← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11363

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ط ابن حزم

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (360 стр.). Показаны 351–360 · переход к 356.

стр. 351

أتامن أيها السكران جهلا ... بأن تفجاك في السكر المنية فتضحى عبرة للناس طرا ... وتلقى الله من شر البرية سكر بعض المتقدمين ليلة فعاتبته زوجته على ترك الصلاة فحلف بطلاقها ثلاثا لا يصلي ثلاثة أيام فاشتد عليه فراق زوجته فاستمر على ترك الصلاة مدة الأيام الثلاث فمات فيها على حاله وهو مصر على الخمر تارك الصلاة كان بعض المصرين على الخمر يكنى أبا عمرو فنام ليلة وهو سكران فرأى في منامه قائلا يقول له: جد بك الأمر أبا عمرو ... وأنت معكوف على الخمر تشرب صهباء صراحية ... سال بك السيل ولا تدري فاستيقظ منزعجا وأخبر من عنده بما رأى ثم غلبه سكره فنام فلما كان وقت الصبح مات فجأة قال يحيى بن معاذ: الدنيا خمر الشيطان من سكر منها لم يفق إلا في عسكر الموتى نادما مع الخاسرين وفي حديث خرجه الترمذي مرفوعا "ما من أحد يموت إلا ندم" قالوا: وما ندامته؟ قال: "إن كان محسنا ندم أن لا يكون ازداد وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون استعتب" إذا ندم المحسن عند الموت فكيف يكون حال المسيء غاية أمنية الموتى في قبورهم حياة ساعة يستدركون فيها ما فاتهم من توبة وعمل صالح وأهل الدنيا يفرطون في حياتهم فتذهب أعمارهم في الغفلة ضياعا ومنهم من يقطعها بالمعاصي قال بعض السلف: أصبحتم في أمنية ناس كثير يعني أن الموتى كلهم يتمنون حياة ساعة ليتوبوا فيها ويجتهدوا في الطاعة ولا سبيل لهم إلى ذلك. لو قيل لقوم ما مناكموا طلبوا ... حياة يوم ليتوبوا فاعلم ويحك يا نفس ألا تيقظ ... ينفع قبل أن تزل قدمي مضى الزمان في ثوان وهوى ... فاستدركي ما قد بقي واغتنمي الناس في التوبة على أقسام: فمنهم: من لا يوفق لتوبة نصوح بل ييسر له عمل السيئات من أول عمره إلى آخره حتى يموت مصرا علها وهذه حالة الأشقياء. وأقبح من ذلك: من يسر له في أول عمره عمل الطاعات ثم ختم له بعمل سيء حتى مات عليه كما في الحديث الصحيح: "إن أحدكم ليعمل عمل أهل

стр. 352

الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ثم يسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها" وفي الحديث الذي خرجه أهل السنن: "إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين عاما ثم يحضره الموت فيجور في وصيته فيدخل النار". ما أصعب الإنتقال من البصر إلى العمى وأصعب منه الضلالة بعد الهدى والمعصية بعد التقى كم من وجوه خاشعة وقع على قصص أعمالها ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ، تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٣, ٤] كم من شارف مركبه ساحل النجاة فلما هم أن يرقى لعب به موج الهوى فغرق الخلق كلهم تحت هذا الخطر قلوب العباد بين اصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء قال بعضهم: ما العجب ممن هلك كيف هلك إنما العجب ممن نجا كيف نجا. يا قلبي إلام تطالبني ... بلقا الأحباب وقد رحلوا أرسلتك في طلبي لهم ... لتعود فضعت وما حصلوا ما أحسن ما علقت بهم ... آمالك منهم لو قد فعلوا سلم واصبر واخضع لهم ... كم قبلك مثلك قد قتلوا وقسم يفني عمره في الغفلة والبطالة ثم يوفق لعمل صالح فيموت عليه وهذه حالة من عمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها. الأعمال بالخواتيم: "إذا أراد الله بعبد غسله" قالوا: وما غسله"؟ قال: " يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه" وهؤلاء: منهم: من يوقظ قبل موته بمدة يتمكن فيها من التزود بعمل صالح يختم به عمره ومنهم: من يوقظ عند حضور الموت فيوفق لتوبة نصوح يموت عليها قالت عائشة ﵂: إذا أراد الله بعبد خيرا قيض له ملكا قبل موته بعام فيسدده وييسره حتى يموت وهو خير ما كان ويقول الناس: مات فلان خير ما كان وخرجه البزار عنها مرفوعا: "إذا أراد الله بعبد خيرا بعث إليه ملكا من عامه الذي يموت فيه فيسدده وييسره فإذا كان عند موته أتاه ملك الموت فقعد عند رأسه فقال: أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان فذلك حين يحب لقاء الله ويحب الله لقاءه وإذا أراد الله بعبد شرا بعث إليه شيطانا من عامه الذي يموت فيه فأغواه فإذا كان عند موته أتاه ملك الموت فقعد عند رأسه فقال: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب فتتفرق في جسده فذلك حين يبغض لقاء الله ويبغض الله لقاءه".

стр. 353

وفي الدعاء المأثور: اللهم اجعل خير عملي خاتمته وخير عمري آخره وفي المسند عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: من تاب قبل موته عاما تيب عليه ومن تاب قبل موته شهرا تيب عليه حتى قال يوما حتى قال: ساعة حتى قال: فواقا قال: قال له إنسان أرأيت إن كان مشركا فأسلم؟ قال: إنما أحدثكم ما سمعت من رسول الله ﷺ وفيه ايضا عن عبد الرحمن البيلماني قال: اجتمع أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ فقال أحدهم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بيوم" قال الآخر: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم قال: وأنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بنصف يوم" فقال ثالث: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال نعم قال: وأنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بضحوة" قال الرابع: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم قال: وأنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر بنفسه". وفيه أيضا عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا ابرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم فقال الرب : وعزتي وجلالي لا أزل أغفر لهم ما استغفروني" ذكر ابن أبي الدنيا بإسناد له أن رجلا من ملوك البصرة كان قد تنسك ثم مال إلى الدنيا والشيطان فبنى دارا وشيدها وأمر بها ففرشت له ونجدت واتخذ مأدبة وصنع طعاما ودعا الناس فجعلوا يدخلون فيأكلون ويشربون وينظرون إلى بنائه ويعجبون منه ويدعون له ويتفرقون فمكث بذلك أياما حتى فرغ من أمر الناس ثم جلس في نفر من خاصة إخوانه فقال: قد ترون سروري بداري هذه وقد حدثت نفسي أن أتخذ لكل واحد من ولدي مثلها فأقيموا عندي أياما أستمتع بحديثكم وأشاوركم فيما أريد من هذا لولدي فأقاموا عنده أياما يلهون ويلعبون ويشاورهم كيف يبني لولده وكيف يريد أن يصنع فبينما هم ذات ليلة في لهوهم إذا سمعوا قائلا يقول: من أقاصي الدار: يا أيها الباني الناسي منيته ... لا تأمنن فإن الموت مكتوب على الخلائق إن سروا وإن فرحوا ... فالموت حتف لذي الآمال منصوب لا تبنين ديارا لست تسكنها ... وراجع النسك كيما يغفر الحوب

стр. 354

قال: ففزع لذلك وفزع أصحابه فزعا شديدا وراعهم ما سمعوا من ذلك فقال لأصحابه: هل سمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم قال: فهل تجدون ما أجد؟ قالوا: وما تجد؟ قال: أجد والله مسكة على قلبي ما أراها إلا علة الموت قالوا: كلا بل البقاء والعافية قال: فبكى وقال: أنتم أخلائي وإخواني فما لي عندكم قالوا: مرنا بما أحببت قال: فأمر بالشراب فأهريق وبالملاهي فأخرجت ثم قال: اللهم إني أشهدك ومن حضر من عبادك أني تائب إليك من جميع ذنوبي نادم على ما فرطت أيام مهلتي وإياك أسأل إن أقلتني أن تتم علي نعمتك بالإنابة إلى طاعتك وإن أنت قبضتني إليك أن تغفر لي ذنوبي تفضلا منك علي واشتد به الأمر فلم يزل يقول: الموت والله الموت والله حتى خرجت روحه وكان الفقهاء يرون أنه مات على توبته. وروى الواحدي في كتاب قتلى القرآن: بإسناد له: أن رجلا من أشراف أهل البصرة كان منحدرا إليها في سفينة ومعه جارية له فشرب يوما وغنته جاريته بعود لها وكان معهم في السفينة فقير صالح فقال له يا فتى تحسن مثل هذا؟ قال أحسن ما هو أحسن منه وكان الفقير حسن الصوت فاستفتح وقرأ: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً، أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٧, ٧٨] فرمى الرجل ما بيده من الشراب في الماء وقال: أشهد أن هذا أحسن مما سمعت فهل غير هذا؟ قال: نعم فتلا عليه: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] الآية فوقعت في قلبه موقعا ورمى بالشراب في الماء وكسر العود ثم قال: يا فتى هل ههنا فرج؟ قال: نعم ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] الآية فصاح صيحة عظيمة فنظروا إليه فإذا هو قد مات ﵀. وروى ابن أبي الدنيا بإسناد له أن صالحا المري ﵀ كان يوما في مجلسه يقص على الناس فقرأ عنده قارىء: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨] فذكر صالح: النار وحال العصاة فيها وصفة سياقهم إليها وبالغ في ذلك وبكى الناس فقام فتى كان حاضرا في مجلسه وكان مسرفا على نفسه فقال: أكل هذا في القيامة؟ فقال صالح: نعم وما هو أكبر منه لقد بلغني أنهم يصرخون في النار حتى تنقطع أصواتهم فلا يبقى منهم إلا كهيئة الأنين من المريض المدنف فصاح الفتى:

стр. 355

أيا لله واغفلتاه عن نفسي أيام الحياة وا أسفاه على تفريطي في طاعتك يا سيداه وا أسفاه على تضييع عمري في دار الدنيا ثم استقبل القبلة وعاهد الله على توبة نصوح ودعا الله أن يتقبل منه وبكى حتى غشي عله فحمل من المجلس صريعا فمكث صالح وأصحابه يعودونه أياما ثم مات فحضره خلق كثير فكان صالح يذكره في مجلسه كثيرا ويقول: وبأبي قتيل القرآن وبأبي قتيل الواعظ والأحزان فرآه رجل في منامه فقال: ما صنعت؟ قال: عمتني بركة مجلس صالح فدخلت في سعة رحمة الله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [لأعراف: ١٥٦] من آلمته سياط المواعظ فصاح فلا جناح ومن زاد ألمه فمات فدمه مباح. قضى الله في القتلى قصاص دمائهم ... ولكن دماء العاشقين جبار وبقى ههنا قسم آخر وهو أشرف الأقسام وأرفعها: وهو من يفني عمره في الطاعة ثم ينبه على قرب الأجل ليجد في التزود ويتهيأ للرحيل بعمل يصلح للقاء يكون خاتمه للعمل قال ابن عباس: لما نزلت على النبي ﷺ : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] نعيت لرسول الله ﷺ نفسه فأخذ في أشد ما كان اجتهادا في أمر الآخرة قالت أم سلمة: كان النبي ﷺ في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلا قال: سبحان الله ويحمده فذكرت ذلك له فقال: "إني أمرت بذلك" وتلا هذه السورة. كان من عادته ﷺ أن يعتكف في كل عام في رمضان عشرا ويعرض القرآن على جبريل مرة فاعتكف في ذلك العام عشرين يوما وعرض القرآن مرتين وكان يقول: ما أرى ذلك إلا لاقتراب أجلي ثم حج حجة الوداع وقال للناس: "خذوا عني مناسككم فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا" وطفق يودع الناس فقالوا: هذه حجة الوداع ثم رجع إلى المدينة فخطب قبل وصوله إليها وقال: "أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب ثم أمر بالتمسك بكتاب الله" ثم توفي بعد وصوله إلى المدينة بيسير ﷺ إذا كان سيد المحسنين يؤمر أن يختم عمره بالزيادة في الإحسان فكيف يكون حال المسيء. خذ في جد فقد تولى العمر ... كم ذا التفريط قد تدانى الأمر أقبل فعسى يقبل منك العذر ... كم تبني كم تنقض كم ذا العذر مرض بعض العابدين فوصف له دواء يشربه فأتي في منامه فقيل له: أتشرب الدواء والحور العين لك تهيأ؟ فانتبه فزعا فصلى في ثلاثة أيام حتى انحنى صلبه.

стр. 356

ثم مات في اليوم الثالث كان رجل قد اعتزل وتعبد فرأى في منامه قائلا يقول له: يا فلان ربك يدعوك فتجهز واخرج إلى الحج ولست عائدا فخرج إلى الحج فمات في الطريق رأى بعض الصالحين في منامه قائلا ينشده: تأهب للذي لا بد منه ... من الموت الموكل بالعباد أترضى أن تكون رفيق قوم ... لهم زاد وأنت بغير زاد خرج ابن ماجه من حديث جابر أن النبي ﷺ خطب فقال في خطبته: "أيها الناس توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا" وفي سنده ضعف فأمر بالمبادرة قبل الموت وكل ساعة تمر على ابن آدم فإنه يمكن أن تكون ساعة موته بل كل نفس كما قيل: لا تأمن الموت في طرف ولا نفس ... وإن تمنعت بالحجاب والحرس قال لقمان لابنه: يا بني لا تؤخر التوبة فإن الموت يأتي بغتة وقال بعض الحكماء: لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل ويؤخر التوبة لطول الأمل. إلى الله تب قبل انقضاء من العمر ... أخي ولا تأمن مفاجأة الأمر ولا تستصمن عن دعائي فإنما ... دعوتك إشفاقا عليك من الوزر فقد حذرتك الحادثات نزولها ... ونادتك إلا أن سمعك ذو وقر تنوح وتبكي للأحبة إن مضوا ... ونفسك لا تبكي وأنت على الأثر قال بعض السلف: أصبحوا تائبين وأمسوا تائبين يشير إلى أن المؤمن لا ينبغي أن يصبح ويمسي إلا على توبة فإنه لا يدري متى يفاجئه الموت صباحا أو مساء فمن أصبح أو أمسى على غير توبة فهو على خطر لأنه يخشى أن يلقى الله غير تائب فيحشر في زمرة الظالمين قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] تأخير التوبة في حال الشباب قبيح وفي حال المشيب أقبح وأقبح. نعى لك ظل الشباب مزهج ... ونادتك باسم سواك الخطوب فكن مستعدا لداعي الفنا ... فكل الذي هو آت قريب ألسنا نرى شهوات النفو ... س تفنى وتبقى علينا الذنوب يخاف على نفسه من يتوب ... فكيف يكن حال من لا يتوب

стр. 357

فإن نزل المرض بالعبد فتأخيره للتوبة حينئذ أقبح من كل قبيح فإن المرض نذير الموت وينبغي لمن عاد مريضا أن يذكره التوبة والإستغفار فلا أحسن من ختام الأعمال بالتوبة والإستغفار فإن كان العمل سيئا كان كفارة له وإن كان حسنا كان كالطابع عليه. وفي حديث سيد الإستغفار المخرج في الصحيح: أن من قاله إذا أصبح وإذا أمسى ثم مات من يومه أو ليلته كان من أهل الجنة وليكثر في مرضه من ذكر الله خصوصا كلمة التوحيد فإنه من كانت آخر كلامه دخل الجنة وفي حديث أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي ﷺ : أن "من قال في مرضه: لا إله إلا الله والله أكبر لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله فإن مات من مرضه لم تطعمه النار" خرجه النسائي وابن ماجه والترمذي وحسنه وفي رواية للنسائي: "من قالهن في يوم أو في ليلة أو في شهر ثم مات في ذلك اليوم أو في تلك الليلة أو في ذلك الشهر غفر له ذنبه" ويروى من حديث حذيفة عن النبي ﷺ : "من ختم له بقوله لا إله إلا الله دخل الجنة ومن ختم له بصيام يوم أراد به وجه الله أدخله الله الجنة ومن ختم له بإطعام مسكين أراد به وجه الله أدخله الله الجنة". كان السلف يرون: أن من مات عقب عمل صالح كصيام رمضان أو عقيب حج أو عمرة يرجى له أن يدخل الجنة وكانوا مع اجتهادهم في الصحة في الأعمال الصالحة يجددون التوبة والإستغفار عند الموت ويختمون أعمالهم بالإستغفار وكلمة التوحيد. لما احتضر العلاء بن زياد بكى فقيل له: ما يبكيك؟ قال: كنت والله أحب أن أستقبل الموت بتوبة قالوا: فافعل رحمك الله فدعا بطهور فتطهر ثم دعا بثوب جديد فلبسه ثم استقبل القبلة فأومأ برأسه مرتين أو نحو ذلك ثم اضطجع ومات ولما احتضر عامر بن عبد الله بكى وقال: لمثل هذا الصراع فليعمل العاملون: اللهم إني أستغفرك من تقصيري وتفريطي وأتوب إليك من جميع ذنوبي لا إله إلا الله ثم لم يزل يرددها حتى مات ﵀ وقال عمرو بن العاص ﵀ عند موته: اللهم أمرتنا فعصينا ونهيتنا فركبنا ولا يسعنا إلا عفوك لا إله إلا الله ثم رددها حتى مات وقال عمر بن عبد العزيز ﵀ عند موته: أجلسوني فأجلسوه فقال: أنا الذي أمرتني فقصرت ونهيتني فعصيت ولكن لا إله إلا الله ثم رفع رأسه فأحد النظر فقالوا: إنك تنظر نظرا شديدا يا أمير

стр. 358

المؤمنين فقال: أتاني حضرة ما هم بإنس ولا جن ثم قبض رحمة الله عليه وسمعوا تاليا يتلو: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣] . يا غافل القلب عن ذكر المنيات ... عما قليل ستثوى بين أموات فاذكر محلك من قبل الحلول به ... وتب إلى الله من لهو ولذات إن الحمام له وقت إلى أجل ... فاذكر مصائب أيام وساعات لا تطمئن إلى الدنيا وزينتها ... قد حان للموت يا ذا اللب أن يأتي التوبة التوبة قبل أن يصل إليكم من الموت التوبة فيحصل المفرط على الندم والخيبة والإنابة الإنابة قبل غلق باب الإجابة الإفاقة الإفاقة فقد قرب وقت الفاقة ما أحسن قلق التواب ما أحلى قدوم الغياب ما أجمل وقوفهم بالباب. أسأت ولم أحسن وجئتك هاربا ... وإني لعبد من مواليه مهرب يؤمل غفرانا فإن خاب ظنه ... فما أحد منه على الأرض أخيب ... من نزل به الشيب فهو بمنزلة الحامل التي تمت شهور حملها فما تنتظر إلا الولادة كذلك صاحب الشيب لا ينتظر إلا الموت فقبيح منه الإصرار على الذنب. أي شيء تريد مني الذنوب ... شغفت بي فليس عني تغيب ما يضر الذنوب لو أعتقتني ... رحمة بي فقد علاني المشيب ولكن توبة الشاب أحسن وأفضل في حديث مرفوع خرجه ابن أبي الدنيا: "إن الله يحب الشاب التائب" قال عمير بن هانيء: تقول التوبة للشاب: أهلا ومرحبا وتقول للشيخ: نقبلك على ما كان منك الشاب ترك المعصية مع قوة الداعي إليها والشيخ قد ضعفت شهوته وقل داعيه فلا يستويان في بعض الآثار يقول الله : أيها الشاب التارك شهوته المبتذل شبابه لأجلي أنت عندي كبعض ملائكتي قال عمر: إن الذين يشترون المعاصي ولا يعلمون بها: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: ٣] كم بين حال الذي ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف: ٢٣] وبين شيخ عنين يدعى لمثل ذلك فيجيب.

стр. 359

كان عمر يعس بالمدينة فسمع امرأة غاب عنها زوجها تقول: تطاول هذا الليل واسود جانبه ... وأرقني أن لا خليل ألاعبه فوالله لولا الله لا شيء غيره ... لحرك من هذا السرير جوانبه ولكن تقوى الله عن ذا تصدني ... وحفظا لبعلي أن تنال مراكبه فقال لها عمر يرحمك الله ثم بعث إلى زوجها أمره أن يقدم عليها وأمر أن لا يغيب أحد عن امرأته اكثر من أربعة أشهر وعشرا الشيخ قد تركته الذنوب فلا حمد له على تركها كما قيل: تارك الذنب فتاركته ... بالفعل والشهوة في القلب فالحمد للذنب على تركه ... لا لك في تركك للذنب أما تستحي منا لما أعرضت لذات الدنيا عنك فلم يبق لك فيها رغبة وصرت من سقط المتاع لا حاجة لأحد فيك جئت إلى بابنا فقلت: أنا تائب ومع هذا فكل من أوى إلينا آويناه ومن استجار بنا أجرناه ومن تاب إلينا أحببناه: أبشر فربما يكون الشيب شافعا لصاحبه من العقوبات مات شيخ كان مفرطا فرؤي في المنام فقيل له: ما فعل بك قال: قال لي لولا أنك شيخ لعذبتك وقف شيخ بعرفة والناس يضجون بالدعاء وهو ساكت ثم قبض على لحيته وقال: يا رب شيخ يرجو رحمتك. لما أتونا والشيب شافعهم ... وقد توالى عليهم الخجل قلنا لسود الصحائف انقلبي ... بيضا فإن الشيوخ قد قبلوا كان بعض الصالحين يقول: إن الملوك إذا شابت عبيدهم ... في رقهم عتقوهم عتق أبرار وأنت يا خلقي أولى بذاكر ما ... قد شبت في الرق فأعتقني من النار أيها العاصي ما يقطع من صلاحك الطمع ما نصبنا اليوم شرك المواعظ إلا لتقع إذا خرجت من المجلس وأنت عازم على التوبة قالت لك ملائكة الرحمة: مرحبا وسهلا فإن قال لك رفقاؤك في المعصية: هلم إلينا فقل لهم: كلا ذاك خمر الهوى الذي عهدتموه قد استحال خلا يا من سود كتابه بالسيئات قد آن لك بالتوبة أن تمحو يا سكران القلب بالشهوات أما آن لفؤادك أن يصحو

стр. 360

يا نداماي صحا القلب صحا ... فاطردوا عني الصبا والمرحا زجر الوعظ فؤادي فارعوي ... وأفاق القلب مني وصحا هزم العزم جنودا للهوى ... فاسدي لا تعجبوا إن صلحا بادروا التوبة من قبل الردى ... فمناديه ينادينا الوحا تم كتاب لطائف المعارف بحمد الله وعونه وحسن توفيقه وكان الفراغ منه في يوم الأربعاء حادي والعشرين من شهر شوال سنة خمس وستين وثمانمائة.