← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11356

كلمات في مناسبات

عبد الله الرحيلي

Полный текст (216 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فللنفس الإنسانية خواطرها وخطراتها الطيبة، وخواطرها وخطراتها السيئة، لا محالة-حاشا الرسل والأنبياء، عليهم الصلاة والسلام-. لكن مهمة الإنسان أن يحافظ على الخواطر الخيرة، ويستكثر منها، ويحقهها في حياته ما استطاع، وأن يطرد الخواطر السيئة ويستغفر منها، وأن لا يتبعها؛ فيضل ويضل، ويهلك ويهلك. وهذه الأوراق تتضمن كلمات قلتها في بعض المناسبات والظروف، وكان لها طابع معين؛ إذ قد تكون مناسبة لذلك الظرف، أو فيها شيء من الحكمة، أو الظرف؛ وقد رأيت أن أنقلها للقاريء الكريم؛ لما أعلمه من أنس غالب النفوس بمثل هذا النوع من الكلام، ولا سيما مع تنوع الكلام، وتعدد أغراضه؛ مما سيكون له الأثر في قبول الفائدة والنكتة الباعثة على السرور والمرح. ولست مع أسلوب الوقار المتكلف في الحياة، ولا المرح المتفلت من قيود الفضيلة، ولكن خير الأمور أوسطها. والجد قد يحتاج إلى شيء من الهزل، ولا خير في هزل لا جد فيه؛ ولهذا جاءت هذه الكلمات ما بين جد في جد، أو جد في هزل.

стр. 2

وكان من ضمن الموضوعات، موضوع: "شذرات"، وهي كلمات توجيهية قصيرة، جاءت كل منها بمناسبة فخرجت بسببها، تحمل طابع الجد، أو طابع الجد في هزل، وكانت مجموعة في موضع واحد؛ ثم رأيت أن أفرقها في الكتاب، لتصبح تذييلا مفرقا على الموضوعات في مربع مستقل. واخترت طباعة الكلمات المتجانسة أو المتضادة-أحيانا-أو المسجوعة بحرف بارز، بناء على اقتراح بعض الإخوة الفضلاء. وجاءت الكلمات في مختلف الموضوعات، بحسب الأحوال والظروف. وعدد قليل منها كان مقالات كتبت في مناسبة ما. وهذه الكلمات قد أخذت في رصدها منذ فترة طويلة، تقارب العشر سنوات. وكان مما عنيت به عند الحديث مع الناس أن تكون الكلمات موافقة لقواعد اللغة العربية، بل كان الحرص على أن تكون بليغة؛ لقناعتي بأن هذا هو الذي يؤثر في النفس البشرية تأثيرا حسنا، ولقد رأيت كيف يستقبل الإنسان الكلمة التي تخرج هذا المخرج، حتى إنني كنت مرة أقرأ بعض هذه الكلمات على بعض الإخوة؛ فعلق قائلا: هذا كلام سلس وكلام بليغ، وكلام أدبي. قلت له-جدا في هزل-: وهذا دأبي!. وأنا أعلم أن العصمة ليست لأحد بعد الرسل والأنبياء؛ فلا بد أن يكون الخطأ في شيء من كلامي، فلست أدعي العصمة من أوهامي، لكنني اجتهدت في التصويب وقصد الصواب، وما بقي من بعد ذلك فلن يخفى على أولي الألباب.

стр. 3

والله يعلم أنني أردت نشر هذا رغبة في النفع، والتجديد في الوصول إلى أعماق النفوس، بشيء من المرح والترويح والدروس. وهذا فيه شيء من التأسي بالهدي النبوي؛ واقرأ -إن شئت-هذا الحوار: عن حنظلة الأسيدي ﵁ -وكان من كتاب رسول الله ﷺ قال: - لقيني أبو بكر؛ فقال: كيف أنت يا حنظلة؟. - قال: قلت: نافق حنظلة. - قال: سبحان الله! ما تقول؟!. - قال: قلت: نكون عند رسول الله ﷺ ، يذكرنا بالنار والجنة؛ حتى كأنا رأي عين؛ فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا"١" الأزواج والأولاد والضيعات"٢"؛ فنسينا كثيرا. - قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ . - قلت: نافق حنظلة يا رسول الله!. - فقال رسول الله ﷺ : "وما ذاك؟ ". - قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين؛ فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا. - فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، إن لو تدومون على ما تكونون

стр. 4

عندي، وفي الذكر؛ لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم؛ ولكن يا حنظلة: ساعة وساعة". ثلاث مرات""١". فالنبي ﷺ وضح الأمر لمن شكا إليه من الأصحاب تغير النفس عن حال الخوف والجد التي تكون عليها حينما يكونون عند النبي ﷺ ؛ بأن قال له: "ساعة وساعة"، لكن من المؤكد أنه يجب أن لا يكون ثمت تناقض بين هذه الساعة وتلك؛ لأن كلا من ساعة الترويح عن النفس وساعة الجد يجب أن تكونا محكومتين بميزان الشرع ومقاصده، والله يوفق كل من كان الله غايته وأساس مقاصده. فلا بأس بالهزل أو المزاح، بضوابطه الشرعية، بل من ينظر في نصوص الشريعة ومقاصدها يدرك أنه واجب-بهذا القيد-. و"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امريء ما نوى ... ". سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين. وكتبه: عبد الله بن ضيف الله الرحيلي طيبة الطيبة ٧/١٢/١٤١٩هـ

стр. 5

أنا والكلمة وأنت ! أنا والكلمة وأنت! أما أنا فلعلك تعرفني. وأما أنت فأخي، أو أخي في الله، أو صديقي، أو لعلك ابني"١". يسرك ما يسرني، ويحزنك ما يحزنني. وأما كلمتي فجزء مني. خرجت من قلبي. أحرقت بعضي. ورضيت بهذا؛ لأنك عزيز علي. كلمتي قبل أن أقولها نار في صدري!. إنها تحرقني!. إنها تؤرقني!. إنها تتعبني!. حتى أقولها لك صادقا. إنها نصحي ونصيحتي لك أيها العزيز. إنها كلمة دفعت ثمنها راضيا!. أتدري ما ثمنها؟. إنه موت بعضي!.

стр. 6

موت بعض وقتي!. موت بعض خلايا جسمي!. لكن رضيت واخترت أن أقولها لك. قلتها لك ولسان حالي يقول: لا بأس أن يموت بعضي ليحيا بعضي!. فأما بعضي الذي يموت فهو وقتي وخلايا جسمي!. وأما بعضي الذي يحيا فهو أنت"١" إن أنت قبلت كلمتي. وإن لم تقبل، فإنني ألتمس من ورائها أجرا، ولست آسفا؛ لأن الموت لابد منه؛ فليكن في طريق واضح. فهل تقبل أيها العزيز؛ فتعوضني عن موت بعضي بحياة بعضي أم تزيدني موتا بموت؟!. وقيمة الكلمة في صدقها. وقيمة الكلمة في الإخلاص من ورائها. وكم كلمة أحيت، وكم كلمة أماتت!. وكم كلمة هدت، وكم كلمة أضلت!. ورب كلمة تبلغ ما تبلغ من رضوان الله، ورب كلمة تبلغ ما تبلغ من سخط الله؛ وقد جاء في الحديث: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالا، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من

стр. 7

سخط الله، لا يلقي لها بالا، يهوي بها في جهنم" "١". فتعال معي -أيها القاريء العزيز-نتوخى كلمة صادقة، وكلمة مخلصة، أو كلمة مروحة عن النفس من غير إثم، بإذن الله تعالى. والله هو الهادي إلى سواء السبيل. من لم تحكمه الفضائل حكمته الرذائل!.

стр. 8

اختيار موضع الكلمة كتب لي مرة أحد طلابي في بحثه-في معرض حديثه عن بديع صنع الله- فقال: "فتعالى الله أحسن الخالقين"، فقلت له: إن كلمة "تعالى" هنا في غير موضعها، ولكن الأنسب في هذا الموضع كلمة أخرى، وانظر إلى قوله تعالى في المعنى ذاته: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ "١" فكم هو الفرق بين كلمة: "فتعالى"، وكلمة: "فتبارك" في هذا الموضع!!. إن للكلمات الحق أماكن أنسب لها في سياق الكلام، فعلى المتكلم، والباحث، والمعلم، والداعية، أن يراعيها عندما يتكلم أو يكتب!. وكم يضيع معنى الكلمة الحق الرائعة، ويضيع بهاؤها وخواصها عندما يضعها المتكلم والباحث في غير موضعها الأنسب لها، أدبا وفقها

стр. 9

ولغة وأسلوبا!!. وكم هو جميل لو تعلم الإنسان من أسلوب القرآن والسنة، وتأدب بأدبهما واقتبس من سمو أسلوبهما، وسمو معانيهما!. ما أشد دلالة اللسان على عقل الإنسان!!.

стр. 10

كلمات قلتها بمناسبة أسبوع المرور طلب إلي كلمات إرشادية بمناسبة أسبوع المرور في المدينة المنورة؛ فكتبت الكلمات التالية: - احرص على السلام على من عرفت ومن لم تعرف، فإن هذا من حق الطريق. - تذكر دائما بأن الطريق ليس لك وحدك، وإنما هو للجميع؛ فأعط الناس حق الطريق. - إذا كان من حقك أن لا يؤذيك الآخرون، فإن من حق الآخرين أن لا تؤذيهم. - الحرص على السلامة، واتباع قواعدها، مطلب العقلاء فكن منهم. - لا تكن سببا في إيذاء الناس لك، بسوء استخدامك للطريق. - إذا كنت لست حريصا على السلامة، فإن الناس حريصون على سلامتهم، فاحترم مشاعرهم. - تذكر أن من الأخطاء ما لا يصلحه بقية العمر كله، هذا إن أبقى الخطأ في العمر بقية!. - من لم يحترم الناس لم يحترموه.

стр. 11

- الصدق والأمانة من أهم قواعد السلامة في الدنيا والآخرة! - تأن، فرب خطأ لم ينفع منه اعتذار، ولم يصلح ما أفسده استغفار!! - أنت في طيبة الطيبة، فليكن سيرك طيبا وسيرتك طيبة! - تكاليف الخطأ قد تكون أعظم من تكلفة الصبر على التزام الصواب! - للسلامة طريق، وللهلاك طريق، فاختر ما تريد! - تذكر أنك في طيبة الطيبة، فلا تؤذ الناس بسيارتك ولا بسيرتك! - وصولك متأخرا سالما، خير من وصولك مبكرا ميتا أو مشلولا!! - كم من مستعجل استعجل لحتفه!. - خروجك متأخرا عن موعدك، خطأ لا يصلحه التهور بسيارتك!!. - قيادة السيارة وسيلة وليست هدفا لذاته إلا عند ضعيف العقل! - قيادة السيارة ليست هدفا في ذاتها وإنما هي وسيلة لقضاء واجباتك وحاجاتك! - الناس في الطريق إخوانك؛ فاحترمهم ولاتؤذهم! - عامل الناس في الطريق بمثل ما تحب أن يعاملوك به! - الإنسان بدون أخلاق ليس إنسانا على الإطلاق! - حسن السيرة تعبير عن حسن السريرة! كيف يتجنب أخطاءه من لم يعترف بها أصلا!.

стр. 12

ليس بينك وبينه إلا ... ! - - ليس بينك وبين الخير؛ لتصبح من أهله، سوى أن تفعله!. - وليس بينك وبين الشر؛ لتصبح من أهله، سوى أن تفعله!. - وليس بينك وبين الفضائل؛ لتصبح من أهلها، سوى أن تفعلها، وتلتزم بها!. - وليس بينك وبين الرذائل؛ لتصبح من أهلها، سوى أن ترتكبها!. - وليس بينك وبين المعروف، لتصبح من أهله، سوى أن تفعله، وتلتزم به!. - وليس بينك وبين المنكر، لتصبح من أهله، سوى أن ترتكبه!. - والفعل إنما هو: نية وعزم صادق، فخطوة!. - ونتيجة الفعل هي: إما انتصار أو هزيمة. - والنتيجة إنما هي بحسب ما تتجه إليه: هل هو خير أو شر، منكر أو معروف، فضيلة أو رذيلة. - وما أسرع أن ينتصر الإنسان أو ينهزم!!. - إنها لحظات، ولكن لها ما بعدها!!. و ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ "١"!!. - والسر يرجع إلى الاختيار. - وسر الاختيار يرجع إلى أمرين، هما: - الصبر. - وعلو الهمة. فمن كان صابرا مع علو همة عنده، فهنيئا له.

стр. 13

ومن كان صابرا مع سقوط في همته، فخسارة له. ومن كان هلوعا غير صابر، فخسارة له!!. نسأل الله العفو والعافية؛ فإن الأمر كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ "١". *قلت: من لم يجاهد نفسه للاستقامة على الحق، فسيخسرها في اتباع الباطل.

стр. 14

شذرات "١" هذه كلمات قلتها في مناسبات متعددة، وكان لظرفها أثر فيها، وربما كان لها أثر في ظرفها: - قلت جوابا لأحد طلابي حاول أن يرد بعض آرائي: ربما أكون قد وهمت في نقلي، ولست معصوما من الأوهام لو كنت شيخ الإسلام، فكيف وأنا واحد من الطغام؟!. - قال لي أحدهم: سأكتب موضوعا عن "صناعة الرجال". فقلت له: صناعة الرجال، في هذا العصر ليس لها مجال، فلا تكثر الجدال!!. - لا ينبغي أن تزيد في الإنسان اللطافة إلى درجة الخفة والسخافة!. - قال لي أحدهم: لا تأت معك حتى بالشاي والقهوة.

стр. 15

فقلت له: هذا طعن في بخلي لا أرضاه!. - كنت مرة عند صاحب مكتبة، وأسأله عن ثمن الكتاب، فقلت له: راعني ولا ترعني!. - نقل مرة طالب في معنى السنة رأيين مختلفين، قد قال أحد الأئمة بأحدهما، وقال آخر بالقول الآخر، فقال الطالب مرجحا بينهما: "وقوله أصوب، وقول الأزهري إلى الاصطلاح أقرب ". فعلقت على قوله بقولي: وترجيحك هذا قد أغرب؛ فقد جعلتنا بين الأصوب والأقرب، وهذا التناقض أشد علينا من لسع العقرب!. وكأن هذا الترجيح مبناه على الاتجاه إلى الجمع دائما بين الأقوال، أو التلفيق بينها. وهذا اتجاه ليس بصحيح. - قالت لي بنيتي: يا أبت ماذا أصنع بالعنكبوت؟ فقلت لها -مازحا-: اضربيها حتى تموت.- قال لي: قد أعطيت العاملين التعليمات وأمرتهم أن يتقيدوا. قلت له: عليهم أن يتقيدوا أو يقيدوا. - آه يا رباه: شبنا وما تبنا!. - قال لي أحدهم: اشتعل الرأس شيبا. فقلت له: هذا ليس عيبا!. - لقد أيقنت بأن الخير في الناس كثير، ولكنه لا يحتاج إلى منفر، وإنما يحتاج إلى مرغب أو مثير. - عجبا لإنسان يبيع كتب الأخلاق، وقد افتقد في نفسه محاسن الأخلاق!.

стр. 16

- عجبا لإنسان يبيع كتب التذكير بالآخرة، وقد نسي في نفسه الدار الآخرة!. - حدثني أخ عن تحايل بعض الناس على الأنظمة، وذكر نموذجا، وقال: خرج من الموضوع بطريقة فنية. قلت: والله أعلم بما في النية!. - فصل التربية عن التعليم، قد لا يخرج لنا إلا اللئيم!. - اشتريت كتبا من صاحب مكتبة، وقلت له: اجمع الحساب، بعد أن تخففه؛ فأخبرني بأسعارها واحدا واحدا؛ ثم قال: أجمع؟. قلت له: اجمع، وإن كانت العين ت دمع!.

стр. 17

أساليب مغلوطة هناك أساليب يستخدمها بعض الناس في كلامهم، وهي ليست سليمة: لغة أو معنى أو شرعا، وإنما هي من قبيل الأخطاء الشائعة. ومن هذه الأساليب ما يلي: - من الأساليب الغلط أسلوب تقييد تصديق الله تعالى، أو تصديق رسوله ﷺ بقيد ما، كما يقول بعضهم: "صدق الله العظيم إذ يقول"، أو "صدق رسول الله ﷺ حين قال". وهذا غلط، والصواب أن لا تقيد صدق الله ولا صدق رسوله ﷺ بشيء مطلقا. - من الأخطاء الشائعة استعمال كلمة: "خاطيء" في مكان كلمة: "خطأ"؛

стр. 18

فيقول أحدهم: هذا أمر خاطيء. والصواب أن يقول: خطأ. لأن "خاطيء" معناها: آثم، وليس معناها: خطأ"١". - من الأخطاء الشائعة استعمال كلمة: "مطروح"-مطلقة غير مقيدة- بمعنى مختار؛ فيقول أحدهم: السؤال المطروح، أو الأمر المطروح. وهذا لا يؤدي المعنى المقصود، وإنما هذا معناه: المطروح، أي المهمل، أو الملقى، فلا ينبغي الالتفات إليه. والصواب أن يقال: الأمر المعروض للمناقشة، مثلا، أو السؤال المعروض للإجابة عنه. ويصح أن يقيد هذا الطرح بما يخرجه عن المعنى المطلق؛ بأن يقال: السؤال المطروح عليك، أو عليه؛ لأن المعنى حينئذ ليس هو الطرح مطلقا، الذي هو بمعنى الإلغاء. - من الأخطاء الشائعة أن يقال: الإجابة على السؤال، أو أجب على السؤال. والصواب أن يقال: الإجابة عن السؤال، وأجب عن السؤال. - من الأخطاء الشائعة الخلط في الاستعمال بين كلمتي: توفر وتوافر؛ إذ يستخدم كثير من الناس كلمة: "توفر" في مكان: توافر". والصواب أن تقول: توفر فلان على إنجاز الكتاب. ولا تقل: توافر. وأن تقول: توافرت الشروط، أو نظرا لتوافر الشروط. ولا تقل في هذا الموضع: توفرت الشروط، ولا: لتوفر الشروط.

стр. 19

وهكذا، فإن على المعتني بالعلم أن يعنى بالتعرف على الأساليب اللغوية الصحيحة التي بها يستقيم، أو يحسن، المعنى وأسلوب الخطاب، وأن يتعرف على الأساليب المخطئة في التعبير عن المعاني، وأن يعنى بهذا الأمر في كتابته وحديثه تطبيقيا. *ركب معي في السيارة أخ عزيز، وكان يتحدث إلي، فألغز في كلامه، ففسرته له على الذي قصد؛ فقال لي: ما شاء الله، ألمعي!. فقلت له: لأنك معي!.

стр. 20

الناس أصناف ! الناس أصناف: - فصنف مستيقظ مستيقظ. - وصنف مستيقظ نائم. - وصنف نائم نائم. فأما المستيقظ المستيقظ، فهو المستيقظ من النوم المحسوس، إلى جانب كونه مستيقظا الاستيقاظ المعنوي، وهو الاستيقاظ من نوم الغفلة والخطأ. وأما المستيقظ النائم، فهو المستيقظ من نومه المحسوس، لكنه غارق في نوم الغفلة والهوى. وأما النائم النائم، فهو من جمع بين النومتين؛ فالخير يأتيه من أين؟!.

стр. 21

نسأله تعالى أن يوقظنا من نوم الغفلة والاغترار بطول المهلة، نسأل الله الكريم فضله، وإن لم نكن من أهله. عديم الإحساس، لا تعده في الناس!.

стр. 22

لقد تبين لي ! لقد تبين لي-بيقين-أن الخلل في حياة الإنسان، وفي حياة الناس جميعا، في الدنيا وفي الآخرة، إنما سببه اختلال نظرة الإنسان إلى الأشياء والمعاني، وخلل ميزان التقويم. فيعظم الإنسان الحقير، ويحقر العظيم، ويبني على ذلك تصوراته وأفكاره ومعتقداته وسلوكه؛ فتختل -تبعا لذلك-حياته في الدنيا وفي الآخرة!. ولو أن الإنسان عظم العظيم، وحقر الحقير، ولو أن الناس فعلوا ذلك لاستقامت حياتهم، وانتظمت أمورهم على السعادة في الدنيا وفي الآخرة!. وها هم الناس أمامك، بل وها أنت أمام نفسك، وها هي الأخطاء، لاحظها وانظر فيها وحدد أسبابها، تجد هذا هو السبب من وراء كل، أو جل، أخطاء الإنسان وصوابه، وشقائه وسعادته. - أفلا تقف-إذن-مع نفسك أيها الإنسان؛ فتعيد النظر في الميزان؛ فتعطي لكل شيء قدره، وتنظر بميزان الله تعالى؛ فتعظم العظيم من الأشياء والشخوص والمعاني، وتحقر الحقير من ذلك؛ فتسعد وتسعد!!.

стр. 23

- أعد النظرة!. - وازن بين الدنيا والآخرة؛ فقدم المقدم منهما، وأخر المؤخر-وهو الأقل شأنا-. - حدد الباقي من الفاني. - حدد السرمدي من المؤقت. - حدد السامي من ضده. - حدد الطاهر من ضده. - حدد حسن العاقبة من ضده. - وعندئذ ستختار: هل تسهر أو تنام!. هل تعمل أو تقعد!. هل تصبر أو تنهزم!. هل تطمع أو تقنع!. هل تبذل أو تبخل!. هل تصدق أو تكذب!. هل تتذكر الآخرين أو تنساهم!. هل تبخل أو تساهم!. هل تسير خلف البريق أو تختار السير على الطريق!. - كل ذلك من ثمرات تصحيح الميزان الذي في الرؤوس، والميزان الذي في النفوس!. - إنه قناعة القلب وقناعة الضمير!.

стр. 24

- ومن ثم السير على الطريق!. - ثم هذه الدنيا ما هي إلا لحظات؛ فاجعلها خيرا وبرا وطاعات!. - إن الوقت قصير؛ فاستثمره في التعبير عن نفسك تعبيرا حسنا، لا تعبيرا سيئا!. - وقناعة الإنسان واختياره دليل على حظه من العقل والإيمان!.نسأله تعالى هداية وتوفيقا، نهتدي بهما في تفكيرنا وفي تعبيرنا وفي تدبيرنا؛ فنختار الحق والصواب، ونملأ بهما عقولنا وقلوبنا وأسماعنا، ونعبر عنهما تعبيرا صادقا، بألسنتنا وسلوكنا وأفعالنا!. *مهلا أيها السادر في غفلته، وقد نسي عما قليل رقدته، ومن ثم قيامه بين يدي ربه للحساب ولوعته!.

стр. 25

إقناع النفس بطلب العلم يسوف الإنسان في طلب العلم؛ بحجة ضيق الوقت. ومن أساليب حل هذه المشكلة: أن تقف مع نفسك موقف مقارعة الحجة بالحجة؛ فإذا قالت لك نفسك: لا وقت لطلب العلم. فقل لها: بل لا وقت للجهل!. وإذا أنت فكرت في هذه الحجة وجدتها في الواقع صحيحة ترد دعوى النفس؛ وذلك أن النفس التي تنصرف عن طلب العلم بحجة ضيق الوقت؛ تجدها تصرف للجهل من الأوقات بغير حساب؛ فإذا جاء الأمر إلى الجد وطلب العلم؛ جاء التفكير والحساب؛ فقالت النفس: لا وقت!. وهكذا؛ يقال في حق هؤلاء الناس الذين يعيشون طوال حياتهم في

стр. 26

الجهل -بمختلف أنواعه-: كيف وجدوا للجهل وقتا هو حياتهم كلها؛ بينما لم يجدوا للعلم بعض هذا الوقت كيما يرفعوا عن أنفسهم ذلة الجهل ومغبته في الدنيا وفي الآخرة!. *بحث أحد طلابي عن حديث في موضع من الكتاب فلم يجده، وبعد التتبع وجدناه أمامه في ذلك الموضع. فقلت له: البحث مفتقر إلى التأني. خذ هذه عني.

стр. 27

قالوا وقلت - قالوا: كل إناء بما فيه ينضح. قلت: وبعض ما في الإناء يفضح!. - قالوا: نفسك إذا لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر. قلت: فكيف إن أنت شغلت نفسك بالشر، كالذي يحبس نفسه لمشاهدة الأفلام الماجنة والصور العارية؛ للتدليل على أن نفسه من الفضائل والحياء عارية؟!. - قالوا: الوقت من ذهب. قلت: لو كان الوقت من ذهب، لاقترضناه إذا ذهب. وذلك لأن الوقت هو الحياة؛ فمن ذهب بعض وقته فقد ذهب بعض حياته! فهل يسترد الإنسان حياته بعد مماته؟!. - قالوا: ينبغي أن يسير الإنسان في حياته بقناعة. قلت: ولكن بعض الناس يسير بقناعة!.

стр. 28

- قالوا: هيا بنا نزجي الوقت!. ... قلت: هذا هو سر المقت!. - قالوا: الأفلام. ... قلت: الأقلام!. - قالوا: القنوات. ... قلت: الآيات!. - قالوا: الناس!. ... قلت: القرطاس. - قالوا: الماضي!. ... قلت: الحاضر!. - قالوا: العلم. ... قلت: العمل!. - قالوا: رأس المال!. ... قلت: الرجال!. - قالوا: الملابس!. ... قلت: اللابس!. - قالوا: الآباء!. ... قلت: الأبناء!. - قالوا: الموت!. ... قلت: إضاعة الوقت!. *قلت لأحدهم: إذا كانت نفسك في شهواتها تحترق؛ فاعلم بأنك عبد تحت رق!.

стр. 29

مفاتيح العلم الثلاثة ليست مشكلة كثير من الناس أنهم لا يطلبون العلم، لكن المشكلة عندهم أنهم لا يأتون الأمر من بابه، ومن ذلك أنهم قد يبدأون بما ينبغي أن يؤخروه، أو يؤخرون ما ينبغي أن يقدموه. ومن هذا أن يتجه أحدهم لطلب العلم بالدرس والقراءة وتلقي العلم مع أنه لم يحصل مفاتيح العلم الثلاثة التي هي شرط تحصيل العلم، وهي:

стр. 30

المفتاح الأول: أن تقرأ قراءة صحيحة. المفتاح الثاني: أن تكتب كتابة صحيحة. المفتاح الثالث: أن تفهم فهما صحيحا. ومن لم يحصل هذه المفاتيح الثلاثة أولا فإنه لا يمكنه تحصيل العلم بحال. فهل يدرك هذا الأمر المعلمون والمربون والمتعلمون؛ فيتجهون إليه أولا؛ فيقدمون المقدم أولا ويؤخرون المؤخر؛ فينجحون في مهمتهم!. *رأيت مرة أستاذا دكتورا، ولكنه قليل العلم، لا يحسن القراءة والفهم ... إلخ، فقلت في نفسي: هل هذا "دكتور" أو "ديكور"؟!. *من لا يتألم لا يتعلم!.

стр. 31

الطريقة المثلى لتحصيل مفاتيح العلم الثلاثة لتحصيل مفاتيح العلم الثلاثة -السابق ذكرها- طريقة، من لم يأخذ نفسه بها فإنه لن يحصلها، وتتلخص هذه الطريقة فيما يلي: الطريق إلى تحصيل المفتاح الأول-وهو: أن تقرأ قراءة صحيحة: إن الطريق لتحصيل هذا المفتاح هو أن تتعرف على صورة كل حرف وتتدرب على قراءته مفردا ومجموعا مع بقية حروف الكلمة بشكل صحيح، لكن ذلك لا يكفي لأن تقرأ القراءة الصحيحة؛ ولا يتم لك ذلك حتى تلم -فيما بعد- بالأساس من اللغة العربية نحوا وصرفا-نظريا وعمليا-بأن تتعرف على ذلك من كتاب جيد مختار، وتدرسه على يد شخص متقن، بشرط أن تجمع بين الإلمام

стр. 32

النظري والتدريب العملي؛ فتقرأ بين يديه، ويتولى توجيهك في نطق الكلمات-من حيث صفات الحروف ومخارجها، وضبطها الإعرابي-ويوقفك عند القراءة، ويسألك عن سبب الرفع والنصب والجر للكلمة؛ حتى يصبح الطابع لقراءتك رفع المرفوع ونصب المنصوب وجر المجرور، وهذا هو المفتاح الأول تماما. الطريق إلى تحصيل المفتاح الثاني- وهو: أن تكتب كتابة صحيحة-: إن الإتقان لطريقة القراءة الصحيحة-نظريا وعمليا-يعد الشطر الأول للقيام بواجب الكتابة كتابة صحيحة، ومعنى ذلك أنك إذا عرفت وتدربت كيف تقرأ قراءة صحيحة فقد خطوت نصف الخطوة لتكتب كتابة صحيحة. إن الطريق لتحصيل هذا المفتاح هو أن تتعرف على صورة كل حرف وتتدرب على كتابته بشكل صحيح، ثم تتعرف على ربط الحروف مع بعضها بطريقة صحيحة، ثم تتعرف على قواعد الإملاء السليم نظريا، وتتدرب على تطبيقها عمليا، ثم تتدرب على شيء من أنواع الخط وطرق وضوحه وجماله؛ بحيث يؤدي كل ذلك إلى أن تكتب كتابة صحيحة وواضحة وجميلة في الوقت نفسه. والشرط في التعرف على كل ذلك أن تعتمد على: - كتاب جيد محرر في الإملاء، وكتاب كذلك في الخط. - التدرب على يد شخص متقن للإملاء، وشخص متقن للخط. الطريق إلى تحصيل المفتاح الثالث-وهو: أن تفهم فهما صحيحا-: إن تحصيل المفتاحين: الأول والثاني بإتقان يعني أنك قد خطوت نصف الخطوة لكي تفهم فهما صحيحا، لكن ذلك لا يكفي لأن تفهم فهما صحيحا؛ وإنما عليك أن تخطو النصف الباقي لتحصيل هذا المفتاح، وهو أن

стр. 33

تعنى بالفهم، ويساعدك عليه العناية بما يلي: - الإلمام ببعض تراكيب اللغة وأساليبها، من الحقيقة والمجاز، والظاهر المراد والظاهر غير المراد، والأمثال في اللغة، وكل ما يلزم من مباحث علم البلاغة. - الإلمام بالأساس من القواعد في أصول الفقه، والقواعد الفقهية. - الإلمام بالأساس في أصول التفسير. - الإلمام بالأساس في أصول الحديث. فإذا فعلت ذلك فقد أصبحت عارفا بمدلولات الألفاظ والتراكيب، وعارفا بعلوم الآلة-كما يسمونها-وبالعلوم المنهجية للفهم والتحقيق العلمي، وتستطيع، عندئذ، المشاركة في العلم والفهم، ويسهل عليك تحصيل العلم من بابه، وتميز بين الصحيح وغير الصحيح رواية ورأيا. والموفق من وفقه الله تعالى، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين. وبهذا يتضح أن كل مفتاح من هذه المفاتيح شرط لتحصيل المفتاح الآخر، على الترتيب المذكور. وكم من إنسان وقع في اللحن أو الخطأ وهو لا يشعر، ويأتيه الخطأ من أربعة أمور، هي: ١- الخطأ في حركة إعراب الكلمة. ٢- الخطأ بإبدال حرف في الكلمة بغيره. ٣- الخطأ بإبدال كلمة بكلمة. ٤- الخطأ في المعنى بسبب الوقف والابتداء بما يحيل المعنى. وهو لا يستطيع أن يعرف خطأه، ما لم يكن عنده إلمام بالصواب في

стр. 34

مجالات الخطأ هذه كلها، ولا يستطيع أن يلم بتلك المجالات إلا بالعناية بتحصيل تلك المفاتيح الثلاثة اللازمة لطلب العلم. وربما قالت للإنسان نفسه: إن هذا طريق طويل لتحصيل العلم. والجواب: كلا ليس هذا طريقا طويلا، بل الأطول منه طريق الجهل، والأطول منه كذلك إتيان العلم من غير بابه؛ فيفسد الإنسان، عندئذ، أكثر مما يصلح، ويضل ويضل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ "١". ولا شك في أن تحصيل العلم بهذه الطريقة، يختصر كثيرا من الوقت على المتعلم والمعلم، إضافة إلى الإتقان والضبط؛ فيحصل على ما يريد بالضبط؛ ودع أهل الظن والخلط والخبط!. *قال أحدهم: نرى كثيرا من الناس يتخرجون في الجامعة ويدرسون معلومات كثيرة، ثم هم لا يربون أمة. قلت: لأن واحدهم لم تربه أمه!.

стр. 35

أزواج بالكذب !! "١" وصف المشكلة: ما أقبح الكذب والخداع في هذه الحياة!. وإن من نذالة الأنذال في هذا العصر ما نراه ونسمعه عن أناس يدعون أنهم رجال، ويتزوجون أيضا، ولكن يشترطون أو يختارون، ولكن ماذا يشترطون أو يختارون؟ ذات الخلق والدين؟. كلا، إنهم يشترطون على الناس أو على أنفسهم أن تكون الزوجة مدرسة، وقد يظن بعضهم بنفسه خيرا؛ فيضيف إلى هذا الشرط المهم جدا عنده شرطا آخر، وهو أن تكون ذات دين. إنه يريد زوجة، ولكن المهم أن تكون مدرسة أو موظفة!. لماذا؟!. أجاب أحدهم قبل الزواج بقوله: لتنفع البلد!. وبعد الزواج تتبين الحقيقة، وينكشف السر للمساكين المغفلين، وهو أن هذا لا يريد زوجة أولا، وإنما يريد مدرسة أولا، ثم زوجة ثانيا!. وبعضهم يكشف الأمر منذ البداية؛ فقبل العقد يسأل ويتحقق من الصفات الشرعية عنده في زوجته وأم أولاده، وأولها، وأولاها، أن تكون

стр. 36

معلمة أو موظفة، وهذا يكشف الأمر إما لأنه مغفل خبيث، أو لأنه خبيث فيه شيء من الخير. وبعد الزواج يوقد الزوج نار الشر التي يعتقد أنها من حقوق الزوج على زوجته التي استجدت في هذا العصر، ومن ذلك أن له الحق في أن يستولي على راتب زوجته، كله أو بعضه-بحسب درجات الورع عنده-دون أن يشعر بأي غضاضة أو حياء من الناس، ودون أن يحسب حسابا لرضا الزوجة أو أهلها أو مشاعرهم!. بل ويقول: هذا حقي!. ويستخدم حق القوامة الذي أعطاه الله إياه استخداما ظالما غير مشروع، فيستعبد الزوجة، ولا يعبأ بأهلها وأرحامه، ولا يعبأ بما حرمه الله من أموال الناس على الناس بغير طيبة من أنفسهم!. وهو في كل ذلك بين شخصين: - إما أن يكون شخصا مكابرا مناقضا في تصرفاته هذه لقناعته في قرارة نفسه من أن هذا إثم واضح وعار فاضح!. - أو يكون شخصا مغفلا قد غرته فتوى أو كلمة سمعها من بعض الناس؛ فأخذها بطرفها، ولم يوغل في التحقق منها والتثبت فيها؛ وذلك خوفا من أن يحق الحق ويترجح الراجح ويتبين له حرمة ما ظنه غنيمة باردة، وما علم أنها ظليمة في شرعنا غير واردة!. ولكن هذا وذاك إنما يعبران عن رداءة يتبرأ منها شم الرجال والمترفعون عن أموال الرجال فضلا عن أموال النساء العواني!.

стр. 37

وحتى لو كان الرجل الشهم ذا حاجة واحتاج إلى شيء من أهله فإنه لا يأخذه إلا بالمعروف وبطيبة من أنفسهم يتيقنها، أو يأخذه على سبيل القرض الحسن المسجل الموثق، بعد أن يتيقن وتطمئن نفسه برضاها عن طيبة نفس، لا عن إكراه، ولا عن استخدام لعصا القوامة بعد أن نسي يوم القيامة، ونسي حسابه ووقوفه بين يدي الله ومقامه!. والحقيقة أن هذه الظاهرة قد أثقلت كثيرا من بيوت المسلمين اليوم بمشكلات خفية وظاهرة، وأصبح المظلومون والمظلومات، بسبب ذلك، يعانون من ظلم الظالمين من "الأزواج" في هذا العصر. نعم، والله، إنهم يعانون، ولكنهم مع ذلك لا يعانون"١"!. لماذا؟. لأسباب، منها: أن الظالم يتعامل كما لو كان زوجا في الحقيقة، ويستخدم حق القوامة، لا أطال الله مقامه، وقطف منه تلك الهامة!. وهذه ظاهرة جديدة من ظواهر النذالة والأنذال التي لا أحسب أنها وجدت إلا في هذا العصر، وإن وجدت فبصورة لا تصل إلى هذا الحد. وإذا سئل عن صنيعه احتج بفتوى فلان وفلان، ونسي كلام الرحمن وكلام رسوله ﷺ وسيرته العطرة. وما هذا في الحقيقة إلا وسنان في صورة يقظان. هذا في الوقت الذي ربما كان بمقدوره أن يميز ويعرف فيه حكم الله وحججه وبيناته!.

стр. 38

وإذا ذكرت له أدنى اعتراض على ذلك ربما أبغضك في الله وأحب ذاك الذي أفتاه محبة في الله-والله أعلم-!. وكم استفتاني المستفتون: ماذا يصنعون؟. ولست من أهل الفتوى، ولكن حكم الله واضح، والحلال بين، والحرام بين، وقد قال رسول الله ﷺ لوابصة: "جئت تسأل عن البر والإثم؟ ". قال: قلت: نعم ... قال: "استفت نفسك، استفت قلبك، يا وابصة"، ثلاثا، "البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك" "١". وبعض هذه الصور المخزية في أخلاق الرجال، صور ملفوفة، لكنها في الحقيقة مكشوفة، ومن ذلك أن يظهر الرجل تورعا أن يأخذ من راتب زوجته أو مالها شيئا، لكنه يدعها لراتبها؛ فيلزمها بالصرف على نفسها، وكأن الأمر لا يعنيه، وكأنها في الحقيقة لم تتزوج!. وبعضهم يلزمها أن تشاطره النفقة ودفع إيجار البيت، وأما ملابسها وحاجاتها التي تخصها فلا شأن له بها، فتتولاها الزوجة التي كادت، والحالة هذه أن تكون تاء التأنيث فيها زائدة وبه لاحقة؛ لأنها أصبحت ملزمة بالإنفاق على الرجل "العاني"، وملزمة بمقتضى "حق القوامة عليه" أن تخصص للبيت خادمة أيضا. ولست أدري كيف وصل الانتكاس بهذا الصنف من الناس إلى الحد

стр. 39

الذي توهموا فيه أن ما أعطاهم الله من حق القوامة على النساء إنما هو ليحصلوا على كل هذه "الحقوق" و"الأموال" المغتصبة من زوجاتهم!. وتجاهلوا أن الله أعطاهم حق القوامة لكي يسعدوا أهليهم، وليس ليشقوهم أو يظلموهم أو يغتصبوا أموالهن!. والغنيمة كل الغنيمة أن يظفر اللئيم بيتيمة!. وقد علمت أن بعضهم ينذر حربه على زوجته منذ البداية، فيحذرها أن تخبر أهلها بأي شيء يصنعه بها، وإلا سوف يكون الطلاق مصيرها! ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ "١"!. ولست أدري ما الجديد في مثل هذا الزواج سوى استرقاق الزوجة والارتفاق بمالها وجهدها، وإضرام نار الكمد في قلبها، وقتلها بغير سكين!. وإذا تحولت الزوجة إلى أن تكون هي المنفقة على الزوج، وقد قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ "٢"، فماذا بقي للزوج من هذا الصنف من الناس، والحالة هذه؟!. هل يتنازل هؤلاء لزوجاتهم عن القوامة ويقعدون في البيوت، لا كثرهم الله في البيوت ولا خارجها!.

стр. 40

لقد رأينا وسمعنا كثيرا عن زيجات لا يدفع فيها الزوج "المزعوم" سوى المهر-وربما على لكاعة-وشيء من أثاث ما هو إلا كذر الرماد في العيون، ثم يمسك الزوج ماله إلى مال زوجته العزيزة، فلا ينفق كما ينفق الأزواج؛ فتبينت الحقيقة واضحة عندئذ، وهي أن هذه ليست عقود زواج، وإنما هي عقود تجارية، والتاجر فيها واحد من الطرفين فقط، وهو "الزوج"!. ولست أدري هل يرضى مثل هؤلاء هذه المعاملة لأخواتهم وبناتهم أو لأمهاتهم؟ أو أن هذا خاص لهم مع بنات "الناس"!. إن كانوا لا يرضونه فهم ذئاب في ثياب، كسر الله منهم كل ناب، وهذا هو المعهود في الكلاب، أنها تنبح كل غريب، وتفترسه لأنه غريب. وكيف يرضونه لزوجاتهم؟ وأين علاقة المودة والرحمة التي أخبر الله عنها بأنه جعلها بين الزوجين!. وإن كانوا يرضونه للجميع ففطرتهم ممسوخة، وغيرتهم على العار والضعيف والمسكين ممسوحة!. ولقد كنت رأيت في بريطانيا قبل سنوات، في أول زيارة لها، ظاهرة غريبة جدا، وهي أن الزوج والزوجة قد يأكلان في المطعم، ثم يحاسب كل واحد منهما عن نفسه؛ فعجبت من هذا المسخ في الحقوق الزوجية والعلاقة الأسرية. ثم ها نحن نشاهد اليوم الظاهرة تتكرر عندنا، بل أسوأ، ولكن في داخل البيوت، أعني بيوت الزوجية التي جعلها الله سكنا!!. كيف يرضى هؤلاء الرجال أن يعتدوا هذا الاعتداء على النساء!. كيف يرضى هؤلاء الرجال أن يعيشوا على نفقة النساء عليهم!.
следующие страницы →