خامسا: أهم فوائد حفظ القرآن:
ذكر العلماء فوائد عديدة لحفظ القرآن الكريم نعد منها ما يلي:
١- الفوز بسعادة الدارين إن اقترن العمل الصالح بالحفظ.
٢- شحذ الذاكرة والذهن، ولذا تجد الحافظ لكتاب الله أسرع بديهة وأضبط وأتقن من غيره لكثرة مرانه على ضبط الآيات وتمييز كلماتها المتشابهة وإرجاعها إلى مظانها.
٣- سعة العلم.. وهذا ملحوظ في الحفظة، وإلى الحفظ يعزي تفوق الطلاب الحافظين على أقرانهم من غير الحفظة في كثير من المجالات، مع تقاربهم في السن والذكاء والبيئة..
стр. 37
ويظهر التفوق جليا حتى في مواد الرياضيات والجبر والطب.
١- السمت الحسن والسلوك القويم وهذا ما يفرضه القرآن على أهله.
٢- الفصاحة والنطق السليم وإخراج الحروف العربية من مخارجها الطبيعية، والله يقول عن القرآن: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ, عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ, بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ١.
стр. 38
القرآن الكريم وحفظه
المبحث الأول: تعريف حفظ القرآن، وبيان مفهومه
...
مبحث الأول تعريف حفظ القرآن، وبيان مفهومه
الحفظ لغة:
الحفظ: نقيض النسيان، وهو: التعاهد وقلة الغفلة، يقال: حفظ الشيء حفظا، ورجل حافظ من قوم حفّاظ.
قال ابن منظور: والمحافظة: المواظبة على الأمر، وفي التنزيل ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ ١أي صلوها في أوقاتها، وحفظت الشيء: استظهرته..وتحفّظت الشيء: أي استظهرته شيئا بعد شيء٢.
ومادة "حفظ" في القرآن الكريم تفيد معان مختلفة حسب ما يفهم من السياق، فقوله تعالى: ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ يعطي معنى الصيانة والرعاية، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ
стр. 39
لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ ١، يفيد معنى الإمساك عما لا يحل وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ ٢ قيل: معناه مرفوعا.
والحفظ: الذي هو بمعنى عدم النسيان، له مرادفات عديدة تؤدي المعنى نفسه..فيقال: قرأ فلان القرآن على ظهر قلب كناية عن الحفظ من غير كتاب، ولهذا يقال: استظهره أي حفظه٣وقرأه ظاهرا٤.
وعليه فعبارة: حفظ كتاب الله، وحمل كتاب الله، واستظهر كتاب الله، تفيد معنى واحدا يلاحظ فيه ثلاثة عناصر أساسية هي:
أـ ضبط الصورة المدركة٥ بحيث يمكن أداؤها من غير كتاب.
ب ـ والمواظبة والمعاهدة للمحفوظ.
جـ ـ وعدم النسيان.
стр. 40
حفظ القرآن في الاصطلاح:
وإذا كان المعنى اللغوي "للحفظ" لا يفرق عن المعنى الاصطلاحي من حيث الاستظهار والقراءة عن ظهر القلب، إلا أن حافظ القرآن الكريم يتميز عن غيره من حفّاظ الحديث١ أو حفّاظ الأشعار والحكم والأمثال والنصوص الأدبية وما إليها..بأمرين أساسيين:
الأول: استكمال القرآن كله حفظا وضبطا، فلا يسمى من حفظ نصف القرآن أو ثلثه ـ مثلا ـ ولم يستكمله، حافظا على الأرجح، وعلى المتبادر إلى الأذهان وإلا صح أن يسمى جميع المسلمين حملة القرآن أو حفظة كتاب الله، إذ لا يخلو مسلم من حفظ الفاتحة وهي من أركان الصلاة على مذهب الأكثرين..
وعليه: فاصطلاح حافظ القرآن أو حامل القرآن لا يكاد يطلق إلا على من حفظ القرآن كله وضبط ضبطا يؤهله لأدائه إلى غيره على قواعد التلاوة وأسس التجويد المعروفة.
الأمر الثاني: المواظبة والمداومة وبذل المجهود لصيانة المحفوظ من النسيان، فمن حفظ القرآن ثم نسيه أو نسي بعضه أو جله إهمالا وغفلة لغير عذر ككبر أو مرض لا يسمى حافظا ... ولا
стр. 41
يستحق لقب "حامل القرآن الكريم" لأنه إذا صح رواية الحديث بالمعنى، وجاز تحوير بعض الشعر والنص الأدبي ـ مثلا ـ فمثل هذا ممتنع في مجال القرآن الكريم.
على أن "حافظ القرآن الكريم" إذا نسب إلى الله ﷻ فيراد به "صيانته وحفظه من التبديل والتغيير والتحريف والزيادة والنقصان"١ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢.
وبهذا يتميز القرآن عن غيره من الكتب السماوية.
أما إذا نسب إلى المخلوقين فيقصد به: الاستظهار، والعمل بمقتضاه والاشتغال به تدبرا واستنباطا وتعليما وتعلما..وفي هذا المعنى ورد قوله ﷺ : "اللهم أسألك أن تلزم قلبي حفظ كتابك، كما علمتني، وارزقني أن أتلوه على النحو الذي يرضيك عني ... " ٣وهو دعاء علمه النبي عليا حين اشتكى إليه قائلا: بأبي أنت وأمي! تفلّت هذا القرآن من صدري فما أجدني أقدر عليه.
стр. 42
المبحث الثاني: العوامل الضرورية لحفظ كتاب الله
أولا: الاستعداد الشخصي والعمر المناسب
...
المبحث الثاني: العوامل الضرورية لحفظ كتاب الله
ثمة عوامل مختلفة، تتآزر في أصولها، وتتداخل في أهدافها وتحقق مجتمعة الحفظ الأمثل لكتاب الله.
ولقد بدا لي ـ من أجل البحث العلمي ـ تصنيف هذه العوامل حسب أهميتها ودورها إلى ثلاثة أصناف:
الصنف الأول "العوامل الضرورية" التي من شأنها تدقيق المادة المحفوظة على مستوى جيد إن تضافرت مجتمعة، وتحقيق الحفظ بمستوى أدنى إلى تخلف بعضها.
الصنف الثاني "الوسائل الأساسية" وهي التي يستحيل حفظ القرآن بغيرها.. حفظا متقنا يمكن أداؤه على مستوى مقبول، في أي وقت، دون جهد أو عناء.
الصنف الثالث "العوامل الثانوية" وهي وإن كانت تسهم في "الحفظ" إلا أنها تعين على "التذكر" للمحفوظ بشكل فعّال.
وعلى ضوء هذا التقسيم، ندخل إلى صميم الموضوع:
стр. 43
العوامل الضرورية لحفظ القرآن الكريم
أولا: الاستعداد الشخصي والعمر المناسب:
أـ الاستعداد الشخصي:
تقرر الدراسات التربوية الحديثة أن ثمة صفات شخصية لها دور فعّال في عملية الإنجاز أيا كان، دراسة واستيعابا، أو حفظا واستذكارا.
وهي الصفات هي:
١ـ الرغبة desire
٢ـ والتطلع expectation.
٣ـ والاهتمام interest.
وإذا اجتمعت هذه الصفات في الطالب أوجدت لديه التركيز الذي يأتي تلقائيا، ومن ثم لا يجد صعوبة كبيرة في الإنجاز.
ومن هنا يعلل علماء النفس تذكر الإنسان الأشياء التي
стр. 44
تهمه، ونسيانه ما ليس كذلك١.
وعلى ضوء هذه المنطلقات التربوية النفيسة يقوم التخطيط والتربوي أثناء وضع المناهج الدراسية الملائمة لميول الطلاب وأعمارهم واتجاهات بيئتهم.
وإذا كان المسلم في غير مجال القرآن الكريم قد تتوفر لديه كل أو بعض هذه الصفات، إلا أنه في مجال القرآن الكريم حفظا ودراسة وتلاوة وتدبرا، تتدافع في حسه الكامن هذه الصفات بصورة لا تتوفر عند غير المسلمين.
فمن من المسلمين لا يرغب أو لا يهتم بحفظ كتاب الله؟؟!
ومن منهم لا يتطلع إلى أن يكون له الإلمام اليسير فضلا عن الباع الطويل في دراسة القرآن الكريم؟! وهو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. وهو حبل الله الممدود إلى الأرض من تمسك به فاز ونجا..
على أن منهج العبادة في الإسلام ـ ومنه حفظ القرآن ـ يقوم فوق ذلك على أساس "الإخلاص" لله وحده، وتنهار العبادة تماما إذا داخلها شيء من الرياء أو الشرك.
стр. 45
ولذا يجاء بالرجل يوم القيامة الذي تعلم القرآن وعلمه وقرأ القرآن، فيعرفه الله نعمه فيعرفها، فيقول له: فما عملت بها؟ فيقول: تعلمت فيك وعلّمته، وقرأت فيك القرآن. فيقول له: كذبت. ولكن تعلمت ليقال هو عالم فقد قيل، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل، ثم يؤمر به فيسحب على وجهه حتى يلقى في النار١.
ومن هنا ينفرد المسلم الحق بعنصر "الإخلاص" لله وحده وهو أساس قبول العمل الصالح.
بيد أن حفظ القرآن الكريم أمر غير متيسر لكل أحد، فقد تكون لدى الإنسان الرغبة في ذلك، ويحفزه الاهتمام، ويدفعه التطلع إلى ما أعده الله من دار الكرامة لمن حفظ كتابه وعمل به، وفوق ذلك يتوفر لديه الإخلاص، والبعد عن الرياء..لكن عامل السن قد لا يساعده، فلنتحدث برهة عن هذا العامل الهام..
ب ـ العمر المناسب:
بادئ ذي بدء لست ممن يحصر إمكان حفظ القرآن في سن الطفولة أو الشباب أو ما بين السنة السابعة إلى الخامسة عشرة
стр. 46
باعتبارها سن "تقبل" المعلومات والمحفوظات في يسر وسهولة..فجل الصحابة الذين اشتهروا بقراءة القرآن وإقرائه وإتقانه لم يحفظوه في طفولتهم..بل لم يسلم أكثرهم إلا وقد جاوز سن الطفولة أو المراهقة.
ومع هذا كان "إسلامهم" هو الدافع إلى الاهتمام بالقرآن وحفظه والعمل به، وبرعوا في ذلك على مثال لا نظير له..
وما من شك أن عهد الصبا عهد "الحفظ" وقديما قالت العرب: التعليم في الصغر كالنقش على الحجر.. والأطفال إلى سن دون المراهقة أو بعدها بقليل هم "المادة" الأساسية الأولى لحفظ القرآن الكريم ويتلخص سبب ذلك علميا في أن الأطفال يتمتعون بالتذكر الآلي roie memory بصورة خاصة وهذا يفسر لنا قدرة الأطفال على استرجاع الأناشيد دون أي فهم للمعنى..وعندما ينمو الطفل عقليا وتكون مادة الحفظ في مستوى إدراكه يفضل التذكر القائم على الفهم١.
يقول أبو حامد الغزالي: "الصبي أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة، خالية عن كل نقش وصورة، وهو
стр. 47
قابل لكل ما نقش، ومائل إلى كل ما يمال به إليه، فإن عوّد الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه أبواه وكل معلم له ومؤدب، وإن عوّد الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك..ومهما أهمل في ابتداء نشئوه خرج في الأغلب رديء الأخلاق كذابا حسودا سروقا نماما لحوحا، ذا فضول وضحك وكياد ومجانة، وإنما يحفظ عن جميع ذلك بحسن التأديب"١.
ويقول العلامة ابن الجوزي: " ... أما تدبير العلم فينبغي أن يحمل الصبي من حين يبلغ خمس سنين على التشاغل بالقرآن والفقه وسماع الحديث، وليحصل له المحفوظات أكثر من المسموعات لأن زمان الحفظ إلى خمس عشرة سنة، فإذا بلغ تشتت همته ... وأول ما ينبغي أن يكلف حفظ القرآن متقنا، فإنه يثبت ويختلط باللحم والدم! "٢.
وفي البخاري: باب تعليم الصغار ... في كتاب فضائل القرآن، والمقرر في واضع المشاهدة والتجربة أن الحفظ في عهد الصبا هو الأكثر دقة والأسرع تذكرا والأعمق انطباعا والأدوم وقتا..
стр. 48
وإذا كان بعض الفقهاء كره للطفل أن يحفظ القرآن الكريم كما هو المأثور عن النخعي وسعيد بن جبير فذلك لسبب ذكروه وهو خشية الملال له أو قبل تعلقه وإدراكه الواعي.
لقد اشتهر من الصحابة من كان يحفظ القرآن في صباه كابن عباس إذ يقول: توفي رسول الله ﷺ ، وأنا ابن عشر سنين وقد قرأت المحكم "أي المفصل"١.
وجمهور الفقهاء على جواز تحفيظ القرآن للأطفال؛ لأنه ادعى إلى ثبوته ورسوخه عندهم، قال ابن جبير؛ يترك الصبي مرفها أولا، ثم يؤخذ بالتدريج، قال ابن حجر: والحق أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص٢.
وهذا الأسلوب الحكيم وهو "التدرج" يفقده بعض الآباء والمعلمين الذي يأخذون الطفل بالزجر والعنف غير المحمود، فتنشأ لديه ما يسمى بالعقدة النفسية ولا ترتاح نفسه لتلاوة كتاب الله أو الدراسة أيا كانت بوجه عام.
قال السيوطي ﵀: "ثم ظهرت لذلك حكمة في
стр. 49
لتعليم وتدرج الأطفال من السور القصار إلى ما فوقها تيسيرا من الله على عباده لحفظ كتابه"١.
وإذا كان الأطفال أرسخ حفظا وأسرع استجابة، فلا جرم أن الشباب أكثر استيعابا وإتقانا، والشيوخ أكثر إدراكا ووعيا للمعاني القرآنية، ويزداد هذا الإتقان كلما ازدادت العناية بالقرآن تلاوة وتكرارا.
стр. 50
ثانيا: حدة الذكاء وقوة الذاكرة:
كيف يحدث الحفظ؟ وكيف تخزن الألفاظ والمعاني؟ وكيف تستحضر بمجرد الرغبة في ذلك؟ ما الذكاء؟ وما الذهن؟ وهل الذكاء وحده وراء حفظ القرآن الكريم؟؟
ليس من سبيل إلى القطع بحقيقة علمية حول ماهية الذهن وكيفية خزن الحروف والمعلومات لدى الإنسان أو الحيوان، لأن ما ظهر من نظريات وهي مختلفة ومتضاربة لا ترتقي إلى مستوى اليقين ولا تصمد أمام النقد.
الذكاء وحفظ القرآن:
قالوا إن رواء الذكاء وقوة الحافظة عوامل فسيولوجية
стр. 51
فحسب، كالغدد اللاقنوية أو الغدد الصم التي تفرز هرموناتها hormmon١ في الجسم فتزيد من نحوه الجسمي والعقلي٢.
وقالوا: بل الذاكرة تعتمد على العوامل الفطرية الوراثية، وبالتالي يكون مجال "تحسين الذاكرة" محدودا٣ وهذا قول لا تشهد له التجربة فكم من بليد في أعين الناس انقلب ذكيا حين غيرت بيئته، وجدد نمط حياته وفك أسره من قيد الهم ونكد الحياة..
وقالوا: بل الذكاء يرتبط ارتباطا وثيقا ببنية الجسم النحيفة، وهذا اعتقاد شائع لا صحة له٤.
وقالوا: للعوامل البيئية دور فعال في الإثارة الذهنية ولا سيما عند الأطفال٥.
ونقول: لئن صح شيء مما سبق من "عوامل إيقاد الذكاء ونمائه"
стр. 52
في غير مجال القرآن الكريم، فليست هذه العوامل وحدها وراء حفظ الإنسان لكامل كتاب الله..
وإلا فكيف نفسر السر في حفظ الأطفال المسلمين القرآن فيما دون العاشرة أو بعدها بقليل مع أن "الغدد" التي تثري الذكاء لا تبلغ قمة نشاطها في هذا السنن؟؟ ثم ألست ترى أن عددا كبيرا من أطفال المسلمين يحفظون كامل القرآن في هذه السن المبكرة في كل بلاد الإسلام عربيها وعجميها؟ بل وتجد رجالا من الأعاجم يحفظون القرآن كاملا ومع ذلك لا يفقهون شيئا من اللغة العربية ولا يتكلمونها بتاتا ... ؟
الذي أود تقريره أن القرآن الكريم يشتمل على سبعة وسبعين ألف كلمة وتسعمائة وأربع وثلاثين كلمة تنخرط في أكثر من ستة آلاف آية١.
وهو عدد لا يتيسر لكل أحد من الأذكياء حفظه عن ظهر قلب، ولا يعني كونه معجزا في حفظ الناس له أن عسير الاستظهار بل المراد إنه لا مثيل له من الكتب السماوية أو غيرها مما يقع في ضخامة مادته اللفظية والمعنوية وقد حفظه
стр. 53
الناس على وجه التواتر دون انقطاع من لدن نزوله وإلى أن يشاء الله.
قال الرافعي: "إننا لنعرف صبيان المكاتب ـ وقد كنا منهم ـ وما يسهل عليه القرآن وإظهاره ولا يمكنه في أنفسهم حتى يثبتوه إلا نظمه واتساق هذا النظم، ولو هم أخذوا في غيره من فنون المعارف أو مختار الكلام أو نحوه مما يرادون على حفظه، أي ذلك كان، لأعياهم وبلغ منهم إلى حد الانقطاع والتخاذل حتى لا يجمعوا منه قدرا في حجم القرآن إن جمعوه إلا وقد استنفدوا من العمر أضعاف ما يقطعونه في حفظ القرآن، على أنهم يبلغون من هذا بالعفو والأناة ولا يبلغون مثله من ذلك إلا بالعنت والجهد"١.
كيف يحدث الحفظ؟
انتهت الدراسات الحديثة إلى أن الذاكرة تنطوي على ثلاثة عناصر على الأقل، وهي:
١ـ التمثل assimilation ويقاس بمقدار الكمية المحتفظ بها بعد التعليم مباشرة ويرتبط بالذكاء ارتباطا وثيقا.
стр. 54
٢ـ والاحتفاظ retention ويقدر بالتعبير عن مقدار ما أمكن الاحتفاظ به بعد فترة محدودة، ويتأثر تأثرا كبيرا بعدد مرات استعادة المادة ذهنيا، وارتباطه بالذكاء ارتباط طفيف ويتأثر بالحالات الفسيولوجية الطارئة كالتعب وانحراف الصحة والانفعال.
٣ـ والاسترجاع recall ولا بد أن يسبقه "التمثل والاحتفاظ" وصلة الاسترجاع بالذكاء واضحة١.
ولقد كان لعلماء المسلمين السبق في كشف هذه العناصر الثلاثة، فهذا علي الجرجاني المتوفى سنة٨١٦هـ يقول في تعريف "الضبط" هو: إسماع الكلام كما يحق سماعه، ثم فهم معناه الذي أريده به، ثم حفظه ببذل جهوده، والثبات عليه بمذاكرته إلى حسن أدائه إلى غيره ا. هـ٢.
فهو يجمع بين: "السماع والفهم، والحفظ، والثبات، والأداء".
ويقول في تعريف الذهن: قوة للنفس تشمل الحواس
стр. 55
لظاهرة والباطنة معدة لاكتساب العلوم١.
стр. 56
ثالثا: تنظيم الوقت وتحديد الدروس:
وهو ثالث العوامل الضرورية للحفظ، وإن تنظيم الوقت وتوزيعه توزيعا حسنا على ساعات الليل والنهار من أهم عوامل الإنجاز ... واهتمام الإسلام عظيم بهذا الجانب، وإنك لتلمحه في الصلوات الخمس على مدار اليوم، وترى أعمالا فرضت على مدار الأسبوع كالجمعة وغسلها. وترى صيام ثلاثة أيام قد ندب إليه كل شهر، وصيام رمضان مكتوب كل عام ومثله الزكاة، أما الحج فعلى مدار العمر..وأما ذكر الله وشكره فعلى كل حال وفي كل حين.
ومن أهم فوائد توزيع الوقت: تجدد النشاط والهمة، ودفع الكلل والملل، والتعود على الشعائر دون رهق، والإقبال على الجد، والتقليل من اللهو، وهذا من أدق سمات المسلمين.
وفي مجال القرآن الكريم..تبرز أهمية الوقت وتوزيعه بصفة أكثر دقة أحاول تلخيصه فيما يلي:
١ـ ينبغي اختيار أنسب الأوقات لحفظ القرآن أو استذكاره،
стр. 57
وقت يكون الإنسان فيه مرتاح البال غير مجهد عقليا..وهذا راجع إلى الأشخاص والأحوال، ومن الأوقات الملائمة فيما قبل الفجر حين تهدأ الأصوات وينيب القلب ويخشع الإنسان ويقرب من ربه، وبعد الفجر إلى طلوع الشمس..وبعد العصر إثر القيلولة، وينصح الأطباء ألا يجهد الإنسان نفسه وعقله بعد الطعام مباشرة.
٢ـ كذلك يراعي الطالب توزيع أوقات للحفظ وأخرى لاستذكار المحفوظ على ألا تكون متتابعة، ويرى علماء النفس أن حسن توزيع الوقت يترك أثرا بعيد المدى في ترسخ المادة، فمن يحفظ نصا ما في شهر يكون حفظه أتقن وأبقى ممن يحفظ النص نفسه في أسبوع١.
٣ـ عدم إجهاد النفس بكثرة المذاكرة، فمن يستمر على المذاكرة ساعة كاملة ثم يخلد إلى الراحة ليتاح للمادة الاستقرار أوفق ممن يقرأ يوما كاملا في شرود ذهني..فلا تربط نفسك بجدول أوقات جامد.
٤ـ وبعد هذا يقيم المسلم توازنا حكيما بين أوقات عمله
стр. 58
وحقوق أهله، فيعطي كل ذي حق حقه من غير سرف ولا قتر، ومع هذا فلحامل القرآن شأن آخر..أنه يعتمد على "الاستمرار والمداومة" وفي حديث ابن عمر أن رسول الله، ﷺ قال: "إذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقرأه نسيه" ١.
وسيجيء الكلام مفصلا عن مقدار ما يقرأ في اليوم والليلة إن شاء الله، وملخص القول: على الطالب في توزيع أوقات حفظ القرآن مراعاة ما يلي:
١ـ تحري أوقات الاستقرار الذهني ليقرأ بتركيز.
٢ـ الاستمرار دون انقطاع طويل.
وليتذكر أن بعمله الجليل هذا إنما يتعبد، وله مثوبة عظيمة، أنه يتلو كتاب الله ويتدارسه.
стр. 59
رابعا: الالتزام بنسخة واحدة من المصحف الشريف:
لأن ذلك أثبت للحفظ، وهو ما تنضبط به الذاكرة البصرية، والاستظهار يعتمد على ثلاثة ذواكر:
стр. 60
ـ الذاكرة السمعية، ويقوم المقرئ بدوره في التلقين، والتقويم مما ينمي هذه الذاكرة ويصقلها.
ـ الذاكرة الذهنية، وجل اعتمادها على تدبر المعاني، والنظر في القرائن، ومعرفة المتشابه ومواضعه.
ـ الذاكرة البصرية: واعتمادها إنما يكون على رسم المصحف الشريف بمعرفة مفتتح الآيات والسور في مواضعها من الصفحة، وكذا مختتمها، بحيث أن الطالب حينما يقرأ من حفظه تتراءى له الصفحات وكأنما ينظر إليها، ولهذا إذا غير الطالب نسخة المصحف الذي حفظ منه ودرج عليه لقي عناء ومشقة، فاتخذ أيها الطالب لنفسك طبعة من المصحف الشريف لا تحيد عنها.
стр. 61
خامسا: ضرورة التلقي عن مقريء:
من خصائص القرآن الكريم أنه يؤخذ تلقيا عمن تلقاه عن غيره..وحتى رسول الله وهو إمام المقرئين صلوات ربي وسلاماته عليه، كان يأخذ عن جبريل ﵇ عن الله ـ جل ذكره ـ.
قال السيوطي: ومما يدل للقراءة على الشيخ عرض النبي ﷺ ، القرآن على جبريل ﵇ في رمضان كل عام.
стр. 62
ولقد نهج الصحابة هذا المنهج، فبعد أن تلقوا القرآن عن رسول الله ﷺ ، اشتهر منهم بإقراء القرآن سبعة١قرأ عليهم خلق كثير.
وإلى "منهج الإقراء" يشير قوله ﷺ :"خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي بن كعب" ٢.
ثم إن بناء المجتمع المسلم ـ ونحن في مسيس الحاجة إليه اليوم ـ من أسسه الكبرى ووسائله الأولى وأهدافه المرتجاة "نشر القرآن" بين أفراد الأمة وتعليما وتطبيقا ودعوة..وهذا ما قامت عليه دولة الإسلام على عهد رسول الله ﷺ ، قال البراء بن عازب: أول من قدم علينا "يعني المدينة" مصعب بن عمير،
стр. 63
وابن أم مكتوم، وكانا يقرئان الناس١.
ولهذا رأى بعض السلف أنه إذا كان الإنسان يتعلم القراءة من المصحف بمفرده منع منه إذا وجد شيخا يوقفه على ألفاظ القرآن٢.
ومن هذه المنطلقات نوجز الحديث عن المقرئ الأمثل فنقول:
فضلا عن مراعاة الاستقامة وحسن المظهر والمخبر، ونقاء السريرة في الخلوة والجلوة وسلامة النطق بالعربية الفصحى..لابد أن يكون المقرئ ملما بدقائق مهمته ومحيطا بأحوال طلابه وأخطائهم المتوقعة، ويتحرى من جمع بين الدراية والرواية فذاك أزكى وأرجى، وعلى المقرئين مراعاة أمور في عملهم المبارك، لعل أهمها:
أـ المقرئ والقراءات:
ينبغي للمقرئ الابتعاد عن القراءات الشاذة، والالتزام
стр. 64
لمتواتر المشهور منها١.
ومهما في مفهوم "السبعة الأحرف" الواردة في حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "أقرأني جبريل على حرف فلم أزل استزيده حتى انتهى إلى سبعة أحرف" ٢.
فالذي ينبغي أن يراعيه المقرئ هو التسهيل وعدم حشو ذهن الطالب بالقراءات قبل تمكنه من الحفظ، ولقد كان نافع بن عبد الرحمن٣يسهل القرآن لمن قرأ عليه إلا أن يقول له إنسان
стр. 65
أريد قراءتك فيقفه عليها.
وبعد مرحلة إتمام الحفظ إن بدا له دراسة القراءات فيسلك ما كان عليه السلف كانوا يأخذون كل ختمة برواية مستقلة لا يجمعون رواية إلى غيرها إلا أثناء المئة الخامسة حيث ظهر جمع القراءات في الختمة الواحدة، واستقر عليه العمل، ولم يكونوا يسمحون به إلا من أفرد القراءات وأتقن طرقها وقرأ كل قارئ بختمة على حدة١.
المقرئ ومعاملة الطلاب والأطفال خاصة:
الأطفال هم الخامة والمادة الحيوية لحفظ كتاب الله، والإنسان في هذه السن يكون أسرع استجابة في التلقين والتهذيب على السجية، وليتخير من نبهاء الأطفال من يصلح للحفظ، ويراعي بالإضافة إلى تهوئة المكان وصحيته وملاءمة الوقت وألا يكون الطفل جائعا أو في حاجة ويراعي عدم القسوة والعنف البالغ عن الحد ويتجنب السخرية٢.
стр. 66
ومن أهم ما يحسن النتائج عدد الطلاب إن كان قليلا، ولقد كان الصحابي الجليل أبو الدرداء إذا صلى الغداة في جامع دمشق اجتمع الناس للقراءة عليه، فكان يجعلهم عشرة عشرة، وعلى كل عشرة عريفا ويقف هو في المحراب يرمقهم ببصره، فإذا غلط أحدهم رجع إلى عريفه فإذا غلط عريفه رجع إلى أبي الدرداء يسأله عن ذلك١.
ويستطيع الطفل بدء الحفظ وهو في الخامسة وذلك راجع إلى البيئة التي ينشأ فيها الطالب، ويكون معدل حفظه في السنة الواحدة على ما يقرره ذووا الخبرة ثلاثة أجزاء، ومع زيادة اجتهاد الطفل يصل إلى ثمانية أجزاء سنويا..٢
والأوفق عندي بالنظر إلى بيئاتنا المعاصرة وما طرأ عليها من تجدد في شتى مسالك الحياة، أن يبدأ الطفل بصفة جادة منظمة مع بداية سن الحادية عشرة، وكان زيد بن ثابت الصحابي سيد القراء بدأ حفظه حين مقدم النبي ﷺ المدينة في هذا السن٣وكل ما سبق من مقومات المقرئ الأمثل يقوم على
стр. 67
الصبر، والدأب، وسعة الصدر وطول البال وهذه الأوصاف مجتمعة تثمر أزهى الثمار١ومما حفظ التاريخ من جهود السلف أن قالون "من أئمة القراء وقارئ أهل المدينة في زمانه" كان شديد الصمم، بحيث لو رفع إنسان صوته إلى غايته لم يسمع، فكان ينظر إلى شفتي القارئ فيرد عليه اللحن والخطأ!! ٢.
وينبغي ألا يرفع الطلاب أصواتهم فيؤذي بعضهم بعضا بذلك، ومن أدب طالب العلم مراعاة الوقار والاتزان وهو يتلو كتاب الله، وفي حديث أبي سعيد قال: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر، وقال: "ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا ولا يرفع على بعض في القراءة" ٣.
стр. 68
خـ المقرئ وأخذ الأجرة:
للفقهاء إجمالا ثلاثة آراء حول أخذ الأجرة على تعليم القرآن:
الرأي الأول: عدم جواز ذلك، لأن الأحاديث المجيزة له منسوخة بالأحاديث الواردة بالوعيد على أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وهذا رأي ظاهر الوهن ولا بد للنسخ من شروط من تأخر الناسخ وتقدم المنسوخ وعدم إمكان العمل بالخبرين في آن واحد..إلخ. وهذا غير متعين هنا فلا يعتد بهذا الرأي.
الرأي الثاني: بعدم الجواز في التعليم والجواز في الرقية قياسا على الدواء وعليه الأحناف، قالوا: لأن تعليم القرآن عبادة والأجر فيها على الله، والرقية مثل ذلك إلا أنا أجزناها لحديث ابن عباس "الآتي".
الرأي الثالث: بجواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن استدلالا بحديث ابن عباس أن النبي ﷺ ، قال: "إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله" ١وهذا هو الرأي الراجح وعليه الجمهور٢،
стр. 69
وهذا في حالة عدم الاشتراط، ولا يرد خاصة إذا كان محتاجا إلى ما يقيم أوده، وقد أورد الذهبي أن الحسين بن عثمان أبا علي الضرير المقرئ من الطبقة التاسعة كان يأخذ على الإنسان الختمة بدينار..١
جاء في مصنف ابن أبي شيبة عن الوضين بن عطاء قال: كان بالمدينة ثلاثة معلمين يعلمون الصبيان فكان عمر بن الخطاب ﵁ يرزق كل واحد منهم خمسة عشر كل شهر، وقال حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم، قال: كان يكره أن يشارط المعلم على تعليم الصبيان القرآن٢.
أما "الاشتراط" فيقول عنه السيوطي: ما أعتاده كثير من مشايخ القراء من امتناعهم من الأجازة إلا بأخذ مال في مقابلها لا يجوز إجماعا، بل إن علم أهليته وجب عليه الإجازة أو عدمها حرم عليه، وليست الإجازة مما يقابل بالمال إلا أن يهدي إليه من غير اشتراط فيجوز٣.
وإذا كان هذا في الإجازة فمثلها التعليم والإقراء والله أعلم.
стр. 70
سادسا: إيجاد الحوافز والمرغبات:
وهذه من العوامل الضرورية لحفظ القرآن الكريم، وخاصة في زمن كزمننا حيث كثرت الملهيات عن ذكر الله، وتعددت أشكالها وأهدافها، وتداخلت وسائل الشر ووسائل الخير، واتجهت كثير من بلاد المسلمين إلى فرض المناهج التعليمية العلمانية التي تجعل المواد الشرعية وفي قمتها القرآن الكريم، موادا ثانوية وتسميها "دين" وكأن الدين شيء والحياة شيء آخر.
ولئن جاز هذا في بلاد الكفر والزيغ حيث ولدت العلمانية وصدرت إلينا فهو غير وارد على الإطلاق في ديار الإسلام ... لعمومية الإسلام لكل الناس، ثم لشموليته لجميع شؤون الحياة ومتطلباتها..
إن الطالب المسلم اليوم قارئ الكريم، يعاني من "جفاف" المناهج التي يدرسها، لقد جردت عن المعاني الإسلامية ـ إلا من رحم الله ـ.
وثمة مراكز أنشئت "للإبقاء" على هذا الحال في كل المراحل بدءا من المرحلة الابتدائية إلى الجامعية..ولهذا ما له
стр. 71
من نتائج بالغة السوء إن استمر حال التعليم على ما هو عليه في أكثر بلاد المسلمين ومن هنا، وفي هذا البحث المتواضع ننادي بإيجاد الحوافز والتشجيع ... وهو أمر مهم وضروري في هذه المرحلة التي تمر بها أمتنا الإسلامية وسنشير إلى بعض التوصيات الخاصة بذلك في خاتمة البحث إن شاء الله.
وفوق هذا فحفظ القرآن يتطلب جهدا خاصا، وعملا متواصلا، وعزيمة صبورة لا تعرف الملل ولا النكوص!! أفليس إيجاد الحوافز ضروريا؟!
стр. 72
المبحث الثالث: "الوسائل الإسلامية لحفظ القرآن الكريم "
مدخل
...
المبحث الثالث: "الوسائل الإسلامية لحفظ القرآن الكريم"
سنقتصر في هذا المبحث الحديث على الطريقة العلمية التطبيقية للحفظ..على ضوء ما يراه التربويون المعاصرون..ونسترشد بما سار عليه الأقدمون، ونحاول رسم طريق يحقق أكبر قدر من الفائدة إن شاء الله.
ونحاول إبراز دور المقرئ ثم دور الطالب..وهذا على أساس أن الطالب يجيد القراءة والكتابة دون عناء، وتتوفر فيه جل أو كل العوامل الضرورية للحفظ السالف ذكرها في المبحث الثاني.
стр. 73
أـ الخطوات العامة:
١ـ يستحسن إن كان الطالب لا يجد مشقة أو عناء في التلاوة أن يقرأ الآيات المراد حفظها قراءة متأنية قبل الحضورة إلى المقرئ ليرسم لنفسه الصورة العامة لها.
٢ـ يختار الوضع الذي يناسبه في القراءة قبل الحضور إلى المقرئ أو أثناءه أو بعده، وذلك من الحيثيتين الآتيتين: ب ـ من حيث الجهر أو الإسرار:
والوجهان واردان، ولقد قيل لعائشة أم المؤمنين: كيف كانت قراءة رسول الله ﷺ ، بالليل يجهر أم يسر؟
قالت: كل ذلك كان يفعل، ربما جهر ربما أسر١.
والأولى الجهر لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لم يأذن الله لشيء ما أذن للنبي أن يتغنى بالقرآن يريد أن يجهر به" ٢.
قال ابن الجوزي اختلفوا في معنى قوله يتغنى على أربعة أقوال:
١ـ تحسين الصوت.
٢ـ التحزّن.
стр. 74
٣ـ الاستغناء.
٤ـ التشاغل به.
قال ابن حجر: وفيه وجه آخر حكاه الأنباري قال: المراد به التلذذ والاستحلاء له كما يستلذ أهل الطرب الغناء، قال ابن حجر ولا شك أن النفوس تميل إلى سماع القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم، لأن للتطريب تأثيرا في رقة القلب وإجراء الدمع وكان بين السلف اختلاف في جواز القران بالألحان، أما تحسين الصوت وتقويم حسن الصوت على غيره فلا نزاع في ذلك١.
عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ يقطع قراءته بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين﴾ ٢.
ـ ـ من حيث الإسراع أو التأني:
وهذا مرده كذلك إلى أحوال الطالب والمقري، لأن الأمر في قوله ـ تعالى ـ: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ إن لم يكن للوجوب فهو للاستحباب، والمكروه أن يهذّ كهذ الشعر "الهذ" الإسراع المفرط بحيث يخفى كثيرا من الحروف أولا يخرجها من مخارجها.
стр. 75
قال ابن حجر: والتحقيق أن لكل من الإسراع والترتيل جهة فضل بشرط ألا يخل المسرع بشيء من الحروف والحركات والسكون الواجبات١.
والأفضل بوجه عام التأني لأن أنسا ﵁ سئل عن قراءة النبي ﷺ ، فقال: "كان يمد مدا" ٢وقالت حفصة ﵂ تصف قراءة النبي في صلاته "أنه كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها"٣.
قال البيهقي ﵀: وقد ذهب بعض أهل العلم أي أن المراد به تحسين الصوت بالقرآن وذلك بأن يقرأه حدرا وتخزينا واستدلوا على ذلك برواية عبد الجبار بن الرد عن ابن أبي مليكة هذا الحديث بإسناد آخر ثم قال: قلت لابن أبي مليكة يا أبا محمد: أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت، قال: يحسنه ما استطاع، قالوا: وقوله: "ليس منا" يريد: ليس على سنتنا فإن السنة في قراءة القرآن الحدر والتحزين، فإذا ترك ذلك كان تاركا لسنته والله أعلم.