من نتائج بالغة السوء إن استمر حال التعليم على ما هو عليه في أكثر بلاد المسلمين ومن هنا، وفي هذا البحث المتواضع ننادي بإيجاد الحوافز والتشجيع ... وهو أمر مهم وضروري في هذه المرحلة التي تمر بها أمتنا الإسلامية وسنشير إلى بعض التوصيات الخاصة بذلك في خاتمة البحث إن شاء الله.
وفوق هذا فحفظ القرآن يتطلب جهدا خاصا، وعملا متواصلا، وعزيمة صبورة لا تعرف الملل ولا النكوص!! أفليس إيجاد الحوافز ضروريا؟!
стр. 72
المبحث الثالث: "الوسائل الإسلامية لحفظ القرآن الكريم "
مدخل
...
المبحث الثالث: "الوسائل الإسلامية لحفظ القرآن الكريم"
سنقتصر في هذا المبحث الحديث على الطريقة العلمية التطبيقية للحفظ..على ضوء ما يراه التربويون المعاصرون..ونسترشد بما سار عليه الأقدمون، ونحاول رسم طريق يحقق أكبر قدر من الفائدة إن شاء الله.
ونحاول إبراز دور المقرئ ثم دور الطالب..وهذا على أساس أن الطالب يجيد القراءة والكتابة دون عناء، وتتوفر فيه جل أو كل العوامل الضرورية للحفظ السالف ذكرها في المبحث الثاني.
стр. 73
أـ الخطوات العامة:
١ـ يستحسن إن كان الطالب لا يجد مشقة أو عناء في التلاوة أن يقرأ الآيات المراد حفظها قراءة متأنية قبل الحضورة إلى المقرئ ليرسم لنفسه الصورة العامة لها.
٢ـ يختار الوضع الذي يناسبه في القراءة قبل الحضور إلى المقرئ أو أثناءه أو بعده، وذلك من الحيثيتين الآتيتين: ب ـ من حيث الجهر أو الإسرار:
والوجهان واردان، ولقد قيل لعائشة أم المؤمنين: كيف كانت قراءة رسول الله ﷺ ، بالليل يجهر أم يسر؟
قالت: كل ذلك كان يفعل، ربما جهر ربما أسر١.
والأولى الجهر لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لم يأذن الله لشيء ما أذن للنبي أن يتغنى بالقرآن يريد أن يجهر به" ٢.
قال ابن الجوزي اختلفوا في معنى قوله يتغنى على أربعة أقوال:
١ـ تحسين الصوت.
٢ـ التحزّن.
стр. 74
٣ـ الاستغناء.
٤ـ التشاغل به.
قال ابن حجر: وفيه وجه آخر حكاه الأنباري قال: المراد به التلذذ والاستحلاء له كما يستلذ أهل الطرب الغناء، قال ابن حجر ولا شك أن النفوس تميل إلى سماع القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم، لأن للتطريب تأثيرا في رقة القلب وإجراء الدمع وكان بين السلف اختلاف في جواز القران بالألحان، أما تحسين الصوت وتقويم حسن الصوت على غيره فلا نزاع في ذلك١.
عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ يقطع قراءته بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين﴾ ٢.
ـ ـ من حيث الإسراع أو التأني:
وهذا مرده كذلك إلى أحوال الطالب والمقري، لأن الأمر في قوله ـ تعالى ـ: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ إن لم يكن للوجوب فهو للاستحباب، والمكروه أن يهذّ كهذ الشعر "الهذ" الإسراع المفرط بحيث يخفى كثيرا من الحروف أولا يخرجها من مخارجها.
стр. 75
قال ابن حجر: والتحقيق أن لكل من الإسراع والترتيل جهة فضل بشرط ألا يخل المسرع بشيء من الحروف والحركات والسكون الواجبات١.
والأفضل بوجه عام التأني لأن أنسا ﵁ سئل عن قراءة النبي ﷺ ، فقال: "كان يمد مدا" ٢وقالت حفصة ﵂ تصف قراءة النبي في صلاته "أنه كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها"٣.
قال البيهقي ﵀: وقد ذهب بعض أهل العلم أي أن المراد به تحسين الصوت بالقرآن وذلك بأن يقرأه حدرا وتخزينا واستدلوا على ذلك برواية عبد الجبار بن الرد عن ابن أبي مليكة هذا الحديث بإسناد آخر ثم قال: قلت لابن أبي مليكة يا أبا محمد: أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت، قال: يحسنه ما استطاع، قالوا: وقوله: "ليس منا" يريد: ليس على سنتنا فإن السنة في قراءة القرآن الحدر والتحزين، فإذا ترك ذلك كان تاركا لسنته والله أعلم.
стр. 76
وذكر جماعة من الأئمة أن المراد بهذا الخبر الاستغناء، بالقرآن والتكثر والاكتفاء به قال الله : ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ﴾ ١.
وقد أورد السيوطي ثلاث كيفيات للقراء:
إحداها: التحقيق وهو إعطاء كل حرف حقه من إشباع المد وتحقيق الهمزة وإتمام الحركات..إلخ ويكون لرياضة اللسان وتقويمه.
الثانية: الحدر ـ بفتح الحاء وسكون الدال ـ وهو: إدراج القراءة وسرعتها وتخفيفها بالقصر والتسكين..وهو مذهب ابن كثير.
الثالثة: التدوير وهو التوسط بين المقامين السابقين وهو الذي عليه أكثر الأئمة وهو المختار٢.
٣ـ والذي أود الإشارة إليه أخيرا أن يمر الطالب بجميع الخطوات السابقة والآتية، وهو بحالة همة ونشاط ووعي تام لما يقرأ وما يردد، فكثيرا ما يردد دارس قطعة يود حفظها بخمول مرات كثيرة دون أن يجد نتيجة سارة، والسبب
стр. 77
نصراف ذهنه إلى شيء آخر وخلاصة القول:
أـ اعمل مع التركيز والانتباه.
ب ـ ادرأ الخمول.
جـ ـ ردد دوما تود تذكره.
стр. 78
ب ـ دور المقرئ:
يقول جل ذكره: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ ١.
أيك إذا تلاه عليك الملك عن الله تعالى فاستمع له ثم اقرأه كما أقرأك، وهذا هو الأساس الأول لقراءة القرآن وإقرائه٢.
لقد كان القدماء إلى عهد قريب قبيل ظهور الوسائل التعليمية المتطورة يعتمدون على اللوح الخشبي لكتابة الآيات ولحفظها، وذلك بأن يكتب الطالب الآيات على اللوح ثم يرددها. وهذا أسلوب دارج في بعض الكتاتيب القديمة وفي الريف المصري إلى اليوم.
وعنصر الكتابة مهم، لكنا في هذا البحث نركز على التحفيظ دون غيره مما يسبقه، والطرق الحديثة تحدد مهمة المقرئ بوجه عام في الآتي:
стр. 79
١ـ تصحيح تلاوة الطالب بضبط الحركات وإخراج الحروف من مخارجها الطبيعية وهذا للكبار.
أما الأطفال فيرى بعض المقرئين من ذوي الخبرة أن يتلو المقري، الآيات ويردد خلفه التلاميذ، وهذا لتلاميذ السنة الأولى للتدريب على التلاوة الصحيحة فقط، أما السنة الثانية فيبدأ معهم بالتلاوة مع استخدام الكتابة للأجزاء التي يتلوها الطالب وهكذا يزيد اعتماد المقرئ على الكتابة كلما كبر الأطفال إلى المرحلة١.
ويستحسن للكبار الاستعانة بتسجيلات مجودة وهي متوفرة كتسجيلات الشيخ محمود الحصري ﵀ وغيره٢.
стр. 80
٢ـ مراقبة الطالب إن أمكن أثناء ترديده النص وحفظه كيلا يحفظ خطأ في الحركة أو النطق، وقد يصعب تقويم لسانه بعد ذلك.
٣ـ تقويم ومتابعة الطالب بصفة دورية كالاستماع إلى ما سبق حفظه وتدوين مقدار المحفوظ يوميا وتنفيذ الجدول المحدد مسبقا١.
стр. 81
جـ ـ دور الطالب:
يقع على كاهل الطالب العبء الأكبر، فهو بجهده الشخصي يصل إلى ما يصبوا إليه.. إن كان طفلا فالمربي يردد معه الآيات كي يثبتها في فؤاده، والحفظ غيبا يتأتى باتباع ما يلي "على الطريقتين الكلية والجزئية"
стр. 82
الطريقة الكلية:
بأن يردد الطالب الدرس مهما طال كوحدة واحدة من غير تجزئته، ففي حفظ سورة النور مثلا وهي ثلاثة أحزاب في حوالي ثمان صفحات، يحفظ الطالب دفعة واحدة بكثرة التلاوة وكثرة
стр. 83
الترداد.
وهذه الطريقة عسيرة التحقيق، ولا تصلح في حفظ القرآن وإن صلحت في غيره، وهي وإن حققت إيجابية الحفظ السريع في أيسر زمن، بيد أن سلبياتها كثيرة أهمها:
أـ سرعة النسيان المترتبة على سرعة الحفظ إلا أن يستكثر الطالب من التلاوة ويداوم عليها.
ب ـ إرهاق الذهن الناتج عن كثرة "الحشو" في الزمن القليل.
جـ ـ لا تصلح هذه الطريقة لعامة الطلاب كالأطفال وكبار السن وطلاب المدارس النظامية المرتبطين بدروس أخرى يجب هضمها في حينها.
دـ لا تناسب كثيرا من النصوص القرآنية الطويلة كالسبع الطوال١إذ لا بد لحفظ هذه السور من تجزئتها، وثمة نصوص قرآنية يعسر حفظها بغير التروي وطول النفس كسورة الأعراف وخاصة في ثلثيها الأولين لكثرة التشابه والتداخل في تراكيب الآيات ولا سيما قصص آدم ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب
стр. 84
وموسى وقد وردت قصص هؤلاء الأنبياء في سور كثيرة بألفاظ متنوعة وتراكيب كثيرة.
стр. 85
الطريقة الجزئية:
وتتمثل في تحديد "حجم" المادة التي يراد حفظها: سبعة أسطر، عشرة ... صفحة..حزب..وبإتمام حفظ الدرس ينتقل إلى درس آخر، ثم ربط هذه الدروس في نسق واحد في سورة واحدة، وعلى سبيل المثال يحفظ الطالب سورة الحجرات على مرحلتين أو ثلاث وسورة الكهف على أربع مراحل أو خمس ... ولهذه الطريقة سلبية واحدة هي ما قد يجده الطالب من صعوبة في ربط الجزئيات المحفوظة على فترات وفي ظروف وأماكن مختلفة..ويمكن تلافي هذا بكثرة التلاوة للسورة كوحدة واحدة ويضمحل ما يجده الطالب رويدا ويتلاشى.
ونحن في مجال حفظ القرآن الكريم نعول على هذه الطريقة التي درج عليها عامة الحفاظ والمقرئين، حتى نكاد نقول إنه لا يحفظ القرآن إلا بهذه الطريقة، للأسباب التالية:
١ـ ما رواه البيهقي عن أبي العالية قال: تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات، فإن النبي ﷺ ، كان يأخذه من جبريل ﵇ خمسا خمسا، وفي رواية "من أخذه خمساً خمساً
стр. 86
لم ينسه! " ١.
وهذا ما أكده علماء التربية، قالوا: كلما أتحنا وقتا للرسوخ بين الدرس والدروس كلما كان ذلك أدعى إلى عدم النسيان٢.
٢ـ كان النبي يتبع هذه الطريقة في إقراء الصحابة وكذلك وسار عليها قرّاء الصحابة في إقراء من بعدهم، فعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: حدثني الذين كانوا يقرئوننا: عثمان وابن مسعود وأبيّ ﵃ أن رسول الله ﷺ كان يقرئهم العشر "آيات" فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يعلموا ما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا٣.
٣ـ وهذه الطريقة تفضل في حق الأطفال ومن تنقصهم الخبرة وأكثر الطلاب.
٤ـ وهي الأجدى في حفظ الآيات المتشابهة في التراكيب واللفظ، والمتكررة كما في سورة الرحمن والواقعة والجن
стр. 87
والمرسلات وغيرها..وكما ذكرنا في السلبية الرابعة للطريقة الكلية.
ولا بد من وضع جدول زمني يلتزم به الطالب إن أراد نجاحا في مهمته المباركة يضعه لنفسه وفق أوقاته وأحواله ومقدرته، نورد نموذجا فيما يلي؛ رسمته كلية الدعوة بالمدينة لأبنائه النجباء:
стр. 88
برنامج حفظ القرآن الكريم
стр. 89
نوع البرنامج
...
تفصيل العمل المطلوب
...
الزمن التقديري
...
النتيجة المتوقعة
البرنامج اليومي
...
١ـ حفظ صفحة يوميا: نصف صفحة بعد صلاة الفجر ونصف صفحة في المساء.
٢ـ مراجعة الصفحات السبع السابقة لصفحة الحفظ غيبا. "ويتم الانتقال بإسقاط صفحة من الأول وإضافة صفحة واحدة من آخر ما حفظ كل يوم".
٣ـ الالتزام بقراءة المحفوظ في الصلوات والنوافل ابتداء من أول المصحف وانتهاء بآخر ما حفظ ثم تكرار ذلك بالعودة من البداية ـ بمعدل ربع صفحة في الركعة الواحدة في الصلوات العادية والباقي في النوافل بحيث يصل في المجموع إلى عشر صفحات يوميا.
...
٦٠
دقيقة
٢٠
دقيقة
المجموع نفس وقت الصلوات العادية السنن الراتبة تقريبا
...
١ـ يمكن بهذه الطريقة حفظ القرآن في سنتين ونصف.
٢ـ بهذه الطريقة يمكن مراجعة ثلث جزء يوميا. أي جزء كامل في ٣ أيام. والمصحف كاملا في ٣ شهور.
٣ـ وبهذا يمكن مراجعة نصف المصحف تقريبا في أقل من شهر ونصف. أي المصحف كاملا في أقل من ثلاثة شهور.
стр. 90
نوع البرنامج
...
تفصيل العمل المطلوب
...
الزمن التقديري
...
النتيجة المتوقعة
البرنامج الأسبوعي
المحصلة ملاحظة
...
في كل جمعة يراجع الجزء الذي تم حفظه ـ أي الذي قبل الجزء الحالي الذي تحت الحفظ فيراجع كاملا عن ظهر قلب حتى إذا ما أتم الجزء الحالي انتقل إليه في الجمعة التالية مباشرة وترك الجزء السابق..وهكذا
يحق للطالب تخصيص يوم إجازة مثل الخميس أو منتصف الأسبوع دون أن يؤثر ذلك على البرنامج المعد للحفظ.
...
ساعة واحدة
...
بهذا سوف يراجع جزءا كاملا ي أسبوع أي أربعة أجزاء في الشهر ويتم المصحف كاملا في ٨ شهور.
إذا التزم القارئ بالبرنامج السابق بدقة وانتظام مع التعويض عن كل واجب يفوته، فإنه سيحصل على النتائج التالية بإذن الله تعالى:
١ـ حفظ القرآن كاملا في سنتين ونصف.
٢ـ مراجعة القرآن كاملا أكثر من أربعين مرة في سنتين.
برنامج حفظ القرآن الكريم
نموذج رقم٢
الشهر
١٤
...
...
...
...
...
١٥
...
...
...
...
...
١٦
...
...
...
...
...
١٧
...
...
...
...
...
١٨
...
...
...
...
...
١٩
...
...
...
...
...
٢٠
...
...
...
...
...
٢١
...
...
...
...
...
٢٢
...
...
...
...
...
٢٣
...
...
...
...
...
٢٤
...
...
...
...
...
٢٥
...
...
...
...
...
٢٦
...
...
...
...
...
٢٧
...
...
...
...
...
٢٨
...
...
...
...
...
٢٩
...
...
...
...
...
٣٠
...
...
...
...
...
* ملحوظة: يكتفى في تسجيل نتيجة التنفيذ بوضع رقم الحقل الذي عجز عن تنفيذه أمام الوقت المحدد.
стр. 93
المبحث الرابع الوسائل الثانوية المساعدة لحفظ كتاب الله
مدخل
...
المبحث الرابع الوسائل الثانوية المساعدة لحفظ كتاب الله
ثمة أمور تسهم بشكل جلي وتساعد على حفظ الكتاب العزيز، وهي أمور كثيرة ترجع إلى مدارك الطالب وميوله واهتمامه..ولعل من أهم هذه الوسائل المساعدة ما نورده هنا:
стр. 94
أولا: عناصر قرآنية: وصورها فوق الحصر منها:
١ـ تدفق المعاني:
يقرر العلم الحديث سهولة الحفظ والاستذكار وتفاوتهما تفاوتا مطردا مع ما تنطوي عليه المادة من "معنى" إذ يمكن حفظ نص ما زاخر بالمعاني ـ خلال عشر ـ بضم العين ـ عدد مرات التكرار المطلوبة لحفظ نص مما ثل خال من المعنى١.
والقرآن الكريم الذي أمرنا بالتدبر فيه زاخر بالمعاني التي
стр. 95
تجيش العاطفة وتثير الوجدان، وفوق هذا تجد لآيات الذكر الحكيم أثرا على النفوس: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ ١.
وبهذا ... تكون المادة القرآنية أخصب المواد للحفظ ومن ذا الذي يدعي حصر معاني القرآن واستيعاب كافة مدلولاته ومفاهيمه؟
٢ـ التشابه والتكرار:
من أسرار التكرار في القرآن على مستوى الآية والكلمة، أنه يعين على الحفظ، ويؤكد هذا العلم الحديث إذ يقول: إذ شابه مقطع معين "مهما كان الشبه بعيد" مقطعا آخر فإن الفرد يؤكد على هذه المماثلة حتى يصبح هذا دليلا هاديا في تلك القائمة!! ٢.
ومن تأمل ما جمعه الزركشي في البرهان أو الكرماني في البرهان في توجيه متشابه القرآن لما فيه من الحجة والبيان وغيرها من المؤلفات المماثلة يقف على روعة هذا الكتاب المعجز الذي يأخذ بالألباب.
стр. 96
وحافظ القرآن حين يتلو قول الله ـ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ١.
يتذكر في حينها نفس الآية بحروفها وكلماتها في سورة التحريم "الآية:٩" ومثل هذا كثير.
وقد ذكر أبو حيان بعض أسرار التكرار على مستوى الآية فقال: "وفائدة التكرار التجرد على استماع كل نبأ من أنباء الأولين للاتعاظ، واستئناف التيقظ إذا سمعوا الحث على ذلك لئلا تستوي عليهم الغفلة، وهكذا حكم التكرار لقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ عند كل نعمة عدها في سورة الرحمن، وقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ عند كل آية أوردها في سورة المرسلات، وكذلك تكرار القصص في أنفسها لتكون العبرة حاضرة للقلوب مذكورة في كل أوان"٢.
ثم ومع الزمن وكثرة التلاوة والمراجعة الدائبة يبدأ الحافظ باستنباط العلل والحكم في وجود بعض الاختلاف في الآيات
стр. 97
المتشابهة شكلا ومضمونا، أو شكلا لا مضمونا، أو مضمونا لا شكلا..إلخ تأمل:
﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾
﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾
وتأمل أيضا: ﴿ ... ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
ومثله كذلك ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .
﴿وءاتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها عن الإنسان لظلوم كفار﴾ .
﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
وعلى هذه الوتيرة إيراد القصة الواحدة في صور شتى وفواصل مختلفة إن عددنا منها طال بنا الحديث ... وهو حديث ماتع ومبهج.
٣ـ القصص القرآني:
من أهداف القصة القرآنية إثارة العاطفة وتحريك الوجدان ... والقصة في القرآن على اختلافها: من ذكر الأمم السابقة وحال الناس في كل الأزمنة ومشاهد القيامة..كل ذلك
وَلَا تُكَلِّمُونِي﴾ ١.
ويتلو: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ ٢.
إن المؤمن ليقرأ القرآن وهو بين الخوف والرجاء، يهفو قلبه إلى موعود الله، وتخشع جوارحه لله، وينيب قلبه إلى مولاه، ويزداد إيمانه بربه كلما تلى آياته وكلما تدبر وتفكر في كون الله الواسع.
وإن هذا كله يؤدي إلى حضور الذهن بصفة دائمة، وهو ضروري لتثبيت اللفظ والمعنى في الذاكرة، وإن "التفاعل" بين القارئ والمقروء والسامع والمسموع ادعى إلى الرسوخ والتثبيت ...
يقول عبد الله بن العباس ﵄ لأن أقرأ البقرة في ليلة وأتفكر فيها أحب إليّ من أن أقرأ القرآن هذرمة٣.
ويقول محمد بن كعب القرظي "١١٨هـ" لأن أقرأ في ليلتي حتى أصبح ﴿إِذَا زُلْزِلَتْ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ و ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ﴾ لا أزيد عليهما وأتفكر فيهما وأتردد، أحب إليّ من
стр. 101
أن أهذّ القرآن هذّا، أو قال: أنثره نثرا١.
والحديث في مثل هذا واسع سعة القرآن يهدي به الله من يشاء من عباده.
стр. 102
ثانيا: المناسبات التعبدية:
ومن الوسائل المعينة على الحفظ الصلوات الخمس في كل يوم وليلة، ويقرأ فيها بالقرآن جهرا وإسرارا، ومثله قيام رمضان، وكذلك خطبة الجمعة والعيدين..تقول خولة بنت قيس ﵂ كنت أسمع خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة وأنا في مؤخر النساء وأسمع قراءته ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ على المنبر وأنا في مؤخر المسجد٢.
ولقد كان قيام الليل فريضة على المؤمنين، ثم صار تطوعا حين نزل التخفيف في آخر سورة المزمل كما تقول عائشة ـ رضي الله عنها٣.
وفي حديث علي ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال: "يا أهل القرآن أوتروا، فإن الله وتر يحب
стр. 103
الوتر" ١.
ويقول لعبد الله بن عمرو: "لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل" ٢.
وفي حديث عمر عنه ﵊: "من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل" ٣.
ويذهب الحسن البصري إلى أنه حق واجب على حملة القرآن أن يقوموا ولو بشيء منه من الليل٤.
وكان عروة بن الزبير بن العوم ﵄ يقرأ القرآن كل يوم نظرا في المصحف، ويقوم به الليل فما تركه إلا لعلة قطعت رجله، ثم عاود من الليلة المقبلة٥.
стр. 104
ثالثا: التسجيلات المسموعة والمرئية:
نعيش في عصر مليء بالمخترعات المفيدة، وهي كثيرة، وربما أدت الخدمات التعليمية إن أحسن استخدامها ما لم تؤديه كثير من الوسائل القديمة.
وثمة طائفة من الناس لا تستغني عن هذه الأجهزة أو بعضها بتاتا في حفظ القرآن الكريم كالأكفّاء ـ بتشديد الفاء ـ وأصحاب الأعمال الكثيرة الذين تضيق أوقاتهم.
على أن الاعتماد عليها وحدها مع القدرة على الاعتماد المباشر على المقروء أو المصحف..أمر لا يخفى ضرره.
والمسلمون في مسيس الحاجة إلى أشرطة صوتية "الكاسيت" وأخرى صوتيه ومرئية "فيديو ـ وأفلام" تعين الأطفال على تعليم القراءة والكتابة وعلى التعرف على الحروف، وعلى "تكرار" الأصوات حتى تكون مألوفة ومستساغة في عقول الصغار، والسوق الإسلامية في حاجة ملحة إلى مثل هذه التسجيلات وهي مع ندرتها إن وجدت لا تنهض بالمهمة المرجوة منها لضآلة مادتها، ونضوب أفكارها التربوية..
стр. 105
رابعا: المسابقات العامة والخاصة:
وتلك من الحوافز المرغبة في حفظ القرآن ولا سيما في أوساط الشباب الذين تستهويهم مغريات المنافسة، والتشجيع بمختلف المرغبات على حفظ كتاب الله قديم قدم عناية المسلمين بالقرآن، وتقوم أنشطة كثيرة من مؤسسات التربية على هذا البند الحيوي الهام، وتجدر الإشارة هنا إلى المسابقة الدولية السنوية لحفظ وتفسير وتجويد القرآن الكريم التي تقيمها وتنظمها وزارة الحج والأوقاف في مكة المكرمة، يشترك فيها كثير من أبناء المسلمين الذين يكرمون بسخاء ويشجعون ماديا ومعنويا في رحاب بيت الله العتيق.
وإني أحب أن يقيم الآباء في بيوتهم بين أهليهم وأبنائهم بين الحين والحين مسابقات صغيرة..فذلك أمر يثري البيت المسلم بأنوار القرآن ويجعله مدرسة تربوية تلتقي فيها فضائل القرآن وسماحة خلقه بعطف الآباء وحنان الأمهات.
وفي مثل هذا يقول ﷺ : "وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن
стр. 106
عنده ... " ١.
ومما ينبغي التنويه والإشادة به ما تقيمه وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد من مسابقات متنوعة في حفظ القرآن الكريم على مستوى المدن والمناطق، ومنها المسابقة الدولية التي تقام في مكة المكرمة، وهي مسابقة الملك عبد العزيز في حفظ القرآن الكريم بفروعها المتعددة وقد أطلق عليها اسم الملك عبد العزيز من هذا العام١٤٢١هـ جزى الله القائمين عليها خيرا ووفقهم لما فيه خير الإسلام والمسلمين.
ولا جرم أن ذلك أدعى إلى تخريج رجال مؤمنين ونساء مؤمنات، ينهض بهم وبهن صرح الإسلام كما كان في عهود الإحسان والتقوى.
والله وحده المستعان وعليه التكلان.
стр. 107
الفصل الثاني صيانة القرآن من النسيان
المبحث الأول: "النسيان وأسبابه، والنوع المذموم منه "
المبحث الأول: "النسيان وأسبابه، والنوع المذموم منه"
...
المبحث الأول: النسيان وأسبابه والنوع المذموم منه
النسيان: هو عكس التعليم، وعند الجرجاني: هو الغفلة عن معلوم في غير حالة السّنة١.
وأسبابه كثيرة، تندرج تحت صنفين رئيسين:
١- الذواء أو الاضمحلال fading ولعله أبرز سبب واضح للنسيان ويأتي الاضمحلال التدريجي لآثار الدماغ التي لا يتجدد نشاطها، ويصفه البعض بأنه: عودة إلى الحالة الطبيعية، قالوا: وما لم يتجدد فإنه سيضمحل تدريجيا إلى حد لا تستثار معه أي خبرة إطلاقا.
٢- الوقم blocking وأبرز أسبابه:
أـ تدخل ذواكر أخرى مماثلة.
ب ـ الصدمة، أو الضربة، تحول دون عملية الاحتفاظ
стр. 108
بالمحفوظ.
جـ ـ الانفعال، الخوف والحالة العصبية والتهيج، كل ذلك قد يحول دون الاسترجاع والتذكر١.
وإهمال ونسيان القرآن بعد حفظه ذنب عظيم، صرح به غير واحد من العلماء، لحديث أبي داود وغيره "عرضت عليّ ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها" ٢.
وفي حديث آخر: "ما من امرئ يقرأ القرآن ثم ينساه إلا لقي الله أجذم"٣.
قال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىقَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ
стр. 109
الْيَوْمَ تُنسَى﴾ ١قال: "أما نسيان القرآن مع فهم معناه والقيام بمقتضاه فليس داخلا في هذا الوعيد الخاص، وإن كان متوعدا عليه من جهة أخرى"٢اهـ.
وقال في موضع آخر: وقد أدخل بعض المفسرين نسيان القرآن بعد حفظه في الوعيد الوارد في هذه الآية..لأنه جزء من الإعراض"٣.
قلت: إلا أن يكون النسيان لعذر ككبر أو مرض مقعد وما شابهه فليس على أهل الأعذار حرج إن نسوا القرآن بعد حفظه ما داموا قائمين بمقتضاه.
стр. 110
المبحث الثاني أساليب وقاية القرآن من النسيان
أولا: التكرار والتعاهد المنظم:
وهذا ما لفت إليه رسول الله ﷺ ، أنظار حملة القرآن حين قال في حديث ابن عمر: "إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت" ١.
وفي رواية أبي موسى: "تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من الإبل في عقلها"٢.
وفي هذين الحديثين النبويين الشريفين وقع التشبيه بين ثلاثة:
١ـ فحامل القرآن شبه بصاحب الناقة.