فاللهم يا ذا العزة والجلال! أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تمن علي بدوام مننك وهباتك ونعمك علي في الدنيا والآخرة وأسألك كما مننت علي بها ابتداء، لجودك وكرمك ورحمتك، أن تمن علي بها انتهاء فتختم بها حياتي عند نهاية الأجل!.
وأسألك اللهم يا ذا العزة والجلال والفضل والإحسان، كما مننت علي بنعمك وآلائك أن تمن علي بتوفيقي لشكرها لك كما ينبغي!.
اللهم لك الحمد والشكر كما ينبغي لك!.
اللهم لك الحمد والشكر كما ينبغي مني لك!.
اللهم لك الحمد والشكر كما ينبغي لأسمائك وصفاتك!
اللهم لك الحمد والشكر كما ينبغي لعبوديتي لك وعجزي وذلي وافتقاري!
اللهم لك الحمد والشكر كما ينبغي لنعمك علي وآلائك!
اللهم أستغفرك كما ينبغي لجلالك وأسمائك وصفاتك!
اللهم أستغفرك كما ينبغي مني لك!
اللهم لك الحمد والشكر بمثل ما حمدك وشكرك به سيد الحامدين والشاكرين محمد ﷺ !
اللهم أستغفرك بمثل ما استغفرك به سيد المستغفرين محمد ﷺ !
стр. 72
معايدة بالمعاني !
ها هو رمضان يودع أحبابه من المؤمنين الصائمين القائمين الراكعين الساجدين التالين للكتاب العزيز، وها هم يودعونه، يودعونه بالدموع واللوعة على فراقه! وكيف لا، وهو الشهر الذي عرفوه وعرفهم بالصيام حقا، وبالصلاة صدقا، وبالإخبات لله تعالى وذكره: حمدا وشكرا وتسبيحا!.
فوداعا يا رمضان، يا شهر البر والإحسان، ويا شهر القرآن، ويا شهر العبادة والإخبات والتقرب إلى رب الأرض والسماوات!.
ومن عجب أن لا يتفق الناس جميعا على هذا المعنى؛ وإنما ينقسمون إلى أقسام:
- فمنهم من يحزن على فراق رمضان، ويأسف على انقطاع مواسم الخير فيه.
- ومنهم من يفرح لذهاب رمضان الثقيل على نفسه؛ لأن ذلك فرصة له للتخلص من واجبات رمضان وتكاليفه ودروسه!.
- ومنهم من يحزن لفراق رمضان لانقطاع مصالحه المادية!.
стр. 73
يا أيها المودع رمضان !
يا أيها المودع رمضان والمستقبل العيد بالمعاصي والآثام، والمستقبل العيد بنقض ما اجتهد فيه من الطاعة في رمضان بالمعاصي والآثام، وبالعودة إلى سابق عهده قبل رمضان أو أسوأ، لست أدري لماذا كنت مجتهدا إذن في العبادة في رمضان! لماذا تبني ثم تهدم!
стр. 74
إن من يجمع المال أو الذهب ويجهد نفسه في جمعه لا نراه يفرط فيه بعد ذلك، أو يتركه أو يهمله، أو ينفقه في ما ليس ضروريا، وليس من السهل عليه أن يفعل ذلك؛ فما بالك بما هو أهم من المال بكثير، بل لا مقارنة بينهما؛ بحكم الله تعالى حيث قال: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ "١"!.
فلماذا هذا الهدم بعد البناء!.
هل أصبح في عقلك شيء يا هذا!.
لست أدري لماذا يقدم الإنسان على مثل هذا!.
هل نسي؟!.
أم قصد أن ينكص على عقبيه؛ فاختار غير ما كان قد اختاره في رمضان!
هل اكتشف أنه كان في رمضان مخطئا في الاتجاه إلى عبادة الله تعالى، وذكره وقراءة كتابه!.
أم أنه اختلطت عليه الأمور؛ فتوهم أن هذا هو طريق النجاة، بأن يلعب على الحبلين؛ فإذا جاء رمضان تعبد، وإذا ذهب رمضان أبعد!.
وهل يريد أن يرضي الله سبحانه بهذين المسلكين أم ماذا؟!.
- وهذا الذي يأتي عليه رمضان، وكأنه لم يأت، ولا يحرك ساكنا، ماذا دهاه؟! أليس هو مؤمنا بالله! أليس مصدقا بوعد الله ووعيده! ما له إذن ليس له فيه أثر، ولا يحرص على الثواب أو يجتنب العذاب والخطر!.
- يا أيها الأخ العزيز، ويا أيتها الأخت العزيزة، هنيئا لكما بالتوفيق في
стр. 75
رمضان الذي نرجو أن نكون جميعا من أهله، والأمل أن تكون المحافظة على التوفيق من أهم واجباتنا وغاياتنا في أوقاتنا إلى أن يأتي رمضان آخر.
- ويا أيها الذي فرط في رمضان ما الذي ستعمله الآن؟! هل ستزيد في الحسنات أو ستزيد في السيئات!.
- ألا تعلم أيها الأخ وأيتها الأخت أن الأعمال بالخواتيم، وأن التوبة تجب ما قبلها!.
- أيها الساهر في غير ما يسهر له عباد الله الصالحون.
- أيها المستيقظ في غير ما يستيقظ له عباد الله الصالحون.
- أيها النائم عما يستيقظ له عباد الله الصالحون.
- أيها الساعي في غير ما يسعى له عباد الله الصالحون.
- أيها القاعد عن السعي في ما يسعى له عباد الله الصالحون.
- ما الذي يسهرك؟!.
- ما الذي يوقظك؟!.
- ما الذي يدعوك لهذا النوم؟!.
- ما الذي يدعوك لهذا السعي؟!.
- ما الذي يدعوك لهذا القعود؟!.
وحتى متى ستستمر على هذه الحال؟! وإلى أين المسير؟!.
هلا حددت الغاية قبل هذا كله؟!.
هلا عرفت العاقبة والنهاية قبل هذا كله؟!.
يا أيها المتكلم هل حددت-قبل أن تتكلم-: لماذا تتكلم؟! وهل ذلك
стр. 76
جائز أو غير جائز؟ وهل كلمتك لله أو لغير الله؟.
وهل علمت-قبل أن تتكلم- أن الأمر كما قال النبي ﷺ : "إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالا، يهوي بها في جهنم" "١".
وماذا يضيرك لو صبرت عن هذه الكلمة التي تهوي بها في جهنم؟!.
وماذا يضيرك لو نطقت بهذه الكلمة التي يرفعك الله بها درجات؟!.
يا أيها الخاطي خطوته هل حددت-قبل أن تخطو-: لماذا تخطو؟! وهل ذلك جائز أو غير جائز؟ وهل خطوتك لله أو لغير الله؟.
وهل علمت-قبل أن تخطو- أن الأمر كما أخبر النبي ﷺ حينما: مر بحائط من حيطان المدينة أو مكة؛ فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما؛ فقال النبي ﷺ : "يعذبان، وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى، كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة ... ""٢".
وهل علمت -قبل أن تخطو- أيضا أن الأمر كما أخبر النبي ﷺ حينما قال: "كل سلامى عليه صدقة: كل يوم يعين الرجل في دابته يحامله عليها، أو يرفع عليها متاعه، صدقة، والكلمة الطيبة، وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة، صدقة، ودل الطريق صدقة" "٣".
وماذا يضيرك لو صبرت عن تلك الخطوة التي تعذب بها في قبرك، أم أنك
стр. 77
غير مصدق لرسول الله ﷺ ؟!.
وماذا يضيرك لو مشيت هذه الخطوة التي يكتب الله لك بها
رضوانه وثوابه؟!.
*قلت مرة لطلابي: يبدو أننا قد شغلتنا الوجبات عن الواجبات!.
стр. 78
وقفة عند مناسبة العيد
وها هو العيد يأتي بعد رمضان؛ فيستقبله الناس أيضا استقبالا متباينا:
- فمنهم من يستقبله بالإخبات والشكر لله تعالى، وصلة الرحم، وفعل الطاعات، والحرص على الحفاظ على مكتسبات رمضان من الخير والطاعات وتزكية النفس.
- ومنهم من يستقبل العيد بالمعاصي والآثام، ولعله لم يعمل من الخير شيئا في رمضان!.
- ومنهم من يستقبل العيد بنقض ما اجتهد فيه من الطاعة في رمضان بالمعاصي والآثام، وبالعودة إلى سابق عهده قبل رمضان أو أسوأ، ولست أدري-كما قلت- لماذا كان مجتهدا إذن في العبادة في رمضان! لماذا يبني ثم يهدم!
- ومنهم من يستقبل العيد بالمظاهر الزائفة، وعدم الاكتراث بالثواب والعقاب، وعدم الاكتراث بمحبطات الطاعات!.
- ها هو قد جاء العيد الذي يعنى كثير من الناس فيه بتجديد ثيابهم وأشيائهم، ولكنهم يغفلون عن تجديد إيمانهم وفضائل أخلاقهم!.
стр. 79
- وماذا ينفعك تجديد ثوبك وأنت أنت لم تجدد إيمانا، ولا علما، ولا أخلاقا فاضلة، ولا أعمالا صالحة!.
عيد بأية حال عدت يا عيد ... بما مضى أم بأمر فيه تجديد!.
- لو تنبه الإنسان إلى معنى العبودية لله سبحانه في تشريعه ، وفي الحكمة من تعاقب هذه المناسبات الإيمانية؛ لتعبد لله بقلبه وقالبه وأفعاله!.
- نعم لو تنبه إلى ذلك لم يأخذ هذه الأحكام على التقليد فقط، أو على صورها مع الغفلة عن حقائقها، أو على الاستجابة فيها لداعي الطبع لا لداعي الشرع!.
- إن من لا يتنبه لهذا المعنى فإنه يأكل عند وقت الإفطار؛ لأنه يريد أن يأكل، ويتسحر لأنه يريد أن يأكل، وهكذا بقية التصرفات.
- أما من تنبه إلى هذا المعنى؛ فإنه يتجه بأفعاله إلى الله تعالى تعبدا، لا طلبا لهوى نفسه؛ فيتسحر لأن الله أمره به، ويفطر لأن الله أمره به!. وهكذا يستمر معبدا نفسه لله في سائر تصرفاته حتى يصبح عبدا لله في جميع تصرفاته؛ وعندئذ يجني ثمرة هذه العبادة في الدنيا وفي الآخرة؛ وتظهر عليه آثارها في الدنيا قبل الآخرة؛ فما أطيبه من إنسان، وما أكرمه على الله وعلى عباده!.
- يا أيها الأخ العزيز، ويا أيتها الأخت العزيزة، ما أحوجنا إلى التوقف مع أنفسنا للحساب اليوم قبل غد، ونسائلها:
- ماذا كان الفطور، وماذا كان السحور في رمضان، وماذا كان زادنا بينهما؟!.
- هل اكتفيت في فطورك وسحورك بالحلال؟ أو أضفت إلى ذلك غيبة ونميمة وكلاما لا خير فيه، أو فيه شر وضياع، أو لغو؟!.
стр. 80
- وهل كنت تعد لفطورك وسحورك ذكر الله تعالى، أم كنت تعد لهما الضحك والمضحكات، واللغو من القول، والغيبة والنميمة والتفريق بين الناس؟!.
فإن كانت الثانية فأسألك بالله هل هذا هو الصيام الذي قال الله فيه: ﴿ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ "١"، وهل هذا هو فطوره وسحوره الذي أباحه الله أو أمر به؟! هل تظن ذلك أو أنت عالم بأمره ونهيه ولكنك عامد مخالفة الله رب العالمين؟!.
- وهل أنت على ذكر من موعدك مع ملك الموت الآتي لا محالة؟!.
- وهل أنت متذكر أن الله تعالى يعلم السر وأخفى، وأنه لا تخفى
عليه خافية؟!.
- وهل ظهر أثر ذلك في نيتك وأقوالك وأفعالك، أو هي دعوى مجردة، وعما قليل سيجرد الله صاحبها؛ فلا يحول بينه وبينه حائل؟!.
السعيد من يعتبر قبل أن ينقبر!.
стр. 81
صيانة الإنسان
كل الأشياء في حاجة إلى الصيانة ومتابعة وضعها من حيث السلامة.
فالسيارات لها صيانة يؤمن بها الناس ويسلمون بها ويقومون بها.
وسائر الآلات لها صيانة يؤمن بها أصحابها ومخترعوها ويسلمون بها ويقومون بها.
والبيوت المعمورة تحتاج إلى صيانة، والناس مسلمون بذلك.
فأين صيانة الإنسان من دون هذه الأشياء كلها؟!.
إن هذه كلها أشياء للإنسان، ووجدت من أجله، وتصان من أجله، أفليس هو الأولى، منها كلها بهذه الصيانة إذن؟!
وصيانة الإنسان صيانتان، لابد منهما معا:
الصيانة المادية، وتكون باتباع القواعد الصحية، وإرشادات السلامة، وأحكام الشريعة الإلهية.
وصيانة معنوية، وتكون باتباع أحكام الشريعة الإلهية أيضا وأخلاق الإيمان، ومقتضيات الإيمان.
وليست صيانة جسم الإنسان بأولى من صيانة إيمانه وأخلاقه.
وليست العبرة في الأمور ببداياتها فقط، ولكن بالنظر إلى عواقبها ونهاياتها أيضا؛ فعلى العاقل أن يطبق هذا المعنى في موضوع صيانة جسمه
стр. 82
وإيمانه وأخلاقه. وعليه أن ينظر إلى مطالبه بهذا المنظار، وأن لا تغره الأمور ببداياتها، وإنما عليه أن يقيسها بعواقبها ونهاياتها أيضا. والموفق من وفقه الله تعالى.
*قال لي أحدهم: قد بلغت من الكبر عتيا.
قلت له: هذا لا يضرك إن كنت تقيا.
*أيها المقطع عمره في الضياع أو في ما لا يجدي! هل أنت متذكر أنك عما قليل ستتقطع حسرات بما قطعت به الأوقات؟!.
стр. 83
مفهوم الراحة والتعب
*- لعل الراحة في أن تتعب.
*- ولعل التعب في أن ترتاح.
*- وكم من إنسان في تعب من الراحة، وكم من إنسان في راحة من التعب!.
*- لعل الجسم يتعب من القعود والكسل، ولعل النفس تتعب أيضا من القعود والكسل.
*- والمخرج من ذلك هو العمل والحركة والتعب ونفض النوم والكسل ...
*- وليست العبرة في الأمور ببداياتها فقط، ولكن بالنظر إلى عواقبها ونهاياتها أيضا؛ فعلى العاقل أن يطبق هذا المعنى في نظرته إلى مفهوم الراحة والتعب وعليه أن ينظر إلى مطالبه بهذا المنظار، وأن لا تغره الأمور ببداياتها، وإنما عليه أن يقيسها بعواقبها ونهاياتها أيضا. ﴿يَا أَيُّهَا
стр. 84
الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ "١". والموفق من وفقه الله تعالى.
*عجبا لمن يشتغل ببيع الكتب النافعة لينتفع الناس منها، ولكن لا ينتفع هو منها!.
стр. 85
أمران تتوقف عليهما السعادة
تأملت صواب المصيبين وخطأ المخطئين، وصلاح الصالحين وانحراف المنحرفين، وفوز الفائزين وفشل الفاشلين، ما سببه؟! وما سره؟! مع أن الناس خلقوا خلقة واحدة، وكلهم له عقل وإدراك، ويشاهدون التجارب ويقرءون التاريخ؛ فيبصرون العبر. فتبين لي بيقين أن ذلك كله يعود إلى التوفيق أو عدمه والإصابة أو عدمها في أمرين، هما:
١- التقدير الصحيح.
٢- التوقيت المناسب.
فالاستقامة وصلاح الحال وحسن المآل في الدنيا وفي الآخرة يتوقف على هذين الأمرين.
فالأول: بمراعاته يدرك الإنسان قيمة: الشيء، وقيمة العمل، وقيمة السلوك، وقيمة النية، وقيمة الاستجابة لأمر ما، أو عدمها؛ فإذا
стр. 86
هو قدر قيمة تلك الأمور تقديرا صحيحا؛ فعظم العظيم، وحقر الحقير، كان هذا أول خطوة ضرورية للاستقامة وللسعادة، وللالتزام وللعمل وللجد؛ إنه حاسة التمييز بين الأشياء والأعمال والأشخاص في القيمة والقدر؛ فيعطي لكل شيء قدره، وينزله من نفسه ومن همه وعمله منزلته اللائقة به عناية أو إهمالا، تطلبا له أو تركا.
وكم يأتي الخلل في حياة الإنسان من السعي وراء: أمر، أو شيء، أو شخص، تافه؟.
وكم يأتي الخلل في حياة الإنسان من القعود أو الإعراض عن السعي وراء أمر أو شيء أو شخص يستحق السعي في سبيله أو له.
والثاني -وهو التوقيت المناسب-: بمراعاته يظفر الإنسان بما طلبه من عمل يستحق البذل والجهد والوقت، وذلك بأن يقوم به في وقته المناسب الذي يكون فيه مقبولا، والذي يحصل به ما أراده من نتائج للعمل.
وكم يأتي الخلل في حياة الإنسان بسبب تأخره عن التوقيت المناسب!.
وكم يأتي الخلل في حياة الإنسان بسبب تقدمه عن التوقيت المناسب!.
نعم إن القضية إنما هي قضية التقويم الصحيح أو عدمه، والتوقيت المناسب أو عدمه.
كم تحسر المتحسرون بسبب عدم معرفتهم بقدر العمل الصالح والعمل النافع وقدر الطاعة الخالصة لله تعالى!.
كم تحسر المتحسرون بسبب فوات الأوان لإدراك ما عرفوا قيمته ورغبوا فيه: من عمل صالح، أو فرصة نافعة في الدنيا أو في الآخرة!.
стр. 87
ما الذي شحذ عزائم الصالحين والعقلاء من عباد الله للطاعات، والاستقامة، والحياة الجادة، سوى القناعة واليقين بقيمة ما اتجهوا إليه، وحرصوا عليه: من عمل صالح، وطاعة؟!.
ما الذي أقعد القاعدين عن العمل الصالح وعن الطاعات ومكارم الأخلاق والسلوك، سوى الغفلة عن قيمة ما قعدوا عنه من طاعة وعمل نافع؟!.
ما الذي دفع بالتعساء وبالمنكوبين في أخلاقهم وسلوكهم إلى أن يتعلقوا بما تعلقوا به، من البدائل عن الأعمال الصالحة والطاعات والأخلاق الكريمة فاختاروا مكانها ما سعوا له: من خلق مشين، وعمل رديء، وشك، وشرك، وشبهة، وشهوة، ما الذي دفعهم إلى هذه الحال سوى الخطأ في تقدير قيمة ما تركوه من كريم الأخلاق وجميل الطاعات، والخطأ في تقدير ما اتجهوا إليه وأخذوا به: من سلوك، وخلق، ومعصية؟!.
هذا الذي يتنكب الطريق الصحيح، وهذا الذي يخطيء الأدب هل أوقعه سوى غفلته وسوى جهله بالأدب المطلوب ما هو؟!.
ويا حسرة من عرف قيمة العمل الصالح والطاعة وكريم الخلق ثم فاته ذلك؛ لأنه قد فاته الوقت؛ لأنه تأخر، أو لأنه استعجل، ومن تعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه، ومن تأخر عن شيء حتى فات أوانه عوقب بحرمانه!.
فيا أخي ويا أختي ويا أيها الإنسان كن عاقلا رشيدا:
ميز بين الطيب والخبيث.
ميز بين النافع والضار.
стр. 88
ميز بين الطاهر والنجس.
ميز بين النظيف والقذر.
ميز بين ما يبقى وما يزول.
ويا أخي ويا أختي ويا أيها الإنسان كن عاقلا رشيدا؛ فلا يفتك الوقت، ولا يفتك اليقين بأثر التوقيت.
لا يغيبن عن بالك بأن للطاعات أوقاتا، وأن كثيرا منها لا يقبل في غير وقته.
إنه لا يجزئ صيام الليل مثلا عن صيام النهار، ولا يجزئ الإمساك عن المفطرات بعد الفجر بلحظات عن الإمساك قبيل الفجر بلحظات لمن أراد الصيام!.
نعم إنها لحظات!.
إن للصلاة وقتها الذي فرضها الله فيه: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ "١"، فهل لاحظت أنه كتاب موقوت!.
ألا ما أسعدك إذا أيقنت بهذا الكتاب الموقوت قبل أن تموت!.
للكلمة الطيبة موضعها ووقتها فإذا فات لا تستطيع إرجاعه؛ لأنك لا تستطيع إرجاع الزمن الماضي!. للخطوة الطيبة موضعها ووقتها المناسب؛ فإذا فات لا تستطيع إرجاعه؛ لأنك أيضا لا تستطيع إرجاع الزمن الماضي!.
стр. 89
وعمرك محدد أيضا تحديدا لا تستطيع أن تزيد فيه ولا تنقص!.
وعمرك إذا قضيته في المعصية أو في الخطأ أو في السوء لا تستطيع أن ترجعه لتقضيه في الطاعة وفي الصواب وفي الطيب من القول والفعل والاعتقاد؛ لأنك لا تستطيع أن ترجع الزمن الماضي!.
وما قضيته من لحظات من عمرك في المعصية أو الخطأ لا تستطيع استرجاعه لإصلاحه؛ لأنك لا تستطيع إرجاع الزمن الماضي!.
لكنك قد تستطيع أن تتوب إذا سارعت للتوبة!.
لكن هل علمت أيضا أن للتوبة فرصة محددة، فإذا فاتتك فقد فاتتك وفاتك الخير، لأنك لا تستطيع أن ترجع الزمن الماضي!.
هل تعلم أن الوقت منذ البداية أمامك لتصنع الذكر الطيب لنفسك، فإن استثمرته لتصنع ذكرا سيئا عن نفسك فقد أضعت الفرصة عليك!.
هل تعلم أن أقوالك وأفعالك تعبير عن نفسك؟!.
هل تعلم أن أقوالك وأفعالك تأتي تعبيرا حسنا عن نفسك أو تعبيرا سيئا، وأن الأمر يعود إليك؟!.
هل تعلم أنك إذا أخبرت الناس -عمليا- عن نفسك بأنك كذاب مثلا فإن من الصعب أن تقنع الناس بأنك من الصادقين؟!. أما علمت القاعدة عند علماء الأصول: الخبر لا يدخله النسخ!.
وهل تعلم أنك إذا اتخذت الكذب ملجئا لك، بمختلف أنواعه، سواء
стр. 90
كذب القول أو كذب العمل، فقد سقطت من أعين الناس، وسقطت من عين الخالق الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟!.
متى وكيف يصنع الإنسان مثل هذا لنفسه بغير التقويم والتوقيت؟!.
*أكثر الهالكين، إنما هلكوا بساعة، فما دونها، من الراحة، آثروها على التعب في طاعة الله، أو الفضائل والمروءة:
- فهذا نام عن الصلاة، أو عن صلاة الجماعة.
- وهذا نام عن الجهاد.
- وهذا نام عن فعل المعروف.
- وهذا نام عن نجدة الملهوف.
- وهذا نام عن صلة الرحم.
- وهذا، وهذا ... إلى آخر ما هنالك، وكم في الناس من هالك؛ ثم لم تنفعه الراحة ولم تدم، وإنما أورثته ندما، أو جعلته يبكي الدمع دما!.
*أكثر الذين هلكوا، أو خسروا، إنما كان لهم ذلك بفوات موعد الخير بدقائق، نعم: دقائق اختاروها نوما، أو راحة، أو فراغا؛ ففاتهم الخير والنجاة!.
стр. 91
عناصر مقومات الشخصية المسلمة
أرى أن أهم مقومات الشخصية المسلمة ما يلي:
- الإيمان بالله تعالى.
- تفعيل الإيمان في التصور والفكرة والهم والخطوة.
- الحياة الجادة.
- علو الهمة.
- تنمية العقلية الراشدة.
- اكتساب الصفات النفسية الحميدة.
- التخلص من الصفات النفسية السيئة.
*من الصفات النفسية الحميدة:
- التواضع.
- الاعتدال في الاعتداد بالذات، والاعتدال في حب الذات.
- تحديد الغاية من الحياة تحديدا صحيحا، وإلزام النفس بالسعي لها بصدق ودقة.
*من الصفات النفسية السيئة:
ومن الصفات النفسية السيئة: أضداد الصفات النفسية الحميدة، بصورة عامة، ومن ذلك:
- الاستكبار في الأرض بغير الحق.
- الغلو في الاعتداد بالنفس وفي حبها.
стр. 92
- عدم تحديد الغاية من الحياة، أو تحديدها بغاية غير صحيحة، وعدم الالتزام في الحياة بما من شأنه تحقيق الغاية منها.
النتيجة:
يتبين مما سبق من الصفات الحميدة والصفات السيئة، أن المسلم الحق هو: الإنسان الذي آمن، عن قناعة، إيمانا صادقا حيا، وحدد غايته أو غاية وجوده في هذه الحياة؛ ثم خضع لكل من هذا الإيمان وهذه الغاية، واختار طريقا أو منهجية سديدة لهذا الخضوع والالتزام.
*قال أحدهم: ما رأيك في رجل مسلم يلبس سلسلة من ذهب؟
قلت: إذا رأيت رجلا قد لبس سلسلة من ذهب، فاعلم أن دينه قد ذهب.
стр. 93
الإنسان والموت !
رحلة في هذه الدنيا يقوم بها الإنسان، ثم يختم هذه الرحلة، بل تختم رحلته من حيث لا خيار له في إنهائها؛ كما هو الشأن حينما قدم الإنسان -أي إنسان-إلى هذه الدنيا؛ إذ لم يكن له أي اختيار، بل يولد باكيا صارخا، ولعله يبكي احتجاجا على إنزاله من رحم أمه إلى هذه الدنيا الواسعة! ولعله يبكي محتجا على إخراجه من ذلك المكان الذي ألفه، وربما تصور أنه مكان واسع أوسع من الدنيا الغريبة عليه!.
وبعد أن يتقلب في هذه الدنيا ويرى سعة أرضها وسمائها، ويمر فيها
стр. 94
بمراحل وأحوال، ربما أيقن من جديد بأن الدنيا حقا ضيقة وربما تمنى الخروج منها إلى ما هو أوسع منها!.
وهل هناك أوسع منها؟!. نعم المرحلة الأخرى أوسع، الآخرة أوسع من الدنيا لكن لمن وسعها الله عليه، ورحمة الله أوسع وأروح لمن أكرمه الله بها!.
﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ "١".
وماذا تنفع الدنيا من تمتع بها إلى منتهى أمله، ثم أدركه عاقبة سوء عمله!.
ماذا تنفع الدنيا الكافر والمنافق، وماذا تغني عنهما من عذاب الله!.
ماذا تنفع الدنيا من عمل لها ونسي الآخرة!.
ماذا تنفع الدنيا من جمع فيها المال بالحرام!.
ماذا تنفع الدنيا من أنفق فيها المال الحلال في الحرام!.
ماذا تنفع الدنيا من جمع مجدها بأطرافه، ولكنه ما عرف الله وما خافه!.
ماذا تنفع الدنيا من ظلم فيها، أو عاش سفيها!.
ماذا تنفع الدنيا من كانت حياته فيها لا حياء فيها!.
ماذا تنفع الدنيا من عمرها بخراب آخرته!.
الجواب اليقين: لا شيء، لاشيء، على الإطلاق، بل العكس هو الواقع؛ فقد تحول سرورها حزنا، ولذائذها غصصا، ومجدها ومالها وجاهها عذابا، وعزها ذلا.
стр. 95
﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ "١".
الجواب بيقين: لاشيء على الإطلاق!.
إن الحال ستكون بعكس ما كان يحرص عليه العاملون للدنيا!.
وأما بالنسبة للعاملين للآخرة في هذه الحياة، فإن جزاءهم سيكون بتبدل حالهم إلى عكس ما كانوا عليه هنا؛ فقد تحملوا عناء الصبر في دنيا الناس، وآثروا الباقي على الفاني؛ فما أحراهم في ذلك اليوم أن يقبضوا الثمن من الرب الكريم سبحانه؛ فسيتبدل الهم سرورا، وسيتبدل الخوف أمنا، وسيتبدل العطش ريا، وسيتبدل الجوع شبعا، وسيتبدل التعب راحة، وسيتبدل، وسيتبدل، وسيتبدل ... إلى آخر ما لا يمكن حصره.
ألا يتبين بهذا أن من الحياة في هذه الدنيا ما هو في الحقيقة موت، وأن من الموت ما هو في الحقيقة حياة!.
أليس هذا الانعكاس راجعا إلى سر الاختيار عند الإنسان، وليس راجعا لمجرد الحياة ذاتها أو الأجل!.
فإذا اختار الإنسان في هذه الدنيا الحياة الحقيقية كانت حياته حياة حقيقية، وإذا اختار الموت الحقيقي كانت حياته موتا!.
أليس مصداق ذلك-على سبيل المثال-في مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ "٢".
стр. 96
لقد حسب الناس ذلك؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ﴾ .
بل قال الله سبحانه بعد هذه الآية: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ "١"؛ فليس الذين ماتوا في سبيل الله أحياء فقط، بل جمعوا ثلاث خصال، كل واحدة تستحق أن يموت في سبيلها الرجال:
الأولى: أنهم أحياء عند ربهم!
الثانية: أنهم فرحون بما آتاهم الله من فضله.
الثالثة: أنهم يستبشرون بإخوانهم الذين لم يموتوا بعد في سبيل الله، لكنهم اختاروا الحياة في سبيل الله؛ فمن ثم يستبشر بهم إخوانهم الذين سبقوهم إلى الدار الآخرة بالموت في سبيل الله، الذي هو الحياة الحقة؛ فيتمنون لهم مثل ما أعطاهم ربهم!. وأكمل الآيتين بعدها.
وقد أكد الله تعالى الفرق العظيم بين موت هو الحياة، وحياة هي الموت؛ فقال: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ "٢".
وهكذا قل بالنسبة للأمثلة في مختلف مناحي الحياة؛ فينسحب مثلا: هذا المثال-الذي ساقته الآيات-على الحياة في طاعة الله، والحياة في معصية الله؛ فالفرق بين الحياتين كالفرق بين الموت والحياة، ولكن بحسب ميزان الله
стр. 97
وليس بحسب ما يحسبه الناس الحسبان الذي نهى الله عنه!.
يا لله! أفلا يستيقظ الناس إذن!.
أفلا يصدقون الله في خبره وفي وعده ووعيده!.
ولقد قال رسول الله ﷺ لما مر عليه بجنازة: "مستريح، ومستراح منه". قالوا: يا رسول الله، ما المستريح والمستراح منه؟. قال: " العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله، والعبد الفاجر يستريح منه العباد، والبلاد، والشجر، والدواب" "١".
ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء
*يشقى كثير من الناس في البحث عن السعادة خارج أنفسهم، ولكنهم لا يجدونها؛ وليس لهم إليها سبيل؛ لأن السعادة تأتي من داخل النفس وليس من خارجها. إن السعادة شعور، ورضا، وقناعة، وتؤدة، وصدق، وأمانة، وإيمان.
стр. 98
حديث من بين القبور !
قل أن يمر يوم لا يصلي فيه الأحياء على ميت أو أكثر في مسجد رسول الله ﷺ ، منذ عهده ﵊ إلى اليوم، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها!.
وهذا مشهد فيه عبرة وأي عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد!.
ورحم الله أولئك المشيعين طاعة لله وإخباتا، وحرصا على تأديبهم لأنفسهم، ويقينا منهم بأنهم اليوم مشيعون، وغدا-إن لم يكن اليوم -مشيعون!.
وإذا حملت جنازة فاعلم ... بأنك بعدها محمول!
ويا لله ما أكثر المودعين كل يوم، الذين يصبحون في التراب مودعين، وبأعمالهم مرتهنين!.
ويا لله كم من إنسان يرقد في بقيع الغرقد!.
ولا تزال تسير القافلة، والناس ساهية غافلة!.
وكم من حديث للنفس بين المقابر، ولاسيما بقيع الغرقد، وإن كانت عظة الموت واحدة!.
كم من حديث مع النفس يسري منها، أو إليها، عبر السير في الجنازة أو الوقوف بين المقابر!.
إنك اليوم أيها الإنسان مودع أخاك أو عزيزك، ليس في المطار، ولا في رحلة إلى مصيف، ولكن إلى حيث يواريه التراب، ويقف بين يدي رب
стр. 99
الأرباب، ويواجه الحساب!.
إنك اليوم أيها الإنسان مودع أخاك أو عزيزك، وغدا -أو اليوم- سيودعك غيرك!.
واليوم تعزى في القريب، وغدا -أو اليوم أيضا- يعزى فيك القريب!.
وهل ينتهي الأمر عند هذا الوداع وهذا العزاء؟!. كلا.
بل إن في القبر حسابا!.
وإن في القبر نعيما أو عذابا!.
ومن عجب أن يدفن الناس الأموات، فينطلقون مسرعين بحثا عن الأقوات!.
إن ذلك ليس حراما، لكن الغفلة حرام!.
كم من شخص يشترك في حمل الجنازة، وفي الحقيقة هو الجنازة!.
كم من حي في المعنى يحمل على الأكتاف، وفي من يحمله من هو ميت في الحقيقة، وهو لا يشعر!.
وربما لا يمتري العقلاء حين يشاهدون حمل الجنازة ويشهدونه في أنه يتكرر كثيرا: أن يكون ميت يحمل حيا، أو حي يحمله ميت، ليس فيه حياة ولا حياء في الحقيقة؛ فهو لا يشعر، ولا يحس، ولا يستحيي، ولا يرعوي، ولا يأخذ العبرة، ولا يملك العبرة، بل يظل سادرا حتى يدخلوه قبره!.
كم من شخص -ولا أقول إنسان- يقف بين القبور، وهو بينه وبين نفسه يبيع ويشتري، وكأنه في الموت يمتري!.
فيا من يحدث نفسه بالمكاسب، انظر ليوم غدك المؤكد ما الذي أنت كاسب؟!.
стр. 100
هذا الموت هو نهاية الحياة الدنيا إلى حياة وحياة بعدها!.
فهل أعددت العدة، أو لا تزال في التسويف والغفلة!.
يا أيها الحامل على ظهره أخاه، أو أمه أو أباه!.
يا أيها الدافن أخاه أو أمه أو أباه!.
يا أيها الشاهد الدفن طلبا للأجر!.
ماذا صنعت لهذا القبر؟!.
إن القبر ليس قبر أخيك الذي دفنت، ولكنه في الحقيقة قبرك أنت!.
نعم، والله، إن القبر قبرك، ولكن أخاك تقدمك، وما أقرب أن يحين الموعد فيهجم عليك الموت كما هجم على غيرك!.
يا أخي آمن فلست من الموت بآمن!.
ويا عديم القلب! كيف تدفنه ثم تنطلق لتظلم غيرك!.
ويا ناقص العقل! كيف تدفنه ثم تنطلق لتغش غيرك!.
ويا ناقص العقل! كيف تدفنه ثم تنطلق لتستكبر على غيرك!.
ويا ناقص العقل! كيف تدفنه ثم تنطلق لتحسد غيرك على الدنيا!.
ويا ناقص العقل! كيف تدفنه ثم تنطلق لتغتاب الناس!.
ويا ناقص العقل! كيف تدفنه ثم تنطلق لتعق أمك وأباك!.
ويا ناقص العقل! كيف تدفنه ثم تنطلق لتقطع رحمك التي أمرك الله بوصلها!.
ويا ناقص العقل! كيف تدفنه ثم تنطلق لتسحق أو تظلم زوجتك وأم أولادك الساكنة في حمى دارك!.
ويا ناقص العقل! كيف تدفنه ثم تنطلق لتظلم الضعيف والمرأة المسكينة!.
стр. 101
ويا ناقص العقل! كيف تدفنه ثم تنطلق لترضى الدين، أو التأجيل، في أمر آخرتك، ولا ترضاه في أمر دنياك!.
ويا ناقص العقل! كيف تدفنه ثم تنطلق لتعصي مولاك سبحانه!.
ويا ناقص العقل! كيف تدفنه ثم تنطلق لتقصر في أمر الله!.
ويا ناقص العقل! كيف تدفنه ثم تنطلق لتطيب لك الحياة في غفلتك!.
اللهم إنا نسألك حياة هي الحياة، ونسألك موتا هو الحياة، ونعوذ بك من حياة هي الموت، ومن موت هو موت على موت!.
كفى بالموت واعظا!.
كفى بالموت واعظا!.
نسأله تعالى أن يرد علينا عقولنا وإيماننا!.
ولا حول ولا قوة إلا بالله رب العالمين.
*كيف يصلح من نفسه من لم ير فيها فسادا أو خللا!.
стр. 102
أعظم مشكلة !
- أعظم مشكلة يواجهها الإنسان، هي المشكلة التي لا يعترف بها صاحبها، أو لا يقتنع بحلها، ولو كانت المشكلة صغيرة!.
- أكبر خطأ، هو الخطأ الذي لا يعترف به صاحبه، مهما كان الخطأ صغيرا!.
- أعظم الجهل، هو الجهل الذي لا يعترف به صاحبه، أو لا يقتنع بمعالجته،
стр. 103
مهما كان الجهل!.
- أكبر عيب في الإنسان، أن لا يعترف بعيبه!.
- أعظم داء في الإنسان، داء لا يعترف به الإنسان، أو لا يريد علاجه!.
- أشد الأمراض فتكا بالإنسان، المرض الذي لا يعترف به الإنسان، أو لا يريد التخلص منه!.
- أشد الغباء، غباء يرى صاحبه أنه أذكى الأذكياء!.
- أعظم القطيعة، قطيعة يرى صاحبها أنه غير قاطع!.
- أعظم الصلة، صلة يرى صاحبها أنه غير واصل!.
- أعظم الوفاء، وفاء يرى صاحبه أنه لم يعط حق الوفاء!.
- أثقل الثقلاء، ثقيل يرى نفسه من الظرفاء!.
стр. 104
رحم الله الشيخ عمر !
ليست قيمة الرجال بالأشكال، ولا بالمال، ولا بعدد ما قضوه من السنين في هذه الحياة!. لكن قيمة الرجال بسيرتهم العطرة، وبطريقتهم الحسنة، بهذا يتمايز الرجال.
والحقيقة أن رحلة الحياة هذه يمر بها كل حي يكتب الله له الحياة -طويلة أو قصيرة-ثم يبقى الحديث والأثر، وهذا الحديث وهذا الأثر يختلفان بحسب اختلاف الناس في مستوى استمساكهم بالدين والفضائل ومكارم الأخلاق، واختلافهم، كذلك، في مستوى العلم والفقه وفي أثر العلم في حياة الشخص.
стр. 105
والشيخ عمر فلاتة من أولئك العلماء العاملين-ولا نزكي على الله أحدا-وقد شهد له بهذا القريب والبعيد؛ فقد أثر في الناس بأخلاقه الحميدة، وبدعوته بمقاله وبحاله، في المسجد النبوي وخارج المسجد، وأثر فيهم تأثيرا حسنا بالغا. وأنا من أولئك الناس، وكم كنت أتذكره، وهو حي، ﵀، فأدعو له، وأذكر لمن أتحدث إليهم نبل الشيخ وفضله وإحسانه إلى الناس بالمعاملة والمعروف، وأنا واحد من الناس الذين نالهم أو نفحهم معروف الشيخ وأخلاقه، وما أذكر أنني رأيته إلا غمرني السرور من سيرته وحسن مقابلته!.
وعلى ضيق الوقت الآن، وضيق المساحة للكلمات، إلا أنني أتحف من كان حيا بأمرين لا أنساهما من الشيخ عمر:
الأمر الأول: هو ما كتبه الله على يديه من معروف أسداه إلي، وعليه كانت وجهتي في تعلمي وتعليمي وحياتي، وهو وساطته وسعيه المشكور لقبولي في المعهد العلمي بالمدينة المنورة، بعد الاعتذار لي عن قبولي؛ فقبلت، وواصلت دراستي في المعهد ثم في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وتخصصت في الحديث وعلومه، فكلما تذكرت أن الشيخ عمر كان السبب-بفضل الله-في قبولي الذي انبنى عليه تخصصي هذا التخصص، وما ترتب على ذلك من جهود متواضعة في التعليم، كلما تذكرت هذا تذكرت أن الشيخ عمر فلاتة شريك لي في كل ذلك، ودعوت له.
الأمر الثاني: هو ما لا أنساه حين قابلت الشيخ خارجا من الحرم، قبل نحو سنتين أو أقل بقليل، وسلمت عليه؛ فهش وبش وبالغ في ذلك، كما هي
стр. 106
عادته، ﵀، ونزلنا إلى مواقف السيارات، فقلت له: يا شيخ معي نسخة من كتاب أود أن أعطيك إياه. فقال: من تأليفكم؟. قلت: نعم. قال: هذا شيء طيب، ويسعدني أن أقراه وأستفيد منه!. فقلت في نفسي: لقد أثقل الشيخ كاهلي بلطفه في المقابلة ثم بتواضعه هذا. وظننت أن الأمر يقف عند هذا الحد، لكنه لم يقف عند ذلك، بل مشى معي الشيخ بخطواته التي قيدها السن والمرض بعض الشيء، ومشى معي إلى السيارة مسافة عرض الموقف ليأخذ الكتاب، وكنت أظن أن هذه الوجهة هي وجهة سيارته، ولكنه أذهلني حينما رأيته بعد أن أخذ الكتاب قفل راجعا، فاعتذرت إليه، وتمنيت عليه لو لم يتجشم هذه الخطوات، ولو أخبرني بحقيقة الأمر لآتيه بالكتاب في مكانه!.
وقد أبدى لي السرور حينما رأى الكتاب، وقرأ العنوان، وهو: "الأخلاق الفاضلة: قواعد ومنطلقات لاكتسابها"؛ فقال: عظيم عظيم، كل إناء بما فيه ينضح. قلت له: يا شيخ! لكنني قلت في بعض تهويماتي: "قالوا: كل إناء بما فيه ينضح. قلت: ولكن بعض ما في الإناء يفضح".
فأجابني قائلا: لا، هم قالوا: كل إناء بما فيه ينضح. ثم رأيته بعد فترة طويلة؛ فشكرني على الكتاب وأثنى عليه ثناء عاطرا؛ فعلمت أن هذا اللطف والخلق الحميد قد أصبح طبعا لا ينفك عن الشيخ، ولا الشيخ ينفك عنه، وأن من الصعب أن أجاريه، فضلا عن أن ألحقه أو أكافئه، وأيقنت أن هذا من أساليبه الحسنة في الدعوة إلى الله تعالى.
فجزى الله الشيخ عمر عنا وعن الإسلام والمسلمين خير ما يجزي به
стр. 107
العلماء العاملين والدعاة الصادقين الناصحين.
وقد دفن الشيخ-﵀-اليوم عصرا"١" في المدينة المنورة، في بقيع الغرقد بعد أن صلي عليه في مسجد النبي ﷺ ، المسجد الذي قضى الشيخ غالب سني عمره معلما واعظا للناس فيه في مكان بجوار الروضة، وكان يوم دفنه يوما واعظا؛ إذ دفنا فيه عالما واعظا، وقد وثق الناس-بجموعهم التي غص بها البقيع-محبتهم للشيخ، وكان هذا واعظا آخر لمن أراد العبرة والعظة!.
وستبقى الذكرى عطرة لمن كانت حياته بالخير عطرة، وإنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم ارحمه وارفع درجته عندك في عبادك الصالحين، وتجاوز عنا وعنه يا أكرم الأكرمين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الأربعاء، ٢٩/١١/١٤١٩هـ.
*- قال لي أحد طلابي عن الإمام ابن قدامة، معجبا به: لقد قرأت في سيرته أنه رجل صالح، وأنه صاحب سيرة عجيبة وكرامات، وأنه كان يمشي على البحر! "٢".
فقلت له: الأعظم من ذلك أنه يمشي على السنة!.
стр. 108
قصور وقبور !
سبحان ربي!.
في هذه الدنيا قصور وقبور!.
والناس منهم من يسكن القصور، ومنهم من يسكن القبور!.
لكن الساكنين في القصور لابد أن يأتي يوم يسكنون في القبور!.
فهل يعمل أصحاب القصور للقبور!.
إن موعد انتقالهم إلى القبور محدد ومؤكد، لكنه موعد مجهول لديهم، فهم في أي لحظة من ليل أو نهار يمكن أن ينقلوا من القصور إلى القبور!.
كل امريء مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله!
كم أثر في نفسي منظر شاهدته أيام الصبا حينما كنت ذاهبا إلى المسجد النبوي الشريف، وإذا بجنازة ينزلها الرجال على أكتافهم من باب عمارة شاهقة!.
لقد انتهى أجل السكنى في هذا المنزل؛ فنقل قسرا إلى المنزل الآخر!.
ولا يدرى هل كان مستعدا لذلك أو لا؟.
وهل كان متذكرا لتلك النقلة أو كان ناسيا؟.
وكم من إنسان أمسى في القصور فأصبح في القبور!.
وكم من إنسان أصبح في القصور فأمسى في القبور!.
وكم من إنسان أمسى في حبور، فأصبح قاطنا بين القبور!.
وكم من إنسان أصبح في حبور، فأمسى مقيما في القبور!.
وكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكا ... وأكفانه تنسج في الغيب وهو لا يدري!
стр. 109
في القصر يؤمن الإنسان احتياجاته الدنيوية، وقد ينسى ما يحتاجه في القبر وفي الآخرة!.
قد لا ينقص على الإنسان شيء من مطالب الدنيا، لكنه إن غفل عن آخرته والعمل لها، يفاجأ بأن كل شيء ينقصه هناك!.
ولا يستطيع أن يعود لتأمين ما ينقصه هناك!.
ولا يستطيع أن يرسل أحدا يزوده بما نقص عليه!.
ولا ينفعه إلا ما أخذه معه من هنا!.
كان في إمكانه أن يتزود بما شاء، وله أن يصبح من كبار أغنياء الآخرة!.
كان في إمكانه أن يتجنب كل أسباب الهلاك في طريقه إلى الجنة!.
كان في دنياه في ساعة مهلة؛ فجعلها ساعة غفلة!.
وعند الصباح يحمد القوم السرى.
وما من قاطن قبره إلا وهو متحسر على تفريطه، لكنه الآن لا يستطيع
أن يتدارك!.
وأنت الآن في مكنتك أن تتدارك؛ فإن تداركت وإلا فقد أدركت، وكررت غصة من سبقك، ولات ساعة مندم!.
*ألست تدري- أيها المتكلم، وأيها الخاطي خطوته، وأيها الساكت- أن ذلك مسجل عليك ومحاسب عليه، وأنه إما لك أو عليك، وأن اللحظة من عمرك؟!.
стр. 110
ورع غريب !
من أغرب ما نراه من الورع عند بعض الناس، الورع المعكوس، نتيجة للفهم المنكوس!.
وهو ما ينتهجه بعض الناس من التورع عن أشياء صغيرة جدا، وقد لا تكون في الدين ذات بال؛ في الوقت الذي تراه فيه يتقحم المخالفات الكبيرة التي يعجب الرائي أو السامع كيف ينوء بها المسلم؛ ومع ذلك يرجو أن يسلم! لا، بل يدعي الورع حينما يتورع عن تلك الأمور الصغيرة.
ومن ذلك-مثلا-أن ترى الرجل يتورع عن أن يأخذ شيئا من عنفقته"١"؛
في الوقت الذي لا يسأل من أين تكون نفقته! فلا إشكال عنده أن تكون نفقته من الحرام.
فما هذا التباين، وكيف يحافظ المرء على عنفقته ولا يبالي بنفقته!.
*وماذا يغنينا صف الحروف إذا لم ننكر المنكر ونعرف المعروف؟!.