الرغم من تحصيله للمعلومات، إلا أنه ميت من الأموات، إذ لم يحي بالعلم، فلم يذكر ولم يشكر ولم يخبت؛ فالفرق بين الاثنين كالفرق بين الحي والميت، ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ "١".
*- ومن الفوائد والدروس، أيضا: ما قد تبين لنا من اختلاف موقف الإنسان الذي ينبغي أن يكون عليه في شأن العلم، وموقفه مع المال، وذلك لأن المال يكون في حكم الإنسان؛ فيتصرف فيه الإنسان.
أما العلم فعلى عكس ذلك، إذ الواجب على الإنسان أن يحكم نفسه بالعلم، ويضع نفسه في موضع المتصرف فيه العلم، لا المتصرف هو.
*- ومن الفوائد والدروس، أيضا: أنه قد تبين لنا أن من دلائل استفادة الإنسان بالعلم أن يكون خاضعا للعلم، ومخضعا حياته له، وأما إذا أخضع الإنسان علمه بالشريعة لنفسه وأهوائها ورغباتها فهذا من علامات شقائه بالعلم.
*- ويتضح لنا جليا أن العبرة إنما هي بهمم الرجال وإرادة الرجال، لا بما يبدو للناس دائما من قدرات جسمية؛ فهذا الشيخ عبد العزيز، قد عاش حياته مكفوف البصر؛ لكنه لم يقعد في بيته وينتظر من الناس أن يصرفوا عليه ويخدموه؛ وإنما انطلق هو وواصل ليله بنهاره؛ ليحسن إلى الناس:
- فواصل الليل بالنهار لخدمة الناس وقضاء حاجاتهم.
- وواصل الليل بالنهار؛ ليدل الناس على الطريق -وهو الكفيف، وهم
стр. 142
المبصرون- يدلهم على الطريق الصحيح والمنهج السديد للوصول إلى رضوان الله تعالى وجناته!.
- وواصل الليل بالنهار ليصرف على الناس المحتاجين.
- وواصل الليل بالنهار؛ ليدعو إلى الله تعالى بمختلف الطرق
والأساليب الناجحة.
- وواصل الليل بالنهار؛ ليعلم الناس الدين والعلم والأخلاق.
- وواصل الليل بالنهار؛ ليبني المساجد، ويساعد المراكز والهيئات الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها.
- وهذا هو الشيخ عبد العزيز، أيضا، يطلب العلم ويتدرج في مراحله حتى يصبح عالم الأمة؛ فكم فرج الله به من غمة، وكم هدى الله به من العباد-مع أنه رجل كفيف، وغيره مبصر-لكن الشيخ أراد أن يبصر؛ فأبصر، بإذن الله تعالى، أبصر ببصيرته التي نورها الله له بالعلم والهداية، وأمده الله بنور عيون إخوانه وأحبابه من المؤمنين؛ فقرءوا له، وكتبوا له ما أملاه عليهم.
أما كثير من المبصرين، فلم يستفيدوا من ضياء أعينهم التي أعطاهم الله إياها، فلم يستثمروها في طاعة ربهم، ولم يقرءوا بها الآيات والأحاديث والفقه والعلم؛ فما أعظم خسارتهم، وما أعظم غبنهم، سواء شعروا بذلك أو لم يشعروا، وسواء أدركوا ذلك في الدنيا أو في الآخرة!.
- تبين لنا من حياة الشيخ أهمية الأمور الآتي ذكرها، وحسن عاقبتها في الدنيا والآخرة، وهي أمور كان الشيخ ملتزما بها حتى أصبحت كأنها جزء
стр. 143
منه، ﵀، فمن ذلك:
- التقوى.
- الإخلاص والصدق.
- الفقه وسداد المنهج.
- المحافظة على الأوقات، واستثمارها في العلم والهداية.
- حسن الخلق، ومعاملة الناس بالتي هي أحسن.
- الحياة في ظل القرآن والسنة، والاحتكام إليهما بسماحة وعلى بصيرة.
- السلامة من الغل والحقد والحسد والغش، وسائر أمراض القلوب.
- الكرم والجود.
- السماحة في التعامل مع الناس، بمختلف صورها.
- حب الخير للناس، والسعي في إيصاله لهم بكل سبيل.
- النصح للناس جميعا حاكما ومحكوما، وكبيرا وصغيرا، وقريبا وبعيدا، وعالما ومتعلما، وطائعا وعاصيا، وموافقا ومخالفا!.
- الابتعاد عن ثلب الناس وتجريحهم.
- التواضع الجم في كل مواطنه، وبمختلف مظاهره.
- الاشتغال بالعلم بكل ما أوتي من الجهد والوقت.
- التوازن والشمول في العناية بمختلف أوجه الخير، والحرص على الخير في مختلف الميادين والأنشطة والطرق والأساليب.
- ملازمة ذكر الله تعالى سرا وجهرا.
- الالتزام ببرنامج ثابت في نوافل العبادات من صلاة وقراءة للقرآن
стр. 144
الكريم، ونحو ذلك.
وهكذا، فإن الأمر كما قال الله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ "١". والحمد لله رب العالمين.
مقترحات، ومقترحات على المقترحات:
بعد هذه الوقفات عند سيرة هذا الشيخ "عبد العزيز"، الذي مات،
ولكنه ما مات! ربما كان من المناسب أن نقف قليلا عند بعض المقترحات، وذلك فيما يلي:
أولا: ينبغي أن لا يغيب عن بال الإنسان ملحوظة مهمة في هذا الباب، وهي: أن العبرة ليست بالمدح والثناء على مثل هذا الإمام، وإنما العبرة بقبول ذلك عند الله تعالى، ولا يقبل الله إلا ما كان خالصا لوجهه، سبحانه، وكان صوابا؛ فينبغي للإنسان قبل أن يمدح الشيخ ويثني عليه أن يتحقق من نفسه مدى توافر هذين الشرطين في كلامه وعمله؛ لكي يؤجر.
ومما يزيد هذا الأمر أهمية، واقع الناس في هذا؛ فإنه-كما ذكر بعض السلف-على الرغم من أن شأن الجنائز من أمور الآخرة؛ إلا أن كثيرا من الناس يسعون فيها للدنيا والمجاملات. وهذا من الغفلة عن الله والدار الآخرة وعن المصيبة التي حلت بموت الميت!.
والعبرة بصدق العبارة وصدق العبرة.
ولهذا كان الحسن البصري-﵀-يقول: "إذا أظهر الناس العلم،
стр. 145
وضيعوا العمل، وتحابوا بالألسن، وتباغضوا بالقلوب، وتقاطعوا في الأرحام، لعنهم الله جل ثناؤه، فأصمهم وأعمى أبصارهم".
ثانيا: الشيخ عبد العزيز ابن باز، ﵀، يستحق كل ثناء صادق مأذون فيه شرعا. ويستحق كل رد للمعروف ينفعه عند ربه سبحانه. وهذا هو واجب المحب الصادق.
ثالثا: من الواجب على المسلم مراعاة الضوابط الشرعية في مثل هذه المواقف، ومن ذلك النهي عن الغلو والإطراء الذي نهى النبي ﷺ أمته أن تفعله معه ﵊. وهذا لا يتعارض-إطلاقا-مع أداء الواجب والاعتراف بالجميل والمكافأة الواجبة والمستحبة. أقول هذا في الوقت الذي أرى أنه لا خير فينا إذا نسينا مثل هذا الشيخ.
رابعا: لست، في الرأي، مع الإخوة الفضلاء الذين اقترحوا عدة مقترحات لتبجيل الشيخ ابن باز، رحمه الله تعالى، تبجيلا في نظري أنه لا ينفعه عند ربه، ومن تلك المقترحات-للتمثيل لا الحصر-:
١ - اقتراح من اقترح أن يغير اسم الجامعة الإسلامية بالمدينة، بحيث يصبح اسمها: جامعة الشيخ عبد العزيز ابن باز الإسلامية بالمدينة. وقد ورد هذا الاقتراح في محاضرة ألقيت عن الشيخ عبد العزيز بن باز"١".
٢ - اقتراح من اقترح أن يلقب الشيخ عبد العزيز بشيخ الإسلام.
ولا داعي-في رأيي- لهذين الاقتراحين؛ والجامعة الإسلامية بالمدينة جامعة
стр. 146
قائمة، وقد استقر اسمها منذ حوالي أربعين سنة، وهذا التغيير لا ينفع ابن باز، ﵀، وهو تغيير يتطلب تكاليف وجهودا لا طائل من ورائها، ثم إنه لو فتح هذا الباب لاتسع، كما لا يخفى. وأما اللقب فأمره واضح أنه لا يفيد، وأننا لم نصنع شيئا لو فعلنا ذلك، بل ربما أشعرنا الآخرين أننا نسعى وراء مثل هذه الألقاب، وربما فسر ذلك تفسيرات غير مناسبة.
فالذي أراه، وأقترحه، أن يصرف النظر عن مثل هذه المقترحات؛ وذلك لأمرين:
الأول: لأن هذه المقترحات ليس فيها جدوى، لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ فقد مضى الشيخ إلى ما قدم من الخير، إن شاء الله تعالى، وهو لا يدري عن مثل هذه الألقاب والمقترحات، ولا تزيده ولا تنقصه شيئا، ولا تنفعه عند ربه، سبحانه.
الثاني: لأن العبرة ليست بالألقاب، وإنما هي بالثواب. ونحن المسلمين ينبغي لنا-لاسيما علماءنا الأحياء، وفقهم الله-أن تكون نظراتنا ومنطلقاتنا دائما شرعية إيمانية ترنوا إلى الله والدار الآخرة.
خامسا: أقترح على ولاة الأمر في بلادنا وعلى القادرين والمحبين للشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز-رحمه الله تعالى، ووفقهم جميعا- أن يأخذوا بالأجدى والأولى، وهو المنتظر منهم، بأن يسعوا في رد شيء من معروف الشيخ علينا وعليهم وعلى هذه البلاد المباركة وعلى المسلمين عامة؛ ومن ذلك ما يلي:
أ- أن يقوموا ببعض الأعمال والمشروعات الخيرة الباقية النافعة للإسلام والمسلمين في الدنيا وفي الآخرة، التي يعود ثوابها للشيخ ولمن يقوم بها، وبهذا تلتقي جهودهم بعد وفاته كما التقت أيام حياته، ومن ذلك:
стр. 147
١- الاستمرار في ما كان قائما من أعمال ومشروعات أقامها أو بدأها الشيخ، سواء المشروعات العلمية، أو الخيرية أو الدعوية.
٢- إقامة بعض الأوقاف، من مراكز أو مدارس، أو جمعيات، أو مساجد أو صدقات، باسم الشيخ، في الداخل وفي الخارج. ويعود ثوابها على الشيخ وعلى القائمين بها.
ب- نشر علم الشيخ ودعوته، بالحكمة والاعتدال، والجد المتواصل، مترسمين في ذلك همة الشيخ، ﵀، ونشاطه، ومن هذا:
١- الحفاظ على منهج الشيخ ومدرسته الدعوية؛ فقد كان صاحب منهج متكامل في العقيدة والشريعة والأخلاق والآداب والدعوة؛ ولهذه المدرسة سمات ينبغي المحافظة عليها، وينبغي مراعاتها عندما ينشر علمه ودعوته؛ فيراعى في ذلك الحكمة التي كان يستمسك بها، وكذلك الاعتدال، وسمو الأخلاق، والكرم، والرحمة، والتقى، ورعاية الغايات والمقاصد، والشمولية والتوازن ... إلى آخر ما هنالك.
٢- ومن هذا أن يراعى فيما ينشر من أقواله وفتاويه مسألة الخصوصيات واختلاف الظروف.
٣- ومن هذا، أيضا، مراعاة تغير الاجتهاد؛ فلا يصح لنا أن ننشر عنه رأيا قد رجع عنه على أنه رأي له، ولا أن نقيم معارضة بين فتاويه المختلفة التي تغير فيها رأيه، كما أن من انتقل من رأي إلى سواه لا يصح أن يناقش ويناظر في ذلك الرأي الذي انتقل عنه، ومن تاب من أمر، أيضا، فإنه لا يصح أن يؤاخذ به -مع الفارق-.
стр. 148
٤- إصدار مجموعة كاملة بأعمال الشيخ العلمية. على أن يراعى في ذلك ما ذكرته من أمور في هذه المقترحات.
٥- إصدار ترجمة للشيخ، وافية متأنية موثقة، على أن يراعى فيها ما ذكرته من أمور في هذه المقترحات، أيضا.
وبمثل هذه المقترحات التي ذكرتها آنفا، نقوم ببعض المكافأة للشيخ عبد العزيز؛ فننفعه وننفع أنفسنا بما نحن في أشد الحاجة إليه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وإنني على ثقة بأن مثل هذه المقترحات لن تضيع سدى عند ولاة الأمر في بلادنا، وعند أهل الخير القادرين، وعند العلماء، وعند المحبين-جزاهم الله خيرا-وإنني أرجو من ورائها أجرا عند ربي أجده يوم أوارى عن الورى، حين يضمني الثرى؛ فلا أحد يسمع ولا أحد يرى، وأن يكون شريكا كل من يسهم في هذا المجال بقليل أو كثير. والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا، ولا حول ولا قوة إلا به، وهو العلي العظيم.
وفي الختام ندعو لشيخنا، فنقول:
اللهم إن شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز كان رحيما فارحمه.
اللهم إنه كان كريما فأكرمه.
اللهم إنه كان سمحا فسامحه.
اللهم إنه كان محسنا فأحسن إليه.
اللهم إنه كان مفرجا لكربات المسلمين ففرج عنه كربات يوم القيامة.
اللهم إنه كان قاضيا لحاجات عبادك فاقض حاجته.
стр. 149
اللهم إنه كان ودودا لطيفا فالطف به.
اللهم إنه كان صادقا ومصدقا بوعدك فأنجزه وعدك.
اللهم إنه كان معظما لك ولرسولك ﷺ ولكتابك ولسنة نبيك؛ فارفع درجته.
اللهم إنه كان يحبك ويحب رسولك فأحبه.
اللهم إنه كان يخشاك فأمنه.
اللهم إنه كان بعيدا عن حرماتك؛ فأبعده من عذابك ونارك.
اللهم إنه كان قريبا منك ومن طاعتك فقربه.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين.
الخميس ٥/٢/١٤٢٠هـ
*قال أحدهم وهو يتحدث عن الشيخ عبد الرزاق عفيفي، ﵀، وذلك قبل وفاته بسنوات: ذاك عالم رباني!.
فقلت: ليته رباني!.
ثم تحدثت عنه وعن فضله وبعض صفاته، وأنه ناقشني في رسالة الماجستير ورسالة الدكتوراه.
فقال بعض الحاضرين: إذن هو قد رباك فلم تقول ما قلت؟!.
стр. 150
حكمة
قال وهب بن منبه: "العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره، والعقل دليله، والصبر أمير جنوده، والرفق أبوه، واللين أخوه" "١".
قلت: فلا تنس عائلتك الطيبة هذه أيها المسلم الطيب!.
*أوصيت أحد طلابي على موضوع علمي، ووعدني بتنفيذه، فسألته عن اسمه، فقال: صالح تكروني. فقلت له: أرجو أن تذكروني!!.
стр. 151
عجبت !
عجبت لمن يرى زاجر الموت؛ فلا ينزجر!.
عجبت لمن يرى واعظ الموت؛ فلا يتعظ!.
عجبت لمن يرى الموت يخطف الأحياء ثم لا يرعوي عن غيه ومعاصيه!.
عجبت للمغتاب يرى الموت يخطف الناس؛ فلا يكف عن غيبته!.
عجبت للنمام يرى الموت يخطف الناس؛ فلا يكف عن التفريق بين الناس!.
عجبت للحاسد يرى الموت يأخذ الناس إلى الدار الآخرة؛ فلا يكف عن تعلقه بدنياه التي يحسد الناس عليها!.
стр. 152
عجبت للمستكبر يرى الموت يذل الناس، وينقلهم إلى حفرة القبر؛ فلا يتنازل عن كبريائه!.
عجبت للبخيل يرى الموت يأخذ الناس عن دنياهم، ويتركها لمن بعدهم؛ فلا يتنازل عن بخله!.
عجبت لمن يتعامل مع الناس على أساس حبه وبغضه، لا على أمر الله وشرعه، ويرى الموت يخطف الناس؛ فلا يكف عن سوء سيرته!.
يا هؤلاء إلى متى ستعيشون؟! وهبوا أنه قد تحقق لكم ما تريدون، ثم ماذا؟!. وعلى أي شيء تثابون عند الله وعلى أي شيء تعذبون؟!.
عجبت لمن يرى زاجر الموت؛ فلا ينزجر!.
عجبت لمن يرى واعظ الموت؛ فلا يتعظ!.
*قلت لطلابي مرة في معرض المقارنة بيننا وبين السلف الصالح- حثا لهم على الجد والاستقامة -وكيف أن خلقنا كخلقهم ولكن خلقنا ليس كخلقهم، وصورنا كصورهم، ولكن سيرنا ليست كسيرهم:
والصور قد تتقارب، ولكن السير تتفارق!!.
стр. 153
﵀، ويرحمه الله !
دقق بعض الناس في عصرنا حتى خرج عن التدقيق!.
ومن الأمثلة على هذا التدقيق الذي لم يحالفه التوفيق، ما رأيته من بعض الراغبين في الاتباع الذين يتحاشون-وأخشى أنهم يحرمون-كلمة: "﵀"؛ فيستخدمون مكانها: "يرحمه الله"، أو "عليه رحمة الله" دائما!.
لماذا؟. لأنهم يرون الأولى لا تجوز، والثانية تجوز!.
فعجبت، وقلت: هذا خطأ علينا-إن شاء الله-لا يجوز"١"!.
وكيف يمر علينا مثل هذا ونحن نحتكم إلى الكتاب والسنة، ملتمسين فقه نصوصهما الفقه السديد، بإذنه تعالى.
وبالتتبع للروايات الواردة-المرفوعة والموقوفة-يتبين أن كلا من الكلمتين جائز؛ لأن كلا منهما وارد، وكلا منهما معناه الدعاء، ولا فرق.
فإن قال قائل: "﵀" خبر، أما: "يرحمه الله" فإنشاء.
قلت معاني اللغة تأبى عليك أن تفسرها كما تشاء. والصحيح أن كلا من العبارتين تأتي خبرا، كما أنها تأتي إنشاء؛ وذلك بحسب نية المتكلم، وبحسب القرائن في الكلام.
ويقطع هذا النزاع ورود اللفظتين عن الرسول ﷺ ، وليس لأحد بعده مجال للزيادة أو النقص.
стр. 154
ومما ورد من ذلك عنه ﷺ ، قوله في الحديث عند البخاري عن عائشة ﵂: "سمع النبي ﷺ رجلا يقرأ في المسجد فقال: " ﵀ لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتهن من سورة كذا وكذا" "١".
كما ثبت كل من اللفظتين عن عدد من الأصحاب ﵃.
ثم لماذا لا يعترض المعترض أيضا على صيغة الدعاء بقولنا: ﵃؟. وما المقياس الذي يجعله يختار الإنكار في تلك، ويتجاهله في هذه؟!.
*قلت لطلابي مرة في شأن حرية الرأي ومنهجها: أما مسائل الاجتهاد فإن باب الاجتهاد والنظر فيها مفتوح، وليقل فيها الإنسان رأيه، فلا حجر ولا حجر، والحمد لله رب العالمين!!.
على أننا رأينا في الناس من أعد أحجارا، وليس حجرا، لكل مخالف له، ويرى أنه لا ينصر رأيه ومذهبه أو منهجه-الذي ربما لم يحالفه الصواب فيه-إلا بالقوارع مما تطوله يداه ولسانه، ويتقرب إلى الله بهذا المسلك.
стр. 155
الحياة مدرسة "١"
ها هو العام الهجري قد انقضى؛ فماذا صنعنا فيه وماذا أنجزنا؟!.
وهل استفدنا من هذه الدورة لمدة عام كامل في مدرسة الحياة، وهل علمنا أن الحياة مدرسة!.
إن الحياة كلها مدرسة، أو هكذا يجب أن تكون.
والأوقات والأحوال والظروف التي يمر بها الإنسان، أو تمر به، كلها فصول دراسية، يتلقى فيها الإنسان العاقل-ولاسيما المسلم-دروسا بليغة مفيدة إذا كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد!.
وهذه الدروس متنوعة:
- فمنها دروس ناطقة.
- ومنها دروس صامتة، متحركة أو جامدة.
- ومنها أوقات فارغة تنتظر منك أن تملأها بالنافع المفيد من العلم النافع والعمل الصالح.
ولكن الناس وإن دخلوا جميعا هذه المدرسة إلا أنهم لم يرضوا أن يكونوا جميعا تلاميذ يشاهدون دروس مدرسة الحياة، ويستمعون إليها، ويعنون بفهمها واستيعابها، ويعدون لامتحانها العدة سعيا إلى النجاح والفلاح، بل انقسم الناس إلى قسمين:
قسم أراد أن يكون من هذا الصنف الذي يتلقى دروس الحياة برغبة وعناية.
стр. 156
وقسم لم يرضوا بالإقبال على دروس مدرسة الحياة، بل لعلهم لم ينتبهوا أصلا إلى تلك الدروس وإن كانوا في الواقع يسكنون داخل مدرسة الحياة!!.
فيا لله ما أعظم الفرق بين هؤلاء وهؤلاء!.
وما أعظم الفرق بين أناس وأناس!.
وما أعظم الفرق بين قلوب وقلوب!.
ولله في خلقه شؤون، وإنا لله وإنا إليه راجعون!.
وها هو العام الهجري قد انقضى؛ فهل حاسبنا أو حاسب الإنسان نفسه على عام كامل ماذا صنع فيه وماذا أنجز من العمل المفيد؟
وكم أخطأ وكم أصاب؟
وما الذي حفظه وما الذي أضاعه من عام كامل؟
اثنى عشر شهرا ما الذي استثمرناه منها وما الذي أضعناه؟
وما نسبة الضائع من هذا الوقت الطويل؟.
أتدري أيها الأخ الكريم ما طول هذا الوقت؟!
إنه طويل جدا؛ فهذه اثنى عشر شهرا تساوي: "٣٦٠ يوما" ثلاث مئة وستين يوما.
والثلاث مئة وستون يوما هذه فيها: "٨٦٤٠ ساعة" ثمانية آلاف وست مئة وأربعون ساعة!.
وهذه الساعات فيها: "٥١٨٤٠٠ دقيقة" خمس مئة وثماني عشرة ألف دقيقة وأربع مئة دقيقة!.
ففي أي شيء قضيت هذه المدة الطويلة؟!.
وهل تظن أيها الأخ أنك غير محاسب على هذا الوقت؟!.
стр. 157
وإذا كان هذا بالنسبة لعام واحد؛ فما بالك بأعوام وأعوام يا أخا الإسلام؟!.
وهل أدركت أن هذا الوقت الطويل قد تكون من الثواني والدقائق؛ فلا ينبغي أن تضيع هذه الثواني والدقائق؛ لكي لا يضيع منك العام كله والعمر كله!.
وهل تعلم أن هذا الوقت هو الذي استثمره الجادون فتقدموا وقدموا لمجتمعهم الخير والأعمال النافعة الجليلة؛ فكانوا سببا في تقدم أمتهم.
وأن هذا الوقت هو الذي أهدره المستهترون أو قضوه في الضار بهم وبمجتمعاتهم فتأخروا وأخروا أمتهم! فاختر أي الفريقين تكون. والله المستعان.
*قال أحدهم: تعال معي إلى البيت لأريك أن عندي كتبا.
قلت له: ليس المهم أن تكون عندك كتب، ولكن المهم أن تكون أنت عند الكتب!.
стр. 158
لا تضيع عمرك في البحث عن المفاتيح "١"
ليس من الحكمة أن يمشي الإنسان إلى سيارته أو منزله أو مكتبه سبهللا، لا يستثمر وقت المشي في شيء مفيد، ثم إذا وصل وقف يبحث عن المفاتيح ليفتح الباب، وربما ضاعت المفاتيح في تلك اللحظة، أو تأخر عثوره عليها. وكان الأجدى أن يضع يده في جيبه وهو ماش، ويبحث عن المفتاح قبل وصوله إلى الباب، وإذا كان المفتاح مع مجموعة أخرى فيحدده أيضا، حتى لا يحتاج إلى إضاعة أي وقت في البحث عن المفتاح ولو جمعت وقت البحث عن
стр. 159
المفاتيح في حياتك كلها لوجدته وقتا طويلا جدا مذهلا!.
فإن أنت مشيت على الطريقة الأولى في البحث عنها خسرت ذلك الوقت كله من عمرك دون مردود، ودون حاجة إلى هذه الإضاعة.
وإن أنت أخذت بالطريقة الثانية التي نصحتك بها سلمت من إضاعة ذلك الوقت كله، وكسبت وقتا، بمقداره تضيفه إلى عمرك، تستطيع أن تستثمره في العمل الصالح المفيد، ولكن إذا كنت تريد!.
بل يمكن أن تكسب وقتا مضاعفا بقدر ما تستثمر به ذلك الوقت من الأعمال في آن واحد؛ كما لو كنت ماشيا إلى البيت مثلا أو إلى السيارة، فوضعت يدك في جيبك في تلك الأثناء لأخذ المفتاح الذي ستفتح به الباب، وفي الوقت نفسه كنت تذكر الله تعالى، أو تعمل ذهنك في شيء مفيد، أو في شيء أنت محتاج للتفكير فيه، أو تسترجع في ذهنك بعض محفوظاتك التي تحتاج إلى مراجعتها، وهكذا ما ماثل هذه الأعمال.
ولا تظنن أن وقت ذلك قصير، ولكن انظر كم تستغرق عملية البحث هذه من الوقت، وكم تتكرر في اليوم، وفي الأسبوع، وفي الشهر، وفي السنة، ثم تضربه في سنوات العمر؛ ولعله يخرج لك شهر أو شهور ضائعة تقف فيها باحثا عن المفاتيح؛ فهل ترضى هذا!!.
وهكذا بقية الأعمال أو التصرفات التي يقضي كثير من الناس وقتهم فيها أو جل وقتهم فيها، كالمسامرة، أو الضحك أو ما شابهها مما قد يقضي فيه الناس وقتهم من غير داع لذلك؛ فإنك لو جمعت بطريقة حسابية ما يستغرقه هذا النوع من السلوك من أصحابه على مدى عمر واحدهم؛ لوجدت عجبا،
стр. 160
فقد تكون النتيجة أن يتبين أن بعضهم يقضي شهورا من عمره ضاحكا فقط!!.
وأنت وشأنك بنفسك وعمرك بعد بيان هذه الحقيقة!.
عجبا لك أيها الإنسان: كيف لا ترضى الخسارة في دنياك، وترضاها في دينك أو في مروءتك وأخلاقك!.
стр. 161
ما أعظم الفرق !
سبحان الله!.
ما أعظم الفرق بين من يسير في هذه الحياة ومعه الله، ومن يسير ومعه الشيطان!.
ما أعظم الفرق بين من يسير في هذه الحياة وهو في حكم الفضائل، توجهه حيث تريد، ومن يسير وهو في حكم الرذائل توجهه حيث تريد!.
ما أعظم الفرق بين من يسير في هذه الحياة وهو يريد الخير ويسعى فيه، ومن يسير وهو يريد الشر ويسعى له!.
ما أعظم الفرق بين من يسير في هذه الحياة وهو يتحلى بالآداب، ومن يسير وهو يتحلى بالثياب"١"!.
стр. 162
ما أعظم الفرق بين من يسير في هذه الحياة وهو ينوي نفع الناس، ويسعى فيه، ومن يسير وهو ينوي الإضرار بالناس ويسعى فيه!.
ما أعظم الفرق بين من يسير في هذه الحياة وهو ينوي الطاعة، ويسعى فيها، ومن يسير وهو ينوي المعصية ويسعى لها!.
ما أعظم الفرق بين من يسير في هذه الحياة وهو يريد الآخرة ويسعى لها سعيها، ومن يسير وهو يريد الدنيا ويسعى لها!.
ما أعظم الفرق بين المريض والصحيح!.
ما أعظم الفرق بين الصحة والمرض!.
ما أعظم الفرق بين الصدق والكذب!.
ما أعظم الفرق بين حسن الأدب، وسوء الأدب!.
ما أعظم الفرق بين الحياة والموت!.
ما أعظم الفرق بين الصورة والحقيقة!.
стр. 163
ما أعظم الفرق بين المهتدي والضال!.
ما أعظم الفرق بين الهدى والضلال!.
ما أعظم الفرق بين الرجال والأنذال!.
ما أعظم الفرق بين حسن العاقبة وسوء العاقبة!.
ما أعظم الفرق بين من يعيش لنفسه ومن يعيش لغيره!.
ما أعظم الفرق بين من أدركته رحمة الله ومن أدركه عذاب الله!.
ما أعظم الفرق بين من يأتي يوم القيامة وهو يحمل وزرا، ومن يأتي وهو يحمل أجرا!.
أيها الناس فرقوا قبل أن تفارقوا!.
ما أعظم الفرق! ما أعظم الفرق! ما أعظم الفرق!.
*كنا في أحد البلدان الأوروبية أنا وأخ فاضل، وكنا يوما نسير في الشارع، فمررنا بمنظر تافه يتكرر أمامنا مرات كثيرة في اليوم والليلة، وهو منظر رجل يلتزم امرأة في الشارع، فقال صاحبي: مما زادني في هذه البلاد وحشة ...
فأكملت بقولي: أن أرى جحشا متأبطا جحشة!.
فقال: وما يدريك أنني أردت هذا المعنى؟!.
وقد استطلنا الأيام القليلة هناك فكنا نسير في الأيام الأخيرة وأنا أقول: ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون!.
стр. 164
أيها الحاج بيت الله !
ها هي أيام الحج ولياليه قد أظلت، وها هو العام قد أوشك على الانصرام، وقبل أن ينصرم العام يأتي الحج وعشر ذي الحجة كالختام؛ فهل يستقيظ النيام!.
يا أيها الحاج والحاجة هل أدركتما مقصود الحج؟ وهل عرفتما ما يلزمكما للحج؟ وهل عرفتما ما يصح به الحج وما يفسده وما يبطله قبل أن تحجا؟!.
لقد ظن كثير من الناس أن الحج ليس إلا المجيء إلى الديار المقدسة، ولو كان ذلك مع الإصرار على ذنوب مكدسة، ونفس بالشرك والشر والشهوات منجسة.
يأتي بعض الناس إلى الحج كذبا وزورا.
يلبس بعض الناس لباس الإحرام كذبا وزورا.
يلبي بعض الناس بالتلبية كذبا وزورا.
يطوف بعض الناس بالبيت الحرام، وفي نفسه ورأسه تطوف أحلام الحرام.
يطوف بالبيت بعض الناس ويسعى بين الصفا والمروة بجسده فقط، ولعل قلبه ليس في الحرم أصلا، ولم يستشعر الحج أو العمرة فعلا.
يا لله كم في الحرم من شارد، وكم في خارج الحرم من وارد!.
يا لله كم من نفس تعيش في الحرم وهي لا تدري، وكم من نفس تعيش بعيدا عنه، لكنها تتوق إليه والناس لا تدري.
كم من طائف وساع وقائم وراكع وساجد لكنه في الحقيقة لم يطف ولم
стр. 165
يقم ولم يركع ولم يسجد، وكم من قصي هناك في المكان، لكنه حاضر هنا في البيت في كل آن!.
كم من بائت في منى، لكنه بغير منى، أو ما نال المنى!.
وكم من واقف بعرفة، لكنه بغير معرفة! "١".
فهل يقف الحاج مع نفسه وقفة محاسبة وأوبة وتوبة؛ فيؤدي مناسك الحج وهو يرجو المغفرة والقبول، ويخاف محاسبة الله له وعدم القبول؛ فيقف مواقف الحج بقلبه وجسمه، لا بجسمه فقط!.
وعندئذ يعود من حجه عودا حميدا؛ إذ يعود بحج مقبول وذنب مغفور، ويعود وقد تبصر في دينه، وفي معرفته لحدوده، وعرف الله حقا، واستمسك بالعروة الوثقى، عروة التوحيد والإيمان؛ فيرجع خيرا مما ذهب؛ وتكون رحلة الحج رحلة العمر التي لا تنسى، والرحلة التي لها ما بعدها في حياة الإنسان.
اللهم وفق الحجاج والمعتمرين إلى معرفة الإسلام حق المعرفة، وإلى اليقين والإيمان اللذين لا شرك ولا شك معهما، وإلى الاستمساك بهدايات هذا
стр. 166
الدين، والبعد عن مخالفة أمر الله وأمر رسوله في شأن من الشؤون، وإلى العزم على الاستمرار على ذلك حتى الوفاة، إن ربي سميع مجيب.
*إذا لم نصحح النيات والخطوات فالله أعلم بالنهايات!.
стр. 167
قل !
١- قل لمن يحب الله ورسوله: أبشر بحب الله لك.
٢- قل لمن عمل الطاعة لله مخلصا: أبشر بثواب الله لك.
٣- قل لمن اتقى الله في كل أعماله سرا وجهرا: أبشر بإكرام الله لك أمام الأشهاد يوم تلقاه.
٤- قل للذي عمل: انتظر نتيجة عملك.
٥- قل للذي عمل الطاعة: انتظر العاقبة.
٦- قل للذي عمل المعصية: انتظر عاقبتها.
٧- قل للمجد يذاكر درسه: أبشر بالنجاح.
٨- قل للكسلان نسي درسه: عفوا: لماذا سجلت اسمك في المدرسة؟!.
٩- قل لمن حسن ثيابه ومظهره وأهمل أخلاقه وقلبه ونفسه:
وهل ينفع الفتيان حسن وجوههم ... إذا كانت الأخلاق غير حسان؟!.
١٠- قل للصائم ينقض أو ينقص صومه بالمعاصي: ألست صائما؟!
стр. 168
١١- قل للمتسحر مقيما على معصيته: يا هذا لماذا تتسحر الآن قبل الفجر وأنت ستفطر على المعصية في وضح النهار أو في غسق الليل؟!.
١٢- قل للمفطر بعد غروب الشمس، وقد غفل في نهاره عن حدود الصوم وأخلاق الصائم: ما فائدة انتظارك لغروب الشمس بالإفطار وقد أفطرت مرارا قبل غروبها؟!.
١٣- قل للقارئ يقرأ القرآن مقيما على مخالفته ومعارضته بهواه أو برأيه: لماذا تقرأه إذن؟!.
١٤- قل للحافظ للقرآن مضيعا لحدوده: هلا حفظت أحكامه وحكمه وتوجيهاته أيضا.
١٥- قل لمن حضر العيد وقد فرط في رمضان: هل أنت من أهله أو أنت حاضر بالغلط؟!.
١٦- قل للمجدد في العيد ثيابه: هل جددت في رمضان دينك وإيمانك وأخلاقك؟!.
١٧- قل للمبتسم في العيد: هل بكيت في رمضان على معاصيك وتقصيرك؟!.
١٨- قل للمسرور بالعيد في أهله: هلا تذكرت إخوانا لك حالت الحوائل بينهم وبين السرور في هذا اليوم؟!.
١٩- قل للمفرط في رمضان: بأي وجه تحضر العيد الآن؟!.
٢٠- قل لمن اجتهد في رمضان: هل ستنكص على عقبيك الآن؟!.
٢١- قل لمن فاته تدارك نفسه في رمضان بالأعمال الصالحة: هل ستلحق
стр. 169
شوال برمضان أو ستتدارك قبل فوات الأوان؟!.
قل هذا وقل كثيرا سواه، قله لنفسك.. قله لصديقك.. قله لأخيك وأختك.. قله لأمك وأبيك.. قله لابنك وابنتك..وكن في الناس شمعة للآخرين.. وكن في نفسك من الصادقين المخلصين..
*أكثر الذين هلكوا، أو خسروا، إنما كان لهم ذلك بفوات موعد الخير بدقائق، نعم: دقائق اختاروها نوما، أو راحة، أو فراغا؛ ففاتهم الخير والنجاة!.
стр. 170
تعليقات على بحث
علقت مرة على بحث طالب من طلابي ليس بيني وبينه كلفة،
العبارات التالية:
*- ضع علامة الاستفهام يا أخا الإسلام!.
*- انتبه لعلامات الترقيم يا فهيم!.
*- لا تقدس ما لم يقدس الله يا عبد الله!.
*- ما فائدة ذكر شوال وأنت لم تذكر السنة!.
*- لقد ضعف أسلوبك في التعبير عن مطلوبك!.
*- الإجمال أجمل أيها الرجل!.
*- فإما أن تغير أو نغير!.
*- بل الله هو الذي أباح، فليدع المستشرق هذا النباح، وأرجو أن
стр. 171
تناقشه بهذا لتريح وترتاح!.
*- أظهر -أي اذكر الاسم بدلا من الضمير في هذا الموضع-ليكون المعنى أظهر!.
*- دقق العبارة ولا تكن للشبهات عبارة!.
قال أحد الباحثين: "طريقه أن يعرف من أين أتى، فيتوب منه". قلت: هذا لحن، والصواب: أتي. أما على قراءة الباحث: "من أين أتى"، فهو جهل لا أدري من أين أتى!.
*قبل أن تستدرك عليك أن تدرك!.
стр. 172
مطالب الإنسان بين المشروعية والإمكان
تأملت في ما يطلبه الإنسان في هذه الحياة؛ فرأيته لا يخلو من أن يكون واحدا من الأمور التالية:
*- مباح متاح.
*- مباح غير متاح.
*- متاح غير مباح.
ولن ترتاح حتى تعرض عن المتاح غير المباح، وتبتعد عن إهلاك نفسك، أو إرهاقها، في طلب المباح غير المتاح!.
*- من الملاحظ أن سعي الإنسان في هذه الحياة الدنيا إنما هو سعي في
стр. 173
مطالب نفسه، والسبب أنه إنما يسعى في سبيل اللذة.
واللذة تنقسم إلى ثلاثة أقسام، وكل قسم منها درجة من درجات
اللذة، وهي:
*- اللذة الحيوانية.
*- اللذة الإنسانية.
*- اللذة الإيمانية، وهى أعلاها.
وتنقسم هذه اللذات -بحسب النية من ورائها، وبحسب الالتزام فيها بشرع الله أو عدمه- إلى لذة دنيوية ولذة أخروية، نسبة إلى الغاية منها.
فحقق النية وصحة الطريق، قبل أن تحقق العمل؛ لتبلغ الأمل.
*قلت مرة في نفسي:
والله لو كلفت بعمل إحصائية للناس لحذ فت منهم الكذابين والغشاشين والخونة.
стр. 174
تأمل في معنى الحياة
الحياة ليست ضحكة ولا ضحكات!
الحياة ليست نكتة ولا نكات!
الحياة ليست نزهة ولا نزهات!
الحياة ليست فراغا أو إجازة أو إجازات!
الحياة ليست عبثا ولا سبهللا ولا بطالة!
الحياة ليست كسلا ولا قعودا ولا نومات!
стр. 175
*الحياة ليست حلما!
*الحياة ليست خيالا!
*الحياة ليست أماني!
*الحياة ليست كلاما!
*الحياة ليست ثرثرة!
*الحياة ليست قلة أدب أو قلة حياء!
*الحياة ليست كذبا!
*الحياة ليست لعبا!
*الحياة ليست أكلا وشربا!
*الحياة ليست ذهابا وإيابا بغير هدف!
*الحياة ليست ضياعا!
*الحياة ليست هوى وشهوات!
*الحياة تعبير عن حقيقة!
*الحياة عبادة.
*الحياة-بالنسبة للإنسان-حقيقة صادقة أو حقيقة كاذبة.
*الحياة صدق.
*الحياة عمل وأمل.
*الحياة جد.
*الحياة أدب.
*الحياة إخاء ومودة وصفاء.
*الحياة إيمان وعمل ونتيجة.
стр. 176
*الحياة شجاعة.
*الحياة بناء لا هدم.
*الحياة سفر إلى هدف، أو سفر بهدف.
*الحياة صلة بين مخلوق وخالقه.
*الحياة تعاون بين أخ وأخيه.
*الحياة احترام متبادل بين أخ وأخيه وبين ابن وأبيه.
*الحياة مجتمع إنساني.
*الحياة مجتمع إيماني.
*الحياة أسرة: أب وأم وابن وبنت وأخ وأخت وقريب وقريبة.
*حياتك معنى استقر في نفسك، وأنت تعبير عنه.
*الحياة واجب.
*الحياة عقيدة.
*الحياة مبدأ.
*الحياة خلق وأدب.
*الحياة سمو وعفة.
*الحياة كرم وكرامة.
*الله أكبر! كم في القرآن من لفتات، ولكن، لا تدركها إلا بالتفات!!.
стр. 177
نصائح وجيزة
- "لا تجهر بمنطقك كمنازع الأصم، ولا تخافت به كتخافت الأخرس! " "١".
- لا تسرف؛ فإن الله لا يحب المسرفين!.
- واشكر؛ فإن الله يزيد الشاكرين!.
- وكن أمينا؛ فإن الله لا يهدي كيد الخائنين!.
- وكن صادقا؛ فإن الله يحب الصادقين!.
- وإياك والكذب؛ فإن الله لعن الكاذبين!.
- واذكر الله يذكرك!.
- واعبد الله حتى يأتيك اليقين، تكن من المتقين!.
- إذا أردت صلاح حياتك فاعتن بإصلاح لحظتك التي أنت فيها؛ فلا تمر عليك لحظة إلا وأنت في خير، تكن حياتك كلها صالحة"٢".
- إذا أردت الكمال، فعليك أن توطن نفسك، دائما، بأنك لم تكمل بعد.
стр. 178
- إذا أردت تلافي تقصيرك، فاستشعر دائما، أنك مقصر.
- إذا أردت خلقا فاضلا من الناس، فابذله من نفسك، قبل أن تنتظره من غيرك.
- إذا انتظرت الصدق من غيرك، فكن صادقا.
- إذا انتظرت الوفاء من غيرك، فكن وفيا.
- إذا انتظرت الرحمة من غيرك، فكن رحيما.
- جاهد نفسك لتصبح دائما على الحال التي ترضى أن يأتيك الموت وأنت عليها؛ لأن الموت متوقع في أي لحظة!.
*قال لي صديق، وكان يتحدث عن رغبته في نشر كتابه: "أنا، والله، أريد أن ينشر للفائدة، ولا أريد الشهرة".
فقلت له: الشهرة وقاك الله شرها؛ فإن الله تعالى قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ " ١"، ما قال: "ليعبدون"!.
ثم عدت وقلت في نفسي: ليته في الإمكان أن تشتهر الكتابة دون الكاتب؛ ليعم الخير، ويسلم الإنسان من الشهرة وشهرتها!.
стр. 179
يا ولدي !!
-الرسالة الأولى-
*- يا ولدي.
*- يا فلذة كبدي.
*- يا فالقا كبدي.
*- إلى أين ستمضي؟ وما طريقك؟ ومن صديقك؟.
*- الحياة طريق إلى وجهة، ولكل قبلة هو موليها!.
*- هل حددت وجهتك، أو أنت فقط تسير، ولو مع الحمير؟!.
*- هل ذكرت ربك في ليلك ونهارك، أو أنت ذاكر غيره؟!.
*- هل تصلي له سبحانه؟!.
*- هل تعيش في ذكره، وفي شكره، وفي طاعته؟!.
*- هل حملت مصحفك؟!.
*- هل تقرأ في كتابه سبحانه؟!.
*- هل استثمرت عمرك في ما يرضيه عنك؟!.
*- هل اعتبرت مما مر عليك في الحياة، مما رأيت، وسمعت، أو اكتويت به؟!.
*- هل تذكرت الموت، أو تركت للموت الواجب ليتذكرك؟!.
*- متى تحاسب نفسك، قبل أن يحاسبك الله؟!.
*- هل ستسمع وتطيع، أو ... ؟!.
*- إن فعلت ما أريد، وإلا وأنت وما تريد؟!.
стр. 180
*- إن قابلت نصحي بالقبول والتصديق فأنت لي صديق!.
*- وإن لم تفعل فإن صدري يضيق!.
*- ولا أريد إلا نجاتك، هنا وهناك.
*- لا أريد إلا سعادتك، هنا وهناك.
*- فما أنت صانع الآن؟!.
*- أي الأمرين أوثق عندك: رأيي أم رأيك؟!.
*- أي الأمرين أوثق عندك: رأيي أم رأي صديقك وزميلك؟!.
*- هل ستتذكر؟.
*- أرجو!!.
*- استودعك الله الذي لا تضيع ودائعه.
*- السلام عليك ورحمة الله وبركاته.
التوقيع
أبوك
*الأخلاق الفاضلة خير بريد، لإدراك ما تريد، والأخلاق السيئة خير بريد لضياع ما تريد!.