← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11356

كلمات في مناسبات

عبد الله الرحيلي

Полный текст (216 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

معلمة أو موظفة، وهذا يكشف الأمر إما لأنه مغفل خبيث، أو لأنه خبيث فيه شيء من الخير. وبعد الزواج يوقد الزوج نار الشر التي يعتقد أنها من حقوق الزوج على زوجته التي استجدت في هذا العصر، ومن ذلك أن له الحق في أن يستولي على راتب زوجته، كله أو بعضه-بحسب درجات الورع عنده-دون أن يشعر بأي غضاضة أو حياء من الناس، ودون أن يحسب حسابا لرضا الزوجة أو أهلها أو مشاعرهم!. بل ويقول: هذا حقي!. ويستخدم حق القوامة الذي أعطاه الله إياه استخداما ظالما غير مشروع، فيستعبد الزوجة، ولا يعبأ بأهلها وأرحامه، ولا يعبأ بما حرمه الله من أموال الناس على الناس بغير طيبة من أنفسهم!. وهو في كل ذلك بين شخصين: - إما أن يكون شخصا مكابرا مناقضا في تصرفاته هذه لقناعته في قرارة نفسه من أن هذا إثم واضح وعار فاضح!. - أو يكون شخصا مغفلا قد غرته فتوى أو كلمة سمعها من بعض الناس؛ فأخذها بطرفها، ولم يوغل في التحقق منها والتثبت فيها؛ وذلك خوفا من أن يحق الحق ويترجح الراجح ويتبين له حرمة ما ظنه غنيمة باردة، وما علم أنها ظليمة في شرعنا غير واردة!. ولكن هذا وذاك إنما يعبران عن رداءة يتبرأ منها شم الرجال والمترفعون عن أموال الرجال فضلا عن أموال النساء العواني!.

стр. 37

وحتى لو كان الرجل الشهم ذا حاجة واحتاج إلى شيء من أهله فإنه لا يأخذه إلا بالمعروف وبطيبة من أنفسهم يتيقنها، أو يأخذه على سبيل القرض الحسن المسجل الموثق، بعد أن يتيقن وتطمئن نفسه برضاها عن طيبة نفس، لا عن إكراه، ولا عن استخدام لعصا القوامة بعد أن نسي يوم القيامة، ونسي حسابه ووقوفه بين يدي الله ومقامه!. والحقيقة أن هذه الظاهرة قد أثقلت كثيرا من بيوت المسلمين اليوم بمشكلات خفية وظاهرة، وأصبح المظلومون والمظلومات، بسبب ذلك، يعانون من ظلم الظالمين من "الأزواج" في هذا العصر. نعم، والله، إنهم يعانون، ولكنهم مع ذلك لا يعانون"١"!. لماذا؟. لأسباب، منها: أن الظالم يتعامل كما لو كان زوجا في الحقيقة، ويستخدم حق القوامة، لا أطال الله مقامه، وقطف منه تلك الهامة!. وهذه ظاهرة جديدة من ظواهر النذالة والأنذال التي لا أحسب أنها وجدت إلا في هذا العصر، وإن وجدت فبصورة لا تصل إلى هذا الحد. وإذا سئل عن صنيعه احتج بفتوى فلان وفلان، ونسي كلام الرحمن وكلام رسوله ﷺ وسيرته العطرة. وما هذا في الحقيقة إلا وسنان في صورة يقظان. هذا في الوقت الذي ربما كان بمقدوره أن يميز ويعرف فيه حكم الله وحججه وبيناته!.

стр. 38

وإذا ذكرت له أدنى اعتراض على ذلك ربما أبغضك في الله وأحب ذاك الذي أفتاه محبة في الله-والله أعلم-!. وكم استفتاني المستفتون: ماذا يصنعون؟. ولست من أهل الفتوى، ولكن حكم الله واضح، والحلال بين، والحرام بين، وقد قال رسول الله ﷺ لوابصة: "جئت تسأل عن البر والإثم؟ ". قال: قلت: نعم ... قال: "استفت نفسك، استفت قلبك، يا وابصة"، ثلاثا، "البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك" "١". وبعض هذه الصور المخزية في أخلاق الرجال، صور ملفوفة، لكنها في الحقيقة مكشوفة، ومن ذلك أن يظهر الرجل تورعا أن يأخذ من راتب زوجته أو مالها شيئا، لكنه يدعها لراتبها؛ فيلزمها بالصرف على نفسها، وكأن الأمر لا يعنيه، وكأنها في الحقيقة لم تتزوج!. وبعضهم يلزمها أن تشاطره النفقة ودفع إيجار البيت، وأما ملابسها وحاجاتها التي تخصها فلا شأن له بها، فتتولاها الزوجة التي كادت، والحالة هذه أن تكون تاء التأنيث فيها زائدة وبه لاحقة؛ لأنها أصبحت ملزمة بالإنفاق على الرجل "العاني"، وملزمة بمقتضى "حق القوامة عليه" أن تخصص للبيت خادمة أيضا. ولست أدري كيف وصل الانتكاس بهذا الصنف من الناس إلى الحد

стр. 39

الذي توهموا فيه أن ما أعطاهم الله من حق القوامة على النساء إنما هو ليحصلوا على كل هذه "الحقوق" و"الأموال" المغتصبة من زوجاتهم!. وتجاهلوا أن الله أعطاهم حق القوامة لكي يسعدوا أهليهم، وليس ليشقوهم أو يظلموهم أو يغتصبوا أموالهن!. والغنيمة كل الغنيمة أن يظفر اللئيم بيتيمة!. وقد علمت أن بعضهم ينذر حربه على زوجته منذ البداية، فيحذرها أن تخبر أهلها بأي شيء يصنعه بها، وإلا سوف يكون الطلاق مصيرها! ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ "١"!. ولست أدري ما الجديد في مثل هذا الزواج سوى استرقاق الزوجة والارتفاق بمالها وجهدها، وإضرام نار الكمد في قلبها، وقتلها بغير سكين!. وإذا تحولت الزوجة إلى أن تكون هي المنفقة على الزوج، وقد قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ "٢"، فماذا بقي للزوج من هذا الصنف من الناس، والحالة هذه؟!. هل يتنازل هؤلاء لزوجاتهم عن القوامة ويقعدون في البيوت، لا كثرهم الله في البيوت ولا خارجها!.

стр. 40

لقد رأينا وسمعنا كثيرا عن زيجات لا يدفع فيها الزوج "المزعوم" سوى المهر-وربما على لكاعة-وشيء من أثاث ما هو إلا كذر الرماد في العيون، ثم يمسك الزوج ماله إلى مال زوجته العزيزة، فلا ينفق كما ينفق الأزواج؛ فتبينت الحقيقة واضحة عندئذ، وهي أن هذه ليست عقود زواج، وإنما هي عقود تجارية، والتاجر فيها واحد من الطرفين فقط، وهو "الزوج"!. ولست أدري هل يرضى مثل هؤلاء هذه المعاملة لأخواتهم وبناتهم أو لأمهاتهم؟ أو أن هذا خاص لهم مع بنات "الناس"!. إن كانوا لا يرضونه فهم ذئاب في ثياب، كسر الله منهم كل ناب، وهذا هو المعهود في الكلاب، أنها تنبح كل غريب، وتفترسه لأنه غريب. وكيف يرضونه لزوجاتهم؟ وأين علاقة المودة والرحمة التي أخبر الله عنها بأنه جعلها بين الزوجين!. وإن كانوا يرضونه للجميع ففطرتهم ممسوخة، وغيرتهم على العار والضعيف والمسكين ممسوحة!. ولقد كنت رأيت في بريطانيا قبل سنوات، في أول زيارة لها، ظاهرة غريبة جدا، وهي أن الزوج والزوجة قد يأكلان في المطعم، ثم يحاسب كل واحد منهما عن نفسه؛ فعجبت من هذا المسخ في الحقوق الزوجية والعلاقة الأسرية. ثم ها نحن نشاهد اليوم الظاهرة تتكرر عندنا، بل أسوأ، ولكن في داخل البيوت، أعني بيوت الزوجية التي جعلها الله سكنا!!. كيف يرضى هؤلاء الرجال أن يعتدوا هذا الاعتداء على النساء!. كيف يرضى هؤلاء الرجال أن يعيشوا على نفقة النساء عليهم!.

стр. 41

ماذا ينتظر هؤلاء لأنفسهم ولزوجاتهم ولأولادهم!. ماذا ينتظر هؤلاء لأنفسهم عند ربهم في الدنيا والآخرة!. ولا أدري كيف يعد الرجل زواجه زواجا إذا كان كهذا!. وكيف تطيب نفسه بزواج لا يتكلف فيه الإنفاق على أهله، بل ربما هم ينفقون عليه، أنفقه الله!. إن من أهم معاني الزواج وواجباته الشرعية أن يصبح الرجل صاحب مسؤولية يتحملها بعرقه وجهده ووقته؛ فإذا ما عجز عن ذلك فإن له أن يستقرض من أجل ذلك في حدود ما يستطيع؛ فإن لم يكن قادرا، فإن حكم الشرع هو أن من حق الزوجة طلب فسخ الزواج؛ فأين هذا الصنف من الأزواج الماديين العائشين على أنانيتهم، الغافلين عن ساعة منيتهم! أو قل: الذين يرجح على حيهم ميتهم!. الحق أنني في شك أصلا من شرعية زواج مثل هذا بالنسبة لهذا الزوج؛ لأن النبي ﷺ يقول: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امريء ما نوى". وعن خيثمة قال: كنا جلوسا مع عبد الله بن عمرو، إذ جاءه قهرمان له، فدخل، فقال: أعطيت الرقيق قوتهم؟. قال: لا. قال: فانطلق فأعطهم، قال: قال رسول الله ﷺ : كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته ""١"، وعند أبي داود وأحمد: " كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت ""٢"؛

стр. 42

فما بالك بمن أصبح من الأزواج طوال دهره يعال، ولا يحس ولو ضرب بالنعال! "١".

стр. 43

آيات قرآنية وأحاديث نبوية في الموضوع: وإن كان لأحد من هؤلاء الرجال شبهة تجعله يتورع عن القول بتحريم مال الغير، ولاسيما النساء العواني، فها هي أمثلة ونماذج قليلة من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، فليستمع إليها أو يقرأها من يتحجج بالشرع، أو من يدعي من هؤلاء الوقوف عند حرمات الله وحدوده، فها هي بعض نصوص وحي الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ "٢". وقال سبحانه: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ "٣". وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ "٤".

стр. 44

وقال عز من قائل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ "١". وقال ﷺ : "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي" "٢". وقضى ﷺ : " أن لا ضرر ولا ضرار" "٣". قال ﷺ في خطبته في حجة الوداع: "أي يوم أحرم؟ أي يوم أحرم؟ أي يوم أحرم؟ ". فقال الناس: يوم الحج الأكبر يا رسول الله. قال: " فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا لا يجني جان إلا على نفسه، ولا يجني والد على ولده، ولا ولد على والده، ألا: إن المسلم أخو المسلم؛ فليس يحل لمسلم من أخيه شيء إلا ما أحل من نفسه، ألا وإن كل ربا في الجاهلية موضوع، لكم رءوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون غير ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، ألا وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع، وأول دم وضع من دماء الجاهلية دم الحارث بن عبد المطلب كان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل، ألا واستوصوا بالنساء خيرا، فإنما هن عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا، ألا إن لكم على نسائكم حقا، ولنسائكم عليكم حقا، فأما حقكم على نسائكم فلا

стр. 45

يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وإن حقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن ... " "١". وفي لفظ للحديث أنه قال ﷺ : "يا أيها الناس: أتدرون في أي شهر أنتم؟ وفي أي يوم أنتم؟ وفي أي بلد أنتم؟ قالوا: في يوم حرام، وشهر حرام، وبلد حرام، قال: "فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقونه"، ثم قال: "اسمعوا مني تعيشوا: ألا لا تظلموا ألا، لا تظلموا، ألا لا تظلموا، إنه لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس منه، ألا وإن كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية تحت قدمي هذه إلى يوم القيامة، وإن أول دم يوضع دم ربيعة ابن الحارث بن عبد المطلب، كان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل، ألا وإن كل ربا كان في الجاهلية موضوع، وإن الله قضى أن أول ربا يوضع ربا العباس بن عبد المطلب لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض "، ثم قرأ: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ ، ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون، ولكنه في التحريش بينكم، فاتقوا الله في النساء؛ فإنهن عندكم عوان، لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإن لهن عليكم، ولكم عليهن حقا: أن لا يوطئن فرشكم أحدا غيركم، ولا يأذن في

стр. 46

بيوتكم لأحد تكرهونه، فإن خفتم نشوزهن، فعظوهن واهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربا غير مبرح". قال حميد: قلت للحسن: ما المبرح؟. قال: المؤثر. "ولهن رزقهن، وكسوتهن بالمعروف، وإنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ومن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها". وبسط يديه فقال: "ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟ ثم قال: ليبلغ الشاهد الغائب، فإنه رب مبلغ أسعد من سامع". قال حميد قال الحسن حين بلغ هذه الكلمة: قد والله بلغوا أقواما كانوا أسعد به""١". وقال الإمام البخاري في صحيحه: ""باب هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها، قال إبراهيم: جائزة وقال عمر بن عبد العزيز: لا يرجعان. واستأذن النبي ﷺ نساءه في أن يمرض في بيت عائشة، وقال النبي ﷺ : "العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه"، وقال الزهري فيمن قال لامرأته: هبي لي بعض صداقك، أو كله، ثم لم يمكث إلا يسيرا حتى طلقها؛ فرجعت فيه. قال: يرد إليها إن كان خلبها، وإن كانت أعطته عن طيب نفس ليس في شيء من أمره خديعة جاز؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ﴾ "٢"". وعن حكيم بن حزام قال سألت النبي ﷺ فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم قال: "هذا المال وربما- قال سفيان قال لي يا حكيم إن هذا المال- خضرة حلوة؛ فمن أخذه بطيب نفس؛ بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف

стр. 47

نفس، لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى""١". وروى الإمام أحمد عن أبي حميد الساعدي-معلقا- أن النبي ﷺ قال: "لا يحل للرجل أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه"؛ وذلك لشدة ما حرم رسول الله ﷺ من مال المسلم على المسلم""٢". وعن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه؛ فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة"؛ فقال له رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟. قال: "وإن قضيبا من أراك" "٣". وفي لفظ الحديث عند مالك في الموطأ: "قال: وإن كان قضيبا من أراك، وإن كان قضيبا من أراك، وإن كان قضيبا من أراك". -قالها ثلاث مرات-"٤".

стр. 48

حل المشكلة: وإن سأل سائل: فما الحل لهذا الداء العضال، وماذا نصنع بهؤلاء الرجال؟. فالجواب هو: - أولا: الوقاية قبل العلاج: هناك حل وقائي يجب على أولياء المرأة أو وليها أن يتنبه له، وهو أن يجتهد في التعرف على الشخص المتقدم له، وذلك من حيث الاستقامة

стр. 49

والدين والخلق والسيرة، ومن ذلك أن يتعرف على طبيعة الشخص هل عنده مادية وحب زائد للدنيا؟ وهل له رغبة في أن يستغل الزوجة ماديا؟ وقد يتضح هذا من خلال كلامه، ومن خلال سيرته، ومن طبيعة تفكيره، وقد يكون لوضع الشخص المادي أحيانا أثر في هذا التوجه. فإذا ما تبين للولي أن الرجل من هذا الصنف، فإياه ثم إياه من الإقدام على إعطائه، وليتق الله ربه؛ فإنها أمانة عنده، فلا يخن الأمانة، ولا يغش من هو في مكان الناصح له. أيها الأولياء، اتقوا الله، واحذروا -قبل الزواج-هذه الذئاب البشرية، فلا تدفعوا بناتكم إلى براثنها؛ فتفترسها تحت سمعكم وبصركم، فلا تتمكنوا من استنقاذهن إلا بعد أن يصيبوهن إصابات بليغة في نفوسهن وعقولهن وأجسادهن وأموالهن!. - ثانيا: حل المشكلة بمبادرة من الزوج: أما في حال حدوث هذا الأمر، فأول الحلول وأولاها أن يبدأ الحل من هؤلاء الأزواج أنفسهم؛ فيستغفروا الله ويتوبوا إليه، ويعتذروا لمن ظلموه، ويعيدوا ما أخذوه ظلما وعدوانا، ولكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون. وهذا الحل لا يغني عنه -في حق هؤلاء الأزواج- أي حل آخر، ولا تبرأ ذمتهم بغيره؛ وذلك لما عليهم من خطورة عظيمة بعدم المبادرة إليه، وهي خطورة تنالهم في عباداتهم وفي حياتهم في الدنيا وفي حياتهم في الآخرة؛ وذلك لأن كثيرا منهم يدخل عليه هذا المال المأخوذ ظلما في صيامه وفي

стр. 50

صلاته وفي حجه وفي صدقاته وفيما ينبت عليه جسده؛ إذ يصرف من هذا المال في كل ذلك شاء أم أبى؛ فعياذا بالله من حال كهذا. وعلى من تعلل له نفسه بأمنية أن يكون هذا المال حلالا أن يأتي بآية صريحة بذلك، أو بحديث صحيح صريح. وهيهات أن يجد في دين الإسلام ما يسعفه بهذا المطلب الظالم، أو بالظلم للمسلمين والمسلمات، بل إنه في الوقت الذي لا يجد فيه ما يسعفه بطلبته من آيات الكتاب العزيز والسنة المطهرة؛ فإن الآيات والأحاديث تترى لبيان الحق اليقين بأن الظلم لا يحل لأحد، وبأن أكل المال الحرام لا يحل لأحد، مهما كان صاحب هذا المال: غنيا أو فقيرا، قويا أو ضعيفا، رجلا أو امرأة!. فالتوبة التوبة، أيها الناس، قبل أن تؤخذوا بالحوبة؛ فيغلق عليكم الباب، وتواجهون الحساب. وإذا قدرت على الناس، فتذكر قدرة الله عليك، واعلم أن الله عليك أقدر، وأنه لا مفر لك منه سبحانه. وعلى الناس أن يذكروا كل من وقع في مثل هذا الإثم؛ فإن هذا من حقه عليهم وحق المسلمين جميعا. ولا شك في أن أي زوجة يسرها -وترضى- بأن يعود زوجها، الظالم لها، إلى الجادة، وتستمر حياتهما على الوئام والصفاء، في أخوة لا ظلم معها. - ثالثا: الحل إذا لم يبادر الزوج: - فإن لم يفعل الأزواج، ولم يتوبوا؛ فإن الواجب على المظلوم أن لا يقر

стр. 51

الظلم، وأن يأخذ بالأسباب التي جعلها الله له للخروج من هذا الظلم، ومنها: البيان له والإيضاح والإفصاح، ومنها: مطالبته بالتي هي أحسن بالكف عن الظلم، ومنها: توثيق الحقوق، ومنها: الشكوى إلى من ينصف منه، ومنها: مخاصمته لدى القاضي، ومنها: الدعاء عليه، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب!. - وينبغي أن تعلم الزوجة منذ البداية أن الأمر يعنيها بالدرجة الأولى، وأن الحل يرجع إليها بالدرجة الأولى كذلك، وتستطيع أن تقوم بما لا يستطيع سواها؛ فعليها أن تتنبه، منذ البداية، إلى معرفة حال الزوج وأخلاقه وما يريده أيضا تجاه هذا الأمر؛ فإن تبين، لها بوضوح أن الزوج من هذه النوعية من الناس؛ فعليها أن تتوصل إلى حل سريع واضح معه، وإلا فعليها أن لا تترك لنفسها الإيغال في المشكلة، وأن تسعى مع وليها لحسم الداء منذ البداية. وهذا خير ألف مرة من التسويف إلى أن يطفح الكيل وتتعقد المشكلة. ولكن، إياها وسوء الظن والتسرع في غير موضعه؛ فكم نجم عنهما من المصائب، ولا سيما بالنسبة لطبائع غالب النساء، وأن تتحرس من الظلم ومن هدم سعادتها بيديها بسبب سوء الظن والتسرع والظلم. وعلى المرأة وولي أمرها أن يعلموا أن الأخذ بالحل في أول المشكلة هو المتعين عقلا وشرعا، وأن الصواب أن يكون الحل بيدهم، لا بيد عمرو. وأنه على الرغم من أن هذا هو الحل إلا أنه صعب، لكنه لابد منه إذا كان هو الحل؛ فعليهم أن يقدموا، ويوطنوا أنفسهم عليه، وأن يعلموا أنه أفضل

стр. 52

وأيسر من الصبر على المشكلة وتأخير حلها، أو تجاهلها متحملين في سبيل ذلك كل ما ينشأ عنه من منغصات وعواقب وخيمة. - وينبغي للقضاة أن يتفهموا هذه المشكلة، وأن ينصفوا المظلومين؛ فإنه بغض النظر عن الآراء الفقهية فقد قال ﷺ : "انصر أخاك ظالما أو مظلوما"؛ فلا يدخلوا في ذممهم ظليمة ظالم أو مخالفة لأمر النبي ﷺ هذا وأمثاله؛ فلا يصح للقاضي أو سواه أن يثير في نفس المرأة المظلومة من زوجها مشاعر الحزن والأسى أو الخوف من المستقبل بعد الفراق؛ فلا ينبغي أن يفعل ذلك طمعا في إعادتها إلى الوضع الذي جاءته متظلمة منه؛ بل عليه أن يكون ناصحا لها، وليس النصح لها منحصرا في إلزامها بالبقاء في عصمة الزوج على الظلم، فالواجب التثبت من قضيتها ثم إنصافها من ظالمها. - وعلى المجتمع المسلم، بأسره، أن يسهم في علاج هذه المشكلة، وأن يسعوا في رفع هذه المظلمة الاجتماعية، كل فيما يخصه، وبما يستطيع: *فأولياء أمور النساء عليهم مسؤولية، تبدأ من مسؤولية الاختيار، ثم مسؤولية الرعاية والاطمئنان على حال بناتهم، ثم الوقوف معهن بالنصرة والتأييد والحماية، بعد التثبت المؤكد. *كما أن على الآباء خاصة أن يتقوا الله تعالى في بناتهم وفلذات أكبادهم؛ فلا يضيعوهن بأي سبب، سواء كان بالتفريط وعدم المبالاة وعدم حسن الاختيار، أو كان بعضل بناتهم من الزواج رغبة في استغلالهن وتشغيلهن، كما لو كانت ابنته عنده جارية أو أمة؛ ومثل هذا لا يقدم عليه

стр. 53

إلا من أصيب بالعمه!. والأب الذي يقع في مثل هذا الظلم ليته لم يلد، بل ليته لم يولد!. من خطوات الحل للخلاف إذا وقع بين الزوجين، في بعض مراحله، اختيار حكمين مرضيين من الطرفين؛ ينظران في القضية، ويتثبتان منها، ويتخذان الحل المناسب، سواء كان ذلك على أساس بقائها في عصمة الزوج، أو التفريق بينهما؛ وذلك امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ "١". لكن ينبغي أن يعلم أن هذا الحل له موضعه، فليس هو في كل حال، وإنما هو في الحال التي أراد الله سبحانه تطبيقه فيها؛ وهي حينما يكون الأمر-من الخلاف والمشكلات-متوافرا فيه قيدان: الأول: أن يكون في دائرة ما يمكن تحمله شرعا؛ وذلك لأن مخالفة الشرع لا تجوز؛ فهناك حالات لا يجوز السكوت عليها أو الرضا بها شرعا. الثاني: أن يكون في دائرة ما يمكن تحمله وإطاقته ممن يعاني من المشكلة أو المشكلات، فيمكن تحملها عندئذ إلى جانب المعالجة لها؛ لأن هناك حالات ليس في مقدور الإنسان إطاقتها أو الصبر عليها؛ وقد قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ، وكذلك لأن هذا الدين من أهم مقاصده تحرير الإنسان من العبودية لغير الله سبحانه، وإنقاذ الإنسان من

стр. 54

الظلم- بما في ذلك ظلم الإنسان لنفسه- بل قد تقرر في هذا الدين تحريم الظلم والتعدي على الحيوانات، بما فيها الكلاب!. وكذلك إذا تعدى الظلم المظلوم ذاته إلى سواه من الأهل والأولاد؛ فإنه ليس من حق الزوجة أن تصبر على ذلك بحجة أنها تتحمل الأمر بأي حجة من الحجج، كأن تتصور أن الأمر يتعلق بها هي فقط. على أنه ليس المراد بهذا الدعوة إلى اتخاذ الفراق بين الزوجين حلا دائما أو في مقدمة الحلول؛ إنما المراد وضع النقاط على الحروف وفق المعروف الذي أمر الله بأن تكون عليه الحال بين الزوجين؛ وهذا هو الأمر الذي يجب أن يحققه الزواج بين المسلم والمسلمة. *وأقارب الزوج عليهم مسؤولية النصرة للحق وإنصاف الزوجة المظلومة من قريبهم، وقد يقومون بما لا يقوم به سواهم. *والخطباء عليهم حق ومسؤولية تجاه معالجة هذه المشكلة، وتجاه بيان الحق للناس وأسباب السعادة في الدنيا والآخرة، *وأهمية البعد عن المال الحرام، وبيان عواقبه في الدنيا وفي الآخرة. *والقضاة عليهم مسؤولية مناصرة المظلوم وإنصافه من الظالم. *والجهة التي تعمل عندها المرأة عليها مسؤولية، بأن تتثبت مما يظهر من حالات الظلم؛ فلا تكون سببا في تسهيله. *وعلى الدولة وولي أمر المسلمين مسؤولية التحسس من مثل هذه الظلامات، وإنصاف المظلومين، وردع الظالمين، وتوقيع العقوبات الصارمة لكل من يتبين تورطه في مثل هذا المسلك.

стр. 55

نسأله تعالى الهداية والتوفيق، وأن يجنبنا الحرام والظلم، وأن يجعلنا هادين مهديين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. تحدث أحدهم عن الفقر والغنى. فقلت له: الفقر والغنى ليس هنا؛ فقد قال أحد العلماء: الفقر والغنى ليس في هذه الدار، وإنما يوم القيامة إذا وزنت الأعمال، وأخذ كل كتابه بيمينه أو بشماله!. فأين الباحثون عن الغنى والساعون في تحقيق المنى؟! ألا يسعون في كسب الغنى الحقيقي؟!.

стр. 56

التأويل في العقيدة العقيدة في الله تعالى عقيدة توقيفية، يتلقاها عبيد الله بخبر الله سبحانه عن نفسه-في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ -فليست العقيدة أمرا اجتهاديا؛ فتختلف فيه أنظار المجتهدين، ولكنها خبر الله وخبر رسوله ﷺ عن الله وأسمائه وصفاته وعن ثوابه وعقابه، وعن أخبار اليوم الآخر. وما من شك في أن كلام الله ﷻ ، وكلام رسوله ﷺ قد وضح العقيدة التوضيح الذي أراده الله تعالى، وهو التوضيح الذي لا لبس فيه ولا نقص. فمن أراد اتباع ما أنزل الله فهو يكفيه ويشفيه، ومن لم يرض بما أنزل الله؛ فإنه لا يكفيه، ولا يشفيه. وما أشد العجب من مسلم، بل عالم أيضا، ثم يأتي إلى الآيات والأحاديث الصحاح في العقيدة فيؤولها، ويصرفها عن ظاهرها المراد، بغير

стр. 57

دليل، مخالفا لمنهج أهل السنة والجماعة؛ فلا هو الذي وسعه ما جاء في الآيات والأحاديث، ولا هو الذي رضي لنفسه ما رضيه الرسول ﷺ لنفسه ورضيه أصحابه من بعده وأئمة الهدى من أهل السنة والجماعة!. وإذا اشتبه على المسلم آية أو حديث رد ذلك إلى ما لم يشتبه من سائر الآيات والأحاديث. وما أشد العجب من مسلم -عالم، أو غير عالم-يحدد عقيدته من خلال أحاديث تروى عن الرسول، وهي لا تثبت عنه ﵊، أو أنه لا يدري هل هي ثابتة عن رسول الله أو لا!. وما أشد العجب من مسلم يتابع في أمر العقيدة غيره دون تثبت!. وما أشد العجب من مسلم يجامل الناس في أمر عقيدته!. وما أشد العجب من مسلم صرفه قصده تنزيه الله عن الاتباع لكلام الله في أمر العقيدة!. وما أشد العجب من مسلم صرفه قصده الاتباع لكلام الله في العقيدة عن تنزيه الله!. الله أخبرك؛ فأي حرج أو غضاضة أو نقص أو خلل لو قبلت كلام الله وخبره وأمره على الوجه الذي أراده الله؟!. وأي شيء يعوضك عن كلام الله وأمره وخبره وهدايته؟!. وكيف يستقيم أن يخبرك الله -مثلا-عن نفسه؛ فتقول: لا، الله ليس هكذا، وإنما هو كذا وكذا؛ فتذهب إلى التأويل غير المشروع، وهو المخالف لأدلة الشرع!.

стр. 58

أأنتم أعلم أم الله؟!. أثبت ما أثبته الله وانف ما نفاه الله، على الوجه الذي أراده الله، ترح نفسك يا عبد الله. والحمد لله رب العالمين. *على الرأس والعين كتاب الله، وعلى الرأس والعين سنة رسول الله ﷺ ، وأما أخطاء الناس فمرفوضة، ولو كان أصحابها معذورين مأجورين.

стр. 59

شرف العلم ومسؤوليته العلم شرف ومسؤولية، والعلم زينة قد يتزين بها الخالي منها أو العاطل عنها، وحسبك بالعلم شرفا أن يدعيه من ليس من أهله، وأن يتبرأ من الجهل من هو من أهله، كما قيل!. لكن شرف العلم لا يثبت في الحقيقة إلا لمن كان من أهله: علما وعملا، معرفة وسلوكا، علما وخلقا!. أما العلم بدون ذلك، فهو لا يعدو أن يكون حجج الله على الهالك! نعم! إنه حجج الله يجمعها الإنسان على نفسه؛ ثم هو في الوقت نفسه-في هذه الحال-إنما هو إدانة الإنسان لنفسه بنفسه؛ وذلك حين يقول الإنسان في شأن أمر ما: هذه وجهته، ولكنه يعود فينتكس عمليا؛ فيسلك طريقا غير الذي قال للناس إنه هو الصواب!. إنه، في هذه الحال، من عقوبة الله له أنه يفضح نفسه بنفسه! ثم هو لا شرف له، ولا فضل له في هذا العلم الذي لم يزك به نفسه، بل شانها بمخالفة ما أنعم الله عليه بتعليمه وجه الحق والصواب فيه!.

стр. 60

لو كان للعلم من غير التقى شرف ... لكان أشرف خلق الله إبليس! أعلمت هذا يا من شغله الدرس والتدريس!. قلت: العلم يتخذه بعض الناس للتزكية، لكن بعض الناس يتخذه للتذكية، فبعض الناس يزكون به أنفسهم، وبعض الناس يذكون به أنفسهم. وليس بين التزكية والذكية في الكتابة سوى إبدال حرف بحرف!. كما أنه ليس بين التزكية والتذكية في التطبيق والسلوك سوى إبدال حرف بحرف؛ وذلك بأن ينحرف الإنسان من وجهة إلى وجهة!. وهكذا حرف بحرف، وإلى الله القبول أو الصرف!. إن شرف العلم لا يناله من لم يقدر مسؤولية العلم؛ كما أن من قدر مسؤولية العلم من العلماء نال شرفه. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا!. *ذكرت مرة لبعضهم ما كان لي من مواصلة ساعات طويلة مع الحديث وكتبه، وأنني كنت مسرورا بذلك التعب؛ فقال لي: نعم، والله من يكون مع كتب الحديث يكون في غاية الأنس. فقلت له: وقد يفر من الإنس!.

стр. 61

أصناف الناس مع الحق الناس أصناف مع الحق: - فصنف هدفه وهمه الحق؛ فعنه يبحث، وإياه يقصد؛ فمتى ما وجده أخذ نفسه به، وخضع له. - وصنف يجادل ويناظر، لكن متى ما عرف بالحق، عرفه وخضع له، وألزم نفسه به؛ فيعود للحق من قريب. - وصنف لا يعترف بالحق ولا يخضع له، بل تراه يناظر ويكابر، حتى يدخل المقابر!. *قد ترى أحدهم يطعن في إمام، أو في عدد من الأئمة، طمعا في الإمامة! قلت: ومثل هذا حقه أن يرمى في القمامة!.

стр. 62

وقفة عند الصلاة الصلاة فريضة من الفرائض التي فرضها الله على عباده. وهي ركن من أركان الإسلام الخمسة، وقد فرضها الله سبحانه من فوق سبع سماواته!. وقد جعل الله تركها كفرا، قال ﷺ : "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة؛ فمن تركها فقد كفر"" ١". فأي عبادة أعظم من هذه التي: - الله فرضها. - وفرضها من فوق سبع سماوات حين عرج برسول الله ﷺ إلى السماء السابعة. - وجعلها الله ركنا من أركان الإسلام الخمسة. - وحكم بكفر تاركها. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ " ٢". هيئة الصلاة: إن أداء الصلاة هو أفضل الأعمال بعد الشهادتين. ولكن لا يقبل الله الصلاة من العبد حتى يؤديها على الصفة الشرعية التي أمره بها؛ ولهذا لم يأت الأمر في القرآن بالصلاة بأن يقول: صلوا، وإنما جاء

стр. 63

الأمر بالصلاة في القرآن بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ " ١"؛ فهو أمر بإقامتها، وليس أمرا بمجرد أدائها أو فعلها. وإقامة الصلاة لا تكون إلا بثلاثة أشياء"٢": الأول: أداؤها. الثاني: إعطاؤها حقوقها من الأركان والواجبات والشروط والسنن. الثالث: المداومة عليها. فمن ترك واحدا من هذه الثلاثة لم يقم الصلاة؛ فليراجع إيمانه، وليتق الله ربه؛ فإن الصلاة آخر ما يبقى من دين المرء؛ فقد جاء في الأثر: "أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة""٣". قال الإمام أحمد: "فصلاتنا آخر ديننا، وهي أول ما نسأل عنه غدا من أعمالنا، فليس بعد ذهاب الصلاة إسلام ولا دين؛ فإذا صارت الصلاة آخر ما يذهب من الإسلام، فكل شيء يذهب آخره: فقد ذهب جميعه"!.

стр. 64

من الأعمال المطلوبة في الصلاة: - مما يجب فعله للصلاة أن تكون الصلاة على طهارة؛ فالصلاة التي على غير وضوء -مثلا- صلاة باطلة؛ قال ﷺ : "لا يقبل الله صدقة من غلول، ولا صلاة بغير طهور" "١". - ومما يجب مراعاته في الصلاة الاقتداء فيها برسول الله ﷺ ، قال ﷺ : "وصلوا كما رأيتموني أصلي" "٢"؛ فالصلاة الصحيحة هي المطابقة لطريقة النبي ﷺ في صلاته من أولها إلى آخرها في الأفعال والأقوال والصفة. - ومما يجب مراعاته في الصلاة الخشوع فيها؛ فصلاة بلا خشوع كجسد لا روح فيه، والجسد بدون روح يدفنه أهله!. والخشوع في الصلاة إنما يكون سببه الفهم والتدبر لمعاني ما يقوله المصلي من قراءة وذكر ودعاء، ومن أسبابه كذلك كثرة ذكر الله ومحبته والخشية منه، وكذلك استشعار المصلي عبوديته لله وأنه مخلوق لله، وأنه في حكم الله . الخاتمة: وختاما، فيا أيها الإنسان: - صل لله وحده لا شريك له، بدون رياء ولا سمعة. - تطهر للصلاة كما أمرك الله. - اطمأن في صلاتك، ولا تستعجل فيها استعجال من ليس حريصا على قبولها.

стр. 65

- اخشع في صلاتك. - اقرأ الفاتحة وما تيسر من القرآن في كل ركعة، وتدبر القرآن. - اذكر الله وادعه بصدق وخوف ورجاء. - اركع واسجد لله وأنت تشعر أنك تركع وتسجد لخالقك سبحانه. - لا تترك شيئا من أفعال الصلاة وصفاتها. تقبل الله منا صلاتنا، إنه هو السميع المجيب. والحمد لله رب العالمين. *أكثر الهالكين، إنما هلكوا بساعة، فما دونها، من الراحة، آثروها على التعب في طاعة الله، أو الفضائل والمروءة: - فهذا نام عن الصلاة، أو عن صلاة الجماعة. - وهذا نام عن الجهاد. - وهذا نام عن فعل المعروف. - وهذا نام عن نجدة الملهوف. - وهذا نام عن صلة الرحم. - وهذا، وهذا ... إلى آخر ما هنالك، وكم في الناس من هالك؛ ثم لم تنفعه الراحة ولم تدم، وإنما أورثته ندما، أو جعلته يبكي الدمع دما!.أكثر الذين هلكوا، أو خسروا، إنما كان لهم ذلك بفوات موعد الخير بدقائق، نعم: دقائق اختاروها نوما، أو راحة، أو فراغا؛ ففاتهم الخير والنجاة!.

стр. 66

بعدها يحمد أو يدرك الإنسان العاقبة ! - بعد غروب الشمس يحمد الصائم العاقبة!. - بعد طلوع الفجر يحمد القائم لصلاة الليل العاقبة!. - بعد مرور لحظة الانتصار على الهوى والاستعلاء على تزين المعصية يحمد الإنسان العاقبة، أو يحمد الله على السلامة والعافية!. - بعد ظهور نتيجة الامتحان يحمد المجد عاقبة اجتهاده!. - بعد الخسارة يدرك الإنسان قيمة المال!. - بعد التجربة يدرك الإنسان قيمة الرجال!. - بعد النوائب ووقفة الصديق إلى جانبك تحمد عاقبة الصداقة!. - بعد النوائب وتخلي الصديق عنك تحمد عاقبة التنبه للصفاقة!. - بعد إدراك الغاية يحمد العاملون عاقبة تضحياتهم!. - بعد التحلي بالفضائل يحمد المجاهدون لأنفسهم عاقبة المجاهدة!. - بعد استحكام الرذائل يعرف الناس قدر الأفاضل!. - بعد ضياع الأخلاق يذوق المفرطون عاقبة تفريطهم في التربية!. - بعد الموت يدرك الناس قيمة الحياة!. - بعد الربح يدرك التاجر عاقبة التجارة!. - بعد الحصاد يحمد الزارع عاقبة التعب والزراعة!. - بعد النصر يحمد المجاهدون عاقبة الجهاد في سبيل الله!. - بعد رؤية الاستقامة يحمد الوالد والمربي عاقبة التربية وعنائها!.

стр. 67

- بعد المرض يدرك الناس قدر الصحة!. - بعد الموت يدرك الطائعون قدر الطاعة، ويحمدون العاقبة!. - بعد الحساب يدرك الناجون فضل الله عليهم، ويحمدون العاقبة!. - بعد النجاة في الآخرة يحمد الصابرون عاقبة الصبر لله!. - بعد الحساب يدرك الناس الفرق بين الطاعة والمعصية، والفرق بين الفضيلة والرذيلة!. - بعد الحساب يوم القيامة وشفاعة الشفعاء يحمد المتحابون في جلال الله والمتآخون فيه العاقبة!. - بعد دخول الجنة يحمد الإنسان عاقبة التعلق بالآخرة والزهد في الدنيا ولهوها وأهوائها!. - بعد دخول النار يدرك الإنسان عاقبة الإعراض عن الآخرة والتعلق بالدنيا ولهوها وأهوائها!. - ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ "١". - ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ "٢".

стр. 68

- ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ "١". يا نفس ما هي إلا صبر أيام ... كأن مدتها أضغاث أحلام يا نفس جوزي عن الدنيا مبادرة ... وخل عنها؛ فإن العيش قدامي والصبر مثل اسمه مر مذاقته ... لكن عواقبه أحلى من العسل! *حدثت مرة طلابي محذرا لهم من إضاعة الوقت، ومبينا أن للناس مذاهب وطرائق في إضاعة الوقت؛ فمنهم من يضيعه في النوم، ومنهم من يضيعه في الكسل والقعود، ومنهم من يضيعه في الجلوس على الشاي والقهوة، ومنهم من يضيف إلى ذلك القهقهة، ومنهم من يضيعه في متابعة الأفلام والمسلسلات الهابطة. ثم قلت: وكم من إنسان حرص على المسلسل؛ حتى جيء به في آخر الأمر وهو مسلسل!.

стр. 69

في مفهوم الدعوة - كم من مشتغل بالدعوة يحتاج إلى دعوة!. - كم من مرب يحتاج إلى تربية!. - كم من مدرس يحتاج إلى تدريس!. - كم من معلم يحتاج إلى تعليم!. - عجبت للذين ينتهجون أسلوب الشدة في الدعوة؛ كأنهم لا يعلمون أن الغالب هو: أن الأساليب الدعوية الهادئة هي الأساليب الهادية، أو أن الأساليب الهادية هي الأساليب الهادئة! "١". *قلت مرة في مناسبة في موضوع التربية، على سبيل المزج بين الجد والهزل: الذي ما يمشي بالطيب يمشي بالطوب!.

стр. 70

مناجاة !! وعزتك وجلالك إني لا أستحق بشيء من صفاتي واحدة مما مننت به علي من نعمك وآلائك سوى أني عبدك!. وعزتك وجلالك إني لأستحق بأسمائك وصفاتك ما مننت به علي من نعم وآلاء!!.

стр. 71

فاللهم يا ذا العزة والجلال! أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تمن علي بدوام مننك وهباتك ونعمك علي في الدنيا والآخرة وأسألك كما مننت علي بها ابتداء، لجودك وكرمك ورحمتك، أن تمن علي بها انتهاء فتختم بها حياتي عند نهاية الأجل!. وأسألك اللهم يا ذا العزة والجلال والفضل والإحسان، كما مننت علي بنعمك وآلائك أن تمن علي بتوفيقي لشكرها لك كما ينبغي!. اللهم لك الحمد والشكر كما ينبغي لك!. اللهم لك الحمد والشكر كما ينبغي مني لك!. اللهم لك الحمد والشكر كما ينبغي لأسمائك وصفاتك! اللهم لك الحمد والشكر كما ينبغي لعبوديتي لك وعجزي وذلي وافتقاري! اللهم لك الحمد والشكر كما ينبغي لنعمك علي وآلائك! اللهم أستغفرك كما ينبغي لجلالك وأسمائك وصفاتك! اللهم أستغفرك كما ينبغي مني لك! اللهم لك الحمد والشكر بمثل ما حمدك وشكرك به سيد الحامدين والشاكرين محمد ﷺ ! اللهم أستغفرك بمثل ما استغفرك به سيد المستغفرين محمد ﷺ !

стр. 72

معايدة بالمعاني ! ها هو رمضان يودع أحبابه من المؤمنين الصائمين القائمين الراكعين الساجدين التالين للكتاب العزيز، وها هم يودعونه، يودعونه بالدموع واللوعة على فراقه! وكيف لا، وهو الشهر الذي عرفوه وعرفهم بالصيام حقا، وبالصلاة صدقا، وبالإخبات لله تعالى وذكره: حمدا وشكرا وتسبيحا!. فوداعا يا رمضان، يا شهر البر والإحسان، ويا شهر القرآن، ويا شهر العبادة والإخبات والتقرب إلى رب الأرض والسماوات!. ومن عجب أن لا يتفق الناس جميعا على هذا المعنى؛ وإنما ينقسمون إلى أقسام: - فمنهم من يحزن على فراق رمضان، ويأسف على انقطاع مواسم الخير فيه. - ومنهم من يفرح لذهاب رمضان الثقيل على نفسه؛ لأن ذلك فرصة له للتخلص من واجبات رمضان وتكاليفه ودروسه!. - ومنهم من يحزن لفراق رمضان لانقطاع مصالحه المادية!.

стр. 73

يا أيها المودع رمضان ! يا أيها المودع رمضان والمستقبل العيد بالمعاصي والآثام، والمستقبل العيد بنقض ما اجتهد فيه من الطاعة في رمضان بالمعاصي والآثام، وبالعودة إلى سابق عهده قبل رمضان أو أسوأ، لست أدري لماذا كنت مجتهدا إذن في العبادة في رمضان! لماذا تبني ثم تهدم!

стр. 74

إن من يجمع المال أو الذهب ويجهد نفسه في جمعه لا نراه يفرط فيه بعد ذلك، أو يتركه أو يهمله، أو ينفقه في ما ليس ضروريا، وليس من السهل عليه أن يفعل ذلك؛ فما بالك بما هو أهم من المال بكثير، بل لا مقارنة بينهما؛ بحكم الله تعالى حيث قال: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ "١"!. فلماذا هذا الهدم بعد البناء!. هل أصبح في عقلك شيء يا هذا!. لست أدري لماذا يقدم الإنسان على مثل هذا!. هل نسي؟!. أم قصد أن ينكص على عقبيه؛ فاختار غير ما كان قد اختاره في رمضان! هل اكتشف أنه كان في رمضان مخطئا في الاتجاه إلى عبادة الله تعالى، وذكره وقراءة كتابه!. أم أنه اختلطت عليه الأمور؛ فتوهم أن هذا هو طريق النجاة، بأن يلعب على الحبلين؛ فإذا جاء رمضان تعبد، وإذا ذهب رمضان أبعد!. وهل يريد أن يرضي الله سبحانه بهذين المسلكين أم ماذا؟!. - وهذا الذي يأتي عليه رمضان، وكأنه لم يأت، ولا يحرك ساكنا، ماذا دهاه؟! أليس هو مؤمنا بالله! أليس مصدقا بوعد الله ووعيده! ما له إذن ليس له فيه أثر، ولا يحرص على الثواب أو يجتنب العذاب والخطر!. - يا أيها الأخ العزيز، ويا أيتها الأخت العزيزة، هنيئا لكما بالتوفيق في

стр. 75

رمضان الذي نرجو أن نكون جميعا من أهله، والأمل أن تكون المحافظة على التوفيق من أهم واجباتنا وغاياتنا في أوقاتنا إلى أن يأتي رمضان آخر. - ويا أيها الذي فرط في رمضان ما الذي ستعمله الآن؟! هل ستزيد في الحسنات أو ستزيد في السيئات!. - ألا تعلم أيها الأخ وأيتها الأخت أن الأعمال بالخواتيم، وأن التوبة تجب ما قبلها!. - أيها الساهر في غير ما يسهر له عباد الله الصالحون. - أيها المستيقظ في غير ما يستيقظ له عباد الله الصالحون. - أيها النائم عما يستيقظ له عباد الله الصالحون. - أيها الساعي في غير ما يسعى له عباد الله الصالحون. - أيها القاعد عن السعي في ما يسعى له عباد الله الصالحون. - ما الذي يسهرك؟!. - ما الذي يوقظك؟!. - ما الذي يدعوك لهذا النوم؟!. - ما الذي يدعوك لهذا السعي؟!. - ما الذي يدعوك لهذا القعود؟!. وحتى متى ستستمر على هذه الحال؟! وإلى أين المسير؟!. هلا حددت الغاية قبل هذا كله؟!. هلا عرفت العاقبة والنهاية قبل هذا كله؟!. يا أيها المتكلم هل حددت-قبل أن تتكلم-: لماذا تتكلم؟! وهل ذلك
следующие страницы →