← История

История · id 11359

كيف دخل التتر بلاد المسلمين

سليمان بن حمد العودة

Полный текст (89 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قال ابن الأثير: بلغني أن امرأة من التتر دخلت دارا وقتلت جماعة من أهلها وهم يظنونها رجلا فوضعت السلاح وإذا هي امرأة فقتلها رجل أخذته أسيرا١. وقال: وحكى لي رجل قال: كنت أنا ومعي سبعة عشر رجلا في طريق، فجاءنا فارس من التتر، وقال لنا: حتى يكتف بعضنا بعضا فشرع أصحابي يفعلون ما أمرهم فقلت لهم: هذا واحد فلم لا نقتله ونهرب؟ فقالوا: نخاف، فقلت: هذا يريد قتلكم الساعة فنحن نقتله فلعل الله يخلصنا، فوالله ما جسر أحد أن يفعل فأخذت سكينا وقتلته وهربنا فنجونا. هذه حكاية يرويها ابن الأثير عن شاهد عيان، ثم يعلق عليها بقوله: وأمثال هذا كثير٢. وقال أيضا: ووصل الخبر إلينا ونحن بالموصل أن التتر ارتحلوا من مدينة "مراغة" خوفا من السيف٣. أما أهل إربل فضاقوا بذلك ذرعا وقالوا هذا يوم عصيب٤. وما بالهم لا يخافون، ولم لا يكون الفزع بشكل عام من هذه

стр. 37

الأمة المتوحشة الظالمة، وقد أحصى بعض المؤرخين ما قتلوه في يوم واحد في مدينة واحده وهي "مرو" فبلغ سبعمائة ألف إنسان١!!!

стр. 38

رابعا: أحداث بغداد وسقوط الخلافة العباسية: هذه المآسي الموجعة وهذه الأحداث المزلزلة لم تكن نهاية المطاف لمصائب التتر في بلاد المسلمين؛ فقد أعقبتها الكارثة الكبرى والفتنة العظمى بوصول التتر إلى بغداد وسقوطها في أيديهم وقتل الخليفة العباسي. وانتهاء الخلافة الإسلامية لبني العباس ويحيط الأسى بالقارئ وهو يطالع أحداث هذه السنة، ويكاد الألم يقطع قلب الكاتب وهو يدون أحداث هذه الفترة بآلامها وكوارثها وآثارها ونتائجها. وأسوق نموذجا لوصف الكارثة: قال ابن كثير: "ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان، ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشوش، وقني الوسخ، وكمنوا كذلك أياما لا يظهرون. وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات ويغلقون عليهم الأبواب فتفتحها التتار إما بالكسر وإما بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة فيقتلونهم بالأسطحة، حتى

стр. 39

تجري الميازيب من الدماء في الأزقة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وكذلك في المساجد والجوامع والربط، ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن التجأ إليهم إلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي، وطائفة من التجار أخذوا لهم أمانا، بذلوا عليه أموالا جزيلة حتى سلموا وسلمت أموالهم. وعادت بغداد بعد ما كانت أنس المدن كلها كأنها خراب ليس فيها إلا القليل من الناس، وهم في خوف وجوع وذلة وقلة. وقد اختلف الناس في كمية من قتل ببغداد من المسلمين في هذه الوقعة؛ فقيل ثمانمائة ألف، وقيل ألف ألف وثمانمائة ألف، وقيل بلغت القتلى ألفي الف نفس، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وكان دخلوهم إلى بغداد في أواخر المحرم، وما زال السيف يقتل أهلها أربعين يوما، وكان قتل الخليفة المستعصم بالله أمير المؤمنين يوم الأربعاء رابع عشر صفر وعفي قبره، وكان عمره يومئذ ستا وأربعين سنة وأربعة أشهر، ومدة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأيام، وقتل معه ولده الأكبر أبو العباس أحمد وله خمس وعشرون سنة ثم قتل ولده الأوسط أبو الفضل عبد الرحمن وله ثلاث وعشرون سنة، وأسر ولده الأصغر مبارك، وأسرت أخواته الثلاث فاطمة وخديجة ومريم، وأسر من دار الخلافة من الأبكار ما يقارب ألف بكر فيما قيل - والله أعلم – فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 40

وقتل أستاذ دار الخلافة الشيخ محيي الدين يوسف بن الشيخ أبي الفرج ابن الجوزي، وكان عدو الوزير، وقتل أولاده الثلاثة: عبد الله وعبد الرحمن، وعبد الكريم، وأكابر الدولة واحدا بعد واحد، منهم الديودار الصغير مجاهد الدين أيبك، وشهاب الدين سليمان شاه وجماعة من أمراء السنة وأكابر البلد. وكان الرجل يستدعي به من دار الخلافة من بني العباس فيخرج بأولاده ونسائه فيذهب به إلى مقبرة الخلال، تجاه "المنظرة" فيذبح كما تذبح الشاة، ويؤسر من يختارون من بناته وجواريه. وقتل شيخ الشيوخ مؤدب الخليفة صدر الدين علي بن النيار، وقتل الخطباء والأئمة، وحملة القرآن، وتعطلت المساجد والجماعات والجمعات شهور ببغداد. ولما انقضى الأمر المقدر وانقضت الأربعون يوما بقيت بغداد خاوية على عروشها ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس، والقتلى في الطرقات كأنها التلول، وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم، وأنتنت من جيفهم البلد، وتغير الهواء، فحصل بسببه الوباء الشديد حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ولما نودي ببغداد بالأمان خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير والقني والمقابر كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم، وقد أنكر بعضهم

стр. 41

بعضا، فلا يعرف الوالد ولده ولا الأخ أخاه، وأخذهم الوباء الشديد فتفانوا وتلاحقوا بمن سبقهم من القتلى، واجتمعوا تحت الثرى بأمر الذي يعلم السر وأخفى، الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى"١.

стр. 42

خامسا: أسباب المحنة وعوامل الإنتشار ١- اسباب قدرية كونية ... خامسا: أسباب المحنة وعوامل الإنتشار: يستطيع المتأمل في محنة التتر أن يرصد عددا من الأسباب ساهمت في دخول التتر بلاد المسلمين، وأعانت على سرعة انتشارهم ومن هذه الأسباب: ١- أسباب قدرية كونية: ولا شك أن كل ما يقع في هذا الكون لا يخرج عن تقدير الله وإرادته الكونية القدرية يهيء أسبابه ويقدر أحداثه. ومن هذه الأسباب التي هيأها لهؤلاء التتر أن زمن خروجهم اتفق مع خلو الأرض من عدد من الملوك؛ وذلك أن خوارزم شاه كان قد قتل الملوك من سائر الممالك واستقر في الأمر، وكانت جميع البلاد المتاخمة لبلاد التتر تحت أيدي نوابه، فلما انهزم أمامهم في النهاية وهرب من أرضه وتخلى عن سلطانه خلت البلاد ولم يبق لها من يحميها فساهم ذلك ولا شك في سرعة انتشارهم واستئصال

стр. 43

شأفة المسلمين من حولهم١. والذي يلفت النظر ويؤكد أهمية هذا السبب أنه انتشار مذهل عجب منه المؤرخون، ولم يستطيعوا مقارنته بما فعل "بخت نصّر" ببني إسرائيل على الرغم من كثرة قتله وتخريبه بيت المقدس. ولم يبلغ "الإسكندر المقدوني" مبلغ هؤلاء القم على الرغم من ملكه الدنيا كلها؛ وذلك أنه لم لم يملكها في سنة واحده، إنما ملكها في نحو عشرين سنة، ولم يقتل أحدا بل رضي من الناس بالطاعة، وهؤلاء التتر ملكوا أكثر المعمورة في نحو سنة، وأوسعوا الناس قتلا وإرهابا – كما سلف – ولم يتفق لأحد من أهل البلاد التي لم يطرقوها بقاء إلا وهو خائف يترقب وصولهم. فكيف إذا أضفنا إلى ذلك طبيعة هؤلاء التتر وكثرة عددهم – إذ هم يخرجون عن الإحصاء – وقوة بأسهم، وشده صبرهم على القتال؛ فهم لا يعرفون هزيمة، وعدم حاجتهم إلى غيرهم؛ فهم يعملون ما يحتاجون إليه من السلاح بأيهديم، ولا يحتاجون إلى ميرة ومدد يأتيهم؛ فمعهم الأغنام والبقر والخيل وغير ذلك من الدواب؛ يأكلون لحومها لا غير، وأما دوابهم التي يركبون فإنها تحفر الأرض بحوافرها

стр. 44

وتأكل عروق النبات؛ لا تعرف الشعير؛ فهم إذا نزلوا منزلا لا يحتاجون إلى شيء من خارج.

стр. 45

٢- ضعف همم ملوك الإسلام وانحسار سلطان الخلافة: وفي مقابل قوة هؤلاء التتر وشدة بأسهم واجتماع كلمتهم فقد ساهم في سرعة انتشارهم وسيطرتهم على مدن العالم الإسلامي وحواضره ضعف ملوك الإسلام في تلك الفترة بعامة، وانشغالهم عن الجهاد باللهو واللعب. وهذا المؤرخ ابن الأثير – يرحمه الله – ينعي على الإسلام وأهله، ويصف أحوال ملوكه قبيل وفاته بسنتين فيقول معلقا على أحداث سنة ٦٢٨هـ ما نصه: "فالله تعالى ينصر الإسلام والمسلمين نصرا من عنده، فما نرى في ملوك الإسلام من له رغبة في الجهاد، ولا في نصرة الدين؛ بل كل منهم مقبل على لهوه ولعبه وظلم رعيته، وهذا أخوف عندي من العدو، وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ... ﴾ ١. وليست أوضاع الخلافة العباسية ولا الخلفاء العباسيين بمعزل عن هذا الوضع المتردي؛ فقد انحسر سلطان الخلافة وانكمشت حدود العباسيين، واستقل غيرهم بالسلطة في حكم أجزاء من العالم الإسلامي، وهو أمر لم يكن سائغا في ظل حكم الدولة الأموية، هذا

стр. 46

فضلا عن اشتغال الخلفاء العباسيين بالشهوات وجمع الأموال في أكثر الأوقات. هذه الحقائق يجليها لنا ابن كثير عليه رحمة الله في محاولة منه لتلمس أسباب نهاية الدولة العباسية على أيدي التتر فيقول: "ولم تكن أيدي بني العباس حاكمة على جميع البلاد كما كانت بنو أمية قاهرة لجميع البلاد والأقطار والأمصار، فإنه خرج عن بني العباس بلاد المغرب ... وكذلك أخذت من أيديهم بلاد خراسان وما وراء النهر وتداولتها الملوك دولا بعد دول حتى لم يبق مع الخليفة منهم إلا بغداد وبعض بلاد العراق، وذلك لضعف خلافتهم واشتغالهم بالشهوات وجمع الأموال في أكثر الأوقات"١. ويقول "الكتبي" في وصف آخر خلفاء بني العباس وما كان عليه من ضعف الهمة والإشتغال بما لا ينبغي الإشتغال به: "كان المستعصم متدينا متمسكا بمذهب أهل السنة والجماعة على ما كان عليه والده وجده، ولم يكن على ما كانوا عليه من التيقظ والهمة، بل كان قليل المعرفة والتدبير والتيقظ، نازل الهمة محبا للمال، مهملا للأمور يتكل فيها على غيره"٢

стр. 47

ويقول "قطب الدين اليونيني" قريبا من ذلك ويضيف: ".. وإنما قدموه على عمه الخفاجي لما يعلمون من لينه وانقياده وضعف رأيه ليستبدوا بالأمور"١. وإذا صح ما ينسبه إليه "ابن العبري" من ضعف الهمة وزهده بأقطار الخلافة عدا بغداد فهي طامة كبرى؛ إذ ينسب إلى "المستعصم" قوله: "أنا بغداد تكفيني ولا يستكثرونها لي إذا نزلت لهم عن باقي البلاد، ولا أيضا يهجمون عليّ وأنا بها، وهي بيتي دار مقامي"٢. وعلى كل حال فيبدو أن ضعف "المستعصم" معروف حتى عند "التتر" ولذا كانوا يسمونه "الأَبْلَه"٣. ولا شك أن استخفاف وزيره "ابن العلقمي" به، ومخادعته له وخيانته إياه وتصريف الأمور دونه ساهمت في إيصال الخليفة والخلافة إلى ما صارت إليه٤. وفي الوقت الذي كان التتر فيه يحاصرون بغداد ويحيطون بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كل جانب ذكر أن جارية كانت

стр. 48

تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه وكانت من جملة حظاياه وتسمى "عرفة" فجاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة، فانزعج الخليفة من ذلك وفزع فزعا شديدا، وأحضر السهم الذي أصابها بين يديه فإذا عليه مكتوب: إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره أذهب من ذوي العقول عقولهم١. وأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الإحتراز وكثرت الستائر على دار الخلافة، ولكن الأمر أكبر من ذلك وأعظم. ولم يقف هذا الضعف والهوان عند حدود دول المشرق الإسلامي، أو ينتهي بضعف مركز الخليفة العباسي، وضمور سلطان الخلافة العباسة، بل جاوز ذلك إلى ملوك وسلاطين المسلمين في بلاد الشام ومصر، فقد ذكر ابن كثير – في أحداث سنة ٦٥٨هـ - أن سلطان دمشق وحلب الملك الناصر بن العزيز، وملك الكرك والشوبك الملك المغيث بن العادل قد عزموا على قتال المصريين وأخذ مصر منهم، ومعهما الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري٢. وقبل ذلك ذكر "الذهبي" أن عسكر الناصر سار سنة ٦٥٦هـ

стр. 49

وعليهم "المغيث" بن صاحب الكرك، ليأخذوا مصر، فالتقاهم المظفر قطز وهو نائب للمنصور علي ولد المعز بالرمل فكسرهم وأسر جماعة أمراء فضرب أعناقهم١. وقبل ذلك كذلك في سنة ٦٤٢هـ كان حصار "الخوارزمية" على "دمشق" في خدمة صاحب "مصر" واشتد القحط حتى التقى بهم "الشاميون" ومعهم عسكر من "الفرنج" بين "عسقلان" "وغزة" فانهزم الجمعان وحصدت "الخوارزمية" "الفرنج" واندك صاحب "حمص" ونهبت خزائنه وبكى وقال – معبرا عن سر الهزيمة – "قد علمت بأنا لا نفلح لما سرنا تحت "الصلبان"٢. قال ابن الأثير واصفا أحوال المسلمين في هذه الفترة بشكل عام: "فمن سلم من المسلمين من هاتين الطائفتين التترـ والفرنج فالسيف بينهم مسلول والفتنة قائمة على ساق"٣. إذا علم ذلك كله أمكن تصور سرعة انتشارهم وضعف المقاومة أمامهم، وملء الرعب في قلوب الناس من حولهم، والله غالب على أمره.

стр. 50

٣- أسباب سياسية وظروف اقتصادية: وخلاصة هذا السبب اجتهاد خاطئ وقع فيه خوارزم شاه في سياسته مع هؤلاء التتر، ولا سيما في حادثة قتل التجار وأخذ ما معهم من الأموال – كما سبق البيان-. وأضيف هنا ما ذكره ابن الأثير كذلك في هذا الصدد، وخلاصته التضييق الإقتصادي على جند التتر ومنعهم الميرة والكسوات وغيرها مما كان يصل إليهم من قبل؛ وذلك أن خوارزم شاه بعد أن ملك ما وراء النهر وخلصها من ملوك "الخطا" سد الطريق عن بلاد تركستان وما بعدها من البلاد، وأن طائفة من التتر كانوا قد خرجوا قديما والبلاد للخطا، فلما ملك خوارزم شاه البلاد منهم وقتلهم، واستولى هؤلاء التتر على تركستان: كإشغار وبلاساغون وغيرها وصاروا يحاربون عساكر خوارزم شاه، فلذلك منع الميرة عنهم من الكسوات وغيرها١. وليس بغريب أن يدعوهم هذا التضييق إلى التحرش بمن ضيق عليهم والإنتقام لأنفسهم، وتأمين أسباب العيش لهم ولجندهم فكان ما كان والله المستعان. وبعد، فيصح القول بأن الظلم مرتعه وخيم، وأن الله يعاقب عليه بخراب البلاد وفناء الأمم الظالمة إن عاجلا أو آجلا، ولا يسلم من ذلك المسلمون.

стр. 51

والعدل به قامت السماوات والأرض، وقد يُمكّن الله لأصحابه وإن كانوا كافرين، وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة"١. كما نقل: "الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم الإسلام"١. واستشهد بقول النبي ﷺ "ليس ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم" ٢. ثم قال: "فالباغي يصرع في الدنيا وإن كان مغفورا له مرحوما في الآخرة؛ وذلك أن العدل نظام كل شيء فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزي به في الآخرة". وليس بمستبعد أن يكون قتل التجار المستأمنين – وإن كانوا غير مسلمين – على أيدي المسلمين سببا في تسلط هؤلاء التتر على المسلمين وخراب بلادهم وسقوط الخلافة العباسية على أيديهم.

стр. 52

٤- مواقف الملأ وخيانات أصحاب الملل والنحل والأهواء الخليفة العباسي (الناصر) ... ٤- مواقف الملأ وخيانات أصحاب الملل والنحل والأهواء: وتلك قاصمة الظهر، والحدث الذي يحتاج إلى جلاء، والأدوار الخفية التي تحتاج إلى بيان، وهو السؤال المهم في هذا البحث: كيف دخل التتر بلاد المسلمين؟ ولا أدري أيقصد ابن الأثير الإشارة إلى شيء من ذلك أم لا حينما قال: "وقيل في سبب خروجهم إلى بلاد الإسلام غير ذلك مما لا يذكر في بطون الدفاتر" وامتنع عن كشفه وهو يقول: فكان ما كان مما لست أذكره فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر١ وأيا كان الأمر فسنتتبع هذا الأمر، ونجيب على هذه التساؤلات من خلال بيان المواقف التالية: أ- الخليفة العباسي الناصر: هو أبو العباس أحمد بن المستضيء بأمر الله، ولي الخلافة سنة خمس وسبعين وخمسمائة للهجرة وله ثلاث وعشرون سنة، وتوفي سنة اثنتين وعشرين وستمائة، ولم يل الخلافة – من بني العباس – أطول مدة منه٢ فكانت خلافته سبعا وأربعين سنة٣.

стр. 53

أما عن تشيعه فقد قال ابن واصل: كان الناصر لدين الله يتشيع ويميل إلى مذهب الإمامية، وهو خلاف ما كان عليه آباؤه من القادر إلى المستضيء؛ فإنهم كانوا يذهبون مذهب السلف، وللقادر عقيدة مشهورة في ذلك١. وسئل "ابن الجوزي" و"الناصر" يسمع: "من أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ؟ قال: أفضلهم من كانت بنته تحته"٢ وبهذه الإجابة الجيدة قطع ابن الجوزي الطريق على السائل الذي كان يريد منه إجابة تخالف رأي الخليفة الناصر، لأن الإجابة تنطبق على أبي بكر، وعلي ﵄. ومن المؤشرات على تشيع "الناصر" كذلك أن الشيعة يعتبرونه من أعلام المائة السابعة للشيعة٣، ويرون أن "الشيعة" في عهده أخذت بالظهور والإنتشار في بغداد من جديد بعد الإضطهادات التي لاقوها بعد زوال آل بويه!! ٤.

стр. 54

ويقول "ابن الطقطقي": كان من أفاضل الخلفاء، يفاوض العلماء، وكان يرى رأي الإمامية١. وحين كتب إليه ابن صلاح الدين نور الدين علي – ويقال إنه كان يتظاهر بالتشيع - شكاية عن أخيه العزيز وعمه العادل قال فيها: مولاي إن أبا بكر وصاحبه ... عثمان قد غصبا بالسيف حق علي ذي سنة بين الأنام قديمة ... أبدا أبو بكر يجور على علي أجابه الناصر: غصبوا علياَ حقه إذ لم يكن ... بعد النبي له بيثرب ناصر فابشر فإن غدا عليه حسابهم ... واصبر فناصرك الإمام الناصر٢ قال ابن كثير: وكان الناصر شيعيا مثله٣، كما ذكر الصفدي أن التشيع ظهر في خلافة الناصر بسبب ابن الصاحب ثم انطفى بهلاكه وظهر التسنن المفرط، ثم زال وظهر الفتوة والبندق والحمام الهادي

стр. 55

وتفنن الناس في ذلك١. كما نقل أيضا أن رسول صاحب "مازندران" لما دخل بغداد في عهد الناصر كان يأتيه ورقة كل صباح بما عمل في الليل، وصار يبالغ في الكتم والورقة تأتيه، فاختلى ليلة بإمرأة دخلت إليه من باب السر فصبحته الورقة بذلك وفيها: كان عليكم دواج فيه صورة الفيلة، فتحير وخرج من بغداد وهو لا يشك أن الخليفة يعلم الغيب؛ لأن الإمامية يعتقدون أن الإمام المعصوم يعلم ما في الحامل وما وراء الجدار٢. أما عن موقفه مع "التتر" فيقول ابن الأثير: "وإن كان٣ ما ينسبه العجم إليه صحيحا من أنه هو الذي أطمع التتر في البلاد، وراسلهم في ذلك فهو الطامة الكبرى التي يصغر عندها كل ذنب عظيم٤. وفي مرآة الزمان قال سبط الجوزي: قال لي المعظم بن العادل: كتب إلى جلال الدين] بن خوارزم شاه [يقول: تجيء أنت واتفق معي حتى نقصد الخليفة] الناصر [فإنه كان السبب في هلاك أبي] خوارزم شاه [، وفي مجيء التتار وجدنا كتبه إلى الخطا وتواقيعه لهم بالبلاد

стр. 56

والخلع والخيل، فلم يوافقه المعظم على ذلك١. وبالجملة فقد حمّل عدد من المؤرخين القدامى والمحدثين الخليفة العباسي الناصر مسؤلية اختراق المغول لبلاد المسلمين حينما حرضهم على غزو الأراضي الخوارزمية، ورأي فيهم القوة القادرة على رد السلطان الخوارزمي علاء الدين محمد – خصمه – إلى صوابه. فمن القدامى أمثال: ابن الفرات وأبي الفداء، والمقريزي. ومن المحدثين أمثال: حافظ حمدي. ومن الأوربيين أمثال: دوسون، وهورث، وبروان، وكيرتن، وميور، وجرينا، وهارولد لام. وفي مقابل ذلك كله يرفض الدكتور القزاز ما نسب إلى الخليفة الناصر، لكنه يوجهه بتقصير الخليفة وعدم تقديره لمسؤليته كخليفة للمسلمين٢.

стр. 57

ب- موقف الملك الرحيم: البدر لؤلؤ صاحب الموصل١ والملقب بالملك الرحيم، ملك الموصل نحوا من خمسين سنة، وهو الذي أزال الدولة الأتابكية عن الموصل – وهم أسياده – وكان فيه نزعة تشيع إذ كان يبعث في كل سنة إلى "مشهد علي" قنديلا ذهبا زنته ألف دينار، قال ابن كثير: وهذا دليل على قلة عقله وتشيعه٢. أما أصله فكان أرمنيا حتى نقل عنه الذهبي أنه كان يحتفل لعيد الشعانين لبقايا فيه من شعار أهله، وكان يمد سماطا عظيما للغاية ويحضر المغاني وتدار في غضون ذلك أواني الخمور، ويتخاطف الناس ما ينثره من الذهب في ذلك اليوم، فمقت لإحياء شعار النصارى وقيل فيه: يعظم أعياد النصارى محبة ... ويزعم أن الله عيسى ابن مريم إذا نبهته نخوة أرْيحيّة ... إلى المجد قالت أرمنيته: نم٣ أما عن مساهمته في دخول التتر بلاد المسلمين، فقد ذكر الحافظ

стр. 58

ابن كثير أن جنود التتر حين نازلت بغداد سنة ست وخمسين وستمائة جاءت إليهم أمداد صاحب الموصل – يساعدونهم على البغاددة – وميرته وهداياه وتحفه؛ وكل ذلك خوفا على نفسه من التتار ومصانعة لهم١. وقال الذهبي عنه: وكان يصانع التتار وملوك الإسلام٢. بل نقل بعض المؤرخين أن "صاحب الموصل" كان من بين المحرضين لهولاكو على قتل الخليفة العباسي.٣ وحين انفصل هولاكو خان عن بغداد – بعد الوقعة الفظيعة العظيمة – سار الملك الرحيم إلى خدمته طاعة له ومعه الهدايا والتحف، فأكرمه واحترمه ورجع من عنده فمكث بالموصل أياما يسيرة، ثم مات٤. ونقل الذهبي أنه قلد هولاكو جوهرة يتيمة قدمها هدية له وطلب أن يضعها في أذن هولاكو فأتكأ ففرك أذنه وأدخل الحلقة في أذنه،

стр. 59

وأن الملك الرحيم عاد إلى بلاده الموصل متوليا من قبل هولاكو، وقرر عليه مالاً يحمله١. بل زاد مستوى العلاقة بين الملك الرحيم وأسرته وبين التتر حتى بلغ المصاهرة فقد تزوج ولده الملك الصالح إسماعيل ابنة هولاكوا، لكن ذلك لم يدم طويلا إذ أغضب الصالح إسماعيل ابنة هولاكو وأغارها، فنازلت التتر الموصل واستمر الحصار عشرة أشهر ثم أخذت، وخرج إليهم الصالح بالأمان فغدروا به واستباحوا الموصل٢. وتلك عاقبة المواطأة مع الكفار، ونتيجة معجلة لممالأة الفجار، ممن لا يرقبون في المسلمين إلاًّ ولا ذمة، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 60

جـ- الوزير ابن العلقمي: هو أبو طالب مؤيد الدين محمد بن أحمد بن علي بن أبي طالب ابن العلقمي البغدادي الرافضي١. خفف من رافضيته "الصفدي" حين قال: أظهر الرفض قليلا. وبالغ في تسنن خصمه الدوادار حين قال: إنه كان يتغالى في

стр. 61

السنة ١ فخالف في ذلك غيره – كما سيتضح. قال السبكي: كان شيعيا رافضيا في قلبه غل على الإسلام وأهله٢. تولى الوزارة للخليفة العباسي "المستعصم" مدة أربع عشرة سنة أفشى خلافها الرفض فعارضته السنة فكبت فتنمّر٣. وكان – كما قال ابن ثير – رافضيا خبيثا رديء الطوية على الإسلام وأهله٤. وقال في موضع آخر: "كان شيعيا جلدا ورافضيا خبيثا"٥. مولده في شهر ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وخمس مائة، وهلك في أوائل سنة سبع وخمسين وست مائة٦.

стр. 62

موقف ابن العلقمي وخطواته: أما عن موقفه مع التتر فهو موقف الخزي والعار؛ إذ سعى في دمار الإسلام وخراب بغداد كما قال الصفدي١. ومالأ على الإسلام وأهله الكفار حتى فعل ما فعل بالإسلام وأهله٢. وهو الذي حفر للأمة قليبا فأُوقِع فيه قريبا – كما قال الذهبي -٣. المكاتبة: لقد كاتب "هولاكو" وجسّره وقوى عزمه على قصد العراق ليتخذ عنده يداً وليتمكن من أغراضه٣. بل لقد جر هولاكو وقرر معه أمورا انعكست عليه٤. واستخدم في هذه المكاتبات شتى الحيل وبلغ نهاية المكر، قد حكي أنه لما كان يكاتب التتار تحيّل مرة إلى أن أخذ رجلا وحلق رأسه حلقا بليغا وكتب ما أراد عليه بوخز الأبر كما يفعل بالوشم، ونفض

стр. 63

عليه الكحل وتركه عنده إلى أن طلع شعره وغطى ما كتب فجهزه وقال: إذا وصلت التتر مرهم بحلق رأسك ودعهم يقرأون ما فيه، وكان في آخر الكلام: قطِّعوا الورقة، فضربت رقبته، وهذا غاية في المكر والخزي – كما قال الصفدي١ -. الخطوات السابقة: ولم تكن سياسة المكاتبة مع التتر هي الأولى في هذا السياق، بل سبقتها خطوات مهَّدت لها وكانت بمثابة الأرضية والمقدمة لما بعدها؛ فقد اتخذ ابن العلقمي سياسة خبيثة – في إضعاف جيش الخلافة ساهمت في دخول التتر بغداد دون مقاومة تذكر، إذ اجتهد قبتل مجيء التتر في صرف الجيوش وإسقاط اسمهم من الديوان وصرفهم عن إقطاعاتهم، ونجح في ذلك إذ كانت العساكر في آخر أيام المستنصر قريبا من مائة ألف – منهم من الأمراء من هو كالملوك الأكابر الأكاسر – فلم يزل ابن العلقمي مجتهدا في تقليلهم إلى أن لم يبق سوى عشرة آلاف في أواخر أيام المستعصم٢. ويقول الذهبي: "استوزر "المستعصم" ابن العلقمي الرافضي فأهلك الحرث والنسل، وحسّن له جمع الأموال، وأن يقتصر على

стр. 64

بعض العساكر، فقطع أكثرهم"١. وبلغت حالة الجيش وعساكر الخلافة بالذات مبلغا من الذل والهوان، حتى استعطى كثير منهم في الأسواق وأبواب المساجد، وحق للشعراء أن ينشدوا فيهم الشعر ويرثوهم بالقصائد، وينعوا على الإسلام وأهله٢. وكان ذلك بسبب سياسة هذا الرافضي المغرض الذي عبر عن سياسته وأثر وزارته على المستعصم ابن كثير حين قال: "إنه لم يعصم المستعصم في وزارته، ولم يكن وزير صدق ولا مرضي الطريقة"٣. وقال في موصع آخر: "إنه كان وزير سوء على نفسه وعلى الخليفة وعلى المسلمين"٤. فلما تحقق لابن العلقمي ما أراد، كاتب التتار وأطمعهم في أخذ البلاد وسهل عليهم ذلك، وحكى لهم حقيقة الحال، وكشف لهم ضعف الرجال٥.

стр. 65

وهكذا تبدو سياسة ابن العلقمي بعيدة الغور سيئة القصد، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله – كما سيتضح بعد. الخطوة الثالثة: الغدر بالقضاة والفقهاء وقتل الخليفة: ولم تقف سياسة ابن العلقمي عند هذا الحد، فقد بادر بإتخاذ الخطوة العملية حين قدم التتار، وكان أول من برز إليهم فخرج بأهله وأصحابه وخدمه وحشمه فاجتمع بهولاكو ثم عاد فأشار على الخليفة بالخروج إليه والمثول بين يديه لتقع المصالحة على أن يكون نصف خراج العراق لهم ونصفه للخليفة، فخرج الخليفة في سبعمائة راكب من القضاة والفقهاء والصوفية ورؤساء الأمراء والدولة والأعيان، فلما اقتربوا من منزل هولاكو حُجِبو عن الخليفة إلا سبعة عشر نفسا خلص بهم الخليفة، وأنزل الباقون عن مراكبهم ونهبت، وقتلوا عن آخرهم، وأحضر الخليفة بين يدي هولاكو فسأله عن أشياء كثيرة، ويقال إنه اضطرب في كلامه من هول ما رأى من الإهانات والجبروت، ثم أعيد إلى بغداد تحت الحوطة والمصادرة يحيط به الطوسي وابن العلقمي الرافضيان، ونهب من دار الخلافة أشياء كثيرة من الذهب والحلي والأشياء النفيسة، ثم أشار هؤلاء الرافضة على هولاكو بعدم مصالحة الخليفة وقال الوزير: متى وقع الصلح على المناصفة لا يستمر هذا إلا عاما أو عامين ثم يعود الأمر إلى ما كان قبل ذلك، وحسنوا له قتله،

стр. 66

ويقال إن الذي أشار بقتله الوزير ابن العلقمي، ونصير الدين الطوسي، فلما عاد الخليفة إلى هولاكو أمر بقتله١. ويقال إن الخليفة قتل رفسا وهو في جوالق لئلا يقع على الأرض شيء من دمه فيؤخذ بثأره وقيل بل خنق، ويقال إنه أغرق. والله أعلم٢. أسباب المؤامرة: ويبقى بعد ذلك السؤال المهم: لماذا فعل ابن العلقمي ما فعل وأحل بدار الخلافة ما حل؟ وإجابة السؤال تتضح من خلال منظورين، عام، وخاص، وإليك البيان: المنظور العام: أما العام فخلاصته خبث طوية الروافض بشكل عام على أهل السنة وتظرف معتقدهم فيهم، وعدم تحرجهم من التعاون مع الكفار على إبادة المسلمين السنة، ويكشف لنا هذه الحقيقة بجلاء شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من كتاب، وفي أكثر من موضع في الكتاب

стр. 67

الواحد. وينقل من معتقداتهم أنهم يكفرون كل من اعتقد في أبي بكر وعمر والمهاجرين والأنصار العدالة أو ترضيّ عنهم كما ﵃ ... ويستحلون دماء من خرج عنهم، ويسمون مذهبهم مذهب الجمهور ... ويرون في أهل الشام ومصر والحجاز والمغرب واليمن والعراق والجزيرة وسائر بلاد الإسلام أنه لا يحل نكاح هؤلاء ولا ذبائحهم ... ويرون أن كفر هؤلاء أغلظ من كفر اليهود والنصارى لأن أولئك عندهم كفار أصليون وهؤلاء مرتدون ... ولهذا السبب – كما قال ابن تيمية – يعاونون الكفار على الجمهور من المسلمين؛ فيعاونون التتار على الجمهور، وهم كانوا من أعظم الأسباب في خروج جنكز خان ملك الكفار إلى بلاد الإسلام وفي قدوم هولاكو إلى بلاد العراق، وفي أخذ حلب ونهب الصالحية وغير ذلك بخبثهم ومكرهم لما دخل فيه من توزر منهم للمسلمين وغير من توزر منهم١. وقال أيضا: "وهؤلاء – يعني الرافضة – من أعظم من أعان التتار على المسلمين باليد واللسان، بالمؤازرة والولاية وغير ذلك؛ لمباينة قولهم لقول المسلمين واليهود والنصارى، ولهذا كان ملك الكفار هولاكو يقرر أصنامهم "٢.

стр. 68

ونقل أيضا أن الرافضة – بشكل عام – من أهل الجبل، والجرد، والكسروان، وأهل جزين وما حواليها وسائر أهل هذا المذهب فرحوا بمقدم التتار إلى بلاد المسلمين١ ... ويربط ابن تيمية بين موقف الرافضة بشكل عام من أهل السنة وموقف ابن العلقمي وأمثاله بشكل خاص ويكشف عن عوامل ذلك فيقول: "والرافضة تحب التتار ودولتهم لأنه يحصل لهم بها من العز ما لا يحصل بدولة المسلمين، والرافضة هم معاونون للمشركين واليهود والنصارى على قتال المسلمين، وهم كانوا من أعظم الأسباب في دخول التتار قبل إسلامهم إلى أرض المشرق بخراسان والعراق والشام، وكانوا أعظم الناس معاونة لهم على أخذهم لبلاد الإسلام وقتل المسلمين وسبي حريمهم، وقضية ابن العلقمي وأمثاله مع الخليفة، وقضيتهم في حلب مع صاحب حلب مشهورة يعرفها عموم الناس ... وإذا غلب المسلمون النصارى والمشركين كان ذلك غصة عند الرافضة، وإذا غلب المشركون والنصارى المسلمين كان ذلك عيدا ومسرة عند الرافضة. ٢

стр. 69

وفي "منهاج السنة" قال شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله "وكثير منهم – يعني الروافض – يواد الكفار من وسط قلبه أكثر من موادته للمسلمين، ولهذا لما خرج الترك الكفار من جهة المشرق وقتلوا المسلمين وسفكوا دماءهم ببلاد خراسان والعراق والشام والجزيرة وغيرها كانت الرافضة معاونة لهم على المسلمين، وكذلك الذين كانوا بالشام وحلب وغيرهما من الروافض كانوا أشد الناس معاونة لهم على قتال المسلمين ... إلى أن يقول: فهم دائما يوالون الكفار من المشركين واليهود والنصارى ويعاونونهم على قتال المسلمين ومعاداتهم"١. السبب الخاص: فإذا اتضح المنظور العام أمكن فهم السبب الخاص في موقف ابن العلقمي مع التتر في إطاره ولم يفصل عنه، وقد ذكر المؤرخون أن الذي حمل ابن العلقمي على موقفه من التتر أن أبا بكر بن الخليفة المستعصهم والدويدار الصغير قد شدا على أيدي السنة حتى نهب الكرخ وتمّ على الشيعة بلاء عظيم، فحنق لذلك ابن العلقمي وأراد الثأر بسيف التتار من السنة٢. وكاتب هولاكو، وطمّعه في العراق،

стр. 70

فجاءت رسل هولاكو إلى بغداد، وفي الباطن معهم فرمانات لغير واحد والخليفة لا يدري ما يتم١. ونقل الذهبي – في إطار العلاقات السريّة المشبوهة أنه قدم إلى بغداد رسولان من التتر واجتمعا بابن العلقمي وتعمّت الأخبار٢. وقال الصفدي: فحصل عنده – بسبب ذلك – من الضغن ما أوجب له أنه سعى في دمار الإسلام وخراب بغداد على ما هو مشهور أنه ضعف جانبه وقويت شوكة الدوادار بحاشية الخليفة حتى قال في شعره: وزير رضي من بأسه وانتقامه ... بطي رقاع حشوها النظم والنثر كما تسجع الورقاء وهي حمامة ... وليس لها نهي يطاع ولا أمر٣ وقال ابن كثير: "ولما كان في السنة الماضية [يعني سنة خمس وخمسين وستمائة] كان بين أهل السنة والرافضة حرب عظيمة نهبت فيها الكرخ ومحلة الرافضة حتى نهبت دور قرابات الوزير ابن العلقمي فاشتد حنقه على ذلك فكان هذا مما أهاجه على أن دبّر على

стр. 71

الإسلام وأهله ما وقع من الأمر الفظيع الذي لم يؤرخ أبشع منه منذ بنيت بغداد وإلى هذه الأوقات"١. وربما اجتمع إلى هذه وتلك الوعود الطيبة التي بذلها "المغول" وأغرت "ابن العلقمي"، والوفاق والتعاون مع نظيره في المعتقد والتعصب "الطوسي" والذي أصبح وزيرا لهولاكو٢. المكر السيء يحيق بأهله: ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، ودخل التتار وجندهم بغداد ووقع ما وقع من الظلم والفساد وسفك الدماء وهتك الأعراض، ولم يكن ابن العلقمي بعيدا عن ذلك كله ولا سالما منه ألبتة، وقد أحسن الظن الذهبي في تعبيره وكان دقيقا في وصف حالته حين قال: "وحفر للأمة قليبا فأُوقِع فيه قريبا، وذاق الهوان، وبقي يركب كديشا وحده بعد أن كانت ركبته تضاهي موكب السلطان؛ فمات غبنا وغما، وفي الآخرة أشد خزيا وأشد تنكيل٣. ونقل "الصفدي" ندم "ابن العلقمي" حيث لا ينفعه الندم – وكان كثيرا ما يقول: وجرى القضاء بعكس ما أمّلته – لأنه عومل

стр. 72

بأنواع الهوان من أراذل التتار والمرتدة؛ حكي أنه كان في الديوان جالسا فدخل بعض التتار ممن لا وجاهة له راكبا فرسه، فساق إلى أن وقف بفرسه على بساط الوزير وخاطبه بما أراد، وبال الفرس على البساط وأصاب الرشاش ثياب الوزير وهو صابر لهذا الهوان يظهر قوة النفس وأنه بلغ مراده ... ١. ولم تكن الشيعة بشكل عام – وهم أهل وعشيرته – بمنأى عن هذه الجرائم والمآثم، وعجيب أن يكون حنقه على أهل السنة، وحميته للشيعة تبيح له ذلك كله. ويروى أن بعض أهل بغداد قال له: يا مولانا أنت فعلت هذا جميعه وحميت الشيعة حميّة لهم، وقد قتل من الأشراف الفاطميين خلق لا يحصون، وارتكب من الفواحش مع نسائهم وفضّت أبكارهم مما لا يعلمه إلا الله تعالى، فقال: بعد أن قتل الدوادار ومن كان على مثل رأيه لا مبالاة بذلك٢. ويقول ابن الوردي: "أراد "ابن العلقمي" نصرة الشيعة فنصر عليهم، وحاول الدفع عنهم فدفع إليهم، وسعى ولكن في فسادهم، وعاضد ولكن على سبي حريمهم وأولادهم، وجاء بجيوش سلبت عنهم النعمة ونكبت الإمام والأمة، وسفكت

стр. 73

دماء الشيعة والسنة"١. وأخيرا ذهب ابن العلقمي ضحية ما اقترفته يداه، ومات بعد دخول التتر بغداد بثلاثة أشهر غما وغبنا. ويقال إن امرأة رأته وهو في الذل والهوان وهو راكب في أيام التتر برذونا وهو مرسم عليه، وسائق يسوق به ويضرب فرسه فوقفت إلى جانبه وقالت له: يا ابن العلقمي، هكذا كان بنو العباس يعاملونك؟ فوقعت كلمتها في قلبه وانقطع في داره إلى أن مات كمدا وغبينة وضيقا وقلة وذلة.٢ وبلغ إذلال "التتر" له أن جعلوه تابعا لشخص يدعى "ابن عمران" كان خادما في دولة المستعصم.٣ بل نقل "النويري" ما هو أشد من ذلك، إذ استدعاه "هولاكو" فلما مثل بين يديه سبّه ووبخه على عدم موافاته لمن هو غذي نعمته، وأمر بقتله فقتل، وقيل لم يقتله٤ وذكر "السيوطي" أنه صار معهم في صورة بعض الغلمان، وأنه مات كمدا٥.

стр. 74

إنكار الحقائق خلل في المنهج: وعلى الرغم من وضوح الحقيقة، وتضافر المصادر على ذكر هذا الموقف المخزي لابن العلقمي، فثمة آراء غريبة لبعض الشيعة المعاصرين تحاول توهين الحقيقة، وتظن بذلك أنها تدفع عن الشيعة عار هذا الموقف وخزيه، ولكن الحقيقة فوق هذا التوهين، وهي من الثبوت في مصادر الشنة والشيعة أيضا بحيث لا تقبل النقض والإبرام، وإليك نموذجا لهؤلاء: يقول الدكتور القفاري: "ومن الغريب أنه نبتت نابتة في هذا العصر من الروافض وحاول توهين القصة، وحجته أن الذين ذكروا الحادثة غير معاصرين للواقعة، وحينما جاء على من ذكر الحادثة من معاصريها مثل أبي شامة شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل ت٦٦٥هـ كان جوابه عن ذلك بأنه وإن عاصر الحادثة معاصرة زمانية لكنه من دمشق فلم تتوفر فيه المعاصرة المكانية"١. يقول الدكتور القفاري: "ثم بحثت في كتب التاريخ فوجدت شهادة هامة لأحد كبار المؤرخين تتوفر فيه ثلاث صفات: ١_ أن الشيعة يعتبرونه من رجالهم.

стр. 75

٢- أنه من بغداد. ٣- أنه متوفى سنة ٦٧٤هـ؛ فهو شيعي بغدادي معاصر للحادثة ذلك هو الإمام الفقيه علي بن أنجب المعروف بابن الساعي الذي قال: " ... وفي أيامه – يعني المستعصم – استولت التتار على بغداد وقتلوا الخليفة وبه انقضت الدولة العباسية من أرض العراق، وسببه أن وزير الخليفة مؤيد الدين ابن العلقمي كان رافضيا ... "١. على أن إنكار الحقائق ليس سمة الشيعة المعاصرين فحسب بل سبقهم إلى ذلك شيعة آخرون؛ فهذا "ابن العلقمي" العلوي ألف كتابه "الفخري في الآداب السلطانية" سنة ٧٠١هـ في الموصل، ودافع بحماس عن موقف ابن العلقمي، بل غالى في الثناء على دولة المغول بشكل مثير أبعده عن الإنصاف كما يقول الزركلي٢. ومما قاله في سبيل الدفاع عن موقف ابن العلقمي: "ونسبه الناس إلى أنه خامر، وليس ذلك بصحيح، ومن أقوى الأدلة على عدم مخامرته سلامته في هذه الدولة؛ فإن السلطان هولاكو لما فتح بغداد وقتل الخليفة سلم البلد إلى الوزير وأحسن إليه وحكَّمه، فلو كان قد
следующие страницы →