عنده ... " ١.
ومما ينبغي التنويه والإشادة به ما تقيمه وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد من مسابقات متنوعة في حفظ القرآن الكريم على مستوى المدن والمناطق، ومنها المسابقة الدولية التي تقام في مكة المكرمة، وهي مسابقة الملك عبد العزيز في حفظ القرآن الكريم بفروعها المتعددة وقد أطلق عليها اسم الملك عبد العزيز من هذا العام١٤٢١هـ جزى الله القائمين عليها خيرا ووفقهم لما فيه خير الإسلام والمسلمين.
ولا جرم أن ذلك أدعى إلى تخريج رجال مؤمنين ونساء مؤمنات، ينهض بهم وبهن صرح الإسلام كما كان في عهود الإحسان والتقوى.
والله وحده المستعان وعليه التكلان.
стр. 107
الفصل الثاني صيانة القرآن من النسيان
المبحث الأول: "النسيان وأسبابه، والنوع المذموم منه "
المبحث الأول: "النسيان وأسبابه، والنوع المذموم منه"
...
المبحث الأول: النسيان وأسبابه والنوع المذموم منه
النسيان: هو عكس التعليم، وعند الجرجاني: هو الغفلة عن معلوم في غير حالة السّنة١.
وأسبابه كثيرة، تندرج تحت صنفين رئيسين:
١- الذواء أو الاضمحلال fading ولعله أبرز سبب واضح للنسيان ويأتي الاضمحلال التدريجي لآثار الدماغ التي لا يتجدد نشاطها، ويصفه البعض بأنه: عودة إلى الحالة الطبيعية، قالوا: وما لم يتجدد فإنه سيضمحل تدريجيا إلى حد لا تستثار معه أي خبرة إطلاقا.
٢- الوقم blocking وأبرز أسبابه:
أـ تدخل ذواكر أخرى مماثلة.
ب ـ الصدمة، أو الضربة، تحول دون عملية الاحتفاظ
стр. 108
بالمحفوظ.
جـ ـ الانفعال، الخوف والحالة العصبية والتهيج، كل ذلك قد يحول دون الاسترجاع والتذكر١.
وإهمال ونسيان القرآن بعد حفظه ذنب عظيم، صرح به غير واحد من العلماء، لحديث أبي داود وغيره "عرضت عليّ ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها" ٢.
وفي حديث آخر: "ما من امرئ يقرأ القرآن ثم ينساه إلا لقي الله أجذم"٣.
قال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىقَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ
стр. 109
الْيَوْمَ تُنسَى﴾ ١قال: "أما نسيان القرآن مع فهم معناه والقيام بمقتضاه فليس داخلا في هذا الوعيد الخاص، وإن كان متوعدا عليه من جهة أخرى"٢اهـ.
وقال في موضع آخر: وقد أدخل بعض المفسرين نسيان القرآن بعد حفظه في الوعيد الوارد في هذه الآية..لأنه جزء من الإعراض"٣.
قلت: إلا أن يكون النسيان لعذر ككبر أو مرض مقعد وما شابهه فليس على أهل الأعذار حرج إن نسوا القرآن بعد حفظه ما داموا قائمين بمقتضاه.
стр. 110
المبحث الثاني أساليب وقاية القرآن من النسيان
أولا: التكرار والتعاهد المنظم:
وهذا ما لفت إليه رسول الله ﷺ ، أنظار حملة القرآن حين قال في حديث ابن عمر: "إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت" ١.
وفي رواية أبي موسى: "تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من الإبل في عقلها"٢.
وفي هذين الحديثين النبويين الشريفين وقع التشبيه بين ثلاثة:
١ـ فحامل القرآن شبه بصاحب الناقة.
стр. 111
٢ـ والقرآن بالناقة.
٣ـ والحفظ بالربط.
قال ابن حجر: وخص البعير بالذكر لأنها أشد الحيوان نفورا، وفي تحصيلها بعد استكمان نفورها صعوبة..قال: وفي هذه الأحاديث الحث على محافظة القرآن بدوام دراسته وتكرار تلاوته١.
وينبغي أن يوزع وقت التعاهد والتكرار على الليل والنهار لقوله ﵇ "إذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره وإن لم يقرأه نسيه" ٢.
وأخيرا نورد ما قرره العلم الحديث إذ يقول: إن إعادة حفظ النص بتلاوة متعاقبة يثبت تركيزه فترة أدوم إلى أن تأتي مرحلة لا يكون معها فقدان كبير لما في الذاكرة٣.
وفي مجال المرأة..وهي الأكثر عرضة لنسيان القرآن لأنها تترك الصلوات أيام أقرائها وتمنع من مس المصحف وقراءة
стр. 112
القرآن في تلك الحال، لقوله ﷺ : "لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن" ١، نجد العلماء قد صرحوا بأنه يجوز للمرأة الجنب والحائض النظر في المصحف وإمراره على القلب٢.
قلت: وفي مثل هذه الأحوال يبرز دور الوسائل المسموعة والمرئية ولاشك.
وصفوة القول:
إن القرآن وحفظه ومعاهدته الدائبة ييسره الدافع الإيماني، والتوفيق من عند الله والله يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ٣.
إن حامل القرآن، تتميز حياته ... فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار في الخلوة والجلوة في الصلوات والفلوات، بل هو كما وصف الله عباده الصالحين: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ.﴾ ٤.
وأي شيء أفضل من تلاوة القرآن في ذكر الله؟؟
стр. 113
وثمة مسألتان نحب التعرض لهما في إيجاز:
المسألة الأولى: القراءة في المصحف أفضل أم على ظهر القلب؟ في المسألة رأيان:
الرأي الأول: القراءة من المصحف أفضل لأن النظر فيه عبادة، فتجتمع القراءة والنظر. وكان أكثر الصحابة يقرؤونه في المصحف ويكرهون أن يخرج يوم ولم ينظروا في المصحف، ولكي لا يهجره.
والرأي الثاني: أن القراءة عن ظهر القلب أفضل، وهذا رأي واهن كما يقول الزركشي، لأن المقصود من القراءة التدبر: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ ١.
وكان بعض الصالحين يقرأ حزبه من المصحف نهارا، ثم يقوم به ليلا وهذا حسن، قال ابن حجر: والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال٢.
المسألة الثانية:
كم مرة يختم في الشهر؟ وكم يراجع يوميا؟
стр. 114
الواقع أن الأمر كما قال الإمام الزركشي يختلف باختلاف حال الشخص في النشاط والضعف والتدبر والغفلة١ ولقد كان أبي بن كعب ﵁ يختم القرآن في ثمان٢وكان سعيد بن جبير٣يختمه في كل ليلتين، وكان أقوياء أصحاب رسول الله ﷺ ، يقرؤون القرآن في سبع وبعضهم في شهر وبعضهم في شهرين وبعضهم في أكثر من ذلك٤.
قال أوس سألت أصحاب رسول اله ﷺ كيف تحزّبون القرآن؟ قالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاثة عشرة، وحزب المفصل وحده"٥.
وأكثر ما ورد في كثرة القراءة من كان يختم في اليوم والليلة ثمان ختمات، أربعا في الليل وأربعا في النهار٦.
стр. 115
بيد أن هناك حديث ابن عمرو الذي يقول فيه: قال لي رسول الله ﷺ : "اقرأ القرآن في كل شهر، قال قلت: إني أجد قوة، قال: فاقرأه في عشرين ليلة، قال قلت: إني أجد قوة، قال: فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك" ١.
وهذا الحديث ورد فيه الحد الأعلى والأدنى على سبيل الإرشاد لا الإيجاب، وهو أمثل الأحوال، لكنه ينبغي مراعاة جانب التدبر والاتعاظ أثناء التلاوة ولهذا ورد في الحديث قول النبي ﷺ : "لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث" ٢وتقول أم المؤمنين عائشة ﵂ "لا أعلم نبي الله ﷺ قرأ القرآن كله في ليلة"٣. ولهذا كره بعض الفقهاء ختمه في أكثر من
стр. 116
ربعين يوما١حتى لا يعد من الغافلين.
قال الترمذي في نوادر الأصول:
"الأصل الحادي والثمانون والمائة: في قراءة القرآن في أربعين ليلة: عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ أمره أن يقرأ القرآن في أربعين ليلة فاستزاده حتى رجع إلى سبع، فالأربعون مدة الضعفاء وأولي الأشغال، ويكون ختمه في السنة تسع مرات، ومدة الأربعين مرددة في الأشياء كثيرة وأما توقيت السبع فإنه للأقوياء الذين يقوون على سهر الليالي واحترفوا العبادة وتفرغوا من أشغال النفس والدنيا. قال رجل: يا رسول الله من قرأ القرآن في سبع: قال: "ذاك عمل المقربين"، قالوا يا رسول الله فمن قرأ في خمس، قال: "ذاك عمل الصديقين" قالوا: يا رسول الله فمن قرأه في ثلاث قال ﷺ : "ذلك عمل النبيين وذلك الجهد لا أراكم تطيقونه إلا أن تصبروا على مكابدة الليل أو يبدأ أحدكم السورة وهمه في آخرها" قالوا يا رسول الله وفي أقل من ثلاث قال: "لا من وجد منكم نشاطا فليجعله في حسن تلاوتها" أراد ﷺ المداومة عليه وإن يصيرها عادة ولو قرأ في يوم وليلة لكان عظيم القدر، وكان عثمان
стр. 117
رضي الله عنه ختم في ركعة واحدة، وكان رسول الله ﷺ مما يقرأه في سبع تيسيرا على الأمة، عن أوس ﵁ قال: احتبس عنا رسول الله ﷺ ليلة فقلنا له: فقال: "إنه طرأ عليّ حزب من القرآن فأحببت أن لا أخرج من المسجد حتى أقضيه" فقلنا لأصحاب رسول الله ﷺ : كيف تحزبون؟ قالوا: ثلاث سور وخمس سور وسبع سور وتسع سور وإحدى عشرة سورة وثلاث عشرة سورة وحزب المفصل ما بين قاف فأسفل. ودلهم رسول الله صلى الله وسلم في الحديث الأول على حسن التلاوة فإن القرآن موعظة والله تعالى يحب أن تعقل مواعظه ونصائحه ولطائفه فإذا خاطب عبده بشيء يريد إظهار ما لهم عنده من الأثرة والمحبة ويحب أن يعجل أوائل بره في عاجل محياهم ليتلذذوا به ويفرحوا فإذا مر عليه التالي يهذّه هذّا وقلبه في عماء من ذلك مقته، كما أن واحدا منا إذا كلم آخر بشيء يريد به بره وألطافه فاستمع إلى كلامه بإذنه لاهيا عن ذلك بقلبه، سقط عن عينيه فكيف برب العالمين، قد أدب الله تعالى عباده ودلهم على الترتيل فقال تعالى: ﴿وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ ، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ ، ودلهم على الترتيل
стр. 118
والتؤدة والتدبر ليصل إليهم نفع ذلك فأفضلهم قراءة أعقلهم عنه، فمن أسرع القراءة وعقل عنه كان في نور عظيم ومنزلة عليه لفضل نوره ومن قصر ذلك فالتفكر والتدبر خير له وأنفع"١.
ووقت الليل للمراجعة والاستذكار أزكى وأنفع لقوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ ٢.
أي: أن قيام الليل هو أشد مواطأة بين القلب واللسان وأجمع على التلاوة وأجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهمها من قيام النهار؛ لأن وقت انتشار الناس ولغط الأصوات٣.
стр. 119
ثانيا: معاودة الحفظ:
وقد يكون النسيان قد بلغ حدا كبيرا يعصب معه استرجاع المحفوظ وهنا يجب معاودة الكرة في الحفظ واستعادة المفقود الثمين.
والعلم الحديث يقول: إن المادة المنسية تماما بعد حفظها، تستلزم وقتا أقل بكثير مما نحتاج من وقت لحفظ نص
стр. 120
بنفس الطول لم يسبق لنا أن تعلمناه من قبل١.
أن استعادة المنسي أيسر من الحفظ الجديد..وهذا أوضح وأصدق ما يكون في مجال القرآن الكريم لما له من أثر نفسي وجرس بلاغي يأخذ الألباب، وحلاوة في التركيب، وإعجاز.
إن كلام رب العالمين٠
стр. 121
ثالثا: السماع من الغير:
وهي وسيلة جد ناجعة، فالفرد مهما أوتي من ذكاء وفطنة لا يستطيع أن يتخلى عن جوانب ضعف فيه، ولا بد من نسيانه لبعض ما يعلم، وهذا رسول الله ﷺ ، كما في حديث عائشة سمع قارئا يقرأ من الليل في المسجد، فقال: يرحمه الله! لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتها من سورة كذا وكذا٢.
وقال لابن مسعود يوما: اقرأ عليّ. قال: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: إني اشتهي أن أسمعه من غيري قال:
стр. 122
فقرأت النساء حتى إذا بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قال: كف أو أمسك، فرأيت عينيه تذرفان١صلوات الله وسلامه عليه.
والسماع من الغير طريقة مثلى للحفظ أيضا فضلا عن الاستذكار يقول ابن مسعود: حفظت من فيّ رسول الله ﷺ بضعة وسبعين سورة٢.
ويقرر العلم الحديث أخيرا ـ ونستأنس بشهادته ـ أن التسميع عامل مهم في التذكر٣.
стр. 123
رابعا: الوقوف على المعاني والتدبر:
وهو الهدف الذي من أجله أنزل الكتاب العزيز ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ..﴾ ٤.
لقد سئلت أم المؤمنين عائشة ﵂ عن أعجب ما رأت من شأن رسول الله ﷺ ، فبكت ثم قالت: كل أمره كان
стр. 124
عجبا، أتاني في ليلتي حتى مس جلدي جلده، ثم قال: ذريني أتعبد لربي قالت: فقلت: والله إني لأحب قربك وإني أحب أن تعبد ربك، فقام إلى القربة فتوضأ ولم يكثر صب الماء، ثم قام يصلي، فبكى حتى بل لحيته، ثم سجد فبكى حتى بل الأرض، ثم اضطجع على جنبه فبكى حتى إذا أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح، فقال: يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: ويحك يا بلال وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل الله علي في هذه الليلة: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ١.
ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها٢.
وإن المؤمن يتلو آيات الله ويؤمن بما فيها من وعد ووعيد وخبر وأمر ونهي لحري أن لا ينسى الحق بعد أن لا مس شغاف قلبه واستحوذ على سلوكه مظهرا ومخبرا، والتدبر والتفكر أثناء التلاوة يعزز الحفظ ويرسخه كما قدمنا الحديث عن ذلك
стр. 125
بتفصيل.
جعلني الله وإياك ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ربي أحسن مثواي عليه توكلت وإليه أنيب، والحمد لله رب العالمين.
стр. 126
الخاتمة
مضى الحديث عن فضائل القرآن وحملته وجهود الأمة الإسلامية في حفظه وإتقانه..
وسبق ـ كذلك ـ ذكر الكيفية لحفظ الكتاب العزيز على نحو مفصل بذكر العوامل الضرورية والوسائل الأساسية والثانوية.
وتقدم على إثر ذلك الحديث عن كيفية المحافظة على القرآن من الضياع بعد الحفظ.
وتخلل ذلك كله الحديث عن القرآن كظاهرة فريدة لا يوازن بها شيء من المحفوظات الشعرية أو الأدبية أو غيرها..فهو معجز حتى في حفظ الناس واستظهارهم له.
وهنا بين يدي ختام البحث وددت تقديم توصيات، من وجهة نظري القاصرة، رأيت أنها تسهم في رفع الاهتمام بالقرآن بين مجموع أفراد المسلمين في هذا العصر الذي تكالبت فيه قوى الشر والفساد على الشباب المسلم وخاصة "الناشئين" من فتياننا وفتياتنا.
стр. 127
وتتلخص في الآتي:
١ـ ضرورة الإسراع في إعادة طلاب العلم الشرعي وبعده المدني، إلى حياض القرآن كما كان الحال في سالف عهد المسلمين، وذلك بوضع برامج تخرج الطالب المسلم في المرحلة الإعدادية "المتوسطة" وقد حفظ كتاب الله، ولقد كان الأزهر الشريف يشترط حفظ القرآن الكريم كاملا فيمن يرغب الدراسة به، وعلى هذا المبدأ قامت المناهج الدراسية في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، والتي قررت اشتراط حفظ أجزاء محددة للقبول في معاهدها وكلياتها والدراسات العليا التابعة لها وغيرها من الجامعات الإسلامية، وإذا كانت بعض الهيئات التعليمية الإسلامية قد غضت الطرف عن هذا الشرط لندرة الحفاظ بين مجموع المتقدمين للالتحاق بها، فليس أقل من أن تتوسع الهيئات المذكورة في الإكثار من المعاهد التي تعنى بحفظ القرآن وتحفيظ كتاب الله للمراحل الثلاث، الابتدائية والإعدادية، والثانوية، تتضافر فيها الدراسة النظامية مع تحفيظ القرآن الكريم، في نسق واحد كما هو الحال في معاهد الأزهر المتخصصة لهذا، ومدارس وزارة المعارف في المملكة العربية السعودية الخاصة بتحفيظ القرآن الكريم.
стр. 128
وإنني واثق تمام الثقة من أنه لو بدئ في التخطيط والتنفيذ على مدى واسع فسيظهر الجيل القرآني بعد "١٢" عاما من البدء وستثرى الكليات الشرعية أولا والمدنية بعدها بالطلاب الحفظة من حملة الكتاب المجيد.
٢ـ ضرورة تشجيع حملة القرآن على مستوى الدولة..وهو عامل مساعد لتحقيق الهدف السابق فتعطي المميزات والأولوية لحافظ القرآن الكريم في أكثر المجالات:
أـ في القبول بالمدارس والجامعات المختلفة.
ب ـ في الوظائف العامة والخاصة.
جـ ـ في الترقيات والعلاوات.
دـ في الشؤون العامة، كالحصول على القروض المالية وتخفيض أجور تذاكر السفر، وغير ذلك. على أن يكون هذا "تمييزا" للفئة القرآنية يقوم على أساس إيماني فيراعى فقط استقامة الإنسان دون غيره من الاعتبارات الأخرى فالقرآن كتاب المسلمين جميعا، وكلهم مندوبون إلى حفظه، وكلهم بدون استثناء مستهدفون من قبل أعداء الإسلام إلى قطع صلتهم به..
وإني أرى أن هذا مطلب شرعي فضلا عن كونه واجبا وطنيا؛ لأن هذا الصنف من العلماء إن أحسن إعدادهم كانوا أول
стр. 129
من ينهض بالأمة من كبوتها التي طالت والأمر يحتاج إلى المخلصين.
وقد أثلج الصدر أمر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز ـ حفظه الله ذخرا للإسلام والمسلمين ـ بإعفاء كل سجين يحفظ القرآن الكريم داخل السجن من نصف محكوميته١وهذه مكرمة أخرى تضاف إلى مكرمات خادم الحرمين الشريفين المتعددة، وحرصه وعنايته بكتاب الله العظيم، وفقه الله وسدده.
٣ـ إنشاء هيئة قرآنية تحت إشراف رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة يسند إليها شؤون الإشراف الفني وتقديم الخدمات اللازمة لحفظة كتاب الله، على ضوء ووفق الاقتراحين السابقين.
هذا والأمر بعد ذلك للمفكرين من علماء المسلمين، وولاة الأمر السباقين إلى كل خير، فيه صلاح الإسلام والمسلمين.
وفي سبيل الخروج بأفضل النتائج سواء في منهجية البحث أو حول الاقتراحات أود من ذوي الخبرات في مجال حفظ القرآن الكريم، والتربية والتعليم إتحافي بمرئياتهم، وذلك تفضلا عليّ
стр. 130
وعلى طلاب العلم، ولست أستنكف عن اتباع أحسنها.
هذا وبالله وحده التوفيق، وله الحمد أولا وآخرا، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه.
وكان الفراغ من تبييض مسودات هذا البحث غداة الأربعاء الموافق٥/٢/١٤٠٧هـ.
د/عبد الرب نواب الدين
المدينة النبوية
стр. 131
مصادر ومراجع
...
قائمة بأهم المراجع
١- القرآن الكريم.
٢- الاتقان في علوم القرآن ـ جلال الدين السيوطي "٩١١هـ" ط: بيروت بدون تاريخ.
٣- البرهان في توجيه متشابه القرآن لما فيه الحجة والبيان ـ محمود الكرماني "ق٦هـ" تحقيق عبد القادر أحمد عطا ط: الثالثة دار الاعتصام١٣٩٨هـ ـ ١٩٧٨م.
٤- البرهان في علوم القرآن ـ بدر الدين الزركشي "٧٩٤هـ" تحقيق محمد أبو الفضل ط: دار الفكر١٤٠٠هـ ـ ١٩٨٠م.
٥- تذكرة الحفاظ ـ شمس الدين الذهبي ٧٤٨هـ" ط: دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
٦- التعريفات ـ علي الجرجاني "٨١٦هـ" تحقيق محمد الإبياري ط:١٤٠٥هـ ـ ١٩٨٥م بيروت.
٧- تفسير القرآن العظيم ـ إسماعيل بن كثير "٧٧٤هـ"، ط: الثانية ١٣٧٢هـ ـ ١٩٥٤م مطبعة الاستقامة ـ مصر.
٨- جريدة المسلمون الدولية عدد ٢/١/١٤٠٧هـ و٢٣/١/١٤٠٧هـ.
стр. 132
١- سنن الترمذي "٢٧٩هـ" ترتيب وتصحيح عبد الرحمن محمد عثمان ط١٤٠٣/١٩٨٣ دار الفكر.
٢- سنن أبي داود "٢٧٥هـ" ترتيب وتعليق عزت عبيد دعاس، ط١٣٨٨/١٩٦٩ دار الحديث، حمص.
٣- سنن ابن ماجة "٢٧٥هـ" ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، ط بغير تاريخ.
٤- سنن النسائي "٣٠٣هـ" ترقيم وفهرسة عبد الفتاح أبو غدة ط١٤٠٦هـ/١٩٨٦م. دار البشائر ـ بيروت.
٥- صحيح البخاري "٢٥٦هـ" ط١٤٠٧هـ ترتيب د. مصطفى أديب البغا ـ دمشق "اليمامة للطباعة".
٦- صحيح مسلم "٢٦١هـ" تحقيق محمد عبد الباقي ط: دار إحياء التراث العربي "بدون التاريخ".
٧- فتح الباري ـ أحمد بن حجر "٨٥٣هـ" مراجعة الشيخ عبد العزيز بن باز ط: القاهرة ١٩٨٠م المطبعة السلفية.
٨- فضائل القرآن ـ أحمد النسائي "٣٠٣هـ".
٩- فضائل القرآن ـ الحافظ إسماعيل بن كثير "٧٧٤هـ" ط١٤٠٦هـ ـ ١٩٨٦م دار المعرفة ـ لبنان.
١٠- لسان العرب ـ ابن منظور "٧١١هـ" ط: ١٣٠٠هـ ـ
стр. 133
بيروت.
١- المدخل إلى علم النفس الحديث ـ ركس نايت ومرجريت نايت، تعريب د. عبد علي الجسماني ط: بغداد ١٤٠٤هـ ـ ١٩٨٤م.
٢- المعجم الوسيط مجمع اللغة العربية ـ ط: طهران.
٣- معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار ـ شمس الدين أبي عبد الله الذهبي تحقيق محمد سيد جاد الحق، ط: الأولى "بدون تاريخ" دار الكتب الحديثة ـ مصر.
٤- مفتاتيح الغيب "تفسير الفخر الرازي" "٦٠٦هـ" ط: الثانية ١٤٠٣هـ ـ١٩٨٣م دار الفكر ـ لبنان.
٥- منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات ـ ابن النجار تقي الدين ـ ط: القاهرة "بدون تاريخ" مكتبة العروبة.
** ومراجع أخرى أشير إليها في حواشي البحث مع توضيح مكان وزمان الطبع.