← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11356

كلمات في مناسبات

عبد الله الرحيلي

Полный текст (216 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

*الحياة شجاعة. *الحياة بناء لا هدم. *الحياة سفر إلى هدف، أو سفر بهدف. *الحياة صلة بين مخلوق وخالقه. *الحياة تعاون بين أخ وأخيه. *الحياة احترام متبادل بين أخ وأخيه وبين ابن وأبيه. *الحياة مجتمع إنساني. *الحياة مجتمع إيماني. *الحياة أسرة: أب وأم وابن وبنت وأخ وأخت وقريب وقريبة. *حياتك معنى استقر في نفسك، وأنت تعبير عنه. *الحياة واجب. *الحياة عقيدة. *الحياة مبدأ. *الحياة خلق وأدب. *الحياة سمو وعفة. *الحياة كرم وكرامة. *الله أكبر! كم في القرآن من لفتات، ولكن، لا تدركها إلا بالتفات!!.

стр. 177

نصائح وجيزة - "لا تجهر بمنطقك كمنازع الأصم، ولا تخافت به كتخافت الأخرس! " "١". - لا تسرف؛ فإن الله لا يحب المسرفين!. - واشكر؛ فإن الله يزيد الشاكرين!. - وكن أمينا؛ فإن الله لا يهدي كيد الخائنين!. - وكن صادقا؛ فإن الله يحب الصادقين!. - وإياك والكذب؛ فإن الله لعن الكاذبين!. - واذكر الله يذكرك!. - واعبد الله حتى يأتيك اليقين، تكن من المتقين!. - إذا أردت صلاح حياتك فاعتن بإصلاح لحظتك التي أنت فيها؛ فلا تمر عليك لحظة إلا وأنت في خير، تكن حياتك كلها صالحة"٢". - إذا أردت الكمال، فعليك أن توطن نفسك، دائما، بأنك لم تكمل بعد.

стр. 178

- إذا أردت تلافي تقصيرك، فاستشعر دائما، أنك مقصر. - إذا أردت خلقا فاضلا من الناس، فابذله من نفسك، قبل أن تنتظره من غيرك. - إذا انتظرت الصدق من غيرك، فكن صادقا. - إذا انتظرت الوفاء من غيرك، فكن وفيا. - إذا انتظرت الرحمة من غيرك، فكن رحيما. - جاهد نفسك لتصبح دائما على الحال التي ترضى أن يأتيك الموت وأنت عليها؛ لأن الموت متوقع في أي لحظة!. *قال لي صديق، وكان يتحدث عن رغبته في نشر كتابه: "أنا، والله، أريد أن ينشر للفائدة، ولا أريد الشهرة". فقلت له: الشهرة وقاك الله شرها؛ فإن الله تعالى قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ " ١"، ما قال: "ليعبدون"!. ثم عدت وقلت في نفسي: ليته في الإمكان أن تشتهر الكتابة دون الكاتب؛ ليعم الخير، ويسلم الإنسان من الشهرة وشهرتها!.

стр. 179

يا ولدي !! -الرسالة الأولى- *- يا ولدي. *- يا فلذة كبدي. *- يا فالقا كبدي. *- إلى أين ستمضي؟ وما طريقك؟ ومن صديقك؟. *- الحياة طريق إلى وجهة، ولكل قبلة هو موليها!. *- هل حددت وجهتك، أو أنت فقط تسير، ولو مع الحمير؟!. *- هل ذكرت ربك في ليلك ونهارك، أو أنت ذاكر غيره؟!. *- هل تصلي له سبحانه؟!. *- هل تعيش في ذكره، وفي شكره، وفي طاعته؟!. *- هل حملت مصحفك؟!. *- هل تقرأ في كتابه سبحانه؟!. *- هل استثمرت عمرك في ما يرضيه عنك؟!. *- هل اعتبرت مما مر عليك في الحياة، مما رأيت، وسمعت، أو اكتويت به؟!. *- هل تذكرت الموت، أو تركت للموت الواجب ليتذكرك؟!. *- متى تحاسب نفسك، قبل أن يحاسبك الله؟!. *- هل ستسمع وتطيع، أو ... ؟!. *- إن فعلت ما أريد، وإلا وأنت وما تريد؟!.

стр. 180

*- إن قابلت نصحي بالقبول والتصديق فأنت لي صديق!. *- وإن لم تفعل فإن صدري يضيق!. *- ولا أريد إلا نجاتك، هنا وهناك. *- لا أريد إلا سعادتك، هنا وهناك. *- فما أنت صانع الآن؟!. *- أي الأمرين أوثق عندك: رأيي أم رأيك؟!. *- أي الأمرين أوثق عندك: رأيي أم رأي صديقك وزميلك؟!. *- هل ستتذكر؟. *- أرجو!!. *- استودعك الله الذي لا تضيع ودائعه. *- السلام عليك ورحمة الله وبركاته. التوقيع أبوك *الأخلاق الفاضلة خير بريد، لإدراك ما تريد، والأخلاق السيئة خير بريد لضياع ما تريد!.

стр. 181

كلمات في طيبة الطيبة *- أما علمت أن هذه طابة، بلد الرسول ﷺ والصحابة!. *- أما علمت أن هذه طابة، التي مشى على ثراها الرسول ﷺ وأصحابه!. *- أما علمت أن هذه المدينة التي من صبر على لأوائها وشدتها، كان له الرسول ﷺ شفيعا أو شهيدا يوم القيامة!. *- هل عرفت مدينة: من صبر على لأوائها وشدتها، كان له الرسول ﷺ شفيعا أو شهيدا يوم القيامة؟ إنها المدينة!. *- على أرض هذه البلدة المباركة مشى رسول الله ﷺ وأصحابه، وأنت الآن تسير على أرضها؛ فهل تسير سيرتهم!. *- ليس في الدنيا بلدة لمن يصبر على لأوائها وشدتها أجر خاص، هو الفوز بشفاعة الرسول ﷺ سوى هذه المدينة!. *- أنت في طيبة الطيبة فاجعل نيتك طيبة. *- أنت في طيبة الطيبة فاجعل سيرتك طيبة!. *- أنت في طيبة الطيبة فاجعل كلمتك طيبة!. *- أنت في طيبة الطيبة فاختر الأعمال الطيبة!. *- هذه المدينة: *- فيها نزل جبريل-﵇ بالقرآن.

стр. 182

- وفيها كتب القرآن. - وفيها نسخ الصحابة القرآن. - ومنها بعث به إلى الأمصار. - واليوم يطبع فيها القرآن، ويوزع في أنحاء الدنيا. *- كن طيبا فأنت في طيبة الطيبة. *- أنت في المدينة قد جاورت محمدا رسول الله ﷺ وأصحابه؛ فهل تقوم بحق الجوار!. *- أنت في طيبة الطيبة؛ ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً﴾ "١". *- هذه طيبة التي ناصرت رسول الله ﷺ فكن أيها المقيم فيها على الطريق. *- هنا في المدينة المنورة كان المهاجرون والأنصار؛ ولكل زمان أنصاره ومهاجروه؛ فكن أنت واحدا منهم الآن. *- هل علمت أن الرسول ﷺ لعن من أحدث في المدينة، أو آوى فيها محدثا!. *- هل علمت أن الرسول ﷺ قال: "والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون"!. *- هل تعلم أن الرسول ﷺ قد أخبر أن المدينة تنفي الخبيث كما ينفي

стр. 183

الكير خبث الحديد!. *- المدينة دار المهاجرين والأنصار؛ ولكل زمان أنصاره ومهاجروه؛ فكن واحدا منهم. *- جبل أحد اهتز فرحا برسول الله ﷺ وأصحابه؛ فماذا عنك أنت أيها المسلم!. *- جذع النخلة حن لفراق رسول الله؛ فماذا عنك أنت أيها المسلم!. *- المهاجرون والأنصار كانوا على سمو في أخلاقهم؛ فنرجو أن تتذكروها أيها الأحفاد!. *- المهاجرون والأنصار كانت أخلاقهم سامية؛ فهل تتذكرونها أيها الأحفاد!. *- أقمت في المدينة؛ فجاورت محمدا ﷺ وصحبه؛ فأحسن الجوار أيها الجار!. *- كل شيء من معالم المدينة له تاريخ مع رسول الله ﷺ ومع الإيمان، حتى الجمادات؛ فهلا سألتها عن الخبر أيها الإنسان!. *- في مسجد الرسول ﷺ تخرج المهاجرون والأنصار، ثم نشروا الإسلام في الأمصار؛ فهل تحيي سيرتهم أيها المسلم!. *- لقد أخبر الرسول ﷺ أنه لا يدع المدينة أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه. *- لقد أخبر الرسول ﷺ أنه لا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار، ذوب الرصاص أو ذوب الملح

стр. 184

في الماء؛ فلا تكن منهم. *- أنت لست في أي مدينة، لكنك في المدينة!. *- قال ﷺ في المدينة: "إنها طيبة تنفي الذنوب كما تنفي النار خبث الفضة" "١". *- قال ﷺ في المدينة: "إنها طيبة تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة" " ٢ *قالت لي بنيتي: أين أضع الكتاب؟ قلت لها: ضعيه على الـ"كمدينة" "٣"، والحمد لله الذي جعلنا من أهل المدينة!. *قال أحدهم -وكنا في المدينة المنورة-: خسارة، لم نصل صلاة المغرب في الحرم، ولم نجلس في الحرم. قلت له: ليس المقياس أن تكون في الحرم، وإنما أن تكون حاضرا إذا حضرت، وأن لا تكون غائبا إذا غبت!.

стр. 185

ينبغي ولا ينبغي ينبغي: - ينبغي-في عموم الأحوال-أن لا يتكلم غير العالم ذي الأهلية، وإذا تكلم غيره-متطفلا، أو مفتئتا على العلم أو على العالم-فينبغي عدم الاستماع إليه أو تلقي كلامه بالقبول. - ينبغي-في عموم الأحوال-أن لا يتكلم غير صاحب الشأن. - ينبغي-في عموم الأحوال-أن لا يتكلم غير المخلص الفقيه. - ينبغي أن لا تسمع الكلام والحكم من طرف واحد. لا ينبغي: - لا ينبغي نقل الشائعات، ولا ينبغي الاستماع إليها. - لا ينبغي أن يتكلم المتكلم إلا عن حاجة للكلام، وأن لا يسكت الساكت إلا عن حاجة للسكوت. - لا ينبغي أن يكون الكلام أكثر من العمل. - لا ينبغي أن تنقد الآخرين وتنسى نفسك. *عجبا لمن يتصدر المجلس بالحديث طوال الوقت، لا يتوقف عن التحدث إلى الناس في غير المفيد، وفي غير ذكر الله، أو التذكير به.

стр. 186

لقد خسر هؤلاء ! يا لله كم سعى الظالم فيما هو نقمة عليه!. يا لله كم سعى الحائد عن الطريق فيما هو نقمة عليه!. لقد خسر هؤلاء من حيث ظنوا أنهم ربحوا! إن من عقوبة الله تعالى للظالم، ومن يحيد عن الطريق المستقيم، أن ينتقم الله منه بما يصنعه الظالم بيديه، ويجعل الله ما يصنعه الظالم والحائد عن الطريق المستقيم وبالا عليه، ويسخره لتدمير نفسه؛ فيكون ساعيا في شقاء نفسه في الدنيا وفي الآخرة!!. وكيف يتصور العاقل أن يسعى الإنسان في تدمير نفسه وفي شقائها؟! إنها صورة مزرية بالإنسان أن يعمل -وعقله معه- على تحقيق الشقاء لنفسه في الدنيا وفي الآخرة. سبحان الله! كيف يحصل هذا!. ولئن كان الأمر مستغربا جدا، إلا أن هذا هو الواقع، وهذا من قدرة الله، حيث ينتقم من الظالمين والمجرمين بهذه الطريقة المزرية بهم والمخيبة لآمالهم. فحذار حذار أيها الإنسان من الظلم، ومن الحيدة عن الطريق المستقيم؛ فإنك هنا مؤقتا مقيم. *يا أيها المقيم على معصية ربه! ألست مؤمنا بالله؟!.

стр. 187

قال الطالب النجيب ! كم تمر علي من المضحكات المبكيات في إجابات الطلاب المخلطين، ولو كان عندي وقت متسع لسجلتها. ومن هذه الإجابات التي مرت علي في الفصل الدراسي الثاني للعام الجامعي ١٤١٩-١٤٢٠هـ، ما يلي: - قال أحدهم: "بيع النجس"، وكررها. وهو يقصد "النجش" الوارد النهي عنه في الحديث! - قال أحدهم: "دل الحديث على أنه يجوز أكل الكلب المعلم"!. - قال أحدهم: "دل الحديث على أنه يجوز أكل أهل الكتاب"!. - قال أحدهم: في الحديث: "نهى عن المحاقلة ... والمزابنة ... " فقال الطالب: "والمزابلة"!. - وقال أحدهم: "بيع المحاقنة"!. - وقال آخر: "والمزابدة"!. وأخذ يعرفها! وقال آخر: والمزاينة. - قال أحدهم: "على القاضي، قبل النظر في القضية، أن يعض الخصمين"!. يقصد: "يعظ"، ولكن تحول الوعظ إلى العض!. - قال أحدهم: "النجش، هو أن ينجش الإنسان أخيه المسلم ... "!. - قال أحدهم: "أخرجه السناني"، يقصد: النسائي!. - كتب أحدهم كلمة: "إجازة" هكذا: إجازتنا!. - وأذكر منذ سنوات أنني سألت الطلاب سؤالا، وهو: من هو مجهول

стр. 188

العين عند المحدثين، ومتى تزول عنه الجهالة؟. فأجاب أحدهم قائلا: "مجهول العين هو الأعمى الذي لا عين له، وتزول عنه الجهالة إذا تعددت طرقه"!. قلت: بل الأعمى إذا تعددت طرقه يضيع!. *من سهر الليل في غير واجب، نام النهار عن الواجب!!.

стр. 189

صلة الرحم حسب المزاج ! نعم: صلة الرحم حسب المزاج، وليس حسب المنهاج!. حقا إن هذه صلة مزعومة، ولكنها فيما بين الناس مفهومة!. وما أعجب أخلاق بعض الناس!. إنهم مسلمون، يصلون ويصومون، ومع ذلك يقطعون!. يقطعون ماذا؟!. إنهم يقطعون الرحم التي من قطعها قطعه الله!. إنهم يقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويفسدون في الأرض!. والعجيب حقا أنهم في غير ما حياء، يصنفون الأحياء والأقارب والأصدقاء؛ فيصلون من يشاءون، ويقطعون من يشاءون، وليس كما أمرهم الله تعالى!. ثم بعد ذلك يدعون أنهم إنما يصلون الرحم لله تعالى!. ولست أدري كيف يغيب عن أحدهم أنه قد وصل من أراد هو وصله، وليس من أراد الله وصله، وقطع من أراد هو قطعه، وليس من أراد الله قطعه!.

стр. 190

ثم يدعي أنه يصل الرحم، ولست أدري لماذا لم يدع والحالة هذه أنه قاطع للرحم!. ولا أدري لماذا لا يتنبه الإنسان إلى هذا التفريق الذي لا يقدم عليه إلا صفيق!. ومن عقوبته عند الله أنه يظل سادرا في غيه ولا يفيق!. وكيف لا يستمر على هذه الحال المزرية؛ وقد أخبر الله تعالى أن من عقوبته له على هذه الفعلة الشائنة ما ذكره تعالى بقوله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ "١"!!. فاجتمعت عليهم لعنة الله، والصمم عن سماع أمر الله، والعمى عن رؤية ما ينبغي رؤيته من الحق، والعمى عن التمييز بين الحق والباطل، والخطأ والصواب، والتمييز بين صلة الرحم وقطعها؛ فهو معاقب بفعله بما يضله، ويماديه في ضلاله، عياذا بالله تعالى!. فهل رأيت قاطعا يعترف بخطئه وقطيعته؟!. كلا، بل الحجة المكرورة بين هذا الصنف من الناس هي إلقاء اللوم على المقطوع؛ فهو ليس بسالم من شر هذا القريب الغريب، لا أولا ولا آخرا؛ فعلى الرغم من أنه مقطوع إلا أنه متهم من القاطع-قطعه الله-بالقطيعة!. يا أيها القاطعون، على هذه الطريقة، خبتم، ورب الكعبة-ثم لا تظنوا أن الدين لعبة!.

стр. 191

يا أيها القاطعون! لا تضحكوا على أنفسكم بوصل من وصلتم لغير الله، ولا تظنوا أنكم تضحكون بهذا على الناس، ولا تظنوا أن الله يخفى عليه حقيقة أمركم!. يا أيها القاطعون! لو استقامت دعواكم أنكم وصلتم من وصلتم لله تعالى؛ لما قطعتم من قطعتم لغير الله تعالى!. يا أيها القاطعون! لا تظنوا أن لكم أجرا في هذه الصلة المتخيرة على غير منهج الله وشرعه!. إن الرحم واحدة، والناس ما بين واصل لها أو قاطع!. أما دليل المفرقين في الصلة بين رحم ورحم، فليس هو كلام الله، ولا كلام رسوله ﷺ ، إنما الدليل عندهم نفوسهم البغيضة، وضمائرهم المريضة!. ومن مخططهم في وصل من يصلون وقطع من يقطعون أن يسيروا بحسب ما تمليه عليهم مصالحهم المادية؛ فإن كان يحققها الوصل وصلوا، وإن كان يحققها القطع قطعوا!. ومن مخططهم في وصل من يصلون وقطع من يقطعون أن يسيروا بحسب ما تمليه عليهم أيضا نفسياتهم المريضة؛ فإن كان الوصل يحقق لهم إرضاء نفوسهم تلك وصلوا، وإن كان يحققه القطع قطعوا!. فويل لمن لا يحبونه، وويل لمن لا تكون لهم عنده مصلحة مادية أو سواها!. ولا تقل: هذا قريب!. ولا تقل: هذا غريب!. ويهضم على أيديهم حق كل من الفريقين من الناس: من وصلوه، ومن قطعوه!.

стр. 192

ومن أصولهم في سيرتهم هذه: أنهم يقربون البعيد، ويبعدون القريب، ويقدمون من حقه أن يؤخر-بحسب ميزان الله وشرعه-ويؤخرون من حقه أن يقدم بحسب ميزان الله وشرعه!. وينام أحدهم بعد ذلك قرير العين، وكأنه ليس له أذن ولا عين!. فينام ملء جفنيه!. ويأكل ملء بطنه، ولا عليه!. ويقهقه ملء شدقيه!. ويساعده على هذه الحال من معه من النساء والرجال، ممن صنفهم رحما له؛ فشاركوه في فعلته هذه، وعدوها غنيمة ظفروا بها منه، له عليهم فيها المنة، ولا عليهم من القريب المقطوع؛ فصاروا مشتركين في إثم القطيعة لذاك الذي يجب وصله!. ثم وقع في الفخ من ظن أنه نال الصلة من هذا القاطع، وما فطن إلى أنه في الحقيقة ما وصله، وإنما سخره لإرضاء نفسه المريضة أو لتحقيق مصالحه الشخصية، وهو غافل لا يدري!. فيا أخي لا تغررك صلة من على هذه الشاكلة، ولا يخفى عليك أنه بمنزلة الدابة الآكلة!. ويا أخي لا تفرح بصلة ليست لله!. ويا أخي لا تصل ولا تقطع إلا لله!. ويا أخي لا تنتظر من الناس جزاء ولا شكورا على الصلة لله. ويا أخي لا تبريء نفسك من مثل هذه السيرة حملا للكلام على

стр. 193

نقد الآخرين، بل انقد نفسك؛ فلعلك قد وقعت في شيء من هذا، وأنت لا تدري. ويا أخي لا تظن أن الله غافل عما يعمل الظالمون!. ويا أخي لا تظن أن العقوبة بعيدة!. ويا أخي لا تمنع فضلك الرحم والقريب؛ فيمنعك الله فضله!. ويا أخي لا تمنع رحمتك الرحم والقريب؛ فيمنعك الله رحمته!. ويا أخي قبل أن تشارك هذا الصنف من الناس في فعلته، تذكر ما جاء في الحديث: "ما من امرئ يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب نصرته" "١". ويا أخي أما يكفيك قوله ﷺ : "إن الرحم شجنة من الرحمن، فقال الله: من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته" "٢"!. ويا أخي كن وصولا لكل رحمك، لعل الله يصلك ويرحمك. ويا أخي خلص نفسك من الحقد والحسد لأي أحد من الناس!. ويا أخي راع في صلتك للرحم درجة الحقوق عند الله، لا مصالحك، ولا حبك وبغضك.

стр. 194

ويا أخي إياك أن تكون مفرقا شمل الأقارب والأسرة، بأي حجة تمليها عليك النفس الأمارة بالسوء، وأنت لا تدري!. ويا أخي إياك أن تكون مساعدا للمفرق شمل الأقارب والأسرة، بأي حجة يمليها عليك أو على غيرك؛ فقد يقول لك: بأن هذا نصيحة، وقد يقول لك: إنه يخاف عليك، وقد يقول: إنه، وإنه ... إلى آخر ما يمكن من الدعاوى، التي إذا ما عرضت على الشرع تتهاوى!. وما الله بغافل عما يعمل الظالمون. ويا أخي راجع نفسك في كل صلة، وانظر: هل هي صلة على حساب صلة أخرى؟ فإن تبين لك أنها صلة بقطيعة، أو على حساب الصلة لآخر، عن قصد، وعلى غير منهج الله؛ فاعلم أن هذه هي الصلة حسب المزاج؛ فإياك وإياها. يا أخي: إنها، والله، إما صلة حسب المزاج، أو صلة حسب المنهاج؛ فاختر لنفسك!. ويا أخي ضع لك برنامجا للصلة يشمل كل رحمك بقدر ما تستطيع، قبل أن يأتي يوم لا تستطيع. والله الهادي إلى سواء السبيل. *من الظلم والاعتساف أن تطالب الناس -في المعاملة- بالصفاء الذي لم تحققه في نفسك!. *- قلت لأحدهم في مناقشة -مازحا-: هذا لا ينطلي إلا على طلي.

стр. 195

عقليتان لا تصنعان مجدا !! عقليتان لا تصنعان مجدا للأمة، كما لا تستطيعان المحافظة عليه: ١- العقلية المنغلقة، القاصرة، التي تفهم في الاتباع للكتاب والسنة -مثلا- ترك العقل، أو إلغاءه!!. ٢- والعقلية المنهزمة، المبهورة بالعدو، المقلدة له، سواء كان هذا العدو من الشرق أو من الغرب!!. فاحذر أن تتمثل بإحداهما؛ فإن صاحبهما لا يفلح، ولا يقدم خيرا - ولو أراده، مهما كان مخلصا-. ومما يؤسفك أنك ترى كلا من صاحبي هاتين العقليتين- إذا أردت نصحه- يقابلك بدعوى عريضة أو مريضة: فالأول: لا يفهم من النصيحة إلا أنك معاد للكتاب والسنة!! والثاني: لا يفهم من النصيحة إلا أنك معاد للتقدم والتطور!!. فتعود من نصيحتك: أن كلا هاتين العقليتين خطر على الإسلام وأهله من داخل صف المسلمين، فلا تدري من تلوم: هل تلوم هذين الصنفين أو تلوم العلماء، أو تلوم مناهج التربية والتعليم، أو كل ذلك؟!. *بالإخلاص والفقه في الدين، تحل مشكلات المسلمين!.

стр. 196

الميزان المنكوس ! قال شاعر المسلمين: حسان بن ثابت، ﵁: أصون عرضي بمالي لا أدنسه ... لا بارك الله -بعد العرض- في المال! قلت: لكن، والله، قد رأينا رجالا لسان حالهم يقول: أصون مالي بعرضي لا أسلمه ... لا بارك الله-بعد المال -في العرض! ولئن كانت هذه الصورة في الواقع غير متخيلة لدى كثير من العقلاء والفضلاء، لكنها، والله، وجدت لدى بعض النذلاء!. وصنف من هؤلاء يؤثر الراحة على صيانة عرضه والوصول إلى مكارم الأخلاق، ولسان حاله يقول: أصون راحتي بوقاحتي ... لا بورك عرض براحتي! أبعد الله هذه الموازين المنكوسة والأخلاق المعكوسة. وهكذا يتبين أن لكل شيء ثمنا، حتى النذالة لها ثمن. فهذا هو ثمن رداءة الأخلاق، وهذا هو ثمن مكارم الأخلاق. ومن طمع في مكارم الأخلاق دون أن يدفع ثمنها: من نفسه، وماله،

стр. 197

وراحته، وصبره، وتضحياته، فإنه يطلب مستحيلا: لولا المشقة ساد الناس كلهمو ... الجود يفقر والإقدام قتال! *استشهدت مرة لطلابي - حاثا لهم على التسامي وعلو الهمة وطلب العلم- بقول الشاعر: وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام! وقلت: ولكن يبدو أن هذه الحكمة قد انعكست هذه الأيام؛ فأصحبت: وإذا كانت الجسوم كبارا ... تعبت في مرادها الأحلام! فترى الواحد من الناس يقدم خدمة جسمه على العلو بنفسه، ويسخر عقله في خدمة جسده، وخدمة هواه وشهواته، بدلا من أن يحكم عقله في هواه وشهواته!. ولكم يكون في الناس من يصدق عليه قول الشاعر: هم القوم لا بأس من طول ومن قصر ... جسوم البغال وأحلام العصافير! "وعذرا لأصحاب الوزن الثقيل، باعدهم الله عن هذه العقلية المنكوسة".

стр. 198

ليس المهم أن تكون قويا لكن تقيا يربي بعض الناس صغاره على شيء من الصغار؛ حين يزرع فيه "قوة الشخصية" على حد زعمه؛ فيؤكد هذا "الكبير" للصغير بأن يأخذ حقه من أي شخص كان، وأن لا يكون ضعيفا، ومن يتعدى عليه فعليه أن يكيل له الصاع صاعين-بحسب هذه النصيحة الفاشلة، الجائرة عن حدود الأدب والأخلاق والحياء-أما أخلاق المجاملة بين الناس، وأما حدود الاحترام بين الناس، ولا سيما بين الكبير "سنا أو قدرا" والصغير، وأما مراعاة العلائق واحترام حقوق النسب والقرابة والتحمل في سبيلها، فإن كل ذلك مضروب به عرض الحائط عند صاحب هذه النصيحة، الذي ربما أصبح لا فرق بينه وبين الحائط!. وإنه-والله-لأمر جلل، ومصاب عظيم، أن تنتكس الفطرة وتنحرف الأخلاق عند بعض الناس إلى هذا الحد؛ فيتحولون-ويحولون صغارهم-من بني آدم إلى حيوانات مفترسة، يأكل فيها القوي الضعيف، وأحيانا: الفاضل يأكله السخيف!. فلا مكان حينئذ للأخلاق الفاضلة، ولكن للأخلاق الراذلة؛ فيضيع الحق أو الحقوق، ويصبح الميزان هو القوة، لا الحق، وكأننا في معركة مع الأعداء، والمبدأ فيها هو ما أمرنا الله به تجاه العدو الكافر: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا

стр. 199

تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ "١". وإذا كان هذا هو المبدأ، فإن معناه أنه لم يعد للحياة مبدأ. وإذا كان هذا هو المبدأ، فإن معناه أن الحق ليس ثابتا، وإنما يميل بحسب اختلاف نسب القوة بين الناس!. وإذا كان هذا هو المبدأ، فإن معناه أنه ما من قوي يأخذ حقه بذراعه مرة إلا وفي الناس من هو أقوى منه فيقلب الميزان؛ فيصبح الحق له!. وهذه ليست إلا شريعة الغاب!. وما هذا إلا مبدأ الكلاب التي يأكل بعضها بعضا في كثير من الأحيان، على الرغم من أنه لا حاجة بها إلى أن يفترس بعضها بعضا؛ لأن الرزق، أو القوت، يتسع للجميع؛ لكن الكلاب لا تفهم هذا!. بل حتى لو أخذ الناس فيما بينهم بمبدأ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ، وهو المبدأ الذي أمر الله به تجاه العدو الكافر؛ فإن الله جعل في الأمر مع العدو الكافر فسحة، حيث جعل مجالا للسلم؛ فقال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢"!!. فهل من مجال للسلم-لدى أصحاب هذا الاتجاه من الناس-مع أخيهم المسلم أو قريبهم أو الأكبر سنا، أو مع المخطيء، أو مع المصيب الذي

стр. 200

توهموه مخطئا، بمحض نفوسهم المريضة!. ألم يعلم هذا الصنف من الناس-الذين لم يرضوا بانحراف أنفسهم حتى أخذوا في إفساد غيرهم بمثل هذه "النصائح" المنتكسة-أن أفضل طريق للحق هو أن تكون على الحق ومع الحق؟!. ألم يعلم هذا الصنف من الناس أن أفضل طريق للحق هو أن يحترموا حقوق الآخرين ومشاعرهم. ألم يعلم هذا الصنف من الناس أن أفضل طريق للحق هو أن يلزموا أنفسهم، ومن هو في نصحهم، بمحاسبة النفس -قبل الآخرين-على حقوق الناس الحسية والمعنوية ومشاعرهم والتلطف معهم، سواء أكانوا أقوياء أم ضعفاء، وسواء أكانوا أقارب أم أباعد، وسواء أكانوا فضلاء أم دون ذلك، وأن هذا هو أسلم الطرق لأخذ الحقوق-في الدنيا وفي الآخرة-!. وأين هؤلاء الناصحون لأنفسهم بذلك المبدأ الجائر، مما دعا الله إليه عباده ومدحهم به وأخبر أنهم بسببه يكونون في مقام المحسنين الذين يحبهم الله، فقال سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ "١".

стр. 201

نعم هكذا: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ !. فهذه نصيحة الله لك، وهذه نصيحة من ينصحك؛ فأي نصيحة تقبل وأي النصيحتين ترفض؟!. وكم هو الفرق بين أن تكون وحشا مفترسا- نظرا للاعتداء على حقوقك المزعومة-وبين أن تكون في مكان العافي عن الناس!. وكم هو الفرق بين أن تكون من المفترسين، وبين أن تكون من المحسنين!. وكم هو الفرق بين أن تذهب إلى النار وبين أن تذهب إلى الجنة، بل جنة عرضها السماوات والأرض!. وكم هو الفرق بين أن يحبك الله وبين أن يبغضك!. وكم هو الفرق بين أن تكون من المتقين وبين أن تكون من المنتصرين لأنفسهم بما فيه شقاء أنفسهم!. وكم هو الفرق بين أن تكون حليما وبين أن تكون-باسم قوة الشخصية-لئيما!. ثم ما قوة الشخصية هذه؟!. أتعلم أن إبليس قوي الشخصية أيضا! ولكن في ماذا؟!. أفي طاعة الله تعالى؟!. كلا، والله، بل في سخط الله وفي عذاب الله!. ليست العبرة بالقوة، لكن إنما الشأن في مجال استخدام القوة!. ليس الشأن في أن تكون قويا، إنما الشأن في أن تكون تقيا!. وأي مدح أو فضيلة في قوة تستخدم ضد الحق والفضائل، أو لا تستخدم في سبيل الحق والفضائل، لا سيما الحق الذي عليك!.

стр. 202

وأي خير في قوة يتعدى بها على القريب والبعيد، وعلى الضعيف والمسكين، وعلى الحقوق، وعلى العقوق!. وقد قال ﷺ محددا مفهوم القوة المحمودة: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" "١". أي ليس هو الذي يصرع الناس، وإنما هو الذي يملك نفسه؛ فينتصر عليها عند الغضب. يا هذا أما علمت بطلا إلى النار؟!. فحذار حذار أن تكون مثله. اللهم عفوا عفوا، وعذرا عذرا. اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا. يا أيها الإنسان إن باب التوبة مفتوح، وكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون؛ فهل تكون منهم؛ فتكون شجاعا على نفسك؛ فتردها إلى الصواب؛ فترفق بها وبمن معك؛ لتذهبوا جميعا إلى رضوان الله والجنة؟!. أو ستبقون معا على ما أنتم عليه؛ لتصيروا معا إلى سخط الله وناره، ولا ينفعكم أنكم في العذاب مشتركون؟!. إن الرجوع إلى الحق فضيلة، وأرجو أن تكون من أهلها. والسلام على عباد الله الصالحين. *عجبا لمن لسانه لا يكف، ليس عن ذكر الله، ولكن عن الثرثرة!.

стр. 203

علاقة الصحة بالإيمان كثيرا ما نخطيء النظرة إلى مسألة صحة الإنسان، فنرى جانبا من جوانبها وننسى الجوانب الأخرى، وهذه نظرة ليست سليمة، فلا يرتجى من ورائها الوصول إلى آراء ومواقف صحيحة من قضية الصحة، وطالما أن الإنسان يتكون من جسد وعقل وروح، فإن صحته مرتبطة بصحة هذه الثلاثة فيه، ومتى ما اختلت الصحة في واحد منها فقد اختلت صحة الإنسان: فهذا إنسان صحيح، وهذا إنسان مريض مرضا عضويا، وهذا مريض نفسيا، وهذا مريض عقليا؛ تتنوع الأسباب والموت واحد. ومن ينكر واحدا من هذه الثلاثة الأشياء في مجال صحة الإنسان فإنما ينكر الواقع؛ وكأنما يقنع نفسه، أو يقنع الآخرين بأن المعدوم موجود والموجود معدوم!. ومن ينكر ارتباط صحة الإنسان بكل من هذه المناحي الثلاثة فإنما ينكر الواقع. والناس - بل وربما الذي يمتري في هذه الحقيقة كذلك- قد يشاهدون المريض يذهب إلى الطبيب؛ فيكشف عليه بكل ما عنده من وسائل؛ فيستنفد كل ما عنده في تخصصه؛ فيقول للمريض بعد ذلك: ليس فيك مرض، وهو يعني المرض العضوي الذي هو مجاله، هذا مع أن المرض مشاهد في الشخص، والسبب هو مجال المرض بأن يكون مرضا نفسيا يحتاج إلى طبيب متخصص.

стр. 204

إذن يتعين -للوصول إلى موقف وجهد سديدين- في مجال صحة الإنسان أن تصحح النظرة. *قال أخ مريض بالسكر، مازحا: ""كلوا قبل ألا تأكلوا""؛ فقلت: بل، لا تأكلوا؛ كي تأكلوا!.

стр. 205

الشجرة أنبت الله الشجر في الأرض، فجعل منه غذاء الإنسان والحيوان، وجعل من الشجر شجرا أخضر، وجعل من الشجر شجرا مثمرا؛ فأصبح الشجر قوتا وظلا وجمالا، ومتاعا للإنسان والحيوان. فمن الشجر يتخذ الناس الرزق الحسن، كما أخبر الله في القرآن الكريم. والشجر مصدر من مصادر عسل النحل، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ. ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ "١". والشجر يسجد لله مع سائر مخلوقاته التي تسجد لخالقها سبحانه. والشجر، إذا يبس، مادة لإشعال النار، وقد امتن الله به وبنار الدنيا فقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ

стр. 206

الْمُنْشِئُونَ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ "١". والشجر مثله مثل الناس، ينقسم إلى صنفين: إلى طيب وإلى خبيث، وقد ضرب الله مثلا للكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة، والمقصود بها شجرة النخلة، وضرب الله مثلا للكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ. تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ. يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ "٢". فهل عرفنا -بعد هذا-أن الأشجار من أعظم نعم الله علينا؟. وهل علمنا أن هذه النعمة الإلهية تحتاج الشكر لله المنعم بها؟. بلى، إن من الواجب علينا شكر الله الذي أنعم علينا بها. ومن المتعين أن نتعلم الواجب علينا في التعامل مع الشجرة، فلا نتعدى بقطعها بدون سبب، وأن نرعاها ونحافظ عليها؛ لأنها نعمة إلهية، وثروة بشرية. وهل نتذكر بعد هذا أن الشجر آية من آيات الله التي تذكرنا بالقدرة الإلهية، وبرحمة الله الخالق بمخلوقاته: من إنسان أو حيوان؛ فأنبت لهم من الأرض ما يعيشون عليه، كما خلق الله الإنسان من الأرض أيضا؛ فسبحانه

стр. 207

ما أعظم قدرته وما أرحمه بخلقه!. فله الحمد والشكر. *كان عندي في الفصل طالب اسمه منصور، وفجأة وضع رأسه على المنضدة؛ فقلت له: يا منصور، ما لرأسك مكسور؟!. فضحك الطلاب واستيقظوا، واستيقظ ولم ينم بعدها؛ فعرفت أثر مثل هذا على كل من الطالب والأستاذ.

стр. 208

الأم الأم، وما أدراك من الأم! إنها إنسانة حملتك في أحشائها، وغذتك من دمها، وولدتك على كره ومشقة عظيمة، ثم أرضعتك من ثديها ومن حنانها وعطفها وحبها. إنها من أخبر النبي ﷺ بأن الجنة تحت قدمها! "١".

стр. 209

إنها من في إرضائها رضا الله عنك وفي إسخاطها سخط الله عليك!. فويل ثم ويل لك، أيها الإنسان، إن أنت عققتها، وويل لك إن أغضبتها، وويل لك إن احتقرتها، وويل لك إن أنت ما أطعتها!. ويا من عق أمه وأباه كيف يرضى عنك الله!. ويا من عق والديه كيف يوفقك الله!. ويا من عق والديه هل ترضى أن يعقك أبناؤك!. يا من عقهما ليتك رددت إليهما المعروف!. وكيف تنسى الإحسان أيها الإنسان!. إنك لو أحسنت إلى كلب، بشيء قليل، لشكرك وحفظ لك المعروف؛ فما بالك وأنت إنسان، وإحسان والديك إليك لا يعدله معروف أو إحسان!. أنسيت أن الله قرن -في كتابه- حقهما بحقه، وأوصى بالإحسان إليهما مع الأمر بعبادته؛ فقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ "١". وهل علمت أن الرسول ﷺ قد أخبر أن عقوق الوالدين من الكبائر ومن السبع الموبقات!. وهنيئا لك أيها الإنسان الذي بر والديه.

стр. 210

هنيئا لك الأجر وطيب الذكر. وهنيئا لك رضاهما. وهنيئا لك هذا القرض الحسن من المعاملة الحسنة. وأبشر فسوف يسدد لك هذا القرض أبناؤك أيها الطيب. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. *إذا لم ترحم نفسك أيها الإنسان فكيف تنتظر من غيرك أن يرحمك؟!. ألست أنت المطالب أولا أن تجنب نفسك أسباب العذاب، ولو بدا لك بريق المغريات العذاب!.

стр. 211

قصيدة في الزهد قال القاسم بن علي الحريري"١": خل ادكار الأربع ... والمعهد المرتبع"٢" والظاعن المودع ... وعد عنه ودع"٣" واندب زمانا سلفا ... سودت فيه الصحفا ولم تزل معتكفا ... على القبيح الشنع كم ليلة أودعتها ... مآثما أبدعتها لشهوة أطعتها ... في مرقد ومضجع وكم خطى حثثتها ... في خزية أحدثتها وتوبة نكثتها ... لملعب ومرتع وكم تجرأت على ... رب السموات العلى ولم تراقبه ولا ... صدقت في ما تدعي

стр. 212

وكم غمصت بره ... وكم أمنت مكره"١" وكم نبذت أمره ... نبذ الحذا المرقع وكم ركضت في اللعب ... وفهت عمدا بالكذب ولم تراع ما يجب ... من عهده المتبع"٢" فالبس شعار الندم ... واسكب شآبيب الدم"٣" قبل زوال القدم ... وقبل سوء المصرع واخضع خضوع المعترف ... ولذ ملاذ المقترف"٤" واعص هواك وانحرف ... عنه انحراف المقلع"٥" إلام تسهو وتني ... ومعظم العمر فني في ما يضر المقتني ... ولست بالمرتدع أما ترى الشيب وخط ... وخط في الرأس خطط ومن يلح وخط الشمط ... بفوده فقد نعي"٦" ويحك يا نفس"٧" احرصي ... على ارتياد المخلص

стр. 213

وطاوعي وأخلصي ... واستمعي النصح وعي واعتبري بمن مضى ... من القرون وانقضى واخشي مفاجاة القضا ... وحاذري أن تخدعي وانتهجي سبل الهدى ... وادكري وشك الردى وأن مثواك غدا ... في قعر لحد بلقع"١" آها له بيت البلى ... والمنزل القفر الخلا ومورد السفر الألى ... واللاحق المتبع"٢" بيت يرى من أودعه ... قد ضمه واستودعه بعد الفضاء والسعه ... قيد ثلاث أذرع"٣" لا فرق أن يحله ... داهية أو أبله أو معسر أو من له ... ملك كملك تبع وبعده العرض الذي ... يحوي الحيي والبذي"٤" والمبتدي والمحتذي ... ومن رعى ومن رعي"٥" فيا مفاز المتقي ... وربح عبد قد وقي"٦"

стр. 214

سوء الحساب الموبق ... وهول يوم الفزع! "١" ويا خسار من بغى ... ومن تعدى وطغى وشب نيران الوغى ... لمطعم أو مطمع! "٢" يا من عليه المتكل ... قد زاد ما بي من وجل لما اجترحت من زلل ... في عمري المضيع! "٣" فاغفر لعبد مجترم ... وارحم بكاه المنسجم"٤" فأنت أولى من رحم ... وخير مدعو دعي *قلت لأخي: الدنيا رائحة ولها رائحة.

стр. 215

الخاتمة أحمد الله تعالى وأشكره في الختام، وأستغفره مما قد يكون من زلل أو خطأ، وأسأله سبحانه حسن الثواب على ما وفقني فيه؛ فالفضل منه، وهو له، فهو الذي يوفق عبده للحسنة؛ ثم يأجر عليها، وهو أكرم الأكرمين؛ فالحمد له والشكر أولا وآخرا، وبدءا ونهاية، وظاهرا وباطنا، وله الحمد والشكر ما تعاقب الليل والنهار، وعدد ما طارت الأطيار، وعدد ما نزل من قطر الأمطار، وعدد: ما نطق الناطقون، وسبح المسبحون، وذكر الذاكرون، وغفل الغافلون. له النعمة والفضل والثناء الحسن. وبعد: فأرجو أن يعلم الأخ القاريء أنه مهما بدا له من حسنة أو صواب، فإنما ذلك من الله وحده؛ إذ هو ولي كل نعمة. ومهما رأيت- أيها القاريء العزيز- من خطأ، أو التباس في الكلام، فاعلم أنني إنما أردت الخير والصواب، سواء أدركتهما أو لم أدركهما؛ فعليهما احمل كلامي، ودعك من ملامي؛ فلست بمعصوم، ولا تدخر نصحا عن أخيك؛ إذ كل منا مرآة لأخيه. والأمل أن يشاركني القاريء العزيز في نشر ما قد يراه من خير في هذه الوريقات؛ فيدل على الخير ليكون شريكا فيه. وفقنا الله وإياك لمرضاته. "اللهم إني أستغفرك مما تبت إليك منه ثم عدت فيه، وأستغفرك مما جعلته
следующие страницы →