الإسلام وأهله ما وقع من الأمر الفظيع الذي لم يؤرخ أبشع منه منذ بنيت بغداد وإلى هذه الأوقات"١.
وربما اجتمع إلى هذه وتلك الوعود الطيبة التي بذلها "المغول" وأغرت "ابن العلقمي"، والوفاق والتعاون مع نظيره في المعتقد والتعصب "الطوسي" والذي أصبح وزيرا لهولاكو٢.
المكر السيء يحيق بأهله:
ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، ودخل التتار وجندهم بغداد ووقع ما وقع من الظلم والفساد وسفك الدماء وهتك الأعراض، ولم يكن ابن العلقمي بعيدا عن ذلك كله ولا سالما منه ألبتة، وقد أحسن الظن الذهبي في تعبيره وكان دقيقا في وصف حالته حين قال: "وحفر للأمة قليبا فأُوقِع فيه قريبا، وذاق الهوان، وبقي يركب كديشا وحده بعد أن كانت ركبته تضاهي موكب السلطان؛ فمات غبنا وغما، وفي الآخرة أشد خزيا وأشد تنكيل٣.
ونقل "الصفدي" ندم "ابن العلقمي" حيث لا ينفعه الندم – وكان كثيرا ما يقول: وجرى القضاء بعكس ما أمّلته – لأنه عومل
стр. 72
بأنواع الهوان من أراذل التتار والمرتدة؛ حكي أنه كان في الديوان جالسا فدخل بعض التتار ممن لا وجاهة له راكبا فرسه، فساق إلى أن وقف بفرسه على بساط الوزير وخاطبه بما أراد، وبال الفرس على البساط وأصاب الرشاش ثياب الوزير وهو صابر لهذا الهوان يظهر قوة النفس وأنه بلغ مراده ... ١.
ولم تكن الشيعة بشكل عام – وهم أهل وعشيرته – بمنأى عن هذه الجرائم والمآثم، وعجيب أن يكون حنقه على أهل السنة، وحميته للشيعة تبيح له ذلك كله. ويروى أن بعض أهل بغداد قال له: يا مولانا أنت فعلت هذا جميعه وحميت الشيعة حميّة لهم، وقد قتل من الأشراف الفاطميين خلق لا يحصون، وارتكب من الفواحش مع نسائهم وفضّت أبكارهم مما لا يعلمه إلا الله تعالى، فقال: بعد أن قتل الدوادار ومن كان على مثل رأيه لا مبالاة بذلك٢.
ويقول ابن الوردي: "أراد "ابن العلقمي" نصرة الشيعة فنصر عليهم، وحاول الدفع عنهم فدفع إليهم، وسعى ولكن في فسادهم، وعاضد ولكن على سبي حريمهم وأولادهم، وجاء بجيوش سلبت عنهم النعمة ونكبت الإمام والأمة، وسفكت
стр. 73
دماء الشيعة والسنة"١.
وأخيرا ذهب ابن العلقمي ضحية ما اقترفته يداه، ومات بعد دخول التتر بغداد بثلاثة أشهر غما وغبنا. ويقال إن امرأة رأته وهو في الذل والهوان وهو راكب في أيام التتر برذونا وهو مرسم عليه، وسائق يسوق به ويضرب فرسه فوقفت إلى جانبه وقالت له: يا ابن العلقمي، هكذا كان بنو العباس يعاملونك؟ فوقعت كلمتها في قلبه وانقطع في داره إلى أن مات كمدا وغبينة وضيقا وقلة وذلة.٢
وبلغ إذلال "التتر" له أن جعلوه تابعا لشخص يدعى "ابن عمران" كان خادما في دولة المستعصم.٣ بل نقل "النويري" ما هو أشد من ذلك، إذ استدعاه "هولاكو" فلما مثل بين يديه سبّه ووبخه على عدم موافاته لمن هو غذي نعمته، وأمر بقتله فقتل، وقيل لم يقتله٤ وذكر "السيوطي" أنه صار معهم في صورة بعض الغلمان، وأنه مات كمدا٥.
стр. 74
إنكار الحقائق خلل في المنهج:
وعلى الرغم من وضوح الحقيقة، وتضافر المصادر على ذكر هذا الموقف المخزي لابن العلقمي، فثمة آراء غريبة لبعض الشيعة المعاصرين تحاول توهين الحقيقة، وتظن بذلك أنها تدفع عن الشيعة عار هذا الموقف وخزيه، ولكن الحقيقة فوق هذا التوهين، وهي من الثبوت في مصادر الشنة والشيعة أيضا بحيث لا تقبل النقض والإبرام، وإليك نموذجا لهؤلاء:
يقول الدكتور القفاري: "ومن الغريب أنه نبتت نابتة في هذا العصر من الروافض وحاول توهين القصة، وحجته أن الذين ذكروا الحادثة غير معاصرين للواقعة، وحينما جاء على من ذكر الحادثة من معاصريها مثل أبي شامة شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل ت٦٦٥هـ كان جوابه عن ذلك بأنه وإن عاصر الحادثة معاصرة زمانية لكنه من دمشق فلم تتوفر فيه المعاصرة المكانية"١.
يقول الدكتور القفاري: "ثم بحثت في كتب التاريخ فوجدت شهادة هامة لأحد كبار المؤرخين تتوفر فيه ثلاث صفات:
١_ أن الشيعة يعتبرونه من رجالهم.
стр. 75
٢- أنه من بغداد.
٣- أنه متوفى سنة ٦٧٤هـ؛ فهو شيعي بغدادي معاصر للحادثة ذلك هو الإمام الفقيه علي بن أنجب المعروف بابن الساعي الذي قال: " ... وفي أيامه – يعني المستعصم – استولت التتار على بغداد وقتلوا الخليفة وبه انقضت الدولة العباسية من أرض العراق، وسببه أن وزير الخليفة مؤيد الدين ابن العلقمي كان رافضيا ... "١.
على أن إنكار الحقائق ليس سمة الشيعة المعاصرين فحسب بل سبقهم إلى ذلك شيعة آخرون؛ فهذا "ابن العلقمي" العلوي ألف كتابه "الفخري في الآداب السلطانية" سنة ٧٠١هـ في الموصل، ودافع بحماس عن موقف ابن العلقمي، بل غالى في الثناء على دولة المغول بشكل مثير أبعده عن الإنصاف كما يقول الزركلي٢.
ومما قاله في سبيل الدفاع عن موقف ابن العلقمي: "ونسبه الناس إلى أنه خامر، وليس ذلك بصحيح، ومن أقوى الأدلة على عدم مخامرته سلامته في هذه الدولة؛ فإن السلطان هولاكو لما فتح بغداد وقتل الخليفة سلم البلد إلى الوزير وأحسن إليه وحكَّمه، فلو كان قد
стр. 76
خامر على الخليفة لما وقع الوثوق إليه"١.
ويظهر للمتأمل أن هذا الدليل من علائم التهمة والمواطأة لا من دلائل البراءة والنزاهة، ولكن "ابن الطقطقي" لا يقف عند هذا الحد، بل يسوق رواية تفيد أنه ظل وفيّاَ للمستعصم إلى آخر لحظة، وأنه لم يلبِّ دعوة هولاكوا إلا تحت ضغط الخليفة! ٢.
وقد سبق بيان ما يكشف تهافت هذه الآراء والمرويات، ومع ذلك فقد تصدى الدكتور الصياد للرد على ابن الطقطقي ومما قاله: "إذا كان صاحب "الفخري" قد دافع بحرار عن موقف ابن العلقمي وسقى جاهدا لدفع تهمة الحيانة عنه، فما ذلك إلا لأنه شيعي مستنير حس بفداحة الجرم الذي أقدم عليه صاحبه إذ كان بتصرفه هذا عاملا هاما في ضياع دولة وذهاب شخصية لها مقام ديني كبير في نفوس المسلمين، خصوصا وأن هذا التحول الخطير قد تم على أيدي قوم من الكفرة، ثم أن النكبة لم تكن مقصورة على أهل السنة وحدهم بل كانت عامة شاملة قاسى منها أهل السنة وأهل الشيعة.."٣.
стр. 77
ويبقى بعد ذلك ردّ الشيعة بعضهم على بعض وتضارب آرائهم دليلا لا يستطيع الشيعة رفضه بحجة أنه من خصومهم أهل السنة؛ فهذا "الششتري" ت١٠١٩هـ القاضي – وهو مؤرخ شيعي كبير – يعترف صراحة بدور الرافضة في سقوط بغداد ويقول: "إن ابن العلقمي كاتب هولاكو، والخواجة نصير الدين الطوسي وحرضهما على تسخير بغداد للإنتقام من العباسيين بسبب جفائهم لعترة سيد الأنام ﷺ وآله"١.
وبمثل ذلك يمكن إسقاط محاولات الدفاع والتبرير الساذج عند "أغابزرك الطهراني" الذي قال: " ... ولو لم يكن دهاء ابن العلقمي لما اختلف مصير بغداد عن مصير "تيسفون" التي انقطع عنا جل أخبارها"٢.
وبهدا يتبين تهافت هذا الإنكار، وتضافر كتب الشيعة مع كتب السنة على إثبات دور ابن العلقمي في سقوط بغداد ودخول التتار. هذا فضلا عن ثبوته في المصادر الأوربية٣.
стр. 78
د- النصير الطوسي:
هو محمد بين محمد بن الحسن نصير الدين الطوسي، أبو عبد الله، أو أبو جعفر، أحد الفلاسفة والمنجمين، ولد بطوس – قرب نيسابور – سنة سبع وتسعين وخمس مائة، ووفاته ببغداد سنة اثنين وسبعين وست مائة١. كان له اهتمام بالعلوم العقلية، وكان رأسا في علوم الأوائل، وله اهتمام بالفلسفة، وقد عدد الزركلي طائفة غير قليلة من كتبه٢.
أما عقيدته، فكان فاسد المعتقد، حكم عليه بعض العلماء بالإلحاد ونسبوا إليه عبادة الأصنام، ورام تغيير القرآن والصلاة فلم يقدر عليه؛ يقول ابن القيم: "نصر في كتبه قدم العالم، وبطلان المعاد، وإنكار صفات الرب ﷻ من علمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره، وأنه لا داخل العالم ولا خارجه وليس فوق العرش إله يعبد ألبتة! واتخذ للملاحدة مدارس، ورام جعل إشارات إمام الملحدين ابن سينا مكان القرآن فلم يقدر على ذلك فقال: هي قرآن الخواص، وذاك قرآن العوام، ورام تغيير الصلاة وجعلها صلاتين فلم يتم له الأمر، وتعلم السحر في آخر الأمر فكان ساحرا يعبد الأصنام"٣.
стр. 79
وقف ابن القيم على كتاب له سماه "مصارعة المصارعة" عارض فيه الشهرستاني في كتاب "المصارعة" الذي رد فيه على ابن سينا في القول بقدم العالم وإنكار المعاد، ونفي علم الرب وقدرته، وخلقه للعالم. يقول ابن القيم: "وقفت على الكتابين فوجدت الطوسي قد نصر أن الله تعالى لم يخلق السموات والأرض في ستة أيام، وأنه لا يعلم شيئا، وأنه لا يفعل شيئا بقدرته واختياره، ولا يبعث من في القبور"١.
ثم يختم ابن القيم القول في معتقده ويقول: "وبالجملة فكان هذا الملحد هو وأتباعه من الملحدين الكفارين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر"٢.
ولعل هذا يفسر لنا علاقته "بالإسماعيلية" وتأليفه كتاب "أخلاق ناصري" لمحتشم الإسماعيلية ناصر الدين أبو الفتح عبد الرحيم ت٦٥٥هـ٣.
بل تحدثنا كتب التاريخ أن الطوسي كان يقيم مع الإسماعيلية في قلعة "ميمون دز"٤.
стр. 80
أما القول بأن إقامته – ومن كان معه – مجبرين، وأنهم سئموا الإقامة عند الإسماعيلية١ فذلك يحتاج إلى دليل يعضده. وإلا فكيف نفهم أن الإسماعيلةي لفرط ثقتهم فهي وتقدمه عندهم كان هو مبعوثهم إلى هولاكو حينما هدد زعيمهم "خورشاه" الذي استشار أركان دولته فاستقر رأيهم على أن يرشل إلى هولاكو الخواجة نصير الدين الطوسي مع طائفة من الوزراء والأعيان والأئمة ومعهم الهدايا والتحف، فوصلوا إليه في شوال سنة ٦٥٤هـ٢.
وكان الطوسي كذلك على صلة "بالنصيرية" وقد ألف كتابا وضعه لهم، وليس بمقنع مقولة الصفدي – وهو ينقل هذا الخبر – "وأنا أعتقد أنه ما يعتقده؛ لأن هذا فيلسوف وأولئك يعتقدون إلهية علي"٣. فعقيدة الطوسي – السالفة- تخوله لمثل هذا وأزيد.
ويبدو أن الطوسي يجيد التلوّن ولديه القدرة على العيش في أي بيئة، بدليل أنه أظهر الصدق والإخلاص عند مقابلته لهولاكو، الأمر الذي جعل له عند هولاكو منزلة عالية، فكان يقربه ويستشيره ويطيعه٤.
стр. 81
وهو وإن وزر "للإسماعيلية"١ فقد كان مرافقا لـ"هولاكو" حين افتتح قلاعهم "الألموت"٢، وانتقل من الوزارة عند "الإسماعيلية" إلى الوزارة عند "هولاكو التتري" إذ انتخبه ليكون في خدمته كالوزير المشير٣.
والطوسي هو مبعوث "هولاكو" إلى الحلّة٤. وحين عاد هولاكو إلى بغداد كان الطوسي مع ابن العلقمي في صحبته، ويقال إنهم هم الذين حسَّنوا له قتل الخليفة العباسي وعدم المصالحة معه٥.
ويحدد "ابن القيم" دور "الطوسي" مع التتر في محنة بغداد ويقول – إثر حديث عن الرافضة عموما-: "ولما انتهت النوبة إلى نصير الشرك والكفر الملحد وزير الملاحدة، النصير الطوسي وزير هولاكو، شفا نفسه من أتباع الرسول وأهل دينه فعرضهم على السيف حتى شفى إخوانه من الملاحدة واشتفى هو؛ فقتل الخليفة والقضاة
هـ - مواقف وأدوار أخرى:
لم يكن دور "الرافضة" ينتهي عند حدّ هؤلاء، فثمة شخصيات ومواقف أخرى نذكر منها:
* موقف الشيخ الرافضي "الفخر محمد بن يوسف بن محمد الكنجي" الذي كان يصانع "التتر" على أموال الناس، وكان – كما قال ابن كثير – خبيث الطوية مشرقيا ممالئا لهم على أموال المسلمين، فقتلته "العامة" وسط الجامع إثر انتصار المسلمين في معركة عين جالوت١.
* وموقف "محمد بن الحسن المعروف بابن طاووس الحلي" الذي أهدى كتابه "البشارة" إلى "هولاكو" المغولي، فسلم الحلة والنيل والمشهدين من القتل والنهب حين سقوط بغداد سنة ٦٥٦هـ، وردّ إليه "هولاكو" النقابة بالبلاد الفراتية فحكم في ذلك قليلا ثم مات دارجاً٢.
стр. 84
*و"محمد بن أبي العز الحلي" الذي نقل الرافضة أنفسهم أنه اشترك مع "سديد الدين" والد العلامة الحلي، في كتابة الرسالة إلى هولاكو وطلب الأمان لأهل الحلة١.
*ويعترف "الرافضة" مرة أخرى أن بلدة "كاشان" قد نجت من فتنة هولاكو بسبب "أفضل الدين الكاشاني" الذي كان معاصرا للطوسي ويقال إنه خاله٢.
وهل تسلم ديار الرافضة ومشاهدهم من بطش التتر لولا المصانعة والمواطأة والمكاتبة؟
ولقد بلغ الأمر أن من دخل دور الرافضة فهو آمن، وكذلك تخلّص "ابن أبي الحديد" صاحب "شرح نهج البلاغة" من مقتلة المغول لكونه في دار ابن العلقمي، ثم حضر عند الخواجة نصير الدين الطوسي ففوّض إليه خزائن الكتب ببغداد مع غيره ... ٣.
*وابن أبي الحديد هذا وصفه ابن كثير بالغلو في التشيع وذكر علاقته بابن العلقمي فقال: "كان حظيا عند الوزير ابن العلقمي لما بينهما من المناسبة والمقارنة والمشابهة في التشيع والأدب والفضيلة"٤.
стр. 85
ونقل "المجلسي" أن ابن أبي الحديد ألف "شرح نهج البلاغة" وأنشأ قصائد "السبع العلويات" لأجل ابن العلقمي وباسمه١.
* بل كان منهم من ولي للمغول كما كان "محمد بن محمد بن محمد الجويني" حاكما لـ"أصفهان" في عهد "أبقاخان المغولي"٢.
وكذلك يبدو أثر التقارب والممالأة واضحا جليا بين الرافضة والتتر، ولئن لم يستسغ بعض المؤرخين من أهل السنة ذكره كله أو بعضه في بطون الكتب كما أشار ابن الأثير، فها هم المؤرخون الرافضة لا يرون بأسا من ذكره بل ربما اعتبروه مفخرة ودهاء كما وصف "الطهراني" دور ابن العلقمي، وكما حاول "ابن الطقطقي" المدافعة لكن دون جدوى٣.
стр. 86
و دور الإسماعيلية:
ومع التقارب بين الرافضة الإسماعيلية في المعتقد فقد كشف ابن الأثير بجلاء عن دور مبكر "للإسماعيلية" بدخول التتر بلاد المسلمين؛ فقد أرسل مقدم الإسماعيلية الملاحدة سنة ٦٢٨هـ إلى التتر يعرفهم ضعف جلال الدين بالهزيمة الكائنة عليه من علاء الدين
стр. 87
كيقباذ ومن الأشرف، ويحثهم على قصده عقيب الضعف، ويضمن لهم الظفر به للوهن الذي صار إليه١.
ويعلق ابن الأثير على سياسة جلال هذا ويقول: "وكان سيىء السيرة، قبيح التدبير لملكه، لم يترك أحدا من الملوك المجاورين إلا عاداه ونازعه الملك وأساء مجاورته"٢.
стр. 88
الخاتمة
الحمد لله الذي هدى ووفق وأعان ويسر. وبعد:
فإن في دراسة التاريخ بعمق استجلاءً لأحداث الماضي، وأخذ العبرة للحاضر واستصلاحا للمستقبل بإذن الله..
ولئن مرت في تاريخ المسلمين فواجع يندي لها الجبين فلا يكفي نعي هذه الأحداث أو التباكي على ما حصل لحواضر العالم الإسلامي، بل يجدر بالدارسين والباحثين أن يجلُّوا الصورة، وأن يتعمقوا في بحث أسبابها الظاهرة والخفيّة، وأن يحذّروا أمتهم كيد الكائدين، ويكشفوا لهم أساليب الماكرين.
فالتاريخ سجل محفوظ، والأحداث تتكرر، والمأساة إذا وقعت مرة بسبب أو آخر من المسلمين فلا يليق أن يتكرر الخطأ، وأن تغمض الأعين عن مكمن الداء.
والحادثة – قيد الدراسة – كشفت عن أدوار خفية أحاط صانعوها بالخليفة واستهدفت الخلافة، والمكر السيىء يحيق بأهله.
كما تكشف عن أثر الظلم والتنازع بين المسلمين واستثمار الخصم لهذه الأجواء وسهولة الإجتياح والإفساد في بلاد المسلمين، إذا أصبح
стр. 89
العدو صديقا، وأُمِّن الخائن، واستعين بغير المسلم.
ولئن توقفت الدراسة عن بيان الفصول الأخيرة لحدث التتار في بلاد المسلمين، وكيف تمّ النصر عليهم بعد حين من الزمن رصت فيه الصفوف، واجتمعت الكلمة، وقصد المجاهدون؛ فلاآن الدراسة مركزة على بيان أسباب الكارثة دون التفصيل في نهايتها. – فثمة بحوث أخرى تعني بهذه القضية، ولكن المتأمل يلاحظ بين البدء والنهاية اتصالا وثيقا؛ فضعف المسلمين وخيانات بعضهم وتنازعهم في البداية؛ كل ذلك ساهم في الهزيمة. ثم ساهم في النصر عليهم في النهاية تمحيص الصفوف، وصدق النوايا، والتوكل على الله، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، فهل يعي المسلمون أسباب النصر وعوامل الهزيمة؟.
أرجو أن يسهم هذا البحث في بيان ذلك.