المجلد الاول
مقدمة
...
الإهداء
* إلى كل أم وأب يودّان أن ينشأ أبناؤهما في رياض القرآن الكريم، وأن يكونوا حملة كتاب الله، القائمين به.
* إلى كل فتيان المسلمين وفتياتهم الذين شغلوا عن الحقيقة بالغثاء ... واستدرجوا من حيث لا يعلمون فأضاعوا الأوقات في الهفوات.
* إلى أولادي الذين وودت السير بهم في طريق القرآن، آداء للأمانة ووفاء بالعهد..
أقدم هذا البحث الميسر، تذكيرا وتبصرة.
المؤلف
стр. 2
مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وآله وصحبه ومن تبعه.
وبعد:
فقد كان من منن الله أن لاقى هذا الكتاب قبولا في أوساط طلبة العلم، وحظي بطباعته على نفقة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أول مرة وتصديره بقلم معالي مدير الجامعة آنذاك ـ وفقه الله ـ، وقد سألني عن هذا الكتاب كثير من طلبة العلم زاعمين أن اشتمل على فؤاد جمة في أسلوب عرضه وترتيب منهجه، فقمت بمراجعة مسوداته وخرجت من الأحاديث ما احتاج إلى مزيد عناية ودعمت بعض النقاط بأحاديث أخرى شرحتها مسترشدا بأقوال الأعلام الرواد، وتوخيت أن تكون الطبعة الثانية أكثر فائدة وأوفى بالمراد.
والله أسأل أن يجعله خالصا له، منه العون والتوفيق،
المدينة النبوية
د. عبد الرب نواب الدين
стр. 3
تقديم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء وخاتم المرسلين محمد بن عبد الله.
وبعد:
إذا كان الشباب في كل أمة هم عدة مستقبلها ورجال غدها فإن إعدادهم الإعداد السليم مطلب رئيس للقيام بالدور المنوط بها.
وإذا كنا نرجو للأمة الإسلامية أن تصبح ذات شأن وأن تعيد أمجادها وتجبر المجتمع الدولي على احترامها وتنشر دعوة الله في أرضه الفسيحة فعليها بالاهتمام بنبراس حياتها ووسيلة بقائها، كتاب الله العظيم وسنة رسوله الكريم.
والقرآن الكريم خير كتاب أنزله الله على خاتم رسله وأفضل خلقه ليكون للعالمين مبشرا ونذيرا. وهو منزل على خير أمة أخرجت للناس أمة الإسلام ليبين لها أمور دينها ودنياها ﴿وَنَزَّلْنَا
стр. 4
عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ١فهو دستور الأمة وشريعتها الخالدة إلى يوم الدين.
والاهتمام بكتاب الله تلاوة وحفظا وتفسيرا واجب الأمة الإسلامية جمعاء وقد وعد الله ورسوله حملة كتابه العظيم بالأجر ورفعة الشأن والتميز في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ ٢.
وقال ﷺ "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". وقال: "لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار" الحديث. وقال: "اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه". وقال: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده".
والآيات والأحاديث التي تبين فضل القرآن ومنزلة أهله كثيرة وقد أشار صاحب هذا البحث إلى كثير منها.
والجامعة وهي تبذل قصارى جهدها في خدمة كتاب الله
стр. 5
وسنة رسوله المطهرة بشتى الوسائل يسعدها أن تقدم لشباب أمة الإسلام هذا الكتاب القيم الذي يرشد لأحسن الطرق وأيسرها لحفظ القرآن العظيم. ومن أجدر من الشباب للقيام بهذه المهمة؟ فحفظ القرآن وفهم معانيه يحقق لهم الانطلاق في ركاب الدعاة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ويجعلهم جنودا لنشر الإيمان والعدل وتخليص العالم مما هم فيه من الضلال والجور والظلم الذي يسود بقاعا كثيرة من أرض الله اليوم.
والإنسان وهو يقدم لمثل هذا الكتاب يشعر بالرهبة والرغبة خوفا وإجلالا وتقديرا لحبل الله المتين ونوره المبين ومعجزته الخالدة التي أعجزت الإنسان والجن ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ﴾ ١. وقد حفظه الله إلى يوم القيامة فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢.
إن هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه يجب احترامه والعناية به وأن يقف المسلم أمام آياته خاشعا خاضعا يرجو رحمة ربه ويخاف عذابه.
стр. 6
ومؤلف هذا البحث "كيف تحفظ القرآن الكريم" الشيخ/ عبد الرب نواب الدين المحاضر في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة يقدم لنا جزاه الله خيرا كثيرا من الطرق المعينة على حفظ كتاب الله والوقاية من النسيان.
وقد تحدث في الفصل الأول عن ذكر بعض فضائل القرآن وحملته وحفاظه. وبين العوامل الضرورية للحفظ مثل الاستعداد الشخصي وتنظيم الوقت وإيجاد الحوافز المختلفة.
كما بين الخطوات والوسائل الأساسية المطلوب اتباعها في الحفظ ودور كل من الراغب في الحفظ والقريء. وعرض بعض الطرق الجزئية والكلية ورسم جداول ونماذج ميسرة للحفظ ليحاول الشاب الاستفادة منها. إضافة إلى الإشارة إلى بعض الوسائل الأخرى المساعدة للحفظ.
واعتنى في الفصل الثاني بأهمية صيانة القرآن من النسيان، فبين أسباب النسيان والمذموم منها بوجه خاص. وذكر أهم أسباب الوقاية من النسيان مثل تعهده بكثرة التكرار. ومعاودة الحفظ. والسماع من غيره، والوقوف على المعاني والتدبر وقدم في ختام بحثه بعض التوصيات لمن في يدهم الإشراف على جمعيات تحفيظ القرآن ومدارسه ومن بيدهم التخطيط للمناهج
стр. 7
التعليمية في بلاد المسلمين ليعطوا مزيدا من الاهتمام بكتاب الله وحفظه بالنسبة لناشئة الإسلام. فجزاه الله خيرا الجزاء ونفعنا جميعا بهذا البحث وجعله وسيلة خير من وسائل الدعوة إلى حفظ القرآن وفهم شريعة الإسلام الفهم الصحيح.
والله الهادي سواء السبيل
مدير جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
عبد الله بن عبد المحسن التركي
стр. 8
المقدمة
الحمد لله؛ الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، والصلاة والسلام على رسول الله؛ إمام القراء وقدوة الفضلاء، وعلى آله وصحبه، ومن اقتفى أثره ودعا بدعوته وبعد:
فإني رأيت علم القرآن حفظا وتقوى لا يحمله إلا من أطلق عليهم "رجال الدين" كالوعاظ، وطلاب الشرع وأئمة المساجد ومأذوني الأنكحة ومن إليهم، وإن حصر القرآن في نطاق هؤلاء الأخيار دون غيرهم، لم تعهده أمة الإسلام على امتداد تاريخها المشرق، وتعاقب مراحلها المختلفة.
لأن الإسلام دين ودنيا، عقيدة وشريعة، إنه منهاج حياة، وكل فرد ينتمي إلى أمة الإسلام مهما كان حاله، مطالب بتعلم القرآن والسير على نهجه.
ورأيت ـ كذلك ـ أطفالا يجوبون السكك، قد غاب عنهم اهتمام ولاة أمورهم، وغابت مع ذلك القدوة الطيبة الموجهة،
стр. 9
وأضحوا بذلك على مر السنين عبئا على البلاد والعباد.
ورأيت شبابا تنزع نفوسهم إلى حفظ كتاب الله، لكنهم يستصعبونه ويتساءل بعضهم: أيقدر لي حفظ القرآن ولم أكن بدأت في حفظه من الصغر؟
لهذا كله، رجوت أن يكون هذا البحث على وجازته خير معين لمن أراد الرشاد وطلب السداد في حفظ الكتاب.
ولقد سرت فيه سير الحريص الجامع بين القديم في أصالته، والحديث في معاصرته، وكان جل همي بعد هذا أن يكون واضح العبارة سهلا مفيدا لكل المستويات وجميع الثقافات.
واتبعت الخطة التي رأيتها تستوفي أطراف البحث، فكانت كما يلي:
стр. 10
خطة البحث
التمهيد: "فضل القرآن الكريم وفضل حملته".
أـ نبذة من فضائل القرآن الكريم.
ب ـ نبذة عن حملة القرآن عبر التاريخ الإسلامي.
جـ الحكم الشرعي لحفظ القرآن الكريم
دـ فوائد حفظ القرآن الكريم.
الفصل الأول: "كيفية حفظ كتاب الله" ويشتمل على أربعة مباحث:
١ـ تعريف الحفظ ومفهومه.
٢ـ العوامل الضرورية لحفظ كتاب الله.
٣ـ الوسائل الأساسية لحفظ القرآن الكريم.
٤ـ الوسائل الثانوية "المساعدة" على ذلك.
الفصل الثاني: "كيفية المحافظة على القرآن من النسيان" وفيه
стр. 11
مبحثان:
١ـ النسيان وأسبابه والنوع المذموم منه.
٢ـ أساليب الوقاية من النسيان.
الخاتمة: وتضمنت:
١ـ خلاصة البحث.
٢ـ التوصيات.
وغاية مناي أن أكون قد قيدت علم حفظ القرآن، بعد أن كان متعارفا عليه متداولا بين حملة القرآن، ولهذا السبب لم يفرده بالتصنيف أكثر من بحث في علوم القرآن.
وإن كان في هذا البحث صواب وحق فلله الحمد على ما وفق وأعان، وإن كانت الأخرى استغفرته، وجنحت إلى الصواب والحق، وأسأل الله أن ينفعني بهذا العمل يوم يقوم الأشهاد وهو حسبي.
د/ عبد الرب نواب الدين
الأستاذ المشارك بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
كلية الدعوة وأصول الدين
стр. 12
التمهيد: فضل القرآن الكريم، وفضل حملته
أولا: نبذة من فضائل القرآن الكريم:
لا يخفى على المسلم فضل كتاب الله، فهو كلام الله. ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ١.
وهذا القرآن هو المعجزة الكبرى الخالدة لرسولنا، تكفل الله ـ سبحانه ـ بحفظه من التحريف والتبديل دون سائر الكتب السماوية يقول ـ تعالى ـ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢.
ولقد وصف كتابه بأوصاف الجلال والكمال، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ ٣.
وقال: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ ٤.
стр. 13
وقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ ١.
وقال: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ ٢.
وقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ٣.
وقال: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ٤.
وقال حكاية عن الجن ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ٥.
وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ ٦.
أي لو كان في الكتب الماضية كتاب تسير به الجبال عن أماكنها أو تقطع به الأرض وتنشق، أو تكلم به الموتى لكان هذا القرآن المتصف بذلك دون غيره٧.
стр. 14
وكتاب هذا قدره وهذا جلاله، وهو كلام الله رب العالمين فاطر السموات والأرضين، كتاب تلك أوصافه لهو حري بأن تفنى فيه الأعمار دراسة وتعلما واقتفاء وعملا ...
ولئن كان سلف الأمة الصالح قد حازوا قصب السبق في كل ميدان علمي حتى يقول فيهم القرآن الكريم:
﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ١.
فما كان ذلك إلا بفضل اقتفائهم هدي القرآن الكريم.
وكم نحن اليوم في حاجة إلى التمسك بهذا القرآن ... ؟
ومن مظاهر التمسك به والاعتصام بحبل الله العمل به، وتدبره واستنباط أحكامه، وإقامة شؤون الحياة كلها على نهجه وهداه، ويكلل ذلك ويشده ويعين عليه: حفظه والإكثار من تلاوته صباح مساء على مستوى الفرد والأسرة والأمة. في حديث علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ستكون فتن، قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله؛ فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس
стр. 15
بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدي في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا تشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم" ١.
إن حفظ القرآن الكريم يقوم عمليا على مبدأ التلاوة الكثيرة، وعلى تكرار المحفوظ آناء الليل وآناء النهار، مدى الحياة، وهذا الوجه في حد ذاته مكرمة لا يعطاها إلا المجتبون الأخيار وقليل ما هم.
ثم إن الأثر الحميد لا يقتصر على التالي وحده، بل يشركه خلق من خلق الله ... قرأ رجل سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين "أي: حبلين" فتغشته سحابة "أحاطت به" فجعلت تدنو وتدنو، وجعل فرسه ينفر فلما أصبح أتى النبي ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال: تلك السكينة تنزلت بالقرآن٢.
стр. 16
وأيا كان تفسير "السكينة" فالمجمع عليه أنها شيء من مخلوقات الله، واختار ابن حجر ما ذهب إليه الطبري وهو أنها: ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان، واختار النووي أنها شيء من المخلوقات فيه طمأنينة ورحمة ومعه الملائكة١.
وما أحوج الإنسان يوم الحساب إلى الأعمال الصالحة ومنها تلاوة القرآن العظيم؛ يقول ﷺ ، فيما يرويه عنه أبو أمامة الباهلي ﵁: "اقرأوا القرآن فإن يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه" ٢.
ويبلغ من اهتمام الإسلام بالقرآن وهو كتابه الخالد أن يوصي رسول الله ﷺ ، قبل موته بكتاب الله٣والمراد بالوصية بكتاب الله: حفظه حسا ومعنى..٤.
стр. 17
ومن خصائص القرآن الكريم أنه ميسر في تلاوته وحفظه وتدبره، قال ابن كثير في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ١. قال: "هو محفوظ في الصدور، ميسر على الألسنة، مهيمن على القلوب، معجز لفظا ومعنى، ولهذا جاء في الكتب المقدسة "أي التوراة والإنجيل" صفة هذه الأمة أناجيلهم في صدورهم"٢.
وفي الحديث القدسي: "..وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظان" ٣.
وبعد ...
فإن فضائل القرآن العظيم لا تحاط وعجائبه لا تنقضي، وعلومه لا تنتهي، ولكل إنسان بذل الجهد لينال ما قدر له من تلاوة، أو تأدب، أو استنباط، أو حفظ، وحسب المسلم شرفا أنه يحمل كتاب الله ... ويدعو إليه.
стр. 18
ثانيا: نبذة عن حفظة الكتاب في التاريخ الإسلامي:
رسول الله ﷺ ، أول الحافظين، وإمام المقرئين، وقدوة المسلمين، تلقى هذا القرآن حرفا حرفا عن جبريل ﵊ عن الله ـ تقدست أسماؤه ـ، "وكان رسول الله ﷺ ، يعرض على جبريل القرآن حين يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ"١.
ولا زال ذلك دأبه حتى عارضه في العام الأخير من عمره المبارك مرتين، يقول ﵇: "إن جبريل يعارضي بالقرآن كل سنة وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي" ٢.
قال ابن حجر: " يعرض ـ بكسر الراء ـ من العرض وهو بفتح العين وسكون الراء، أي يقرأ، والمراد: يستعرضه ما أقرأه إياه.. والمعارضة مفاعلة من الجانبين، كأن كلا منهما كان تارة يقرأ والآخر يستمع"٣.
стр. 19
وتلقى بعض الصحابة عن رسول الله، فكان ممن عرضوا عليه:
١- عثمان بن عفان.
٢- علي بن أبي طالب.
٣- أبي بن كعب.
٤- عبد الله بن مسعود.
٥- زيد بن ثابت بن الضحاك.
٦- أبو موسى الأشعري.
٧- أبو الدرداء.
قال الذهبي بعد أن ذكر السبعة..فهؤلاء الذين بلغنا أنهم حفظوا القرآن في حياة النبي ﷺ ، وأخذ عنهم عرضا وعليهم دارت أسانيد قراءة الأئمة العشرة، قال: وقد جمع القرآن غيرهم من الصحابة كمعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة وأبي زيد، وغيرهم كثير، لكن لم يتصل بناء قراءتهم١.
وقال ابن حجر في شرح قول رسول الله ﷺ : "خذوا
стр. 20
القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب" ١.
هؤلاء اشتهروا بحفظ القرآن والتصدي لتعليمه، ولا يلزم من تحديد الأربعة أن لا يكون أحد في ذلك الوقت شاركهم في حفظ القرآن، بل كان الذين يحفظون مثل الذين حفظوه وأزيد منهم جماعة من الصحابة يقالهم القراء٢.
وإذا كان بعض أجلّه الصحابة لم يكمل حفظ القرآن مع فضلهم وسبقهم، كما روى الشعبي وابن سيرين أن أبا بكر ﵁ وأرضاه مات ولم يختم القرآن، وأنه لم يجمع القرآن أحد من الخلفاء الأربعة إلا عثمان٣.
إن صحت هذه الرواية وقد مال إلى أنها ضعيفة كثير من العلماء٤. أقول: إن صحت هذه الرواية فمرد ذلك إلى أمور لا تخفى كانشغال الصحابة بالجهاد والغزوات وحفظ الكتاب
стр. 21
العزيز يتطلب وقتا وجهدا وراحة بال وسنا معينة.
ويميل الحافظ ابن كثير إلى أن الخلفاء الراشدين كلهم من الحفظة١.
والصحابة الذين تلقوا عن رسول الله، ﷺ اشتهروا بالإقراء، فعثمان بن عفان ﵁ وهو أفضل من قرأ القرآن على النبي ﷺ كما يقول الذهبي٢، قرأ عليه المغيرة بن أبي شهاب، وابن عباس، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، والسائب بن يزيد، والأحنف بن قيس، وخلق كثير٣.
وممن عرض على النبي ﷺ أبي بن كعب الأنصاري البدري سيد القراء ﵁ قال له النبي ﷺ : "إني أمرت أن أقرأ عليك القرآن" قال: آلله سمّاني؟ قال: "نعم" فبكى أبي ... قرأ عليه أبو هريرة وابن عباس وآخرون٤.
стр. 22
وكان زيد بن ثابت الأنصاري المقرئ الفرضي كاتب وحي النبي صبيا ذكيا نجيبا عمره إحدى عشرة سنة مقدم النبي المدينة، فأسلم وأمره النبي ﷺ ، أن يتعلم خط اليهود فجود الكتابة، وحفظ القرآن وأتقنه وأحكم الفرائض وانتدبه أبو بكر في جمع القرآن، ثم عينه عثمان لكتابة المصحف.. وانتهت إليه الرياسة في القراءة في آخر أيامه١قرأ عليه ابن عباس وأبو عبد الرحمن السلمي وغيرهم كثير٢.
وكان أبو الدرداء عويمر بن زيد عالم أهل الشام ومقرئ أهل دمشق وفقيههم وقاضيهم ﵁ ـ٣.
على أن الصحابة تلقوا من فم النبي صلى الله عليه وسلمن القرآن كله بقراءاته ورواياته فلم يضيعوا منه جملة ولم يغفلوا منه كلمة ولم يهملوا منه حرفا أو حركة أو سكونا أو قراءة أو راوية، وقد نقله عن الصحابة التابعون على هذا الوجه من الإحكام والتحرير والإتقان والتجويد، ثم إن جماعة من التابعين وأتباع التابعين كرسوا حياتهم وقصروا جهودهم على قراءة القرآن
стр. 23
وإقرائه وتلقينه وتعليمه، وعنوا العناية كل العناية بضبط ألفاظه وتجويد كلماته وتحرير قراءاته وتحقيق رواياته، وكان ذلك شغلهم الشاغل وغرضهم الهادف١.
ولقد كان للنساء من حفظ القرآن نصيب، قال السيوطي، ظفرت بامرأة من الصحابيات جمعت القرآن لم يعدها أحد ممن تكلم في ذلك، فأخرج ابن سعد في الطبقات بسنده، أن أم ورقة بنت الحارث كان رسول الله ﷺ ، يزورها ويسميها الشهيدة، وكانت قد جمعت القرآن..وغمها غلام لها وجارية كانت قد دبرتهما فقتلاها في إمارة عمر٢.
وممن حفظ التاريخ أسماءهم من حفاظ التابعين، أبو العالية الرياحي رفيع بن مهران الذي قرأ على أبي وغيره٣، وأبو رجاء العطاردي عمران بن ملحان البصري تلقّن من أبي موسى وعرض على ابن عباس٤، واشتهر كذلك الحسن بن
стр. 24
أبي الحسن يسار الذي نشأ بالمدينة وحفظ كتاب الله في خلافة عثمان١، وغيرهم كثير كثير.
وهكذا نقل الخلف عن السلف جيلا بعد جيل، واشتهر المقرئون في الأمصار والأعصار:
فمن قراء المدينة:
١- شيبة بن نصاح قاضي المدينة ومقريها أدرك أم المؤمنين عائشة، وأم سلمة٢.
٢- وقالون أبو موسى قاري أهل المدينة في زمانه ونحويهم، وقالون لقبه وهي لفظة رومية معناها جيد٣.
ومن قراء مكة:
١- عبد الله بن كثير المكي إمام المكيين في القراء وضبط القرآن٤.
٢- ووهب بن واضح انتهت إليه الرياسة في الإقراء بمكة٥.
стр. 25
ومن قراء مصر:
١- عثمان بن سعيد الملقب بـ"ورش" وإليه انتهت رياسة الإقراء بالديار المصرية في زمانه١.
٢- طاهر بن عبد المنعم وكان من كبار المقرئين في عصره بمصر٢.
ومن قراء العراق:
١- عاصم بن أبي النجود الأسدي، انتهت إليه رياسة الإقراء بالكوفة٣.
٢- أبو عمرو الدوري، نزيل سامراء، حفص بن عمر بن عبد العزيز بن صهبان مقرئ الإسلام وشيخ العراق في وقته، ويقال إنه أول من جمع القراءات وألفها٤.
وبعد هذه الجهود المباركة وما أوردناه غيض من فيض، يجدر أن نشير هنا إلى جهود العلماء في هذا المجال في عصرنا المحاضر وهو امتداد لما قدمه السلف في التاريخ الإسلامي..
стр. 26
هذه الجهود ـ بالإضافة إلى ما للأزهر الشريف من باع في إقراء القرآن وتحفيظه ـ تتمثل في أعمال مجمع الملك فهد لطباعة مصحف المدينة النبوية وكلية القرآن الكريم بالمدينة المنورة إذ يعملان على إخراج "مصحف كامل" للقراءات المشهورة المتواترة كلها، بأصوات مقرئين سعوديين، وهو إنجاز إن تم على أحسن وجوهه سيكون أو جمع صوتي من نوعه في تاريخ القرآن. ويكون وثيقة مهمة ووسيلة تعليمية فريدة ومرجعا صوتيا لا يستغنى عنه١.
فضل حافظ القرآن الكريم:
لا جرم أن حافظ القرآن الكريم العامل به المتخلق بأخلاقه وآدابه القائم به آناء الليل وأطراف النهار من الأخيار الأبرار.. يقو رسول الهدى، ﷺ : "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" ٢.
ويقو: "إن لله أهلين من خلقه قالوا: ومن هم يارسول الله؟ قال:
стр. 27
أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" ١.
ويقول ﵇: "يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها" ٢.
وإنه لفضل كبير..وإنها لمنزلة يرنو إليها كل منيب.. وتنقطع إليها خالص الأماني والطموحات الدنيوية والأخروية أن يكون الإنسان من أهل الله ويكرم هذا الإكرام المجيد.
ومن فضائل حافظ القرآن العظيم أن يكرم والداه؛ ففي حديث سهل بن معاذ عن أبيه عن النبي ﷺ ، قال: "من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس والداه تاجا يوم القيامة ضوؤه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا لو كانت فيكم، فما ظنكم بالذي عمل بهذا" ٣.
يقول ﵊: "لا حسد إلا في اثنتين:
стр. 28
رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها" ١. والحسد هنا هو الغبطة وأطلق عليها الحسد مجازا وهي: أن يتمنى أن يكون له مثل ما لغيره من غير أن يزول عنه فكأنه قال: لا غبطة أعظم أو أفضل من الغبطة في هذين الأمرين٢، وليس "الإنسان" بمدرك هذه البغية وذلك الفضل الذي يجعله في مصاف "الملائكة" فضلا ودرجة كما يقول الرسول الكريم ﷺ : "مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام، ومثل الذي يقرأ وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران" ٣.
أقول ليس بمدرك هذه المنزلة العالية إلا بالعمل لا بالحفظ وحده وإلا فالقرآن كما كان سببا لرفع الدرجات حين التطبيق وحسن العمل فهو كذلك سبب للأخذ الشديد والعقاب الأليم
стр. 29
حين جعل القرآن عضين ولهذا يقول ﵇:
"إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين١" وما أحوج الناس إلى الاعتبار بهذا.
ويقول علي ﵁: " ... وإن العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق من جهلة، بل الحجة عليه أعظم، والحسرة له ألزم وهو عند الله ألوم"٢.
ويقول حذيفة بن اليمان ﵁: "يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقا بعيدا، وإن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا"٣.
стр. 30
ثالثا: حكم حفظ القرآن:
هل يجب حفظ القرآن على كل أفراد الأمة؟ أم يجب حفظ بعضه دون البعض ... ؟
صرح العلماء بأن حفظ القرآن واجب على الأمة، أي: ألا
стр. 31
ينقطع عدد التواتر فيه، ولا يتطرق إليه التبديل والتحريف، فإن قام بذلك قوم سقط عن الباقين وإلا فالكل آثم١.
هذا من حيث المبدأ، وإذا كان التاريخ الإسلامي ذا صفحات وضاءة في مجال حفظ القرآن وتحفيظه كما مر طرف منه..وإذا كان الله قد تكفل بحفظ القرآن من التحريف والتبديل فحفظ القرآن كاملا كما أنزله على قلب رسوله..فإن حفظه يصبح فرض كفاية في حق سواد الأمة وعامة المسلمين..
أما حفظ بعضه كالفاتحة ونحوها فهو فرض عين على كل فرد، إذ لا تصح الصلاة بغير الفاتحة لقوله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" ٢.
أما من أتم حفظ القرآن أو أتم حفظ بعضه فيجب عليه المداومة على حفظه وعدم تعريضه للنسيان، وقد ذهب كثير من المفسرين إلى أن قوله ـ تعالىـ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ ٣،
стр. 32
والمراد به قراءة القرآن بعينها دون الصلاة أي دراسة القرآن ليحصل الأمن من النسيان١، وتحقيقا لقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ... ﴾ ٢.
أي: هذا القرآن آيات بينة واضحة في الدلالة على الحق أمرا ونهيا وخبرا، يحفظه العلماء، يسره الله عليهم حفظا وتلاوة وتفسيرا٣.
وإذا كان الفقهاء قد قرروا الحكم الشرعي لحفظ القرآن على نحو ما سلف إلا أن حفظ القرآن اليوم ألزم، وذلك لما نلحظه في عصرنا من انصراف الهمم على حفظ القرآن المجيد، قال الرافعي "المتوفى سنة ١٩٣٧م" في كلمة بليغة يصف حال شباب اليوم: "نحن نأسف أشد الأسف وأبلغه بل أحراه أن يكون هما يعتلج في الصدر ويستوقد في الضلوع إذ نرى نشء هذه الأيام قد انصرفوا عن جمع القرآن واستيعابه وأحكامه قراءة وتجويدا، فلا يحفظون منه ـ إن حفظوا ـ إلا أجزاء قليلة على أنهم ينسونها بعد ذلك، ثم يشب أحدهم كما يشب قرن الماعز نبت على سواء ولا يثبت إلا
стр. 33
على التواء!! ويخرج وقد عق لغته وأنكر قومه، وانسلخ من جلدته واستهان بدينه وخرج من آدابه، ولا يستحيي من ذلك أن يقول هانذا فاعرفوني! "١.
стр. 34
رابعا: أخلاق حملة القرآن العظيم:
للخلق الفاضل مكانته وأهميته في الإسلام حتى إن الإسلام والأخلاق شيء واحد معنى وأثرا وغاية، كما في قول النبي ﷺ : "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ٢. وينبغي لحامل القرآن الكريم أن يكون متميزا في سمته وسلوكه وحياته كلها، فهو يحمل بين جنبيه أعز كتاب وأشرف كتاب عرفته الأرض وفي رواية الطبراني عن ابن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ : " ... وليس ينبغي لحامل القرآن أن يسفه فيمن يسفه، أو يغضب فيمن يغضب، أو يحتد فيمن يحتد، ولكن يعفو ويصفح لفضل القرآن" ٣.
ويقول عبد الله بن مسعود ﵁: "ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذ الناس نائمون، وبنهاره إذ الناس
стр. 35
مفطرون، وبحزنه إذ الناس فرحون، وببكائه إذ الناس يضحكون، وبصمته إذ الناس يخلطون، وبخشوعه إذ الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيا محزونا حليما حكيما سكينا، ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافيا ولا غافلا ولا سخابا ولا صياحا ولا حديدا"١.
стр. 36
خامسا: أهم فوائد حفظ القرآن:
ذكر العلماء فوائد عديدة لحفظ القرآن الكريم نعد منها ما يلي:
١- الفوز بسعادة الدارين إن اقترن العمل الصالح بالحفظ.
٢- شحذ الذاكرة والذهن، ولذا تجد الحافظ لكتاب الله أسرع بديهة وأضبط وأتقن من غيره لكثرة مرانه على ضبط الآيات وتمييز كلماتها المتشابهة وإرجاعها إلى مظانها.
٣- سعة العلم.. وهذا ملحوظ في الحفظة، وإلى الحفظ يعزي تفوق الطلاب الحافظين على أقرانهم من غير الحفظة في كثير من المجالات، مع تقاربهم في السن والذكاء والبيئة..
стр. 37
ويظهر التفوق جليا حتى في مواد الرياضيات والجبر والطب.
١- السمت الحسن والسلوك القويم وهذا ما يفرضه القرآن على أهله.
٢- الفصاحة والنطق السليم وإخراج الحروف العربية من مخارجها الطبيعية، والله يقول عن القرآن: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ, عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ, بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ١.
стр. 38
القرآن الكريم وحفظه
المبحث الأول: تعريف حفظ القرآن، وبيان مفهومه
...
مبحث الأول تعريف حفظ القرآن، وبيان مفهومه
الحفظ لغة:
الحفظ: نقيض النسيان، وهو: التعاهد وقلة الغفلة، يقال: حفظ الشيء حفظا، ورجل حافظ من قوم حفّاظ.
قال ابن منظور: والمحافظة: المواظبة على الأمر، وفي التنزيل ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ ١أي صلوها في أوقاتها، وحفظت الشيء: استظهرته..وتحفّظت الشيء: أي استظهرته شيئا بعد شيء٢.
ومادة "حفظ" في القرآن الكريم تفيد معان مختلفة حسب ما يفهم من السياق، فقوله تعالى: ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ يعطي معنى الصيانة والرعاية، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ
стр. 39
لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ ١، يفيد معنى الإمساك عما لا يحل وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ ٢ قيل: معناه مرفوعا.
والحفظ: الذي هو بمعنى عدم النسيان، له مرادفات عديدة تؤدي المعنى نفسه..فيقال: قرأ فلان القرآن على ظهر قلب كناية عن الحفظ من غير كتاب، ولهذا يقال: استظهره أي حفظه٣وقرأه ظاهرا٤.
وعليه فعبارة: حفظ كتاب الله، وحمل كتاب الله، واستظهر كتاب الله، تفيد معنى واحدا يلاحظ فيه ثلاثة عناصر أساسية هي:
أـ ضبط الصورة المدركة٥ بحيث يمكن أداؤها من غير كتاب.
ب ـ والمواظبة والمعاهدة للمحفوظ.
جـ ـ وعدم النسيان.
стр. 40
حفظ القرآن في الاصطلاح:
وإذا كان المعنى اللغوي "للحفظ" لا يفرق عن المعنى الاصطلاحي من حيث الاستظهار والقراءة عن ظهر القلب، إلا أن حافظ القرآن الكريم يتميز عن غيره من حفّاظ الحديث١ أو حفّاظ الأشعار والحكم والأمثال والنصوص الأدبية وما إليها..بأمرين أساسيين:
الأول: استكمال القرآن كله حفظا وضبطا، فلا يسمى من حفظ نصف القرآن أو ثلثه ـ مثلا ـ ولم يستكمله، حافظا على الأرجح، وعلى المتبادر إلى الأذهان وإلا صح أن يسمى جميع المسلمين حملة القرآن أو حفظة كتاب الله، إذ لا يخلو مسلم من حفظ الفاتحة وهي من أركان الصلاة على مذهب الأكثرين..
وعليه: فاصطلاح حافظ القرآن أو حامل القرآن لا يكاد يطلق إلا على من حفظ القرآن كله وضبط ضبطا يؤهله لأدائه إلى غيره على قواعد التلاوة وأسس التجويد المعروفة.
الأمر الثاني: المواظبة والمداومة وبذل المجهود لصيانة المحفوظ من النسيان، فمن حفظ القرآن ثم نسيه أو نسي بعضه أو جله إهمالا وغفلة لغير عذر ككبر أو مرض لا يسمى حافظا ... ولا