنبياء والصالحين وأنها وسائط يتقربون بها إلى الله تعالى وهو الشرك الذي أنكره الله تعالى على النصارى حيث قال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ ثم ذكر آيات
стр. 291
في المعنى، وهذا الذي قاله الشيخ لا خلاف فيه بين المسلمين، وإنما اشتبه الأمر على هؤلاء الضلال لما قدم العهد ونسي العلم واعتادوا سؤال غير الله فيما يختص به تعالى ونشأوا على ذلك وبما ذكره شيخ الإسلام كفاية لمن أراد الله هدايته، ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً.
فصل
ثم ذكر هذا الملحد بعد هذا المثل الذي ضربه كلاماً لا فائدة في جوابه، ثم قال: البحث الرابع في الاستغفار والاستشفاع وأن كان فيما تقدم عن التوسل كفاية لإثبات جواز الاستغفار والاستشفاع لكني رأيت في كلام الله تعالى وكلام رسوله ﵊ ما نفرد معناه عن معنى التوسل الذي يذهب إليه العوام كما تقدم فأفردته في هذا البحث وبالله المستعان "سؤال": هل جاء في القرآن العظيم والحديث الشريف وقوع الاستشفاع والاستغفار لا مع الأنبياء وغيرهم لأحد من الناس؟ فإن قلت نعم قلنا حيث إن الوهابية وإخوانهم لا ينكرون هذا النوع لكنهم يحظرون طلبة بواسطة أحد فهل جاء في القرآن العظيم والحديث الشريف ما يبيح الطلب؟
والجواب: أن كلا النوعين وارد في القرآن العظيم والحديث الشريف وفي وفي بعض ما جاء فيها ليس إباحة فقط بل أمر بالطلب ولا يخفاك أن كل ما جاء بصيغة الأمر قد يكون فرضاً وقد يكون واجباً، وإليك بيان كل نوع من الترتيب النوع الأول: الشاهد الأول قال الله تعالى في سورة المؤمن ﴿الَّذِِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيسْتَغَفِرُونَ للَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخر الآيات الثلاث، ففي هذه الآيات جمع أمور الثلاثة التوسل بقوله ﴿رَبَّنَا
стр. 292
وَسِعْتَ كُلَّ شَيْئٍ﴾ وطلب المغفرة بقولهم ﴿فَاغْفِرْ﴾ والشفاعة بقولهم ﴿وَأَدْخِلْهُمْ وَقِهِمُ الْسَّيِّئَاتِ﴾ فهخذا ما أخبر الله به عن حملة عرشه وغيرهم ومثل هذا في أول سورة الشورى.
والجواب: أنا قد بينا فيما تقدم الدلائل الشرعية والبراهين العقلية على بطلان دعوى هذا الملحد من جواز طلب التوسل والاستشفاع والاستغفار من الأموات والغائبين ولكن ننبه على ما ذكره في هذا البحث بعض التنبيه والإشارة على بطلان ما افتراه وادعاه على كتاب الله وسنة رسوله على جواز ذلك والأمر به.
أما قوله: النوع الأول الشاهد الأول قال الله تعالى في سورة المؤمن ﴿الَّذِِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ إلى آخر كلامه فجوابه أن استغفار الملائكة للذين آمنوا أمر لهم من الله بهذا الطلب والسؤال وهو من أفضل العبادات وأشرفها فإن الملائكة يسألون الله ويطلبونه بفعل ما أمرهم به من الاستغفار للمؤمنين ولم يطلبوا من الله سبحانه ويسألوه أن يغفر لهم بحق أحد من خلقه أو بجاهه من الأموات ولا من الغائبين فقياس طلب الملائكة الأحياء المأمورين بهذا الطلب من أفسد القياس وأبطل الباطل وأضل الضلال ولا يقول مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن طلب الملائكة المأمورين بالاستغفار للمؤمنين إذا كان جائزاً أو مأموراً به أنه يدل على جواز طلب الأحياء من البشر والاستغفار من الأموات والغائبين من الأنبياء والأولياء وغيرهم هذا لا يقوله أحد يؤمن بالله واليوم الآخر فبطل ما موه به هذا الملحد من الاستشهاد بالآية لأن هذا طلب من حي قادر على ذلك مأمور به، وأما الطب من الأموات والغائبين فلم يأمر الله به ولا رسوله ولا فعله أحد من الصحابة والا التابعبين لأنه أمر غير مقدور عليه
стр. 293
ولا مأمور به ومن أجاز ذلك فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله ولا شرعه رسوله – ﷺ لأمته فيكون باطلاً مردوداً والذي ذكره المفسرون على هذا الآيات على قوله تعالى: ﴿الَّذِِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخر الآيات يخبر تعالى عن الملائكة المقربين من حملة العرش الأربعة ومن حوله من الملائكة الكروبيين أنهم يسبحون بحمد ربهم أي يقرنون بين التسبيح الدال على نفي النقائص والتحميد المقتضي لإثبات صفات المدح ويؤمنون به أي خاشعون له أذلاء بين يديه وأنهم يستغفرون للذين أي من أهل الأرض ممن آمن بالغيب فقيض الله تعالى ملائكته المقربين يدعون للمؤمنين بظهر الغيب ولما كان هذا من سجايا الملائكة –عليهم الصلاة والسلام- كانوا يؤمنون على دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب كما ثبت في صحيح مسلم إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب قال الملك آمين ولك بمثله إلى أن قال ولهذا يقولون إذا استغفروا للذين آمنوا ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمَاً﴾ أي رحمتك تسع ذنوبهم وخطاياهم وعلمك محيط بجميع أعمالهم وأقوالهم وحركاتهم وسكناتهم فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك أي فاصفح عن المسيئين إذا تابوا وأنابوا وأقلعوا عما كانوا فيه واتبعوا ما أمرتهم به من فعل الخيرات وترك المنكرات وقهم عذاب الجحيم –أي وزحزحهم عن عذاب الجحيم وهو العذاب الموجع الأليم- ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلاح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم –أي اجمع بينهم وبينهم لتقر بذلك أعينهم بالاجتماع في منازل متجاورة كما قال ﵎ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَتُهُمْ بِإيمَانِ أَلْحَقْنَا ذُرِّيَتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْئٍ﴾ أي ساوينا بين الكل في المنزلة لتقر أعينهم، وما نقصنا العالي حتى
стр. 294
يساوي الداني، بل رفعنا ناقص العمل فساريناه بكثير العمل، تفضلاً منا ومنة، وقال سعيد بن جبير: أن المؤمن إذا دخل الجنة سأل عن أبيه وابنه وأخيه أين هم؟ فيقال إنهم لم يبلغوا طبقتك في العمل، فيقول: إني إنما عملت لي ولهم فيلحقون به في الدرجة، ثم تلا سعيد بن جبير هذه الآية ﴿رَبَّنَا وَأدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلُحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَاتِهِمْ إِنَّكَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: انصح عباد الله للمؤمنين الملائكة، ثم تلا هذه الآية ﴿رَبَّنَا وَأدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ الآية، واغش عباده للمؤمنين الشياطين.
وقوله ﵎: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي الذي لا يمانع ولا يغالب وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، الحكيم في أقوالك وأفعالك من شرعك وقدرك ﴿وَقِهِمُ الْسَّيِّئَاتِ﴾ أي فعلها، ووبالها ممن وقعت منه ﴿وَمَنْ تَقِ الْسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ﴾ أي يوم القيامة ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ أي لطفت به ونجيته من العقوبة ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ انتهى من تفسير العماد بن كثير الشافعي –رحمه الله تعالى-، وليس فيما ذكره المفسرون شيء مما ذكره هذا الملحد ولا فيه إذا سأل الملائكة ربهم للمؤمنين الاستغفار أنه يجوز قياساً على هذا سؤال الأموات والغائبين من الأنبياء والأولياء والصالحين الاستغفار والاستشفاع بهم، هذا لم يقله أحد من المفسرين، وإنما يقوله أمثال هؤلاء الغلاة المحرفين لكلام الله ورسوله، فلا يعتمد على قوله وعلى نقلهم بل هو من البدع المحدثة في الإسلام فلا يلتفت إليه ولا يعول عليه والله أعلم.
ثم قال الملحد: الثاني: قال الله تعالى في سورة الشعراء عن لسان خليله إبراهيم –﵇ ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْضَّالِينَ , وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾
стр. 295
فهذا الخليل –﵇ مع علمه بإصرار أبيه على الشرك ما ترك الإلحاح على ربه بنجاة أبيه، وهذا الطلب من الخليل جاء في بضع مواضع من القرآن.
والجواب أن يقال: هذا من جنس ما قبله فغن الخليل –﵇ إنما طلب الله وسأله، ولم يسأله بأحد من الأموات والغائبين، ثم لماتبين أنه عدو لله تبرأ منه، فأي دليل في هذا على طلب الاستغفار من الأنبياء والأولياء من الأموات والغائبين لو كان أهل الشرك يعلمون؟ وكذلك ما ذكره بقوله في سورة هود قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ ، بل أثنى عليه بقوله ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ وهذه المدافعة تكررت منه أيضاً –﵇، فيقال لهذا الملحد: أي دليل في هذا على دعاء الأموات والغائبين؟ غاية ما في هذه الآية دعاء إبراهيم ربه أن يدفع عنهم العذاب، وإلحاحه في ذلك، وليس فيه أنه توسل بأحد من الخلق إلى الله أن يدفع عنهم العذاب ولا أنه إذا كان دعاء الله جائزاً مأموراً به مشروعاً طاعة لله وعبادة أنه يجوز للمخلوق أن يسأل الأموات والغائبين فيما لا يقدرون عليه قياساً على دعاء إبراهيم ربه، فإن هذا من أفسد القياس، فإن إبراهيم دعا إلهاً حياً قادراً بيده الأمر وإليه يرجع الأمر كله، والمخلوق الميت ليس بيده شيء من الأمر، ولا قدرة له على شيء بعد موته، فسبحان الله ما أعظم شأنه ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وكذلك قوله في الاستشهاد والرابع في سورة التوبة قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية إلى آخر كلامه. فيقال: وهذا من جنس ما قبله فإن رسول – ﷺ إنما سأل الله فأي دليل في هذا دليل على سؤال غير الله والطلب منه.
стр. 296
ثم قال: الخامس في سورة الأعراف ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ فهذا موسى –﵇ يطلب لقومه مغفرة ذنب طلبهم رؤية لله تعالى وعبادتهم العجل، وما أنكر الله عليه ذلك بل أجاب على الشروط المذكورة بعد هذه الآية.
فيقال لهذا الذي أعمى الله بصيرة قلبه: وهذا من جنس ما قبله ليس فيه إلا دعاء الله، وطلبه المغفرة للمذنبين من قومه، وهذا من أفضل العبادات وأجلها، ولا مانع من ذلك فإن هذه عبادة مأمور بها، وإذا كان، وإذا كان هذا عبادة لله مأموراً بها فكيف يقاس عليها سؤال المخلوق الميت العاجز الذي قد انقطعت حركته وعمله وهو لم يكن طاعة لله ولا عبادة له ولا مأموراً بها، بل هي معصية لله مخالفة ما أمر الله به ورسوله؟ وكذلك قوله: السادس في سورة نوح ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ الآية وجوابه في هذا ما تقدم، وكذلك قوله: السابع في آخر سورة المائدة قول المسيح –﵇ ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ الآية فهذا المسيح –﵇ يطلب المغفرة لقومه، فهذا شفقة الأنبياء والرسل ورحمتهم بأممهم، عظيم ما يفعلون، وقبيح، وقبيح ما يعتقدون، وأي خسران أقبح ممن يجيد عن سنتهم ولا يجعلهم وسيلة إلى ربه، وجوابه، عن هذه ما تقدم الأجوبة، نقول: أي خسارة أخسر من خسارة من سوى بين الله وبين خلقه وجعلهم وسيلة ووسائط فيما لا يقدر عليه إلا الله وقد أمر الله بدعائه واستغفاره ونهى أن يدعى معه أحد غيره، فكيف يقاس ما نهى عنه على ما أمر به، فإن هذا طاعة، وهذه معصية، ثم ذكر آيات في النوع الثاني المؤمنين على نحو ما سبق، ثم قال هذا استنباط ألقاه الله في روعي ولم أره في كلام أحد فهذا يكفي في جوابه أنه مما ألقي في روعه ولم يقله أحد قبله فكان من
стр. 297
وحي الشيطان وإلقائه، قال الله تعالى، قال الله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ الآية ولو كان هذا الاستنباط مما يذكره العلماء ويجوز الاستدلال به لسبقه إلى ذلك سابق، ولو واحداً، فكيف ولم يسبقه إليه أحد، وهذا يكفي في بطلانه وعدم إدراكه للعلوم الشرعية، والأقوال المرضية، ثم ذكر من الأحاديث ما رواه مسلم –﵀ عن عمر –﵁ حديثاً طويلاً أن الرسول –﵊ قال لعمر وعلي –﵄ "إذا لقيتما أويس القرني فاسألاه أن يستغفر لكما" الحديث بتمامه، وكذلك ما ذكر من السير وأخبار الصحابة ووفود المسلمين، وسؤالهم من النبي – ﷺ الاستغفار فهذا كله لا حجة فإنه سؤال من حي قادر، على الدعاء وعلى ما ينفع المسلم به أخاه المسلم، وهذا جائز في الدنيا والآخرة أن تأتي عند رجل صالح حي يجالسك ويسمع كلامك، وتقول ادع الله، كما كان الصحابة يسألونه في حياته، وأما بعد موته فحاشا وكلا إنهم سألوه ذلك، بل أنكر السلف على من قصد دعاء الله عند قبره، فكيف بدعائه نفسهن وكذلك ما ذكره عن البزار وأبي منصور البغدادي وابن سعد عن ابن مسعود –﵁ والسيوطي في "الجامع الصغير" عن جماعة حديث "حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم فإذا أنا مت كانت فآتي خير لكم، تعرض علي أعمالكم، فإن رأيت خيراً حمد الله تعالى، وإن رأيت شراً استغفرت لكم" وجوابه أن يقال هذا الحديث لم يذكر له إسناداً ولا بد من ذكر إسناده، ومعرفة رواته، وإذا لم يذكر ذلك فلا حجة فيه، ولا يعتمد على مثله إلا بعد ذكر رواته، وأنهم عدول أثبات لا مطعن فيهم ولا مغمز، فلا يعتمد على مثله، وعلى تقدير صحته
стр. 298
وثبوته فليس فيه إلا أنه – ﷺ إذا رأى شراً استغفر لأمته، ولم يأمر –﵊ من أذنب أن يسأله الاستغفار، ولا أن يتوسل به ويستشفع به، فلا يكون فيه حجة على طلب ما لم يأمر به، ومن زعم ذلك فقد افترى على الله وعلى رسوله، وقال ما لا علم له به لأن ذلك لم ينقل عن أحد من أصحابه، ولو كان ذلك مشروعاً مطلوباً لكانوا أسبق النار إليه، وأرغبهم فيه، وإذا لم يكن ذلك منقولاً عن أحد منهم كان ذلك دليلاً على عدم مشروعيته والله أعلم، وكذلك ما ذكر في الحديث الرابع من أن امرأة أتت النبي – ﷺ فقال له يا رسول الله صل عليّ وعلى زوجي، فقال – ﷺ : "صلى الله عليك وعلى زوجك" فهذا ليس فيه إلا الدعاء، لها ولزوجها، وهذا لا ينكره أحد، ولا نزاع في جوازه في حياته، وأما بعد وفاته فممنوع لما تقدم من الأدلة المانعة من ذلك، وهذه الآيات التي ذكرها هذا الملحد كذلك، والأحاديث التي تقدم ذكرها على تقدير صحتها وثبوتها ليس فيها ما يدل على مطلوبه، ولكن من يرد الله فتنته فلن تملك من الله شيئاً ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور, قال الله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ , وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ وهذا الضرب من الناس قد انتكست قلوبهم وعمي عليهم مطلوبهم وغلظ من معرفة الله ودينه وشرعه حجابهم، وكثر في باب العقائد الديانات اضطرابهم، ولا عجب من ذلك فإنهم قد كانوا من الهمج الرعاع، اتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق من الفهم.
стр. 299
فصل: الصلاة على النبي صلى الله علية وسلم وحكمها
ثم قال الملحد:
البحث الخامس في الصلاة على الرسول – ﷺ قد علمت مما تقدم أن الوهابيين وإخوانهم قالوا بتحريم الصلاة على الرسول – ﷺ ، وتكفير من يفعل ذلك، وهذا كفر صريح منهم، لأنه إنكار أمر واجب في محكم القرآن إلى آخر ما هذي به.
والجواب أن تقول: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ وقد بينا فيما تقدم أن هذا من الكذب الموضوع على الوهابية، وأنه مما افتراه عليهم أعداء ورسوله، الذي ينفرون الناس عن الدخول في دين الله ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ وإذا كان ذلك وتحققت أن الوهابية لا يحرمون الصلاة على النبي – ﷺ بل يوجبونها، ويرون أن خطبة الجمعة لا تنعقد لا بذكر الصلاة على النبي – ﷺ ، وأنها عندهم ركن في الصلاة لا تتم الصلاة ولا تستقيم بدنها فاعلم أن من العلماء من يوجبها، ومنهم من لا يجوبها، ومن أوجبها منهم لم يكفر من لم يوجبها، ولم يقل إن ذلك معاداة للنبي – ﷺ ، وبغض له، أو تنقض بحقه، وسنذكر من كلام العلماء ما يبين ذلك يوضحه.
قال في "الجواب الباهر" الوجه الخامس: أن الكلام في الأحكام الشرعية مثل كون الفعل واجباً أو مستحباً أو محرماً أو مباحاً لا يستدل عليه إلا بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، والإجماع والاعتبار، والأدلة الشرعية كلها مأخوذة عن الرسول – ﷺ ، فالمتكلمون فيها سواء اتفقوا أو اختلفوا كلهم على الإيمان بالرسول وبما جاء به ووجوب اتباعه، وأن الحلال ما حلله، والحرام
стр. 300
ما حرمه، والدين ما شرعه فالكلام فيها يستلزم الإيمان بالأنبياء وموالاتهم، ووجوب تصديقهم، واتباعهم فيما أوجبوه وحرموه، والقائل منهم عن فعل أنه حرام أو مباح أو اجب إنما يقول أن الرسول حرمه أو أباحه أوجبه، ولو أضاف الإيجاب والتحريم والإباحة إلى غير الرسول – ﷺ لم يلتفت إليه، ولم يكن من علماء المسلمين، وأهل الإسلام متفقون على هذا الأصل سنيهم وبدعيهم كلهم متفقون على وجوب ما بلغه الرسول عن الله وعلى الاستدلال بالقرآن والسنة المعلومة المفسرة لمجمل القرآن، وأما المخالفة لظاهر القرآن فمن الخوارج من نازع فيها، وهو فاسد من وجوه كثيرة، ومن رد نصاً إنما يرده أما كونه لم يثبت عنده عن الرسول أو لكونه غير دال عنده على محل النزاع، أو لاعتقاده أنه منسوخ، ونحو ذلك كما قد بسطت الكلام على ما كتبته في "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" وبينت أعذارهم في هذا الباب، وإن كان الواجب هو اتباع علم من الصواب مطلقاً، والكلام في ذلك سواء تعلق بحقوق الرب أو حقوق رسوله أو غير ذلك لا يدخل شيئاً من ذلك في مسائل سب الأنبياء وتنقصهم رسوله أو غير ذلك لا يدخل شيئاً من ذلك ي مسائل سب الأنبياء وتنقصهم ومعاداتهم، وإن كان المتكلم من هؤلاء مخطئاً فإن مصيبهم ومخطئهم إنما مقصوده اتباع الرسول، وتحريم ما حرمه، وإيجاب ما أوجبه، وتحليل ما حلله، وهذا مستلزم الإيمان بالرسول، وموالاته وتعظيمه فكيف يتصور مع ذلك أن يكون قاصداً لمعاداته أو سبه أو التنقص به أو غير ذلك، هذا ممتنع ولهذا لم يكن في المسلمين من جعل أحداً من هؤلاء سباباً للأنبياء، معادياً، وإن قدر لم يكن في المسلمين من جعل أحداً من هؤلاء سباباً للأنبياء، معادياً لهم، وإن قدر أنهم أخطأوا، وهذا أمر واضح يعرفه آحاد الطلبة فإذا تكلم العلماء في الصلاة على النبي – ﷺ هل هي واجبة في الصلاة أو غير واجبة في الصلاة كقول الجمهور لم يقل أحد أن من لم يوجبها فقد تنقص الرسول أو سبه أو عاداه
والذين
стр. 301
لم يوجبوها في الصلاة منهم من أوجبها خارج الصلاة، ومنهم من لم يوجبها يحال، وجعل الأمر في الآية أمر ندب، وحكحى الإجماع على ذلك، وقد بالغ القاضي عياض في تضعيف قول الشافعي بإيجابها في الصلاة وقال حكى الإمام أبو جعفر الطبري والطحاوي وغيرهما إجماع جميع المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة على أن الصلاة على النبي – ﷺ وغيرهما إجماع جميع المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة على أن الصلاة على النبي – ﷺ في التشهد غير واجبة، وقال وشذ الشافعي في ذلك فقال: من لم يصل على النبي – ﷺ بعد التشهد الأخير وقبل السلام فعلاته فاسدة، وإن صلى عليه قبل ذلك لم يجره، قال: ولا سلف له في هذا القرآن، ولا سنة يتبعها قال: وقد بالغ في إنكار هذه المسألة عليه مخالفته فيها من تقدمه جماعة، وشنعوا عليه الخلاف لحاصل فيها، منهم الطبري والقشيري وغير واحد، وشنعوا عليه الخلاف الحاصل فيها، منهم الطبري والقشيري وغير واحد، قال: وقال أبو بكر بن المنذر يستحب أن لا يصلي أحد صلاة إلا صلى فيها على النبي – ﷺ ، فإن ترك تارك ذلك فصلاة مجزئة في مذهب مالك وأهل المدينة والثوري وأهل الكوفة من أهل الرأي وغيرهم، وهو قول جملة أهل العلم، وحكي عن مالك سفيان أنها في التشهد لا خير مستحبة وأن تاركها في التشهد مسيء قال وشذ الشافعي فأوجب على تاركها في الصلاة الإعادة، وأوجب استحقاق الإعادة مع تركها دون النسيان، قلت: وأحمد عنه في المسألة ثلاثة روايات كالأقوال الثلاثة اختار كل رواية طائفة من أصحابه، وذكر محمد بن المواز قولاً له كقول الشافعي قال: وقال الخطابي ليس بواجبه في الصلاة، وهو قول جماعة الفقهاء إلا الشافعي، قال: ولا أعلم له فيها قدوة، وحكى الوجوب عن أبي جعفر الباقر وأنه قال لو صليت صلاة لم أصل فيها على النبي – ﷺ وأهل بيته لرأيت أنها لم تتم، وقال القاضي عياض: اعلم أن الصلاة على النبي – ﷺ فرض على الجملة، مرغب فيه غير محدود بوقت
стр. 302
لأمر الله تعالى بالصلاة عليه، وحمل الأئمة والعلماء له على الوجوب وأجمعوا عليه، وحكى أبو جعفر الطبري أن محمل الآية عنده على الندب، وادعي فيه الإجماع فهذا بعض كلام العلماء في مثل هذه وحكايات إجماعات متناقضة، ومع هذا فلم يقل أحد أن من لم يوجب الصلاة عليه فقد تنقصه أو سبه أو عاداه ونحو ذلك، فإنهم كلهم قصدهم متابعته كل بحسب اجتهاده –﵃ أجمعين-، وكذلك تنازعوا هل تكره الصلاة عليه عند الذبح فكره ذلك ما لك وأحمد وغيرهما. قال القاضي عياض: وكره ابن حبيب ذكر النبي – ﷺ إلا على طريق وكره سحنون الصلاة عليه عند التعجب قال: ولا يصلى عليه إلا على طريق الاستحباب، وطلب الثواب، وقال أصبغ عن ابن القاسم: موطنان لا يذكر لا يذكر فيهما إلا الله الذبح والعطاس، فلا يقال فيهما بعد ذكر الله محمد رسول الله، ولو قال بعد ذكر الله محمد رسول الله لم يكره تسميته له مع الله، وقال أشهب: لا ينبغي أن تجعل الصلاة على النبي – ﷺ استناناً قلت: والشافعي لم يكره ذلك، بل قال هو من الإيمان، وهو قول طائفة من أحاب أحمد كأبي إسحاق بن شاقلا. انتهى.
وأما ما ذكر من الأحاديث الواردة في فضل الصلاة على النبي – ﷺ فلا ننكر ما ثبت بالأسانيد الصحيحة عن النبي – ﷺ وعن أصحابه، بل نؤمن بها ونصدق بها وقد ألف شمس الدين بن قيم الجوزية –رحمه الله تعالى- في ذلك مؤلفاً سماه "جلاء الأفهام في الصلاة على خير الأنام" وفيه ما يشفى المؤمن ويكفيه عما صنفه الغلاة ممن لا معرفة لديه بصحيح الأخبار وضعيفها، وذكروا فيها من الأحاديث والأخبار التي لا يصح منها شيء، ولا يعتمد على نقل رواتها لأنهم ليسوا من أهل العلم المحققين فلا حاجة بنا إلى شيء ويكفينا ما ذكره
стр. 303
خلفاء الرسل ورثة الأنبياء الذين هم معالم الهدى ومصابيح الدجى، الذين أزال الله بهم عن سنته تأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين وتحريف الغالين، فهم الأسرة وبهم القدوة.
وأما ما ذكر من المؤلفات كدلائل الخيرات وغيرها مما ذكر فدلائل الخيرات قد ذكر كثير من العلماء أن أكثر ما فيها من الموضوعات والمكذوبات وأن فيها من الغلو والإطراء ما لا ينبغي للمؤمن أن يقوله أو يعتمد عليه لعدم صحته وثبوته، ولمخالفته ما كان عليه العلماء المحققون من أهل السنة والجماعة وقد نهى النبي – ﷺ عن إطرائه والغو فيه، قال – ﷺ "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله" والأحاديث في ذلك كثيرة.
وأما قوله وكذلك شروح الصلاة المشيشية وعده الرسائل التي للإمام السيوطي، فقد كفانا عن النظر فيها ما ألفه شمس الدين بن القيم لأنه من العلماء المحققين، والجهابذة المتقنين الذابين عن دين الله ورسوله ما انتحله المبطلون وحرفه الغالون ممن لا يوثق بنقلهم ولا يعتمد على مثلهم في العلوم الشرعية والمباحث الدينية.
وأما قوله: وللشيخ يوسف النبهاني حفظه الله فمن شاء فليراجع إليها فليستضيء من أنوارها ويرتوي من رحيقها.
فالجواب: أن يقال من يوسف النبهاني وما يوسف؟ لا أكثر اله في الناس أمثاله، وقطع دابره وشتت أوصاله، ومن كان على طريقته ونحلته من أحزابه وإخوانه وأهل ملته، لأنهم من الغواة الصعافقة المتعلمين، ومن أهل
стр. 304
الجهالة المتمردين الغالين، المتبعين غير سبيل المؤمنين، والسالكين على طريق الغلاة من المشركين ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً , إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً﴾ وكان هذا الرجل المسمى بيوسف النبهاني من أهل فلسطين، من أنباط قرية أجذم من أهل حيفا ثم سكن في بيروت، وكان قاضياً فيها يحكم بالقانون، ويدع الحكم بكتاب الله وسنة رسوله؛ ومن العجب العجاب أن هذا الرجل يدعى محبة النبي – ﷺ ووضع فيه مدائح تجاوز فيها الحد وأفرط فيها، والحد، ومع ذلك يحكم بالقانون المخالف، لشريعة الرسول، لمأخوذ عن حكم الإفرنج من النصارى ويدع حكم الله ورسوله، وهذا من أشنع التناقض وأبشعه، وصنف كتاباً في الاستغاثة بالنبي – ﷺ ، ورد عليه أئمة أهل الإسلام وبينوا ما في كتابه من الأغلاط والأوهام والغلو المفرط الذي خرج به من دين المسلمين إلى دين عباد القبور من المشركين، وكان في عقيدته على طريقة أهل الاتحاد كابن عربي وأمثاله من أهل الكفر والعناد ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ , فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ وهم من أكفر خلق الله على الإطلاق، ومن أهل الزندقة والنفاق، وكان يجحد علو الله على خلقه واستوائه وعلى عرشه، وأنه ليس فوق السماء إله يعبد، ولا يصلى له ويسجدج، بل ليس فوقه عندهم إلا العدم المحض وبيان ذلك بقوله في رائيته الصغرى:
وهم باعتقاد الشرك أولى لقصرهم ... على جهة للعلو خالقنا قصرا
هو الله رب الكل ﷻ ... فما جهة بالله من جهة أخرى
стр. 305
تأمل تجد هذي العوالم كلها ... بنسبة وسع لله كالذرة الصغرى
فحينئذٍ أين الجهات التي بها ... على الله من حمق بهم حكموا الفكرا
وإن اختلافاً للجهات محقق ... فكم ذا من الأقطار قطر علا قطرا
وكل علو فهو سفل، وعكسه ... وقل نحو هذا في اليمين وفي اليسرى
فمن قال علو كلها فهو صادق ... وذلك قد يقضي بآلهة أخرى
فمن يا يرى باشرك أولى اعتقادهم ... أولئك أم أصحاب سنتنا الغراء
وقد أجبته على رائيته بنحو من أربع مائة بيت ونيفاً فأدحضت حجته وبينت ضلالته، ولله الحمد والمنة، فهل يسوغ لمن يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر أن ينتقل عمن هذه حاله وهذا دينه وطريقته ونحلته أو يحرض على النظر في كتبه المشتملة على الكفر بالله والشرك به؟ ولكن هذا الرجل الذي ألف هذه الرسالة إن لم يكن أسوأ حالاً منه فليس دونه وهذا الرجل وأمثاله من الغلاة والضالين والغواة المبطلين من الذين قال الله فيهم ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوابِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ , وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
стр. 306
فصل: احمد بن زيني دحلان من أئمة الضلال
وأما ما ذكر عن طاغيتهم وإمام كفرهم كفرهم وضلالهم أحمد بن زيني دحلان بقوله: قال السيد أحمد دحلان –﵀: وحاصل مذهب أهل السنة والجماعة والشيعة أيضاً صحة التوسل وجوازه النبي – ﷺ في حياته وبعد وفاته، وكذا بغير من الأنبياء والأولياء والصالحين كما دلت عليه الآيات والأحاديث التي لا تحصى، لأنا معاشر أهل السنة لا نعتقد تأثيراً ولا خلقاً ولا نفعاً ولا ضراً لغير الله وحده، لا شريك له، ولا فرق عندنا في التوسل بالنبي – ﷺ وغيره كما لا فرق بين كونهم أحياء أو أمواتاً، لأنا نعلم أن لا أثير لهم بشيء، وتوسلنا بهم لكونهم مقربين عند الله، مكرمين لديه، ولا نرتاب بأن جاههم عند الله محفوظاً بعد موتهم كما كان في حياتهم وهذا ليس فيه من الشرك، لكن الشرك المحض هو عند من يجوزون التوسل بالأحياء دون الأموات، ويعتقدون أن لهم تأثيرهم وبيدهم نفع وضر بل يعتقدون تأثير الأعراض والجمادات كالعدوى وأمثالها والتوسل والتشفع والاستعانة كلها عندنا بمعنى واحد، والفاعل المطلق هو الله تعالى.
والجواب: أن يقال: أولاً تسمية عباد القبور أهل سنة وجماعة جهل عظيم بحدود ما أنزل الله على رسوله، وقلب للمسميات الشرعية وما يراد من الإسلام والإيمان والشرك والكفر، قالله تعالى ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ وهذا وأمثاله أجدر من أولئك بالجهل وعدم العلم بالحدود، لغربة الإسلام، وبعد العهد بآثار النبوة، وأهل
стр. 307
السنة والجماعة هم أهل الإسلام والتوحيد، المتمسكون بالسنن الثابتة عن رسول الله – ﷺ -في العقائد والنحل والعبادات الباطنة والظاهرة الذين لم يشوبوها ببدع أهل الأهواء وأهل الكلام في أبواب العلم والاعتقادات، ولم يخرجوا عنها في باب العلم والإرادات، كما عليه جهال أهل الطرائق والعبادات فإن السنة في الأصل تقع على ما كان عليه رسول الله – ﷺ ، وما سنة أو أمر به من أصول الدين وفروعه حتى الهدى والسمت، ثم خصت في بعض الإطلاقات بما كان عليه أهل السنة من إثبات الأسماء والصفات، خلافا للجهمية المعطلة النفاة، وخصت بإثبات القدر ونفي الجبر، خلافا للقدرية النفاة، وللقدرية الجبرية العصاة، وخصت أيضاً على ما كان عليه السلف الصالح في مسائل الإمامة والتفضيل، والكف عما شجر بين أصحاب رسول الله – ﷺ ، وهذا من إطلاق الاسم على بعض مسمياته لأنهم يريدون بمثل هذا الإطلاق التنبيه على على أن المسمى ركن أعظم وشرط أكبر، كقوله "الحج عرفة" أو لأنه وصف الفارق بينهم وبين غيرهم ولذلك سمى العلماء كتبهم في هذه الأصول كتب السنة ككتاب السنة للالكائي، والسنة لأبي بكر الأثرم، والسنة للخلال، والسنة لابن خزيمة والسنة لعبد الله بن أحمد، ومنهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرهم، وغيرهم، وإذا كان الحال كما ذكرنا فقوله: وحاصل مذهب أهل السنة والجماعة والشيعة أيضاً صحة التوسل وجوازه بالنبي – ﷺ وبعد وفاته، وكذا بغيره من الأنبياء والأولياء والصالحين، يريد به هذا الملحد ما سيأتي في كلامه من أن دعاء الصالحين والاستغاثة بهم فيما لا يقدر عليه إلا الله، يسمى توسلاً عنده وتشفعاً، وهذا فرار منه أن يسمى شركاً وكفراً، وهذا من جنس جهله بالأسماء والمسميات، وسيأتيك رد كلامه هنا، وأن التوسل صار مشتركاً في
стр. 308
عرف كثيرين، وأن العبرة بالحقائق لا بالأسماء، وأن الله سمى هذا شركاً وعبادة لغيره في مواضع من كتابه، فإياك أن تغتر بالإلحاد، وتغيير الأسماء، فقف مع الحدود الشرعية، واعتبر بالحقائق تعرف أن هؤلاء مشركون وثنيون عباد قبور، ولا يستريب في ذلك جاهل بأصل الإسلام لم يدر ما جاءت ما جاءت به الرسل الكرام وهذا الضرب من الناس أعني عباد القبور يحسنون الظن بأنفهم ويرون أنهم أهل سنة وجماعة وهكذا أهل كل ملة ونحلة وبدعة وقد قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً , الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ وما أحسن قوله في قضائه بين إبراهيم وقومه ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ومن عادة هؤلاء الزنادقة الملحدين إذا رأوا عبارة في مدح أهل السنة والجماعة وعدم تكفيرهم ادعوها لأنفسهم وشيعتهم من عباد القبور والصالحين والمتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور. فإذا تبين لك ما ذكرنا فاعلم أن التوسل في عرف عباد القبور اليوم واصطلاحهم هو دعاء الأنبياء والأولياء والصالحين لكونهم أسبابً ووسائل لنيل المقصود وإلا فهم يعتقدون أن الله هو النافع الضارة وأنه المتفرد بالإيجاد والإعدام وأن الله هو الخالق للأشياء وأن الله هو رب كل شيء ومليكه لا يعتقدون أن آلهتهم التي يدعونها من دون الله من الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة شاركوا الله في خلق السماوات والأرض ولا استقلوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد فمن أثبت الوسائط بين الله وبين خلقه كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك بل هذا دين عباد الأوثان، وأما قوله ولا فرق عندنا في التوسل بالنبي – ﷺ وغيره كما لا فرق بين كونهم أحياء وأمواتاً لأنا نعلم أن لا تأثير لهم.
стр. 309
بشيء إلى آخره.
فالجواب: أن يقال هذا تخليط وهذيان فإن الله لم يجعل للعباد قدرة على ما يختص به من الإغاثة المطلقة وأما الإغاثة بالأسباب العادية وما هو في طوق البشر وقدرتهم فهذا ليس الكلام فيه، والأموات لا قدرة لهم على الأسباب العادية وما هو في طوق البشر وقدرتهم والمسلمون متفقون على قول ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن يؤمنون بقوله: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ خلق في الحي اختياراً ومشيئة بها يثاب وبها يعاقب بها يكلف والميت ليس له قدرة الحي ولا يكلف بل ينقطع عمله بموته وتُطوى صحيفته ولا يسأل ولا يستفتى ولا يرجع إليه شيء مما للعباد عليه قدرة وسائر الحيوان يفرقون بين الحي والميت وهؤلاء الملاحدة لا يفرقون بين الحي والميت، قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ واستغاثة الميت ليست سبباً كاستغاثة المخلوق فيما لا يقدر عليه ولم يجعل هذا سبباً إلا عباد الأصنام الذين هم أضل خلق الله يجعلون الأموات سبباً ووسيلة والميت ليس في شرع الله وما جاءتنا به رسله أن يدعو لمن لمن دعاه والكرامة ليست فعله بل هي فعل الله والمكرم لا يدعى ولا يستغاث به ولا يُرجى لشيء من الشدائد بل هذا فعل المشركين حذو النعل بالنعل كانوا يدعون الصالحين والأنبياء والمرسلين طالبين منهم الشفاعة عند رب العالمين قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤلَاءِ شُفَعَاؤنَا عِنْدَ اللهِ﴾ وقال تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ على أن القول بإسناد الغوث إلى الله تعالى إسناد حقيقة باعتبار الخلق والإيجاد وأن الله هو الفاعل حقيقة وغلى الأنبياء والصالحين إسناد مجازي باعتبار التسبب والكسب بديهي البطلان بيانه من وجوه الأول
стр. 310
أنه لو كان مناط الإسناد الحقيقي اعتبار الخلق والإيجاد وأن الله هو الفاعل حقيقة كما توهم صاحب الرسالة لزم أن يكون إسناد أفعال العباد كلها إلى الله تعالى حقيقياً فإن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن الخالق لأفعال العباد هو الله تعالى وهذا يقتضي أن يتصف الله تعالى حقيقة بالإيمان والصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وصلة الرحم وغير ذلك من الأعمال الحسنة؛ وكذلك يتصف حقيقة بالأعمال السيئة من الكفر والشرك والفسق والفجور والزنا والكذب والسرقة والعقوق وقتل النفس وأكل الربا وغيرها، فإنه تعالى هو الخالق لجميع الأفعال حسنها وسيئها والتزام هذا فعل من لا عقل له ولا دين فإنه يستلزم اتصاف الله تعالى بالنقائص وصفات الحدوث واجتماع الأوصاف المتضادة المتناقضة والثاني لو كان مناط الإسناد المجازي اعتبار التسبب والكسب كما زعم هذا الزاعم لزم أن لا يكون الإنسان حقيقة مؤمناً ولا كافر ولا براً ولا فاجراً ولا مصلياً ولا مزكياً ولا صائماً ولا حاجاً ولا مجاهداً ولا زانياً ولا سارقاً ولا قاتلاً ولا كاذباً، فبطل الجزاء والحساب وتلغو الشرائع والجنة والنار، وهذا لا يقول به أحد من المسلمين.
والثالث: أن دعوى كون الأنبياء والصالحين سبباً للغوث وكسباً، محتاج إلى إقامة الدليل ودونه لا تسمع بالجملة فهذه شبهة داحضة ووسوسة زاهقة تنادي بصوت على صاحبها بالجهل والسفة فتبين مما تقدم الفرق بين الحي والميت وأن الميت لا يقدر على شيء مما يقدر عليه الحي من الأسباب العادية، فإن الأسباب العادية التي يقدر عليها الحي وفي وسعه فهي وإن حصلت من العب فهي حقيقة لا مجاز، ولا ينازع في هذا من عرف شيئاً من اللغة والعبد يفعل حقيقة فيأكل حقيقة ويشرب حقيقة وينصر أخاه ظالماً أو مظلوماً حقيقة، والله سبحانه
стр. 311
خلق العبد وما يعمل، وهذا معروف من عقائد أهل السنة والجماعة، والمقصود أن هذا الملحد زعم أن طلب المشركين ممن يعبدونه من دون الله ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى ليس بشرك لأن الله تعالى هو الفاعل لذلك حقيقة والله سبحانه يعطي لأجلهم إكراماً لهم وهكذا كان المشركون السابقون الذين بعث الله إليهم رسوله – ﷺ فإنهم كانوا يعلمون أن الله تعالى هو الخالق الموجد وأما الأصنام وسائر المعبودين من دون الله فيقولون إنها أسباب وسائر عادية فمن أجل ذلك كانوا يدعونهم ويستغيثون بهم ويعبدونهم وهذا هو دأب عبدة الصالحين في هذا الزمان يدعونهم ويستغيثون بهم وينحرون لهم وينذرون. والدعاء والاستغاثة والنحر والنذر كلها من أقسام العبادة على معناها المجازي فكذلك فليحمل لفظ العبادة الواقع في كلام المشركين الأولين الذين حكى الله تعالى عنهم حيث قال : ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ فما وجه الفرق؟ وأما قوله: ثم أطال الكلام في الرد على ما ينسب للغواء من الأقوال والأعمال التي يتوهمها الخصم من المكفرات وما هي من ذلك بشيء إلى آخر كلامه.
فالجواب أن نقول: قد بينا فيما تقدم أن ما يفعله عوام هؤلاء المشركين وخواصهم الغلاة من الأفعال والأقوال الشركية أنه هو عين الشرك المخرج من الملة ولا ينفعهم مع ذلك اعتذار هؤلاء الملاحدة عنهم أن هذا مجازي لأن معهم حقيقة التوحيد والإيمان وذلك أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويصلون ويزكون ويحجون البيت الحرام وهذا لا ينفعهم مع وجود الحقيقة الكفر بالله ورسوله كما لا ينفعهم المنافقين الذين كانوا على عهد النبي – ﷺ وقد كانوا يتلفظون بالشهادتين ويصلون ويزكون ويجاهدون مع النبي – ﷺ وهم مع
стр. 312
ذلك في الدرك الأسفل من النار وكذلك بنو عبيد القداح ملوك مصر كانوا يتلفظون بالشهادتين ويصلون الجمعة والجماعة وينصبون القضاة ويتظاهرون بالشغسلام فلما أظهروا أشياء تخالف الشرع دون ما نحن فيه أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم وأن بلادهم بلاد حرب وغزاهم المسلمون حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين.
وبينا فيما تقدم أن من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم كفر إجماعاً.
وفيما ذكرناه كفاية لمن أراد الله هدايته ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً، والمقصود بما كتبناه أن يتبين لمن هداه الله وكان خلياً من التعصب وليس له قصد إلا بيان الحق ووضوحه ضلال هؤلاء وتحاملهم على عباد الله الموحدين بمجرد الظلم والعدوان ومحض الأكاذيب والبهتان وأما هؤلاء الذين أعمى الله بصائرهم وختم على قلوبهم فهم كما قال فيهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ ونحن نعلم أنه لا يزيدهم هذا إلا تكبراً وعناداً وتمادياً في الباطل وارتداداً لأنه قد انتكست عن معرفة الحق قلوبهم وتمادت في الباطل وعمي عليهم ملطوبهم فهم في سكرتهم يعمهون وفي تربيتهم يترددون ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وحسبنا الله ونعم الوكيل، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وصلى الله على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 313
مسائل هامة
مدخل
...
مسائل هامة
عن:
١- التكفير والتفسيق.
٢- الحب والبغض في الله.
٣- الهجران على المعاصي.
٤- حكم لبس العمائم والعصائب.
من تأليف
العالم العلامة، الحبر الفهامة
الشيخ سليمان بن سحمان
﵀
من مطبوعات حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم
سعود بن عبد العزيز آل سعود
أيده الله تعالى
١٣٧٧هـ
стр. 314
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين وعليه نتوكل
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
أما بعد: فقد تأملت ما ذكره الأخ من المسائل التي ابتلي بالخوض فيها كثير من الناس من غير معرفة ولا إتقان ولا بينة ودليل واضح من السنة والقرآن، وقد كان غالب من يتكلم فيها بعض المتدينين من العوام الذين لا معرفة لهم بمدارك الأحكام ولا خبرة لهم بمسالك مهالكها المظلمة العظام، وليس لهم اطلاع على ما قرره أئمة الإسلام ووضحوه في هذه المباحث التي لا يتكلم فيها إلا فحول الأئمة الأعلام، وهذه المسائل قد وضحها أهل العلم وقرروها، وحسبنا أن نسير على منهاجهم القديم ونكتفي بما وضحوه من التعظيم والتفهيم ونعوذ بالله من القول على الله بلا علم، وهذه المسائل التي أشرت إليها لا يتلكم فيها إلا العلماء من ذوي الألباب ومن رزق الفهم عن الله وأوتي الحكمة وفصل الخطاب ونحن وإن كنا لسنا من أهل هذا الشأن ولا ممن يجري الجواد في مثل هذا الميدان فإنما نسير على منهاج أهل العلم ونتكلم بما وضحوه في هذا البابل، ولولا ما ورد عن النبي – ﷺ في ذلك بقوله: "من سئل عن علم وهو يعلمه فكتمه ألجمه الله بلجام من نار" لضربت عن الجواب صفحاً ولطويت عن ذلك كشحاً ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله، ولا بد من ذكر مقدمة نافعة ليعلم من نصح نفسه وأراد نجاتها أن المبادرة بالتكفير والتفسيق من غير اطلاع على كلام العلماء لا يتجاسر عليه إلا أهل البدع الذين
стр. 315
مرقوا من الإسلام ولم يحققوا تفاصيل ما في هذه المسائل المهمة العظام مما قرروه وبينوه من الأحكام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية –قدس الله روحه- في "منهاج السنة" بعد أن ذكر أقوال أهل البدع كالمعتزلة والخوارج والمرجئة، وذكر كلاماً طويلاً ثم قال: "وإذا كان المسلم الذي يقاتل الكفار قد يقاتلهم شجاعة وحمية ورياء وذلك ليس في سبيل الله فكيف بأهل البدع الذين يخاصمون ويقاتلون عليها فإنهم يفعلون ذلك شجاعة وحمية، وربما يعاقبون لما ابتعوا أهواءهم بغير هدى من الله لا لمجرد الخطأ الذي اجتهدوا فيه. ولهذا قال الشافعي لئن أتكلم في علم يقال لي فيه أخطأت أحب إلي من أن أتكلم في علم يقال لي فيها كفرت. فمن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضاً ومن ممادح أهل السنة أنهم يخطئون ولا يكفرون وسبب ذلك أن أحدهم قد يظن ما ليس بكفر كفراً وقد يكون كفراً لأنه تبين له أنه تكذيب للرسول وسب للخالق والآخر لم يتبين له ذلك فلا يلزم إذا كان هذا العالم بحاله يكفر إذا قاله أن يكفر من لم يعلم بحاله" إلى آخر كلامه. والمقصود أن من مذاهب أهل البدع وطرائقهم أنهم يكفر بعضهم بعضاً ومن ممادح أهل السنة أنهم يخطئون ولا يكفرون فإذا تحققت هذا وجعلته نصب عينيك أفادك الحذر كل الحذر من الغلو والتعمق ومجاوزة الحد في هذه المسائل والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
стр. 316
فصل: الكفر الذي يخرج من الملة
قال السائل: المسألة الأولى: ما نكفر الذي يخرج من الملة والذي لا يخرج في قولهم: الكفر كفران وكذا الفسق فسقان؟
стр. 317
والجواب أن نقول: هذه المسألة قد أجاب عنها شيخنا الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن في رسالته للخطيب وذكر ما ذكر شمس الدين ابن القيم –رحمه الله تعالى- في كتابه "الصلاة" فقال رحمه الله تعالى-: "الأصل الرابع: أن الكفر نوعان: كفر عمل وكفر جحود وعناد وهو أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله مجرداً وعناداً من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه التي أصلها توحيده وعبادته وحده لا شريك له وهذا مضاد للإيمان من كل وجه وأما كفر العمل فمنه ما يضاد الإيمان كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف وتقل النبي وسبه، وأما الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة فهذا كفر لا كفر اعتقاد وكذلك قوله: "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض" وقوله: "من أتى كاهناً أو أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد – ﷺ " فهذا من الكفر العملي وليس كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف وقتل النبي وسبه وإن كان الكل يطلق عليه الكفر وقد سمى الله سبحانه من عمل ببعض كتابه وترك العمل بالبعض مؤمناً بما عمل كافراً بما ترك العمل به قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ , ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ الآية فأخبر سبحانه أنهم أقروا بميثاقه الذي أمرهم به والتزموه وهذا يدل على تصديقهم ببه وأخبر أنهم عصوا أمره وقتل فريق منهم فريقاً آخرين وأخرجوهم من ديارهم وهذا كفر بما أخذ عليهم ثم أخبر أنهم يفدون من أسر من ذلك الفريق وهذا إيمان منهم بما أخذ عليهم في الكتاب وكانوا مؤمنين بما أخذ عليهم في الكتاب وكانون مؤمنين بما أعملوا من الميثاق كافرين لما تركوه منه فالإيمان العملي يضاده الكفر العملي والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي، وفي الحديث الصحيح "سباب
стр. 318
المسلم فسوق وقتاله كفر" وجعل أحدهما فسوقاً لا يكفر به والآخر كفراً ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي، وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية كما لم يخرج الزاني والسارق والشارب من الملة وإن زال عنه اسم الإيمان، وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولوازمها فلا تتلقى هذه المسألة إلا عنهم، والمتأخرون لم يفهموا مرادهم فانقسموا فريقين فريقاً أخرجوا عن الملة بالكبائر وقضوا على أصحابها بالخلود في النار، وفريقاً جعلوه مؤمنين كاملي الإيمان فأولئك غلوا وهؤلاء جفوا وهدى الله أهل السنة للطريقة المثلى، والقول الوسط، الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل، للطريقة المثلى، فها هنا كفر دون كفر ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك، وظلم دون ظلم فعن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال: ليس هذا هو الكفر الذي تذهبون إليه رواه عنه سفيان وعبد الرزاق، وفي رواية أخرى: كفر لا ينقل عن الملة، وعن عطاء: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، وهذا بين في القرآن لمن تأمله، فإن الله سبحانه سمى الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً، وسمى الجاحد لما أنزل الله على رسوله كافراً وسمى الكافر ظالماً في قوله ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وسمى من يتعدى حدوده في النكاح والطلاق والرجعة والخلع ظالماً وقال: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ وقال يونس –﵇ ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ، وقال آدم ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ وقال موسى ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ وليس هذا الظلم مثل ذلك الظلم، وسمى الكافر فاسقاً في قوله ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ ، وقال ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾
стр. 319
وسمى العاصي فاسقاً في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وقال في الذين يرمون المحصنات ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وقال ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ وليس الفسوق كالفسوق، وكذلك الشرك شركان شرك ينقل عن الملة وهوالشرك بالله الأكبر، وشرك لا ينقل عن الملة وهو الأصغر كشرك الرياء وقال تعالى في الشرك الأكبر ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ وقال ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ الآية وقال في الشرك والرياء ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ، وفي الحديث "من خلف بغير الله فقد أشرك" ومعلوم أن حلفه بغير الله لا يخرجه عن الملة ولا يوجب له حكم الكفار ومنه هذا قوله – ﷺ "الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل" فانظر كيف انقسم الكفر والفسوق والظلم إلى ما هو كفر ينقل عن الملة وإلى ما ينقل عنها، وكذلك النفاق نفاقان. نفاق اعتقاد ونفاق عمل، ونفاق اعتقاد مذكور في القرآن في غير موضع، وأوجب لهم عقاب الدرك الأسفل من النار، ونفاق العمل جاء في قوله – ﷺ "أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر وإذا ائتمن خان" وكقوله – ﷺ : "آية المنافق ثلاث إذا حدث كذاب وإذا اؤتمن خان وإذ وعد أخلف" قال بعض الأفاضل: وهذا النفاق قد يجتمع مع أصل الإسلام وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فإن الإيمان ينهى عن هذه الخلال فإذا كملت للعبد لم يكن له ما ينهاه عن شيء منها، فهذا لا يكون إلا منافقاً
стр. 320
خالصاً. انتهى. فانظر رمك الله إلى ما ذكره العلماء من أن الكفر نوعان كفر اعتقاد، وجحود وعناد فأما كفر الجحود والعناد فهو أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحوداً وعناداً من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه التي أصلها توحيده وعبادته وحده لا شريك له، وهذا مضاد للإيمان من كل وجه، وأما النوع الثاني فهو كفر عمل، وهو نوعان أياً كان: مخرج من الملة وغير مخرج منها، فأما النوع الأول فهو يضاد الإيمان كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبه، والنوع الثاني كفر عمل لا يخرج من الملة كالحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة، فهذا كفر عمل لا كفر اعتقاد، وكذله قوله: "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض"، وقوله: "من أتى كاهناً فصدقه وأتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل الله على محمد – ﷺ " فهذا من الكفر العملي وليس كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف –﵀، لكن ينبغي وإن كان الكل يطلق عليه الكفر إلى آخر –﵀، لكن ينبغي أن يعلم أن من تحاكم إلى الطواغيت أو حكم بغير ما أنزل الله، واعتقد أن حكمهم أكمل وأحسن من حكم الله ورسوله، فهذا ملحق الكفر الاعتقادي المخرج عن الملة كما هو مذكور في نواقض الإسلام العشرة، وأما من لم يعتقد ذلك لكن تحاكم إلى الطاغوت وهو يعتقد أن حكمه باطل فهذا من الكفر العملي.
فإذا تبين لك هذا فاعلم أن الإيمان أصل له شعب متعددة كل شعبة منها تسمى إيماناً فأعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق فمنها ما يزل الإيمان بزواله إجماعاً كشعبة الشهادتين ويكون إليها أقرب، ومنها
следующие страницы →