← Акыда

Акыда · id 11353

كشف غياهب الظلام عن أوهام جلاء الأوهام

سليمان بن سحمان

Полный текст (368 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

حديثه لبادر إلى روايته عند بعض أصحابه الثقات المشهورون بل لو تفرد بروايته عنه ثقة معروف من بين سائر أصحابه لأنكره الحفاظ عليه ولعدوه من الأحاديث المنكرة الشاذة فكيف وهو حديث لم يروه عنه ثقة قط ولم يخبر به عنه عدل. انتهى المقصود منه. ثم قال الملحد: الحديث الخامس قوله: "من زار قبري كنت له شهيداً ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله في الآمنين يوم القيامة". والجواب أن يقال: ليس بصحيح لانقطاعه وجهالة إسناده واضطرابه ولأجل اختلاف الرواة في إسناده واضطرابهم فيه، قال وهو حديث واحد ساقط الإسناد لا يجوز الاحتجاج به ولا يصلح الاعتماد على مثله كما سنبين ذلك إن شاء الله تعالى، وقد خرجه البيهقي في شعب الإيمان وفي كتاب السنن الكبير، وقال في كتاب "السنن" بعد تخريجه هذا إسناد مجهول. قلت: وقد خالف أبا داود وغيره في إسناده لفظه وسوار بن ميمون شيخه يقبله بعض الرواة، ويقول ميمون بن سوار وهو شيخ مجهول لا يعرف بعدالة ولا ضبط ولم يشتهر بحمل العلم ونقله، وأما شيخ سوار في هذه لرواية أبي داود فإنه شيخ مبهم وهو أسوأ حالاً من المجهول، وبعض الرواة يقول فيه عن رجل من آل عمر كما في هذه الرواية، وبعضهم يقول عن رجل من ولد حاطب، وبعضهم يقول عن رجل من آل الخطاب، ثم ذكر الحافظ كلاماً طويلاً في سوار بن ميمون فاقتصرنا على ما سبق، والله أعلم. قال الملحد: الحديث السادس بعينه هو الحديث الخامس، وهو عند الحافظ الحديث السابع، وهو السابع فجعل المعترض له حديثين بل ثلاثة أحاديث وهو حديث واحد ضعيف مضطرب مجهول الإسناد من أوهى المراسيل وأضعفها

стр. 247

وهو من باب التمويل والتكثير بما لا يحتج به وما كفاه هذا حتى أخذ يقويه ويناقش من رده وتكلم فيه وقد علم أن ضعفه حصل بأمور متعددة وأشياء مختلفة وهي الاضطراب والاختلاف والجهالة والإرسال والانقطاع وبعض هذه الأمور تكفي في ضعف الحديث ورده وعدم الاحتجاج به عند أئمة هذا الشأن فكيف باجتماعها في خبر واحد إلى آخر ما ذكره الحافظ والحديث المذكور من رواية سوار بن ميمون. قال الملحد: الحديث السابع "قوله" "ما من أحد من أمتي له سعة ثم لم يزرني فليس له عذر". انتهى. والجواب أن نقول: قد ذكر الحافظ محمد بن عبد الهادي أن هذا هو الحديث الثاني عشر من كتاب السبكي قال الحافظ هكذا ذكر المعترض هذا الحديث وخرس بعد ذكره فلم ينطق بكلمة وهو حديث موضوع مكذوب مختلق مصنوع من النسخة الموضوعة المكذوبة المصلقة بسمعان المهدي –قبح الله واضعها! وإسناده إلى سمعان ظلمات بعضها فوق بعض، وأما سمعان فهو من الحيوانات التي لا تدري هل أو جد أم لم وهذا المعترض إن كان لا يدري هذا الحديث من أقبح الموضوع فهو من أجهل الناس وإن كان إنه موضوع ثم يذكره في معرض الاحتجاج يتكثر به ولا يبين حاله فهو داخل في قوله – ﷺ "من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" فهو إما جاهل مفرط في الجهل أو معاند صاحب هوى متبع لهواه نعوذ بالله من الخذلان. انتهى ما ذكره الحافظ مختصراً، ومن كان لله عناية علم أن هذه الأحاديث الموضوعة المكذوبة على رسول الله – ﷺ هي غاية ما يعتمدون عليه وهي مستندهم وقدر رأيت ما ذكره الحفاظ أئمة هذا الشأن فيها ولم

стр. 248

نذكر من ذلك إلا عشر معشار ما ذكره الحافظ طلباً للاختصار، وإذا بطل الأصل الذي يعتمدون عليه بطل الفرع الذي يتفرع عليه من الأقوال المخترعة والمذاهب المبتدعة ثم ذكر هذا الملحد بعد هذا كلاماً لبعض العلماء الذي لا يعتمد على أقوالهم ولا يعول عليها في فروع الدين فكيف بأصوله؟! فلا نطيل بردها.

стр. 249

دحض فرية القول باجماع المسلمين على جواز شد الرحال للقبور ... فصل: دحض فرية القول باجماع المسلمين عبى جواز شد الرحال القبور ثم قال الملحد: وجماع القول في هذه المسألة التي وقع إجماع المسلمين من أهل السنة والشيعة على فضلها ووجوبها هي من جملة الأمور التي خرق الوهابيون وإخوانهم الإجماع بحظرها وإنكارها ومرقوا بهذا الخرق من الإجماع وخلعوا ربقة الإسلام من عنقهم والعياذ بالله تعالى. والجواب أن نقول: دعوى إجماع المسلمين من أهل السنة بدع الشيعة فإنهم إخوانهم ولم تتصل هذه البدع والشرك بالله إليه وإلى حزبه منالمشركين إلا من جهتهم دعوى مجردة عن الدليل فإنه لم يجمع العلماء على جواز شد الرجال إلى قبره عليه الصلاة ولا إلى قبور الأنبياء والأولياء والصالحين ومشاهدهم بقصد السلام ولا ابتغاء الفضيلة بدعاء الله عندها من غير أن يدعوهم ويتشفعوا بهم ويطلبوا منهم قضاء الحاجات وإغاثة اللهفات فضلاً عن أن يجمعوا على شد الرحال إليها لقصد دعاء أربابها والشرك بهم والطواف بقبورهم وتقريب القرابين والنذور لها فإن هذا مجمع على المنع منه وعلى أنه بهذا القصد شرك بالله ومخالفة لما كان عليه الصحابة والتابعون والأئمة المهتدون فخرق إجماع من هذا دينه وهذه نحلته هو الحق الذي ندين الله به وعليه أئمة أهل السنة المحققون ودعوى هذا

стр. 250

الملحد إجماع المسلمين من أهل السنة والجماعة على استحباب شد الرحال بزيارة قبور الأنبياء والصالحين دعوى باطلة فإن العلماء لم يجمعوا على هذه الدعوى الخاطئة وإذا كان كذلك فنذكر من كلام أئمة الإسلام خصوصاً أئمة المالكية الذي ينسب هذا الملحد إليهم ويزعم أنه يعتمد على أقوالهم قال الشيخ تقي الدين في "الجواب الباهر" قال في "المدونة" ومن قال لله علي أن آتي المدينة أو بيت المقدس أو المشي إلى المدينة أو بيت المقدس فلا يأتيها أصلاً إلا أن ينوي الصلاة في مسجديهما أو يسميهما فيقول إلى مسجد الرسول إلى مسجد إيليا وإن لم ينو الصلاة فليأتهما راكباً ولا هدي وكأنه لما سماها قال لله علي أن أصلي فيهما ولو نذر الصلاة في غيرهما من مساجد الأمصار صلى في موضعه ولم يأته فقد تبين أنه نوى الصلاة في المسجدين وفى بنذره وكذلك إن سمى المسجد إنما يؤتى للصلاة وأما إذا نذر إتيان نفس البلد فليس عليه أن يأتيه وهذا متناول إتيانه لزيارة قبر النبي – ﷺ وقبور الشهداء وأهل البقيع وإتيان مسجد قباء كما يتناول النهي عن السفر إلى بيت المقدس لزيارة القبور والآثار التي هناك من آثار الإتيان وإتيان المسجد لغير الصلاة كالتمسح بالصخرة وتقبيلها أو إتيانه للوقوف عشية عرفة والطواف بالصخرة أو لغير ذلك مما يظنه بعض الناس عبادة وليس بعبادة، ومما هو عبادة للقريب ولا يسافر لأجله كزيارة قبور المسلمين والدعاء لهم والاستغفار فإن هذا مستحب لمن خرج إلى المقبرة من البلد ولمن اجتاز به ولا يشرع السفر لذلك فمالك وغيره نهواه عن السفر إلى المدينة أو إلى بيت المقدس لغير العبادة المشروعة في المسجدين سواء كان المسافر يسافر لأمر غير مشروع بحال أو لما هو مشروع للقريب ولا يشرع السفر لأجله وكذلك مذهب مالك أنه لا يسافر إلى المدينة لشيء من ذلك بل هذا السفر منهي عنه والسفر المنهي عنه

стр. 251

عنده لا تقصر فيه الصلاة لكن بعض أصحابه وهو محمد بن مسلمة استثنى مسجد قباء وابن عبد البر جعل السفر مباحاً إلى غير الثلاثة مساجد ولا يلزم بالنذر لأنه كما يقول بعض أصحاب الشافعي وأحمد وأما جمهور أصحاب مالك فعلى قوله أن السفر لغير المساجد الثلاثة محرم لا يجوز أن يفعل ولو نذر، فلا يستحب عند أحد منهم، وقال القاضي عياض: لا يباح السفر لغير المساجد الثلاثة لا الناذر ولا المتطوع، وقال أبو الوليد الباجي قبله في السفر إلى مسجد قباء أنه منهي عنه، قال القاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي في "الفروق" فرق بين مسألتين يلزم نذر المشي إلى البيت الحرام ولا يلزم ذلك إلى المدينة ولا المقدس، والكل مواضع يتقرب بإتيانها إلى الله قال: والفرق بينهما أن المشي إلى بيت الله طاعة تلزمهوالمدينة وبيت المقدس الطاعة الصلاة في مسجديهما فقط فلا يلزم نذر المشي لأنه لا طاعة فيه ألا ترى أن من نذر الصلاة في مسجديهما فقط فلم يلزم نذر ولو نذر أن يأتي المسجد لغير صلاة لم يلزمه أن يأتي فقد صرح بأن المدينة وبيت المقدس لا طاعة في المشي إليهما إنما الطاعة في مسجديهما فقط، وأنه لو نذر أن يأتي المسجد لغير صلاة لم يلزمه ذلك بناءً على أنه ليس بطاعة فتبين أن من أتى مسجد الرسول لغير الصلاة أنه ليس بطاعة ولا يلزم بالنذر، فتبين أن السفر غليه وإتيانه لأجل القبر ليس بطاعة كما ذكر ذلك مالك وسائر أصحابه، ولا يرد على هذا الاعتكاف فإن المعتكف عنده لابد أن يصلي، وكذلك من دخله لتعلم العلم أو تعليمه، فإنه يصلي فيه أولاً والمقصود أن هذه المسألة مذكورة في المختصرات ذكرها أبو القاسم بن الجلاب في التصريع قال: ومن قال عليّ المشي إلى المدينة وبيت المقدس فإن أراد الصلاة في مسجديهما لزمه إتيانهما راكباً، والصلاة فيهما، وإن لم ينو ذلك فلا شيء عليه، ولو قال لله علي المشي إلى مسجد

стр. 252

المدينة أو مسجد بيت المقدس لزمه إتيانهما راكباً والصلاة فيهما، وإن نذر السفر إلى مسجد المدينة سوى المسجد الحرام ومسجد المدينة أو مسجد بيت المقدس فإن كان قريباً لا يحتاج إلى راحلة مضى إليه، وصلى فيه وإن كان بعيداً لا ينال إلا براحلة صلى في مكانه ولا شيء عليه، وهذا الفرق الذي ذكره ابن الجلاب في سائر المساجد من القريب والبعيد ذكره قبله محمد بن المواز في "الموازنة" وغيره قال: أما السفر إلى المدينتين مدينة الرسول وبيت المقدس لغير الصلاة في المسجد فإنه لا يستحب أن تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، وقد ذكر ذلك ابن بشير في "تنبيهه" والقيرواني في "تقريبه" وغيرهما من أصحاب مالك فهذا نص مالك وأصحابه على أن من نذر إتيان المدينة لغير الصلاة في مسدها ولو أنه لزيارة أهل البقيع وشهداء أحد، وزيارة قبر النبي – ﷺ ، فإنها لا يأتيها ولا يوف بنذر بل السفر لذلك منهي عنه، لقوله "لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد"، بل السفر إلى ما يظن أنه زيارة لقبر النبي – ﷺ وليس بزيارة لقبره أولى بالنهي عن السفر لزيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد ومسجد قباء هذه الأماكن يستحب لأهل المدينة إتيانها وإن لم يقدموا من سفر اقتداء بالنبي – ﷺ حيث كان يخرج إلى القبور يدعو لهم وكان يأتي قباء كل سبت راكباً أو ماشياً. وأما ما يظن أن زيارة قبره مثل الوقوف خارج الحجرة للسلام والدعاء فهذا لا يستحب لأهل المدينة بل ينهون عنه لأن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان والخلفاء الراشدون وغيرهم كانوا يدخلون إلى مسجده للصلوات الخمس وغير ذلك، والقبر عند جدار المسجد ولم يكونوا يذهبون إليه، ولا يقفون عنده، فإذا كان السفر لما شرع لأهل المدينة غير المسجد

стр. 253

منهياً عنه النهي عن السفر لما ليس بمشروع مما يسمى زيارة لقبره وليس زيارة أولى وأحرى، وقد ذكر هذا مالك وغيره من العلماء ذكروا أنه لا يستحب بل يكره للمقيمين بالمدينة والوقوف عند القبر للسلام أو غيره، لأن السلف من الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك إذا دخلوا المسجد للصلوات الخمس وغيرها، على عهد الخلفاء الراشدين أبي بكر وعثمان وعلي، فإنهم كانوا يصلون بالناس في المسجد أبو بكر وعمر فصليا بالناس إلى حين ماتا وعثمان إلى أن حصر وعلي صلى فيه مدة مقامه بالمدينة على أن خرج إلى العراق وكان الناس يقدمون عليهم من الأمصار يصلون معهم ومعلوم أنه لو كان مستحباً لهم لم يقفوا حذو القبر ولم يسلموا أو يدعوا ويفعلوا غير لفعلوا ذلك ولو فعلوه لكثر وظهر واشتهرلكن مالك وغيره خصوا من ذلك عند السفر لما نقل عن ابن عمر، قال القاضي عياض: قال مالك في "المبسوط": وليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوف للقبر وغير ذلك للغرباء وقال فيه أيضاً: ولا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على النبي – ﷺ فيصلي عليه ويدعو له ولأبي وعمر: قيل له فإن ناساً من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر وربما وقفوا في الجمعة أو في الأيام المرة أو المرتين أو أكثر من ذلك عند القبر يسلمون ويدعون ساعة فقال لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا وتركه واسع ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك فقد أخبر مالك أن صدر هذه الأمة وأئمتها لم يبلغه عن أحد منهم أنه كان يقف بالقبر وذكر أن ذلك يكره إلا لمن جاء من سفر وأراده وإنما اشتهر هذا عن ابن عمر أنه كان إذا قدم من سفر أتى القبر

стр. 254

فقال: السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبتاه وممن رواه القاضي إسماعيل بن إسحاق في "كتاب الصلاة على النبي – ﷺ " قال حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر كان إذا قدم من سفر أتى المسجد ثم أتى القبر فقال السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر: السلام عليك يا أبتاه فإن قيل مالك وغيره استحبوا للغرباء كلما دخلوا المسجد أن يأتوا القبر وهذا يناقض ما ذكر عنهم من النبي عن السفر لأجل القبر فإنهم خصوا الغرباء المسافرين بقصد القبر فيكون لهم في المسألة روايتان قيل ليس الأمر كذلك بل هم استحبوا للغرباء الذين قدموا لأجل الصلاة في المسجد أن يقفوا بالقبر ويسلموا كما استحبوا لهم أن يأتوا مسجد قباء وأن يزوروا أهل البقيع وشهداء أحد، وهم لو قصدوا السفر لأجل أهل البقيع والشهداء أو لموضع غير مسجد رسول الله – ﷺ كان ضلك منهياً عنه عندهم لكن إذا سافروا لأجل المسجد والصلاة فيه أتوا القبر وزاروا قبور الشهداء وأهل البقيع ومسجد قباء ضمناً وتبعاً كما أن الرجل ينهى أن يسافر إلى غير المساجد الثلاثة فلو سافر إلى بلد لتجارة أو طلب علم أو نحو ذلك كأن يأتي مسجد ويزور قبره وإن كان لم يسافر لأجل ذلك وإنما الرخصة في هذا للغرباء دون أهل المدينة فأهل المدينة يفعلون ذلك عند السفر فيحصل مقصودهم والغرباء إنما يقيمون بالمدينة أياماً وصار هذا مثل صلاة التطوع في مسجد رسول الله – ﷺ وفي المسجد الحرام فإنهم يستحبون للغرباء أن يتطوعوا فيه، وأما أهل البلد فتطوعهم في البيوت أفضل، قال مالك التنفل فيه للغرباء أحب إلي من التنفل في البيوت وحجتهم في ذلك أن الصلاة فيه بألف صلاة في غيره من المساجد وأهل البلد يصلون فيه دائماً لغرض فيحصل مقصودهم بذلك وتطوعهم في البيوت أفضل لما ثبت في الصحيح

стр. 255

عن النبي – ﷺ قال: "أيها الناس أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"، وقال في النساء: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وبيوتهن خير لهن"، وأما الغرباء فلا يمكنهم أن يصلوا الفريضة فيه دائماً لأن الفرائض لها أوقات محدودة فيستكثروا من التنفل فيه وكذلك المسجد الحرام ولهذا استحبوا في جواز شد الرحال إلى غير الثلاثة المساجد: المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، فيجوز بعض العلماء ذلك كأبي حامد الغزالي وأبي الحسن بن عبدوس الحراني وأبي محمد بن قدامة المقدسي ومنعه بعض العلماء كأبي عبد الله ابن بطة وأبي الوفاء ابن عقيل وطوائف كثيرة من المعلماء المتقدمين، وحجة هؤلاء ما ثبت في الصحيحين عن النبي – ﷺ قال: "لا تشد الرحال إلا إلا ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا" وهذا الحديث اتفق الأئمة على صحته والعمل فلو نذر الرجل أن يصلي في مسجد أو مشهد أو يعتكف فيه أو يسافر إليه غير هذه الثلاثة لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة، ولو نذر أن يأتي المسجد الحرام لحج أو عمرة وجب عليه ذلك باتفاق العلماء، ولو نذر أن يأتي مسجد النبي – ﷺ أو المسجد الأقصى لصلاة أو اعتكاف وجب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعي وأحمد، فإنهم يوجبون الوفاء بكل طاعة كما ثبت عن النبي – ﷺ أنه قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه" الحديث رواه البخاري. وأما السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة فلم يوجب أحد من العلماء السفر إليها إذا نذره حتى نص بعض العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد قباء لأنه ليس من الثلاثة مع أن مسجد قباء تستحب زيارته لمن كان بالمدينة لأن ذلك ليس

стр. 256

بشد رحل كما ثبت في الصحيح "من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة فيه كان كعمرة" قالوا: ولأن السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أمر بها رسول الله – ﷺ ولا استحبها أحد من أئمة المسلمين، فمن اعتقد ذلك عبادة وفعلها فهذا مخالف للسنة وإجماع الأمة، وبهذا يظهر حجة أبي محمد فإن زيارة النبي – ﷺ للمسجد قباء لم تكن بشد رحل وهو يسلم لهم أن السفر إليه لا يجب بالنذر. وقوله: أن قوله لا تشد الرحال محمول على نفي الاستحباب يجاب عنه من وجهين: أحدهما أن هذا تسليم منه أن هذا السفر ليس بعمل صالح ولا قربة وطاعة ومن اعتقد في السفر لزريارة قبور الأنبياء والصالحين أنه قربة وطاعة فقد خالف الإجماع وإذا سافر لاعتقاده أنها طاعة فإن ذلك محرم بإجماع المسلمين فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة، ومعلوم أن أحداً لا يسافر إليها إلا لذلك وأما إذا قدر أن شد الرحال إليها لغرض مباح فهذا جائز من هذا الباب. الوجه الثاني: أن النفي يقتضي النهي، والنهي يقتضي التحريم، وما ذكروه من الأحاديث في زيارة قبر النبي – ﷺ فكلها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث، بل هي موضوعة ولم يحتج أحد من الأئمة منها بشيء بل مالك إمام أهل المدينة النبوية الذي هو أعلم الناس بحكم هذه المسألة كره أن يقول الرجل زرت قبر النبي – ﷺ ولو كان هذا اللفظ مشروعاً أو مأثورا عن النبي – ﷺ لم يكرهه عالم المدينة، والإمام أحمد –﵁ أعلم الناس في زمانه بالسنة لما سئل عن ذلك لم يكن عنده ما يعتمد عليه في ذلك إلا حديث أبي هريرة عن النبي – ﷺ أنه قال: "ما من رجل يسلم عليّ إلا ردّ الله علي روحي حتى أرد ﵇" وعلى هذا اعتمد أبو داود في سننه، وكذلك مالك في

стр. 257

"الموطأ" روى عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا دخل المسجد قال: السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت، ثم ينصرف في سنن أبي داود عن النبي – ﷺ أنه قال: "لا تتخذوا قبري عيداً وصلوا عليّ أينما كنتم فإن صلاتكم تبلغني" وفي سنن سعيد بن منصور عن عبد الله بن حسن بن علي بن أبي طالب أنه رأى رجلاً يختلف إلى قبر النبي – ﷺ ويدعوا عنده فقال يا هذا أن رسول الله – ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيداً وصلوا علي أينما كنتم فإن صلاتكم تبلغني" فما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء. وأما حجة المجوزين لشد الرحال إلى قبور الأنبياء والأولياء والصالحين فحجتهم عموم قوله – ﷺ "كنتم نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة" وقد يحتج بعض من لا يعرف الحديث بالأحاديث المروية في زيارة قبر النبي – ﷺ كقوله: "من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي" رواه الدارقطني وابن ماجة. وأما ما ذكر بعض الناس من قوله: "من حج فلم يزرني فقد جفاني" فهذا لم يروه أحد من العلماء وهو مثل قوله: "من زارني ضمنت له على الله الجنة" فإن هذا أيضاً باطل باتفاق العلماء، لم يروه أحد ولم يحتج به أحد، والجواب عن هذا ما تقدم بيانه في حجة من منع شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، والمقصود أن هذا الملحد ذكر الإجماع على ذلك من عهد الصحابة إلى يومنا، وأن الوهابية خرقوا هذا الإجماع، وقد بينا فيما تقدم قريباً اختلاف العلماء، وأنهم لم يجمعوا على ما ادعاه الملحد بل هذا من الكذب على العلماء، خصوصاً وعلى الأمة عموماً ولم يجمع على ذلك إلا الغلاة من أهل البدع الذين شرعوا في الدين ما لم يأذن به الله واتبعوا غير سبيل المؤمنين فنعوذ بالله من الحور بعد الكور ومن الضلالة بعد الهدى.

стр. 258

فصل: الشيخ ابن تيمية لم يحرم زيارة القبور مطلقا إذا تحققت هذا، فاعلم أن شيخ الإسلام ابن تيمية –قدس الله روحه ونور ضريحه- لم يحرم زيارة القبور على الوجه المشروع في شيء من كتبه ولم ينه ولم يكرهها بل استحقها وحظ عليها في مصنفاته، ومناسكه طافحة بذكر استحباب زيارة قبر النبي – ﷺ وسائر القبور قال –رحمه الله تعالى- في بعض مناسكه، باب زيارة قبر النبي – ﷺ إذا أشرف على مدينة النبي – ﷺ قبل الحج أو بعده، فيقول ما تقدم فإذا دخل استحب له أن يغتسل نص عليه الإمام أحمد فإذا دخل المسجد بدأ برجله اليمنى، وقال: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك ثم يأتي الوضة بين القبر والمنبر فيستقبل جدار القبر ولا يمسه ولا يقبله ويجعل القنديل الذي في القبلة عند القبر على رأسه ليكون قائماً وجاء النبي – ﷺ ويقف متباعداً كما يقف لو ظهر في حياته بخضوع وسكون منكوس الرأس غاض الطرف مستحضراً بقبله جلالة موقفه ثم يقول السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته السلام عليك يا نبي الله وخيرته من خلقه، السلام عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبيين وقائد الغر المحجلين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله أشهد أنك قد بلغت رسالات ربك ونصحت لأمتك فجزاك الله أفضل ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وعبدت الله حتى أتاك اليقين فجزاك الله أفضل ما جزى نبياً ورسولاً عن أمته اللهم آته الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته يغبطه الأولون والآخرون اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك

стр. 259

على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم احشرنا في زمرته وتوفنا على سنته وأوردنا حوضه واسقنا بكأسه مشروباً روياً لا نظمأ بعده أبداً، ثم يأتي أبا بكر وعمر ﵄ فيقول: السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا عمر الفاروق، السلام عليكما يا حبي رسول الله – ﷺ وضجيعيه ورحمة الله وبركاته جزاكم الله تعالى على صحبة نبيكما وعن الإسلام خيراً سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار قال ويزور البقيع وقبور الشهداء إن أمكن" هذا كلام الشيخ بحروفه وكذلك سائر كتبه ذكر فيها استحباب زيارة قبر النبي – ﷺ وسائر القبور ولم ينكر زيارتها في موضع من المواضع. انتهى. فإذا تبين لك هذا عرفت أن مراد هؤلاء الزنادقة الملاحدة لما ينسبونه من التشنيع بأن شيخ الإسلام يحرم الزيارة وأنه ينهى عنها إنما يريدون بذلك تنفير الناس عن الدخول في دين الله وعن اتباع ما أمر الله ورسوله مما هو مناف ومضاد لما عليه غلاة المشركين مما يفعلونه ويقولونه عند حضرة النبي – ﷺ من الأفعال والأقوال الشركية والألفاظ المخترعة البدعية وما يقولونه عند حضرة النبي – ﷺ من الأفعال والأقوال الشركية والألفاظ المخترعة البدعية وما يقولونه ويفعلونه عند قبور الأولياء والصالحين من ذلك وكذلك ما ينسبونه عن الوهابية من الأكاذيب التي يشنعون بها وينفرون بها الناس عن الدخول في دين الله ورسوله ظلماً وعدواناً وهم يقولون في الزيارة ما يقوله شيخ الإسلام ابن تيمية مما تقدم بيانه وكما يقوله إمامهم الإمام أحمد وسائر علماء السلف ومن نسب عنهم خلاف ذلك فقد افترى عليهم وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 260

فصل: التوسل والاستشفاع قال الملحد: البحث الثالث في التوسل التوسل والاستشفاع والاستغفار كلها ألفاظ مختلفة معناها واحد عند العلماء، لكن لما كان يتطرق لفهم العوام من التوسل ما لا يتطرق الفهم من الاستغفار والاستشفاع فذكرته في بحث على حدة وبالله أستعين إذا نظرت بعين البصيرة رأيت أن التوسل بمعييه اللغوي والمصطلح ناموس جعله الله في الكون لصالح الإنسان في أمور حياته ومعاشه في الدنيا لا يستغني عنه إلا من عصمهم الله، والشرع ما أنكره كما أنكره هؤلاء الحمقاء مع تلبيسهم فيه وعدم استغنائهم عنه ولا حسبه شركاً كما حسبوه بل أباحه، لكن المنكر اعتقاد التأثير من غير الله وهو الشرك الخفي، ومع أنك ترى أكثر الناس واقعين في هذا الشرك الخفي سيما المعتقدون خلق الأفعال ومنهم من يعتقد يقيناً بأن الإنسان يتصرف ويضر وينفع كما يعتقد بتأثير الأمراض كالعدوى والأدوية وأمثالها لكنك لا تجد مؤمناً يعتقد بالرسول –﵊ هكذا اعتقاد بل غاية اعتقاده التوسل بجاهه مع التفويض لله تعالى وإن سمعت من عامي كلاماً يفهم منه اعتقاد التأثير فما هو إلا من عجزه عن التعبير الشرعي لكن قلبه غير زائغ وإن رأيته يقبل الأعتباب والأبواب لا يتطرق لقلب مسلم بل لا قصد له إلا التبرك بها، إلى آخر ما هذي به. والجواب أن يقال: قد بينا فيما تقدم معنى التوسل والاستشفاع وما يراد به في عرف عباد القبور واصطلاحهم وما هو المبتدع المحرم من ذلك فأغنى عن إعادته ها هنا وبيننا فيما تقدم أن التوسل والاستشفاع على معتقد عباد القبور وعرفهم

стр. 261

واصطلاحهم أنه هو الشرك الذي حرمه الله ورسوله وإن لم يعتقد من دعاء الأنبياء والأولياء والصالحين، واستغاث بهم في مهماته وقضاء حاجاجته وتفريج كرباته وشداته تأثير منهم فإن هذا معتقد جهال الكفار الذين قاتلهم رسول الله – ﷺ ليكون الدين كله لله واستحل بذلك دماءهم وأموالهم ودعوى أنها موهمة بشرك دعوى مجردة كما قد بيناه فيما مضى وبينا أن هذا هو من الشرك الخفي تلبيس وتمويه على من لا معرفة له بمدارك الأحكام ولا يفرق بين الكفر والإسلام. فالجواب أن نقول: إذا كان قصده بهذه الأفعال والأقوال الشركية التبرك فما الفرق بين هذا وبين قول من قال من الصحابة كما في حديث أبي واقد الليثي –﵁ قال: خرجنا مع رسول الله – ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسحلتهم يقال لها ذات أنواط فمررنا بسدرة فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله – ﷺ : "الله أكبر إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون لتركبن سنن من كان قبلكم" رواه الترمذي فقوله: وينوطون بها أسلحتهم أي يعلقونها عليها للبركة فأخبر النبي – ﷺ أن هذا الأمر الذي طلبوه منه وهو اتخاذ شجرة للعكوف عندها وتعليق الأسلحة بها تبركاً بها كالأمر الذي طلبه بنو إسرائيل من موسى –﵇ حيث قالوا: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، فمن طلب من غير الله شيئاً أو تعلق عليه لأجل البركة فقد اتخذه إلهاً مع الله بنص كتاب الله وسنة رسوله وإن تغيرت الألفاظ واختلفت فإن الأمور بحقائقها ولا تتغير

стр. 262

بتغير الأسماء. فإن قيل إن بني إسرائيل لم يكفروا بذلك وكذلك الذين قالوا للنبي – ﷺ اجعل لنا ذات أنواط لم يكفروا. فالجواب أن نقول: إن بني إسرائيل لم يفعلوا، وكذلك الذين سألوا النبي – ﷺ ، ولا خلاف أن بني إسرائيل لو فعلوا ذلك لكفروا وكذلك لا خلاف أن الذين نهاهم النبي – ﷺ لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا وهذا هو المطلوب وإذاتبين لك هذا فلا فرق بين هذا وهذا والله ولي التوفيق. وأما قوله: فانظر ما أقبح تناقض الوهابية وإخوانهم فمن جهة تراهم يعتقدون تأثير الأعراض ومن جهة يمنعون التوسل بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فالجواب أن نقول: هذا كذب على الوهابية فإنهم لا يعتقدون أن للأعراض تأثيراً بطباعها لقوله – ﷺ "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر" لأن هذا قد كان من أمور الجاهلية فنفاه – ﷺ ، وأما التوسل بالأنبياء على اصطلاح عباد القبور والأنبياء والصالحين فإنه هو الشرك الجلي الذي من فعله كان مشركاً متخذاً معه إله وإن سموه توسلاً وتشفعاً كما قد بينا ذلك مراراً فيما تقدم. وأما قوله: في توسله بالأبيات التي ذكرها من قبله فهي بكلام المجانين والطغام أشبه بها من كلام أهل المعرفة بالنظام فلا نتكلف الجواب عنها، ثم ذكر كلاماً هذا لا فائدة بالجواب عنه لأنه قد تقدم الجواب عنه فيما مضى.

стр. 263

وأما قوله فإذا علمت هذا وفهمت كيف دخولا بالتحريف والمغالطة على العوام فاعلم أن علماءنا ما قالوا بجواز التوسل بالأنبياء والأولياء وندبوا غليه من تلقاء أنفسهم وحاشاهم من ذلك وهم أمناء الدين وخلفاء الرسل بل أخذوه من كلام الله تعالى وكلام رسوله أمراً وفعلاً كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى وماذا عليهم إذا لم تفهم وعول نجد وجواميس مصر وبقر الشام مقاصدهم ومآخذ أقوالهم. فالجواب أن نقول: وإذا علمت أيها المنصف ما بيناه من معنى التشفع والتوسل وأنه هو المعني والمطبق على أقوالهم وأفعالهم تبين أن التحريف والمغالطة على العوام بهم أليق وبحالهم ألصق لا أهل التوحيد والإيمان بالله المخلصين له في عبادته التاركين لعبادة ما سواه ومن أجاز هذا من علمائهم فقد أجاز الشرك بالله وقال على الله وعلى كتابه ورسوله من تلقاء نفسه ما لم يأذن به الله ولا شرعه رسول الله ولا فعله الصحابة ولا التابعون والمجيزون لهذا الشرك ليسوا بأمناء الله على دينه ولا خلفاء الرسل لو لم يأخذوه من كلام الله تعالى وكلام رسوله أمراً وفعلاً كما سنبينه إن شاء الله تعالى وماذا علينا إذا لم تفهم حشرات الشام وخشاشه ومن نحا نحوهنم من القرود والخنازير والهمج والرعاع الذين يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق من الفهم إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً وكلامنا إنما هو مع المنصف الذي يخاف الله ويتقيه: إن الكلام مع الكبار وليس مع ... تلك الأراذل سفلة الحيوان أوساخ هذا الخلق بل أنتانه ... جيف الوجود وأخبث الأنتان

стр. 264

فصل ثم ذكر الملحد كلاماً قد تقدم الجواب عن مثله فيما سبق وذكر في هذا أن أقرب الخلق إلى الله وسيلة نبينا محمد – ﷺ ثم قال أما هو الذي الذي الله له ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّاَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ما هو الذي قال عنه النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم أما هو الذي قال الله عنه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤوفٌ رَحِيمٌ﴾ . فأقولك وهذا كله حق ندين الله به ولكن لا يوجب ذلك دعاه والاستشفاع به وطلب قضاء الحوائج منه بعد موته –﵊ لأن ذلك لم يرد به كتاب ولا سنة ولم يقل به أحد من الصحابة ولا التابعين ولا من بعدهم من الأئمة المهتدين. ثم قال الملحد: أما هو الذي أمرنا الله على لسانه بقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ فانظروا يا من خذلهم الله أي مقام أعظم من هذا المقام الذي علق الله تعالى محبته تعالى ومغفرته على اتباعه –﵊ ﴿أَفَتُؤمِنُونَ بِبَعَضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ فانظر ما جاء بحقكم في هذه الآية. والجواب أن نقول: قد كان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن المخذول الذي خذله الله وختم على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة هو الذي خالف أمر الله وعصى رسوله واتبع ما نهى عنه وتجنب ما أمر الله به ورسوله فهذا هو المخذول أما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهَاً آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ أما قال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ

стр. 265

اللهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذَنْ مِنَ الْظَّالِمِينَ﴾ أما قال ﴿وَأّنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدَاً , قُلْ إِنَّمَا أَدْعُوا رَبِي لَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدَاً , قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنْ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدَاً﴾ أما قال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدَاً﴾ أما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة –﵁ قال: قام رسول الله – ﷺ حين أنزل عليه ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأقْرَبِينَ﴾ قال: "يا معشر قريش -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئاً يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً يا صفية عمة رسول الله – ﷺ لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً" فإذا صرح وهو سيد المرسلين بأنه لا يغني شيئاً عن سيدة نساء العالمين وآمن الإنسان أنه لا يقول إلا الحق ثم نظر فيما وقع في وقع في قلوب خواص الناس تبين له التوحيد وغربة الدين أما الذي قال لما قال بعض أصحابه: قوموا بنا نستغيب برسول الله – ﷺ من هذا المنافق فقال – ﷺ : "إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله" إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث التي أمر الله باتباع نبيه فيها فخالف هؤلاء الملاحدة ما أمر الله به ورسوله وتبعوا ما نهى الله عنه ورسوله فإن من دعا غير الله والتجأ إليه واستغاث به فيما لا يقدر عليه إلا الله أو تشفع به في جلب منفعة أو دفع مضرة فقد أشرك بالله في عبادته غيره واتخذه إلهاً مع الله شاء المشرك أم أبى فانظر يا عدو الله من الذي آمن ببعض وكفر ببعض ومن الذي هو أحق بهذه الآية لو أن أهل الشرك يعلمون. ثم قال الملحد: أما هو الذي قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم جَاءَوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الْرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيمَاً﴾ .

стр. 266

وجوابه أن يقال هذه الآية نزلت في حق المنافقين وكان هذا في حياته ﵊، فأما بعد موته فلم ينقل أحد من العلماء أن من أذنب من الصحابة أو غيرهم كأن يأتي إلى قبر النبي فيطلب منه ويسأله أن يستغفر له وهو أعلم الناس به وأعظمهم قياماً بحقه وأشدهم تعظيماً له فكيف رغب الصحابة عن هذه الفضيلة ولم يعملوا بها وعلم بها من جاء بعدهم ممن لا يحاذيهم في العلم والفضيلة فعلموها وعملوا بها وحرمها أصحاب رسول الله – ﷺ سبحان الله ما أعظم شأنه كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون. ثم قال الملحد بعد ذلك أما هو الذي قال الله له ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَر بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجَاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمَاً﴾ . فأقول هذه الآية وكلام القسطلاني عليها لا ينكره إلا من أعمى الله بصيرة قلبه وهو الحق الذي ندين الله به فأي لوم علينا وأي عيب يتوجه إلينا إذا لم يكن منا من يجحد ذلك وينكره وحسبنا الله ونعم الوكيل. وأما قوله: فهذه البشرى أزفها لكم يا وهابيين لتكونوا على يقين أن إيمانكم بالله وبالقرآن لا يفيدكم شيئاً ما زلتم معادين رسوله ومتمردين عليه فأقول: ما أنت بالحكم الترضى حكومته ... ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل ولله در ابن القيم حيث يقول: ما وافق الحكم والمحل ولا هو اس ... توفى الشروط فصار ذا بطلان ﴿إِنِ الْحُكُمُ إِلَّا لِلهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ ، ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةَ رَبِّي إِذَاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكَانَ الإِنسَانُ قَتُورَاً﴾ .

стр. 267

فصل: أحاديث ضعيفة أوردها المعترض وبيان بطلانها قال الملحد: اعلم يا أخي أنه لما كانت الرسالة تبليغاً بالأمر والعمل فالرسول ﵊ كطما بلغ الأمة كل أمر شفاهي كذلك بلغهم بالعمل ليكون اقتداؤهم به وأخذهم عنه جامعاُ بين الأمر والعمل إلا ما كان من تخصصاته الذاتية فكان ينهاهم عما فيه مشقة عليهم إذا قلدوه فيه ويسكت عن ما لا مشقة فيه ومن ذلك ما نحن بصده وإليك بيان ما جاء عنه ﵊ في معنى التوسل وإليه استند علماؤنا به اقتدرا الأول في البخاري في باب تعاون المؤمنين عن محمد بن يوسف عن سفيان عن يزيد عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري قال وكان النبي – ﷺ جالساً إذ جاء يسأل أو طالب حاجة فأقبل علينا ﷺ بوجهه فقال "اشفعوا فلتؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء" انتهى. والجواب أن نقول: قد كان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن رسول الله ﷺ بلغ البلاغ المبين ونصح الأمة وأدى الأمانة وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربه فصلوات الله وسلامه عليه وجزاه عن أمته أفضل ما جزى نبياً ورسولاً عن أمته فأما ما ذكره هذا الملحد بقوله ومن ذلك ما نحن بصدده وإليك بيان ما جاء عنه –﵊ في معنى التوسل وإليه استند علماؤنا وبه اتقدوا فذكروا ما رواه البخاري في باب تعاون المؤمنين وهذا مما لا شك فيه ولا ارتياب أنه هو محض الحق والصواب ولا ينكر هذا إلا من أعمى الله بصيرة قلبه وران على قلبه سوء عمله وكسبه فإن هذا من الأسباب الظاهرة العادية أجرى الله على أيدي العباد نفع بعضهم بعضاً بها وهذا جائز لا نزاع فيه بين

стр. 268

العلماء لأنه من حي حاضر قادر وإنما النزاع في التوسل والاستشفاع بالموتى والغائبين وهذا لم يقل بجوازه أحد من الأئمة المهتدين ولا العلماء المحققين بل هذا مما ابتدعه الغلاة من المتأخرين الذين ليس لهم قدم صدق في العالمين وقياس الأموات بالأحياء قياس فاسد قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ الآية وقد تقدم بيان ذلك من كلام العلماء فيما مضى. وأما قوله الثاني وفي هذا الباب قال القسطلاني في قوله: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِِيب منها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ ان الله بين في هذه الآية جواز الشفاعة في جلب نفع أو دفع ضرر لم يكن فيه ابطال حق ولا منع حد شرعي ولا نفع ذاتي فإن كانت في خير كان له ثواب ذلك وإن كانت في شر كان عليه من وبالها انتهى. فالجواب أن نقول: هذا أيضاً من جنس ما قبله فإن هذا استشفاع بحي حاضر قادر على ما ينفع به المسلم أخاه مما هو قادر عليه وليس في كلام القسطلاني أن هذا استشفاع بالأموات والغائبين وما لا يقدر عليه إلا الله بل هذا من الأسباب العادية المقدور عليها وهذا مما لا نزاع في جوازه فالإستدلال به على جواز دعاء الأموات والغائبين مما لا يقدر عليه إلا الله من باب المغالطة والتمويه وهذا لا خفاء به. وأما قوله الثالث أخرج ابن ماجة والحافظ والبيهقي عن أبي سعيد الخدري والسيوطي في الجامع الكبير عنه أيضاً وابن السني عن بلال قال كان إذا خرج ﵊ إلى الصلاة قال بسم الله آمنت بالله وتوكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق مخرجي هذا إليك فإني لم أخرج لشراً ولا بطراً ولا رياء ولا سمعة خرجت اتقاء سخطك

стр. 269

وابتغاء مرضاتك أسألك أن تعيذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. والجواب أن يقال هذا الحديث رواه عطية العوفي وفيه ضعف، قال شيخ الإسلام "لكن بقدر ثبوته هو من هذا الباب فإن حق السائلين عليه سبحانه أن يجيبهم وحق المطيعين له أن يثبتهم، فالسؤال له والطاعة له سبب لحصول إجابته وإثابته فهو من التوسل به والتوجه والتسبب به ولو قدر أنه قسم لكان قسماً بما هو من صفاته فإن إجابته وإثابته من أفعاله وأقواله فصار هذا كقوله – ﷺ في الحديث الصحيح "أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك" والاستعاذة لا تصح بمخلوق كما نص عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة إلى آخر كلامه، فتبين من كلام الشيخ أن السؤال بحق السائلين هو إجابتهم وسؤاله بحق الطائعين إثابتهم فيكون السائل بهاتين الصفتين سائلاً بصفات الله فإن الإجابة والإثابة من أفعاله وأقواله ، وسؤاله بأسمائه وصفاته والتوسل بها ثابت بالكتاب والسنة قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ وفي الحديث عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله – ﷺ سمع رجلاً يقول: "اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد" فقال: "دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب" رواه الترمذي وأبو داود إلى غير ذلك من الأحاديث وكذلك التوسل بالأعمال الصالحة كما ثبت ذلك بالكتاب والسنة، كما روي عن ابن عمر عن النبي – ﷺ "بينما ثلاثة نفر يتماشون أخذهم المطر فمالوا إلى غار في الجبل فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فأطبقت عليهم فقال بعضهم لبعض انظروا

стр. 270

أعمالاً عملتموها صالحة فادعوا الله بها لعله يفرجها" الحديث متفق عليه، وهو في الصحيحين، فليس في حديث أبي سعيد الخدري ما يدل على ما ادعاه هذا الملحد من التوسل بذوات الأنبياء والأولياء والصالحين فضلاً عن دعائهم والاستغاثة بهم والالتجا إليهم وبهذا يتبين عدم معرفتهم بمعاني ما أنزل الله على رسوله ومعاني كلام رسوله وأن هذا المعترض وأشباهه أجانب من ذلك لا عهد لهم به ولا تمييز عندهم فالله المستعان. وأما قوله في هذا الحديث: ثلاثة أدلة لنا الأول توسله –﵊ بالمؤمنين المعبر عنهم بالسائلين وهو أفضل الخلق فكيف لا نتوسل بجاهه ونحن أفقر الخلق إلى جاهه وبهذا نص صريح بجواز التوسل بالأنبياء وما دونهم من كل مؤمن. الثاني، وهو أبلغ بالتجوز توسله –﵊ بشيء مجازي وهو المخرج بنصب المميم والراء والمخرج برفع الميم وكسر الراء. الثالث إيراد التوسل بصيغة القسم أي قوله بحق فهذا أبلغ وأعظم في التدلل على الله تعالى من صيغة الرجاء. فالجواب أن يقال: قد كان من المعلوم عند من له أدنى ممارسة بالعلوم أنه ليس لهذا المبطل متعلق في هذا الحديث بوجه من الوجوه ولا فيه ما يدل على مطلوبه فإنه – ﷺ لم يتوسل بالمؤمنين وإنما توسل بحق السائلين وحق السائلين هو الإجابة والإجابة صفة من صفات الله وكذلك حق المشاة والطائعين لله الإثابة والإثابة من صفاته تعالى فلا يكون متوسلاً بأحدِ من الخلق. وأما قوله: الثاني وهو أبلغ بالتجوز توسله –﵊ بشيء مجازي وهو المخرج بنصب الميم والراء أو المخرج برفع الميم وكسر الراء. فالجواب: أن المخرج والممشى بمعنى واحد وهو المخرج والممشى هو الإثابة

стр. 271

وهي من صفات الله وقد كان من المعلوم أن مخرجه إلى الصلاة وممشاه إليها حقيقي لا مجازي وهذا مما يدلك على غباوته وقله معرفته بالعلوم الشرعية والأحاديث النبوية واللغة العربية. وقوله: الثالث إيراد التوسل بصيغة القسم أي قوله بحق فهذا أبلغ وأبلغ في التدلل على اله تعالى من صيغة الرجاء. فأقول لو كان قسماً لكان قسماً بما هو من صفات الله فلا متعلق لهؤلاء المحرفين لكلام الله وكلام رسوله بشيء من هذا الحديث فيكون ما فهموه باطلاً مردوداً ونزيد ذلك إيضاحاً بما ذكره شمس الدين ابن قيم الجوزية في "بدائع الفوائد" قال –﵀ في أثناء كلام له ومنه قوله: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فهذا حق على نفسه فهو طلب وإيجاب على نفسه بلفظ الحق ولفظ على ومنه قول النبي – ﷺ في الحديث الصحيح لمعاذ "أتدري ما حق الله على عباده" قلت الله ورسوله أعلم قال "حقهم عليه أن لا يعذبهم بالنار" ومنه قوله – ﷺ في غير حديث من فعل كذا وكذا كان حقاً على الله أن يفعل به كذا وكذا في الوعد وفي الوعيد فهذا الحق الذي أحقه على نفسه ومنه الحديث الذي في السنن من حديث أبي سعيد عن النبي – ﷺ في قول الماشين إلى الصلاة "أسألك بحق ممشاي هذا وبحق السائلين عليك" فهذا حق السائلين عليه هو أحقه على نفسه لا أنهم هم أوجبوه ولا أحقوه بل أحق على نفسه أنه يجيب من سأله كما أحق على نفسه في حديث معاذ أن لا يعذب من عبده فحق السائلين عليه أن يجيبهم وحق العابدين أن يثيبهم والحقان هو الذي أحقهما وأوجبهما لا السائلون ولا العابدون:-

стр. 272

ما للعباد عليه حق واجب ... كلا ولا سعي لديه ضائع إن عذبوا فبعدله أو نعموا ... فبفضله وهو الكريم الواسع ومنه قوله تعالى: ﴿وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ فهذا الوعد هو الحق الذي أحقه الله على نفسه وأوجبه. انتهى. وأما قوله: الثالث إيراد التوسل بصيغة القسم أي قوله بحق فهذا أبلغ وأعظم في التدلل على الله من صيغة الرجاء. فالجواب أن يقال هذا الكلام لا ينبغي أن يقال في جناب النبي – ﷺ لأن التدلل على الله من الاعتداء قال ابن القيم –﵀ في "بدائع الفوائد" ومن العدوان أن يدعوه غير متضرع بل دعاء مدل كالمستغني بما عندة المدل على ربه وهذا من أعظم الاعتداء المنافي لدعاء الضارع الذليل الفقير المسكين من كل جهة في مجموع حالاته فما يسأل مسألة مسكين متضرع خائف فهو معتد ومن الاعتداء أن يعبده بما لا يشرعه ويثني عليه بما لا يثني به على نفسه ولا أذن فيه من الاعتداء ي دعاء الثناء والعبادة وهو نظير الاعتداء في دعاء المسألة والطلب وعلى هذا فتكون الآية دالة على شيئين أحدهما محبوب للرب تعالى مرضاة له وهو تضرعاً وخفية والثاني مكروه له مبغوضاً مسخط وهو الاعتداء فأمر بما يحبه وندب إليه وحذر مما يبغضه وزجر عنه بما هو أبلغ الزجر والتحذير وأنه لا يحب فاعله ومن لم يحبه الله فأي خير يناله. فصل قال الملحد الحديث الرابع أخرجه الطبراني وابن ماجه والحاكم وأبو نعيم والسيوطي في الجامع الكبير وكلهم عن أنس –﵁ وابن عبد البر عن

стр. 273

ابن عباس –﵄ حديث حضوره –﵊ دفن فاطمة بنت أسد والدة سيدنا علي بن أبي طالب –﵁ ونزوله في قبرها وقوله: "اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي" فهذا رسول الله – ﷺ يتوسل بنفسه والأنبياء كلهم وكانوا أمواتاً إلى آخر كلامه. والجواب أن يقال: في سنده روح بن صلاح المصري ضعه ابن عدي وتصحيح الحاكم له لا يجدي شيئاً فغنه جمع في مستدركه من الأحاديث الضعيفة والمنكرة والموضوعة جملة كثيرة وقد روي فيه لجماعة من المجروحين في كتابه يخالف هذا ويدل على وجوب التوسل بأسمائه وصفاته وإنابة الوجوه إليه فما أعمى عينك عنها هل شيء أعماها سوى الجهل والهوى! وقد تكلم في هذا الحديث غير واحد، وقال شيخ الإسلام قد بالغت في البحث والاستقصاء فما وجدت أحداً قال بجوازه إلا ابن عبد السلام في حق نبينا –عليه أفضل الصلاة والسلام- أترى هذا الحديث يخفى على علماء الامة لم يعلموا ما دل عليه ثم لو سلمنا صحته أو حسنه ففيه ما سيأتي في حديث الأعمى أن المراد بدعاء نبيك الله آخره وأي وسيلة بذوات الأنبياء لمن عصى أمرهم وخرج عما جاءوا به من التوحيد والشرع قال شيخ الإسلام فإذا قال الداعي أسألك بحق فلان وفلان لم يدع له وهو لم يسأله باتابعه لذلك الشخص او محبته او طاعته بل نفس ذاته وما جعله له ربه من الكرامة لم يكن قد سأله بسبب يوجب المطلوب. انتهى. وأما قولهك فهذا رسول الله – ﷺ توسل بنفسه والأنبياء كلهم وكانوا أمواتاً فيقال قد ذكر هذا الملحد فيما تقدم من كلامه أن رسول الله – ﷺ والأنبياء

стр. 274

كانوا أحياء حياة جسمانية وأنهم ليسوا بأموات وفي هذا يقول وكانوا أمواتاً فما أقبح هذا التناقض. فصل وقوله: "الخامس" خرج الترمذي والنسائي والبيهقي والطبراني عن عثمان بن حنيف –﵁ أن رجلاً ضريراً أتى النبي – ﷺ فقال ادع الله أن يعافني فقال له: "إن شئت دعوت الله وإن شئت صبرت وهو خير لك" قال الرجل: فادعه فأمره أن يتوضأ ويحسن وضوءه ويدعو الله بقوله: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في هذا لتقضى اللهم شفعه في فعاد الرجل وقد أبصر. انتهى. وأخرج هذا الحديث البخاري في تاريخه وابن ماجه والحاكم في المستدرك والسيوطي في الجامعين وشاع هذا الدعاء بين الصحابة حتى استعملوه فيما بينهم. والجواب ان يقال: هذا الحديث –أعني حديث الأعمى- غير محفوظ فيه مقال مشهور وفي سنده ابن جعفر عيسى بن ماهان الرازي التيمي قال الحافظ ابن حجر في "التقريب" الأكثرون على ضعفه، وقال أحمد: والثاني ليس بالقوي، قال أبو حاتم صدوق وقال ابن المديني ثقة كان يخلط، وقال مرة يكتب حديثه إلا أنه يخطئ وقال القلانسي سيئ الحفظ وقال ابن حبان ينفرد بالمناكير من المشاهير وقال أبو زرعة يهم كثيراً وقال الحافظ في "التقريب" أيضاً في ترجمة الرازي التميمي ابن جعفر الرازي التميمي مولاهم مشهور بكنيته واسمه عيسى بن أبي عيسى عبد الله بن ماهان وأصله من مرو وكان يتجر إلى الري صدوق سيء الحفظ خصوصاً عن مغيرة من كبار السابعة مات في حدود الستين

стр. 275

انتهى. وعلى قدر صحته وثبوته فلا يدل على ما توهمه هذا الملحد وبيان معنى الحديث يعلم أن هؤلاء الغلاة غير صحيح. فقوله: اللهم إني أسألك أي أطلب منك وأتوجه إليك بنبيك محمد صرح باسمه مع ورود النهي عن ذلك تواضعاً منه لكون التعليم من قبله وفي ذلك قصر السؤال الذي هو أصل الدعاء على الله تعالى الملك المتعال، ولكنه توسل بالنبي – ﷺ بدعاه ولذا قال في آخره "اللهم شفعه في" إذ شفاعته لا تكون إلا بالدعاء لربه قطعاً ولو كان المراد التوسل بذاته فقط لم يكن لذلك التعقيب معنى إذ التوسل بقوله نبيك كاف في إفادة هذا المعنى، وقوله: يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي قال الطيبي: الباء في بك للاستعانة وقوله: "إني توجهت بك" بعد قوله: "أتوجه إليك" فيه معنى قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ فيكون خطاباً لحاضر معاين في قلبه مرتبطاً بما توجه به عند ربه من سؤال نبيه بدعائه الذي هو عين شفاعته ولذلك أتى بالصيغة الماضوية بعد الصيغة المضارعية المفيدة كل ذلك أن هذا الداعي قد توسل بشفاعة نبيه في دعائه فكأنه استحضره وقت ندائه، وقال شيخ الإسلام في "اقتضاء الصراط المستقيم": الميت لا يطلب منه شيء لا دعاء ولا غيره وكذلك حديث الأعمى فإنه طلب من النبي – ﷺ أن يدعو له أن يرد عليه بصره فعلمه النبي – ﷺ شفع فيه وأمره أن يسأل الله قبول شفاعته وأن قوله: "أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة" أي بدعائه وشفاعته كما قال عمرك كنا نتوسل إليك بنبينا فلفظ التوسل والتوجه في الحديثين بمعنى واحد، ثم قال يا محمد يا رسول الله إني أتوجه إليك إلى ربي في حاجتي ليقضيها اللهم فشفعه في طلب من

стр. 276

من الله أن يشفع فيه وقوله يا محمد يا نبي الله هذا وامثاله نداء يطلب به استحضار المنادي في القلب فيخاطب المشهود في القلب كما يقول المصلي "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" والإنسان يفعل مثل هذا كثير يخاطب من يتصوره في نفسه وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب فلفظ التوسل بالشخص والتوجه به والسؤال به فيه إجمال واشتراك غلط بسببه من لم يفهم مقصود الصحابة يراد به التسبب لكونه داعياً وشافعاً مثلاً أو يكون الداعي محباً له ومطيعاً لأمره مقتدياً به فيكون التسبب أو بمحبة السائل له واتباعه له وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته ويراد به الإقسام به والتوسل بذاته فلا يكون التوسل لا بشيء منه ولا بشيء من السائل بل بذاته أو بمجرد الغقسام به على الله فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهوا عنه وكذلك لفظ السؤال بالشيء قد يراد به المعنى الأول وهو التسبب لكونه سبباً في حصول المطلوب وقد يراد به الإقسام إلى آخر ما قال –﵀ إذا عرفت هذا فليس في حديث الأعمى ما يدل على التوسل به ودعائه والالتجاء إليه بعد وفاته وإنما فيه أنه توسل بدعائه كما كان الصحابة يتوسلون بذلك ويسألونه الاستغفار والدعاء، وأما دعوى هذا الملحد أنه شاع هذا الدعاء بين الصحابة حتى استعملوه فيما بينهم. فالجواب: أن هذا مما يعلم بالضرورة أنه الكذاب على جميع الصحابة –﵃ ولو كان هذا الاستعمال صحيحاً لتوفرت الهمم والدواعي على نقله ولما عدل الفاروق إلى التوسل بدعاء العباس ومعاوية بيزيد بن الأسود الجرشي ولكان يمكنهم لو كان هذا الحديث صحيحاً معروفاً عندهم أن يتوسلوا بالنبي – ﷺ ولا يطلبون من العباس أن يدعو لهم، ومما يوضح لك الأمر أن هذا الحديث غير صحيح أن رواته مختلفون في متنه وسنده مع أنه لم يذكر في

стр. 277

شيء من الكتب المعتمدة وغنما ذكره مثل البيهقي والطبراني والترمذي وأبو نعيم وهؤلاء يذكره مثل هذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة على وجه التنبيه وقد رأى علماء الإسلام الجهابذة النقاد ظلمات الوضع لائحة عليه فأعرضوا عنه ولم يلتفتوا إليه والله أعلم ثم لو كان الحديث ثابتاً صحيحاً عن عثمان بن حنيف لكان قول صحابي خالفه غيره من الصحابة وإذا خالفه غيره لم يكن قوله حجة على من خالفه فدعوى استعمال الصحابة له من الكذب عليهم والله أعلم. فصل قال الملحد: السادس روى البيهقي وابن أبي شيبة أن الناس أصابهم قحط في خلافة عمر –﵁ فجاء بلال إلى قبر النبي – ﷺ فقال يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم هلكوا فسقاهم الله في الحال. والجواب أن نقول قد كفانا مؤنة إيضاح عدم الاعتبار بالمنامات وأنه لا يثبت بها حكم شرعي لكن نقول هذا الحديث فيه مقال مشهورن قال الحافظ في "الفتح" وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الداري وكان خازن عمر –﵁ قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر –﵁ فجاء إلى قبر النبي – ﷺ في المنام فقيل له ائت عمر الحديثن وقد روى سيف في "الفتوح" ان الذي رأى في المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة فعلم إنما روي بإسناد صحيح ليس فيه أن الجائي أحد الصحابة وما فيه أن الجائي أحد الصحابة ضعيف غاية الضعفز قال الذهبي في "الميزان" سيف بن عمر الضبعي الأسدي ويقال التميمي البرحمي ويقال السعدي الكوفي مصنف الفتوح والردة وغير ذلك كالواقدي يروي عن هشام بن عرفة

стр. 278

وعبد الله بن عمرو جابر الجعفي وخلق كثير ممن المجهولين كان إخبارياً عارفاً روى عنه عبادة بن المفلس وأبو معمر القطيعي والنظر بن حماد العتكي وجماعة قال عباس عن يحيى ضعيف وروى مطين عن يحيى فليس خير منه قال أبو داود ليس بشيء وقال أبو حاتم متروكن وقال ابن حبان اتهم بالزندقة وقال ابن عدي عامة حديثه منكر، وقال السيروتي سمعت ابن نمير يقول: سيف الضبعي تميمي كان جميع ما يقول حدثني رجل من بني تميم كان سيف يضع الحديث وقد اتهم بالزندقة. انتهى ملخلصاً. قال الحافظ في "التقريب" سيف بن عمر التميمي صاحب الردة ويقال له الصبي ويقال غير ذلك الكوفي ضعيف في الحديث عمدة في الأخبار أفحش ابن حبان القول فيه. انتهى. وقال الذهبي في "الكاشف" قال ابن معين وغيره ضعيف وقال في الخلاصة سيف بن تميم الأسدي الكوفي صاحب الردة عن جابر الجعفي وأبي الزبير وعن محمد بن عيسى الطباع وابو معمر الهذلي ضعفوه. انتهى. فهذا ما قيل في حديث بلال بن الحارث الذي رواه البيهقي وابن أبي شيبة وإن كان غير حديث بلال فغاية ما فيه أنه رأى رسول الله – ﷺ في المنام وهو يأمره أن يأتي عمر فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس وهذا ليس من هذا الباب الذي نحن بصدد الكلام فيه فإن هذا قد يقع كثيراً لمن هو دون النبي – ﷺ قال شيخ الإسلام وأيضاً ما يروى أن رجلاً جاء إلى قبر النبي – ﷺ فشكى إليه الجدب عام الرمادة فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس فإن هذا ليس من هذا الباب ومثل هذا يقع كثيراً لمن هو دون النبي – ﷺ وأعرف من هذا وقائع وكذلك سؤال بعضهم للنبي – ﷺ أو لغيره من أمته حاجة فتقضى له فإن هذا قد وقع كثيراً وليس مما نحن فيه وعليك أن تعلم أن إجابة النبي – ﷺ أو غيره

стр. 279

لهؤلاء السائلين ليس هو مما يدل على استحباب السؤال فإنه هو القائل – ﷺ : "إن أحدهم ليسألني المسألة فاعطيه إياها فيخرج يتأبطها ناراً" فقالوا يا رسول الله فلم تعطهم قال: "يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل" وأكثر هؤلاء السائلين الملحين لما هم يه من ضيق الحال لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم كما أن السائلين في الحياة كانوا كذلك وفيهم من أجيب وأمر بالخروج من المدينة فهذا القدر إذا وقع يكون كرامة لصاحب القبر أما أنه يدل على حسن حال السائل فلا وفرق بين هذا وهذا. انتهى. فتبين من كلام العلماء أن الجائي إلى قبر النبي – ﷺ ليس هو بلال بن الحارث كما زعمه المعترض لأنه اعتمد على أن هذا فعل صحابي وحاشا لله من ذلك فإنهم كانوا أعلم بالله وبدينه ورسوله وهم أبعد الناس عن سلوك ما يتوهمه الغلاة فبطلت الشبهة الشامية ولله الحمد والمنة. فصل قال الملحد: السابع روى البخاري في الاستسقاء عن أنس –﵁ أن الناس أصابهم قحط في خلافة عمر –﵁ وهو عام الرمادة وأخذ عمر بيد العباس –﵄ والناس خلفهما فوقف توسل إلى الله تعالى بحرمة عم نبيه –﵊ فما قفلوا حتى سقاهم الله. قال القسطلاني في شرح هذا الحديث أن عمر –﵁ قال: "يا أيها الناس إن رسول الله كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد فاقتدوا به في عمه واتخذوه وسيلة إلى الله تعالى. والجواب أن نقولك قد ثبت في صحيح البخاري عن أنس أن عمر استسقى

стр. 280

بالعباس بن عبد المطلب وقال اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فيسقون، قال شيخ الإسلام فاستسقوا الله كما كانوا يستسقون بالنبي – ﷺ وهو أنهم يتوسلون بدعائه وشفاعته فيدعو لهم ويدعون معه كالإمام والمأمومين من غير أن يكون يقسمون الله على بمخلوق ولما مات – ﷺ توسلوا بدعاء العباس واستسقوا به، ولهذا قال الفقهاء يستحب الاستسقاء بأهل الخير والدين والأفضل أن يكونوا من أهل النبي – ﷺ قد استسقى معاوية بيزيد بن الأسود الجرشي وقال: اللهم إنا نستسقي بيزيد بن الأسود يا يزيد ارفع يديكن فرفع يديه ودعا الناس حتى مطروا وذهب الناس ولم يذهب أحد من الصحابة إلى قبر نبي ولا غيره يستسقي عنده ولا به. انتهى. فهذا هو التوسل المشروع وهذا هو المنقول عن الصحابة لا كما يلفقه هؤلاء الغلاة من الأحاديث الموضوعة أو المعلولة التي لا تثبت بها الأحكام الشرعية وما ذكره عن القسطلاني في "المواهب اللدنية" فلا شك أنه من الموضوعات لأنه لم يذكر بسند يعتمد على مثله وفي "المواهب اللدنية" من الموضوعات والأحاديث المعلولة المردودة ما لا يحصى فلا يعتمد على مثل هذا النقل والله أعلم. فصل قال الملحد: الثامن حديث استغاثة آدم بالرسول –عليهما الصلاة والسلام- وهذا الحديث من نوع المتواتر عند جمهور المفسرين والمحدثين بطرق عديدة عن عمر –﵁ والحجة البالغة في هذا الحديث هي أن الرسول –﵊ في عالم الغيب فهذا أبلغ في الحجة مما بعد وفاته.

стр. 281

والجواب أن يقال: هذا الحديث ضعيف بل موضوع فلا يعتمد عليه ولا يعول عليه قال الذهبي في "الميزان" روى عبد الله بن مسلم أبو الحارث الفهري عن إسماعيل بن مسلمة بن قعنب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم خبراً باطلاً فيه: "يا آدم لولا محمد ما خلقتك" رواه البيهقي في "دلائل النبوة" قال في مجمع الزوائد رواه الطبراني في "الأوسط" و "الصغير" ويه من لا أعرفهم. انتهى وذكر الحافظ ابن عبد الهادي عن الإمام مالك –﵁ أنه قال: اهذب إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يحدثك عن أبيه عن نوحن وقال الربيع بن سليمان سمعت الشافعي يقول سأل رجل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم حدثك ابوك عن أبيه عن جده أن سفينة نوح طافت بالبيت وصلت ركعتين قال: نعم وقال ابن خزيمة عبد الرحمن بن زيد ليس ممن يحتج أهل العلم بحديثه، وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني حدث عن أبيه لا شيء وقال أيضاً في "الصارم المنكي" وإني لأتعجب منه كيف قلد الحاكم فيما صححه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم الذي رواه في التوسل وفيه قول الله لآدم: "لولا محمد ما خلقتك" مع أنه حديث غير صحيح ولا ثابت بل هو حديث ضعيف الإسناد جداً وقد حكم عليه بعض الأئمة بالوضع وليس إسناده من الحاكم إلى عبد الرحمن بن زيد صحيحاً بل هو مفتعل على عبد الرحمن كما سنبينه ولو كان صحيحاً إلى عبد الرحمن لكان ضعيفاً غير محتج به لأن عبد الرحمن في طريقه وقد أخطأ الحاكم في تصحيحه وتناقض تناقضاً فاحشاً كما عرف له ذلك في غير موضع فإنه قال في كتاب "الضعفاء" بعد أن ذكر عبد الرحمن منهم وقال ما حكيت عنه فيما تقدم أنه روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا تخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه في آخر الكتاب فهؤلاء الذين قدمت ذكرهم قد ظهر عندي جرحهم

стр. 282

لأن الجرح لا يثبت إلا ببينة فهم الذين أبين جرحهم لمن طالبني به فأن الجرح لا أستحله تقليداً والذي اختاره لصاحب هذا الشأن أن لا يكتب حديثاً واحداً من هؤلاء الذين سميتهم فإن الراوي لحديثهم داخل في قوله – ﷺ "من حدث بحديث عني وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" هذا كله كلام الحاكم أبي عبد الله صاحب "المستدرك" وهو متضمن أن عبد الرحمن بن زيد قد ظهر له جرحه بالدليل وأن الراوي لحديثه داخل في قوله – ﷺ "من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" انتهى. فتبين من كلام العلماء حملة السنة وأهل الجرح والتعديل الذين حفظ الله بهم الدين عن تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الزائغين أن هذا الحديث موضوع مكذوب لا يعتمد عليه وأقل أحواله أن يكون ضعيفاً ولا نقول على رسول الله – ﷺ حديث لا نجزم بصحته وثبوته وإن كان قد صححه الحاكم فالجرح مقدم على التعديل مع أنه قال في عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ما قال فنأخذ بقوله مع أقوال أئمة هذا الشأن ولا نأخذ بغلطه وخطئه فإذا عرفت هذا وتحققته فالصحيح المأثور عن أئمة التفسير على قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ أن هذه الكلمات هي المفسرة بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ وهذا مروي عن سعيد بن جبير ومجاهد وأبي العالية والربيع بن أنس والحسن وقتادة ومحمد بن كعب القرظي وخالد بن معدان وعطاء الخراساني وعبد الرحمن بن زيد وعن ابن عباس قال علم شأن الحج وعن عبد الله بن عمر أنه قال: قال يا رب خطيئتي التي أخطأت شيء كتبته علي قبل أن تخلقني أو شيء ابتدعته من قبل نفسي؟ قال: بل كتبته عليك قبل أن أخلقك، قال فكما كتبته عليّ فاغفر لين قال فذلك قوله ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ وعن ابن عباس

стр. 283

قال آدم –﵇ ألم تخلقني بيدك؟ قيل له بلى ونفخت في من روحك قيل بلى وعطست فقلت رحمك الله وسبقت رحمتك وكتبت علي أن أعمل هذا؟ قيل له بلى قال أفرأيت أن تبت هل أنت راجعي إلى الجنة؟ قال نعم، وكذا رواه العوفي وسعيد بن مبعد ورواه الحاكم في مستدركه إلى ابن عباس وروى ابن أبي حاتم حديثاً مرفوعاً شبيهاً بهذا وعن مجاهد قال الكلمات "اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الراحمين، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك إني ظلمت نفسي فتب عليّ أنت التواب الرحيم، هذا ما عليه المفسرون لا ما قاله هذا الأحمق فإن كان بعض من لا بصيرة له قد ذكره فالحجة فيما ثبت عن الصحابة وعن سلف الأمة وأئمتها ولا يجوز تفسير القرآن بأقوال شاذة أو موضوعة لا تثبت عند أهل العلم والحديث وأئمة التصحيح والتجريح. انتهى. وقد روي في بعض طرقه هذا الحديث الموضوع أنه لما خرج آدم من الجنة رأى مكتوباً على ساق العرش وعلى كل موضع في الجنة محمد – ﷺ مقروناً باسمه تعالى فقال يا رب هذا محمد هو قول الله ولدك الذي لولاه ما خلقتك فقال يا رب بحرمة هذا الولد ارحم هذا الوالد فنودي يا آدم لو تشفعت إلينا بمحمد في أهل السماوات والأرض لشفعناك ذكر هذا في "المواهب اللدنية" وجوابه أن يقال هذا من غلط ما قبله من الموضوعات المكذوبات التي لا أصل لها في الكتاب والسنة ولا رواها أحد ممن يعتمد عليه من الأئمة فلا يلتفت إليه ولا يعول عليه في الحكم والله أعلم.

стр. 284

فصل قال الملحد: التاسع ما رواه البخاري وجمهور أهل الحديث في حديث الشفاعة أن الخلق بينما هم في هول القيامة استغاثوا بآدم ثم بنوح ثم بإبراهيم ثم بموسى ثم بعيسى كلهم يعتذرون فيقول عيسى اذهبوا إلى محمد فيأتون إليه فيقول "أنا لها" الحديث وقد سلم ابن تيمية بهذا الحديث وما كابر بإنكاره. والجواب أن نقولك قال بعض المحققين من أهل العلم في جوابه: إن استغاثة الناس بالنبي – ﷺ قبله بآدم ثم بنوح إلى آخر حديث الشفاعة فهذه شفاعة بالدعاء والاستغاثة بما يقدر عليه المستغاث مستحسنة عقلاً وشرعاً ومن ذلك الوقفة يستغيث بعضهم بعضاً أي في مهماتهم التي يقدرون عليها وكذلك ما طلب الناس وهي الشفاعة التي هي الدعاء ولذلك يقول سيد الشفعاء – ﷺ في آخر الحديث "فأجئ فأسجد وأنه يلهمه الله من الثناءؤ والدعاء شيئاً لم يفتحه لغيره –صلى الله –عليه وسلم- فعند ذلك يأذن الله في الشفاعة ويقول له كما ورد في الحديث: يا محمد "ارفع رأسك وقل يسمع واشفع تشفع" وهذا ظاهر جداً. فصل قال الملحد: العاشر روى الطبراني عن زيد بن عقبة أن النبي – ﷺ قال: "إذا ضل أحدكم شيئاً أو أراد عوناً وهو بأرض ليس بها أنيس فليقل يا عباد الله أعينوني فإن لله عباداً لا يراهم". انتهى. والجواب أن نقول: قد روي من طرق أخرى منها ما رواه ابن مسعود عن النبي – ﷺ أنه قال: "إذا انفلتت دابة أحدكم في أرض فلاة فليناد يا عباد الله

стр. 285

احبسوها" وفي رواية "إذا أعيت فليناد يا عباد الله أعينوا" وفي رواية "فإن الله حاضر سيحبسها" وكل أسانيد هذه الروايات لا تخلو من مقال وعلى تقدير صحتها فليس فيه إلا نداء الأحياء والطلب منهم ما يقدر هؤلاء الأحياء عليه وذلك مما لا يجحد أحده، وأين هذا من الاستغاثة بأصحاب القبور من الأولياء والصالحين؟ وكون المراد بعباد الله رجال الغيب كما زعم بعض المتصوفة فهو مردود بل هو من الخرافات ومثله زعم وجود الأوتاد والأقطاب والأربعين وما أشبه ذلك، فإن قيل إن عباد الله المذكورين غائبون وأنتم تمنعون من دعاء الأموات والغائبين. فالجواب أن نقول: هؤلاء ليسوا بغائبين وعدم رؤيتهم لا يستلزم غيبتهم فإنا لا نرى الحفظ ومع ذلك فهم حاضرون ولا نرى الجن ومع ذلك فهم حاضرون وكذلك الشياطين والهواء ونحو ذلك فإن علة الرؤية ليس هو الوجود فقط وأيضاً فإن الأسباب الظاهرة العادية ولا خلاف بين أهل العلم في جوازها فلا حجة لهم في هذا الحديث ولا متعلق لهم فيه بوجه من الوجوه والله أعلم. وهذه الاحاديث التي ذكرها هذا الملحد التي وعد بها في فصل لزيارة أنه يدحض بها حجة شيخ الإسلام ويرد بها ضلالة على زعمه وهي كما ترى سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاء لم يجده شيئاً وهذه حال حجة كل مشبه لا يعتمد فيها على كتاب الله وعلى ما صح من سنة رسول الله – ﷺ وإنما يعتمدون على مثل هذه الأحاديث الموضوعة والأكاذيب المصنوعة وعلى ما يتناولونه من الأقوال التي تأولها بعض المحرفين لمعاني كلام الله ورسوله وذلك لا يجديهم شيئاً عند التحقيق إذ لا قوام له على منهج الطريق التي سلكها المحققون من أهل الكمال والعلم والتدقيق.
следующие страницы →