← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11363

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ط ابن حزم

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (360 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

من البحرين: "أبشروا وأملوا ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم ما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم" وكان آخر خطبة خطبها على المنبر حذر فيها من زهرة الدنيا ففي الصحيحين عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ صعد المنبر فقال: "إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها فتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم" قال قال عقبة: فكان آخر ما رأيت من رسول الله ﷺ على المنبر. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: "إذا افتتحت عليكم خزائن فارس والروم أي قوم أنتم"؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله فقال رسول الله ﷺ : "أو غير ذلك تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون" وفي المسند عن عمر عن النبي ﷺ قال: "لا تفتح الدنيا على أحد إلا ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة" قال عمرو: أنا أشفق من ذلك وفيه أيضا عن أبي ذر: أن أعرابيا قال: يا رسول الله أكلتنا الضبع يعني السنة والجدب فقال النبي ﷺ : "غير ذلك أخوف مني عليكم حين تصب عليكم الدنيا صبا فليت أمتي لا يلبسون الذهب" وفي رواية الديباج وفيه أيضا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ما أخشى عليكم الفقر ولكني أخشى عليكم التكاثر" ويروى من حديث عوف بن مالك وأبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: "الفقر تخافون والذي نفسي بيده لتصبن عليكم الدنيا صبا حتى لا يزيغ قلب أحدكم إن أزاغه إلا هي" وفي رواية عوف: "فإن الله فاتح عليكم فارس والروم" وفي المعنى أحاديث أخر. وفي الترمذي أنه ﷺ قال: "لكل أمة فتنة وإن فتنة أمتي المال" فقوله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري: "إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض" ثم فسره بزهرة الدنيا ومراده: ما يفتح على أمته منها من ملك فارس والروم وغيرهم من الكفار الذين ورثت هذه الأمة ديارهم وأموالهم وأراضيهم التي تخرج منها زروعهم وثمارهم وأنهارهم ومعادنهم وغير ذلك مما يخرج من بركات الأرض وهذا من أعظم المعجزات وهو إخباره بظهور أمته على كنوز فارس والروم وأموالهم وديارهم ووقع على ما أخبر به ولكنه لما سمى ذلك ببركات الأرض وأخبر أنه أخوف ما يخافه عليهم أشكل ذلك على بعض من سمعه حيث سماه بركة ثم خاف منه أشد الخوف فإن البركة إنما هي خير ورحمة.

стр. 317

وقد سمى الله تعالى المال خيرا في مواضع كثيرة من القرآن فقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨] وقال: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] وقال تعالى عن سليمان ﵇: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [صّ: ٣٢] فلما سأله السائل: هل يأتي الخير بالشر صمت النبي ﷺ حتى ظنوا أنه أوحي إليه والظاهر أن الأمر كان كذلك ويدل عليه أنه ورد في رواية لمسلم في هذا الحديث: "فأفاق يمسح عنه الرحضاء" ـ وهو العرق ـ وكان النبي ﷺ إذا أوحي إليه يتحدر منه مثل الجمان من العرق من شدة الوحي وثقله عليه وفي هذا دليل على أنه ﷺ كان إذا سئل عن شيء لم يكن أوحي إليه فيه شيء انتظر الوحي فيه ولم يتكلم فيه بشيء حتى يوحى إليه فيه فلما نزل عليه جواب ما سئل عنه قال: "أين السائل؟ " قال: ها أنا فقال النبي ﷺ : "إن الخير لا يأتي إلا بالخير" وفي رواية لمسلم فقال: "أو خير هو؟ " وفي ذلك دليل على: أن المال ليس بخير على الإطلاق بل منه خير ومنه شر ثم ضرب مثل المال ومثل من يأخذه بحقه ويصرفه في حقه ومن يأخذه من غير حقه ويصرفه في غير حقه فالمال في حق الأول خير وفي حق الثاني شر فتبين بهذا أن المال ليس بخير مطلق بل هو خير مقيد فإن استعان به المؤمن على ما ينفعه في آخرته كان خيرا له وإلا كان شرا له فأما المال فقال: "إنه خضرة حلوة". وقد وصف المال والدنيا بهذا الوصف في أحاديث كثيرة: ففي الصحيحين عن حكيم بن حزام أنه سأل النبي ﷺ فأعطاه ثم سأله فأعطاه ثم سأله فقال له النبي ﷺ : "يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع" وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الدنيا خضرة حلوة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء" واستخلافهم فيها هو ما أورثهم الله منها مما كان في أيدي الأمم من قبلهم كفارس والروم وحذرهم من فتنة الدنيا وفتنة النساء خصوصا فإن النساء أول ما ذكره الله من شهوات الدنيا ومتاعها في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤] . وفي المسند والترمذي عن خولة بنت قيس عن النبي ﷺ قال: "إن هذا المال

стр. 318

خضرة حلوة فمن أصابه بحقه بورك له فيه ورب متخوض فيما شاءت نفسه من مال الله ورسوله ليس له يوم القيامة إلا النار" وفي المسند أيضا عن خولة بنت ثامر الأنصارية عن النبي ﷺ قال: "إن الدنيا خضرة حلوة وإن رجالا سيخوضون في مال الله بغير حق لهم النار يوم القيامة" وخرج البخاري من قوله: "إن رجالا" إلى آخره وفي المسند أيضا عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "إن هذه الدنيا خضرة حلوة فمن آتيناه منها شيئا بطيب نفس أو طيب طعمة ولا إسراف بورك له فيه ومن آتيناه منها شيئا بغير طيب نفس منا وغير طعمة وإسراف منه لم يبارك له فيه" وفي المعنى أحاديث أخر. وقوله ﷺ : " إن مما ينبت الربيع يقتل حبطا أو يلم إلا أكلة الخضر" مثل آخر ضربه ﷺ لزهرة الدنيا وبهجة منظرها وطيب نعيمها وحلاوته في النفوس فمثله كمثل نبات الربيع وهو المرعى الخضر الذي ينبت في زمان الربيع فإنه يعجب الدواب التي ترعى فيه وتستطيبه وتكثر من الأكل منه أكثر من قدر حاجتها لاستحلائها له فأما أن يقتلها فتهلك وتموت حبطا والحبط: انتفاخ البطن من كثرة الأكل أو يقارب قتلها ويلم به فتمرض منه مرضا مخوفا مقاربا للموت فهذا مثل من يأخذ من الدنيا بشره وجوع نفس من حيث لاحت له لا بقليل يقنع ولا بكثير يشبع ولا يحلل ولا يحرم بل الحلال عنده ما حل بيده وقدر عليه والحرام عنده ما منع منه وعجز عنه فهذا هو المتخوض في مال الله ورسوله فيما شاءت نفسه وليس له إلا النار يوم القيامة كما في حديث خولة المتقدم. والمراد بمال الله ومال رسوله: الأموال التي يجب على ولاة الأمور حفظها وصرفها في طاعة الله ورسوله من أموال الفيء والغنائم ويتبع ذلك مال الخراج والجزية وكذا أموال الصدقات التي تصرف للفقراء والمساكين كمال الزكاة والوقف ونحو ذلك وفي هذا تنبيه على أن من تخوض من الدنيا في الأموال المحرم أكلها كمال الربا ومال الأيتام الذي من أكله أكل نارا والمغضوب والسرقة والغش في البيوع والخداع والمكر وجحد الأمانات والدعاوى الباطلة ونحوها من الحيل المحرمة أولى أن يتخوض صاحبها في نار جهنم غدا فكل هذه الأموال وما أشبهها يتوسع بها أهلها في الدنيا ويتلذذون بها ويتوصلون بها إلى لذات الدنيا وشهواتها ثم ينقلب ذلك بعد موتهم فيصير جمرا من جمر جهنم في بطونهم فما تفي لذتها بتبعها كما قيل:

стр. 319

تفنى اللذاذة ممن نال لذاتها ... من الحرام ويبقى الإثم والعار تبقى عواقب سوء من مغبتها ... لا خير في لذة من بعدها النار فلهذا شبه النبي ﷺ من يأخذها بغير حقها ويضعها في غير حقها بالبهائم الراعية من خضراء الربيع حتى تنتفخ بطونها من أكله فإما أن يقتلها وإما أن يقارب قتلها فكذلك من أخذ الدنيا من غير حقها ووضعها في غير وجهها إما أن يقتله ذلك فيموت به قلبه ودينه وهو من مات على ذلك من غير توبة منه وإصلاح حال فيستحق النار بعمله قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢] وهذا هو الميت حقيقة فإن الميت من مات قلبه كما قيل: ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء وأما أن يقارب موته ثم يعافى وهو من أفاق من هذه السكرة وتاب قبل موته. وقد قال علي ﵁ في كلامه المشهور في أقسام جملة العلم: أو منهوم باللذات سلس القياد للشهوات أو مغرى بجمع الأموال والإدخار وليسوا من رعاة الدين أقرب شبابهم الأنعام السارحة وفي الأبيات المشهورة التي كان عمر بن عبد العزيز ينشدها كثيرا: نهارك يا مغرور سهو وغفلة ... وليلك نوم والردى لك لازم وتتعب فيما سوف تكره غبه ... كذلك في الدنيا تعيش البهائم وإما استثناؤه ﷺ من ذلك: "آكلة الخضر" فمراده بذلك مثل المقتصد الذي يأخذ من الدنيا بحقها مقدار حاجته فإذا نفذ واحتاج عاد إلى الأخذ منها قدر الحاجة بحقه وآكلة الخضر: دويبة تأكل من الخضر بقدر حاجتها إذا احتاجت إلى الأكل ثم تصرفه عنها فتستقبل عين الشمس فتصرف بذلك ما في بطنها وتخرج منه ما يؤذيها من الفضلات وقد قيل: إن الخضر ليس من نبات الربيع عند العرب إنما هو من كلاء الصيف بعد يبس العشب وهيجه واصفراره والماشية من الإبل لا تستكثر منه بل تأخذ منه قليلا قليلا ولا تحبط بطونها منه فهذا مثل المؤمن المقتصد من الدنيا يأخذ من حلالها وهو قليل بالنسبة إلى حرامها قدر بلغته وحاجته ويجتزي من متاعها بأدونه وأخشنه ثم لا يعود إلى الأخذ منها إلا إذا نفذ ما عنده وخرجت فضلاته فلا يوجب له هذا الأخذ ضررا ولا مرضا ولا.

стр. 320

هلاكا بل يكون ذلك بلاغا له ويتبلغ به مدة حياته ويعينه على التزود لآخرته وفي هذا إشارة إلى مدح من أخذ من حلال الدنيا بقدر بلغته وقنع بذلك كما قال ﷺ : "قد أفلح من هداه الله إلى الإسلام وكان عيشه كفافا فقنع به" وقال ﷺ : "خير الرزق ما يكفي" وقال: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا". خذ من الرزق ما كفا ... ومن العيش ما صفا كل هذا سينقضي ... كسراج إذا انطفا ثم قال ﷺ : "إن هذا المال خضرة حلوة" فأعاده مرة ثانية تحذيرا من الإغترار به فخضرته منظرة وحلاوته طيب طعمه فلذلك تشتهيه النفوس وتسارع إلى طلبه ولكن لو فكرت في عواقب لهربت منه الدنيا في الحال حلوة خضره وفي المآل مرة كدرة نعمت المرضعة وبئست الفاطمة. إنما الدنيا نهار ... ضوءه ضوء معار بينما عيشك غض ... ناعم فيه اخضرار إذ رماه زمناه ... فإذا فيه اصفرار وكذلك الليل يأتي ... ثم يمحوه النهار مثل حرام الدنيا كشجرة الدفلى تعجب من رآها وتقتل من آكلها. نرى الدنيا وزهرتها فنصبوا ... وما يخلو من الشهوات قلب فضول العيش أكثره هموم ... وأكثر ما يضرك ما تحب إذا اتفق القليل وفيه سلم ... فلا ترد الكثير وفيه حرب الذي بشر أمته بفتح الدنيا عليهم حذرهم من الإغترار بزهرتها وخوفهم من خضرتها وحلاوتها وأخبرهم بخبرابها وفنائها وأن بين أيديهم دارا لا تنقطع خضرتها وحلاوتها فمن وقف مع زهرة هذه العاجلة انقطع وهلك ومن لم يقف معها وسار إلى تلك وصل ونجا في المسند عن ابن عباس: أن النبي ﷺ أتاه فيما يرى النائم ملكان فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه فقال أحدهما للآخر: اضرب له مثلا فقال: إن مثله ومثل أمته كمثل قوم سفر انتهو إلى رأس مفازة فلم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به فبينما هم كذلك إذا أتاهم رجل في حلة حبرة فقال: أرأيتم إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء أتتبعوني؟ قالوا: نعم قال: فانطلق بهم فأوردهم رياضا معشبة.

стр. 321

وحياضا رواء فأكلوا وشربوا وسمنوا فقال لهم: ألم ألفكم على تلك الحال فجعلتم لي إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء أن تتبعوني؟ قالوا: بلى قال: فإن بين أيديكم رياضا هي أعشب من هذه وحياضا هي أروى من هذه فاتبعوني قال: فقالت طائفة: صدق والله لتتبعنه وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نقيم عله وقد خرجه ابن أبي الدنيا وغيره من الحسن مرسلا بسياق أبسط من هذا وفيه: إنهم لما رتعوا وسمنوا وأعجبهم المنزل صاح بهم فقال: ارتحلوا فإن هذه الروضة ذاهبة وإن هذا الماء غائر ذاهب وإن أمامكم روضة أعشب من هذه وماء أروى من هذا الماء فكره ذلك عامة الناس وقالوا: ما نريد بهذه بدلا وهم أكثر الناس وقال آخرون: والله إن آخر قوله كأوله ارتحلوا فأبوا فارتحل قوم فنجوا ولم يشعر الذين أقاموا حتى طرقهم العدو ليلا فأصبحوا بين أسير وقتيل. الدنيا: خضراء الدمن ومعنى ذلك أن خضرتها نابتة على مزبلة منتنة يا دني الهمة قنعت بروضة على مزبلة والملك يدعوك إلى فردوسه الأعلى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨] أرضيتم بخرابات البلى في الفردوس الأعلى يا لها صفقة غبن أتقنع بخسائس الحشائش والرياض معشبة بين يديك. وقوله ﷺ : "من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع" تقسيم لمن يأخذ المال على قسمين: فأحدهما: يشبه حال آكلة الخضر وهو من أخذه بحقه ووضعه في حقه وذكر أنه نعم المعونة هو فإنه نعم العون لمن هذه صفته على الآخرة كما في حديث عمرو بن العاص عن النبي ﷺ قال: "نعم المال الصالح للرجل الصالح" وهو الذي يأخذ بحقه ويضعه في حقه فهذا يوصله ماله إلى الله فمن أخذ من المال بحقه ما يقويه على طاعة الله ويستعين به عليها كان أخذه طاعة ونفقته طاعة وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: "إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك" وفي حديث آخر: "ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة وما أطعمت أهلك فهو لك صدقة وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة". فما أخذ من الدنيا بنية التقوى على طلب الآخرة فهو داخل في قسم إرادة الآخرة والسعي لها لا في إرادة الدنيا والسعي لها قال الحسن: ليس من حب الدنيا طلبك ما يصلحك فيها ومن زهدك فيها ترك الحاجة يسدها عنك تركها،

стр. 322

ومن أحب الدنيا وسرته ذهب خوف الآخرة من قلبه وقال سعيد بن جبير: متاع الغرور ما يلهيك عن طلب الآخرة وما لم يلهك فليس متاع الغرور ولكنه بلاغ إلى ما هو خير منه وقال بعض العارفين: كل ما أصبت من الدنيا تريد به الدنيا فهو مذموم وكل ما أصبت منها تريد به الآخرة فليس من الدنيا وقال أبو سليمان: الدنيا حجاب عن الله لأعدائه ومطية موصلة إليه لأوليائه فسبحان من جعل شيئا واحدا سببا للإتصال به والإنقطاع عنه. والقسم الثاني: يشبه حاله حال البهائم التي ترعى مما ينبت الربيع "فيقتلها حبطا أو يلم" وهو من يأخذ المال بغير حقه فيأخذه من الوجوه المحرمة فلا يقنع منه بقليل ولا بكثير ولا يشبع نفسه منه ولهذا قال: "وكان كالذي يأكل ولا يشبع" وكان النبي ﷺ يتعوذ من نفس لا تشبع. وفي حديث زيد بن ثابت عن النبي ﷺ قال: "من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له" فمن كان فقره بين عينيه لم يزل خائفا من الفقر لا يستغنى قلبه بشيء ولا يشبع من الدنيا فإن الغنى غنى القلب والفقر فقر النفس وفي حديث خرجه الطبراني مرفوعا: "الغنى غنى القلب والفقر في القلب ومن كان الغنى في قلبه فلا يضره ما لقي من الدنيا ومن كان الفقر في قلبه فلا يغنيه ما أكثر له منها وإنما يضر نفسه" وعن عيسى ﵇ قال: "مثل طالب الدنيا كشارب البحر كلما زاد شربا منه زاد عطشا حتى يقتله" قال يحيى بن معاذ: من كان غناه في قلبه لم يزل غنيا ومن كان غناه في كبسه لم يزل فقيرا ومن قصد المخلوقين لحوائجه لم يزل محروما ويشهد لذلك كله الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : "لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب" لو فكر الطامع في عاقبة الدنيا لقنع ولو تذكر الجائع إلى فضول مآلها لشبع. هب أنك قد ملكت الأرض طرا ... ودان لك العباد فكان ماذا أليس إذا مصيرك جوف قبر ... ويحثي التراب هذا ثم هذا وقد ضرب الله في كتابه مثل الدنيا وخضرتها ونضرتها وبهجتها وسرعة تقلبها وزوالها وجعل مثلها كمثل نبات الأرض النابت من مطر السماء في تقلب أحواله ومآله قال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ

стр. 323

نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ [الكهف:٤٥] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس:٢٤] وقال تعالى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠] وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٢١] فالدنيا وجميع ما فيها من الخضرة والبهجة والنضرة تتقلب أحواله وتتبدل ثم تصير حطاما يابسا وقد عدد الله سبحانه زينة الدنيا ومتاعها المبهج في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران:١٤] وهذا كله يصير ترابا ما خلا الذهب والفضة ولا ينتفع بأعيانهما بل هما قيم الأشياء فلا ينتفع صاحبهما بإمساكهما وإنما ينتفع بإنفاقهما ولهذا قال الحسن: بئس الرفيق الدرهم والدينار لا ينفعانك حتى يفارقانك وأجسام بني آدم بل وسائر الحيوانات كنبات الأرض تنقلب من حال إلى حال ثم تجف وتصير ترابا قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً*ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً﴾ [نوح: ١٧, ١٨] . وما المرء إلا كالنبات وزهره ... يعود رفاتا بعد ما هو ساطع فينتقل ابن آدم من الشباب إلى الهرم ومن الصحة إلى السقم ومن الوجود إلى العدم كما قيل: وما حالتنا إلا ثلاث ... شباب ثم شيب ثم موت وآخر ما يسمى المرء شيخا ... ويتلوه من الأسماء ميت مدة الشباب قصيرة كمدة زهر الربيع وبهجته ونضارته فإذا يبس وابيض فقد آن ارتحاله كما أن الزرع إذا ابيض فقد آن حصاده وأجمل زهور الربيع الورد ومتى كثر فيه البياض فقد قرب زمان انتقاله قال وهيب بن الورد: إن لله ملكا

стр. 324

ينادي في السماء كل يوم: أبناء الخمسين زرع دنا حصاده وفي حديث مرفوع: "إن لكل شيء حصادا وحصاد أمتي ما بين الستين إلى السبعين". قد يبلغ الزرع منتهاه ... لا بد للزرع من حصاد وقد يدرك الزرع آفة قبل بلوغ حصاده فيهلك كما أشير إليه في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: ٢٤] قال ميمون بن مهران لجلسائه: يا معشر الشيوخ ما ينتظر بالزرع إذا ابيض قالوا الحصاد فنظر إلى الشباب فقال: يا معشر الشباب إن الزرع قد تدركه الآفة قبل أن يستحصد وقال بعضهم: أكثر من يموت الشباب وآية ذلك أن الشيوخ في الناس قليل. أيا ابن آدم لا يغررك عافية ... عليك صافية فالعمر معدود ما أنت إلا كزرع عند خضرته ... بكل شيء من الآفات مقصود فإن سلمت من الآفات أجمعها ... فأنت عند كمال الأمر محصود كل ما في الدنيا فهو مذكر بالآخرة ودليل عليه فنبات الأرض واخضرارها في الربيع بعد محولها ويبسها في الشتاء وإيناع الأشجار واخضرارها بعد كونها خشبا يابسا يدل على بعث الموتى من الأرض وقد ذكر الله تعالى ذلك في كتابه في مواضع كثيرة قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٥, ٧] وقال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ، وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [قّ: ٩, ١١] وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:٥٧] . قال أبو رزين للنبي ﷺ : كيف يحي الله الموتى وما آية ذلك في خلقه؟ قال: "هل مررت بواد أهلك محلا ثم مررت به يهتز خضرا"؟ قال: نعم قال: "كذلك يخرج الله الموتى وذلك آيته في خلقه" خرجه الإمام أحمد وقصر مدة

стр. 325

الزرع والثمار وعود الأرض بعد ذلك إلى يبسها والشجر إلى حالها الأول كعود ابن آدم بعد كونه حيا إلى التراب الذي خلق منه. وفصول السنة تذكر بالآخرة: فشدة حر الصيف يذكر بحر جهنم وهو من سمومها وشدة برد الشتاء يذكر بزمهرير جهنم وهو من زمهريرها والخريف يكمل فيه اجتناء ثمرات الأعمال في الآخرة وأما الربيع فهو أطيب فصول السنة وهو يذكر بنعيم الجنة وطيب عيشها وينبغي أن يحث المؤمن على الإستعداد لطلب الجنة بالأعمال الصالحة كان بعض السلف يخرج في أيام الرياحين والفواكه إلى السوق فيقف وينظر ويعتبر ويسأل الله الجنة ومر سعيد بن جبير بشباب من أبناء الملوك جلوس في مجالسهم في زينتهم فسلموا عليه فلما بعد عنهم بكى واشتد بكاؤه وقال: ذكرني هؤلاء بشباب أهل الجنة. تزوج صلة بن أشيم بمعاذة العدوية وكانا من كبار الصالحين فأدخله ابن أخيه الحمام ثم أدخله على زوجته في بيت مطيب منجد فقاما يصليان إلى الصباح فسأله ابن أخيه عن حاله فقال: أدخلتني بالأمس بيتا أذكرتني به النار يعني الحمام وأدخلتني الليلة بيتا أذكرتني به الجنة فلم يزل فكري في الجنة والنار إلى الصباح. دعا عبد الواحد بن زيد إخوانه إلى طعام صنعه إليهم فقام على رؤوسهم عتبة الغلام يخدمهم وهو صائم وهم يأكلون فجعلت عيناه تهملان فسأله عبد الواحد عن سبب بكائه؟ فقال: ذكرت مواد أهل الجنة إذا أكلوا وقام الولدان على رؤوسهم إنما خلقت الدنيا مرآة لننظر بها إلى الآخرة لا لننظر إليها ونوقف معها. كفى حزنا أن لا أعاين بقعة ... من الأرض إلا ازددت شوقا إليكم وإني متى ما طاب لي خفض عيشة ... تذكرت أياما مضت لي لديكم تدقيق النظر والفكر في حال النبات يستدل به المؤمن على عظمة خالقه وكمال قدرته ورحمته فتزداد القلوب هيمانا في محبته وإلى ذلك الإشارة بقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:٩٩] . زمان الربيع كله واعظ يذكر بعظمة موجده وكمال قدرته ويشوق إلى طيب.

стр. 326

مجاورته في دار كرامته كما قال ابن سمعون في وصف الربيع: أرضه حرير وأنفاسه عبير وأوقاته كلها وعظ وتذكير. يا قومنا فاح الربيع ... ولاح للأحباب يحدو الزهر مسك والريا ... ض أريضة والماء جعد والظل منثور وفي ... جيد الشقائق منه عقد هذا النسيم معنبر ... وضباب هذا النوء ند والغصن يرقص والغديـ ... ـر مصفق والورق تشدو والجو بعض منه يا ... قوت وبعض لا زرود والكل يشهد أن صا ... نعه قدير وهو فرد ولبعضهم في وصف زمان الربيع: الطل في سلك الغصون كلؤلؤ ... رطب يصافحه النسيم فيسقط والطير يقرأ والغدير صحيفة ... والريح يكتب والغمام ينقط رؤي بعض الشعراء المتقدمين في المنام بعد موته فسئل عن حاله؟ فقال: غفر لي بأبيات قلتها في النرجس: تفكر في نبات الأرض وانظر ... إلى آثار ما صنع المليك عيون من لجين ناظرات ... بأحداق هي الذهب السبيك على قضب الزبرجد شاهدات ... بأن الله ليس له شريك سبحان من سبحت المخلوقات بحمده فملأ الأكوان تحميده وأفصحت الكائنات بالشهادة بوحدانيته فوضح توحيده يسبحه النبات جمعه وفريده والشجر عتيقه وجديده ويمجده رهبان الطيور في صوامع الأشجار فيطرب السامع تمجيده كلما درس الهزار درس شكره فالبلبل بالحمد معيده وكلما أقام خطيب الحمام النوح على الدوح هيج المستهام نوحه وتغريده: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [العنكبوت: ١٩] عجبا للمتقلب بين مشاهدة حكمه وتناول نعمه ثم لا يشكر نعمه ولا يبصر حكمه وأعجب من ذلك أن يعصي المنعم بنعمه هذا عود شجر الكرم يكون يابسا طول الشتاء ثم إذا جاء الربيع دب فيه الماء واخضر ثم يخرج الحصرم فينتفع الناس به حامضا ويتناولون منه طبغا واعتصارا ثم ينقلب حلوا فينتفع الناس به حلوا رطبا ويابسا ويستخرجون منه ما ينتفعون بحلاوته

стр. 327

طول العام وما يأتدمون بحمضه وهو نعم الإدام فهذه التنقلات توجب للعاقل الدهش والتعجب من صنع صانعه وقدرة خالقه فينبغي له أن يفرغ عقله للتفكر في هذه النعم والشكر عليها. وأما الجاهل فيأخذ العنب فيجعله خمرا فيغطي به العقل الذي ينبغي أن يستعمل في الفكر والشكر حتى ينسى خالقه المنعم عليه بهذه النعم كلها فلا يستطيع بعد الشرب أن يذكره أو يشكره بل ينسى من خلقه ورزقه فلا يعرفه في شكره بالكلية وهذه نهاية كفر النعم. فواعجبا كيف يعصي الإله ... أم كيف يجحده الجاحد ولله في كل تحريكة ... وتسكينة أبدا شاهد وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد ومن وجوه الإعتبار في النظر إلى الأرض التي أحياها الله بعد موتها في فصل الربيع بما ساق إليها من قطر السماء أنه يرجى من كرمه أن يحي القلوب الميتة بالذنوب وطول الغفلة بسماع الذكر النازل من السماء وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦] إلى قوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد: ١٧] ففيه إشارة إلى أن من قدر على إحياء الأرض بعد موتها بوابل القطر فهو قادر على إحياء القلوب الميتة القاسية بالذكر عسى لمحة من لمحات عطفه ونفحة من نفحات لطفه وقد صلح من القلوب كل ما فسد. عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كل يوم في خليقته أمر إذا اشتد عسر فأرج يسرا فإنه ... قضى الله إن العسر يتبعه يسر عسى من أحيا الأرض الميتة بالقطر أن يحي القلوب الميتة بالذكر عسى نفحة من نفحات رحمته تهب فمن أصابته سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا. إذا ما تجدد فصل الربيع ... تجدد للقلب فضل الرجاء عسى الحال يصلح بعد الذنوب ... كما الأرض تهتز بعد الشتاء ومن ذا الذي ليس يرجوك ربي ... وربع عطائك رحب الفناء

стр. 328

المجلس الثاني في ذكر فصل الصيف . خرجا في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف فأشد ما تجدون من الحر من سموم جهنم وأشد ما تجدون من البرد من زمهرير جهنم" لا شك أن الله تعالى خلق لعباده دارين يجزيهم فيها بأعمالهم مع البقاء في الدارين من غير موت وخلق دارا معجلة للأعمال وجعل فيها موتا وحياة وابتلى عباده فيها بما أمرهم به ونهاهم عنه وكلفهم فيها الإيمان بالغيب ومنه: الإيمان بالجزاء والدارين المخلوقتين له وأنزل بذلك الكتب وأرسل به الرسل وأقام الأدلة الواضحة على الغيب الذي أمر بالإيمان به وأقام علامات وأمارات تدل على وجود داري الجزاء فإن إحدى الدارين المخلوقتين للجزاء دار نعيم محض لا يشوبه ألم والأخرى دار عذاب محض لا يشوبه راحة. وهذه الدار الفانية ممزوجة بالنعيم والألم فما فيها من النعيم يذكر بنعيم الجنة وما فيها من الألم يذكر بألم النار وجعل الله تعالى في هذه الدار أشياء كثيرة تذكر بدار الغيب المؤجلة الباقية فمنها ما يذكر بالجنة من زمان ومكان أما الأماكن فخلق الله بعض البلدان كالشام وغيرها فيها من المطاعم والمشارب والملابس وغير ذلك من نعيم الدنيا ما يذكر بنعيم الجنة وأما الأزمان: فكزمن الربيع فإنه يذكر طيبه بنعيم الجنة وطيبها وكأوقات الأسحار فإن بردها يذكر ببرد الجنة وفي الحديث الذي خرجه الطبراني: "إن الجنة تفتح في كل ليلة في السحر فينظر الله إليها فيقول لها: ازدادي طيبا لأهلك فتزداد طيبا فذلك برد السحر الذي يجده الناس" وروى سعيد الجريري عن سعيد بن أبي الحسن أن داود ﵇ قال: يا جبريل أي الليل أفضل؟ قال: ما أدري غير أن العرش يهتز إذا كان من السحر ألا ترى أنه يفوح ريح كل الشجر. ومنها ما يذكر بالنار فإن الله تعالى جعل في الدنيا أشياء كثيرة تذكر بالنار المعدة لمن عصاه وما فيها من الآلام والعقوبات من أماكن وأزمان وأجسام وغير ذلك أما الأماكن فكثير من البلدان مفرطة الحر أو البرد فبردها يذكر بزمهرير جهنم وحرها يذكر بحر جهنم وسمومها وبعض البقاع يذكر بالنار

стр. 329

كالحمام قال أبو هريرة: نعم البيت الحمام يدخله المؤمن فيزيل به الدرن ويستعيذ بالله فيه من النار كان السلف يذكرون النار بدخول الحمام فيحدث لهم ذلك عبادة دخل ابن وهب الحمام فسمع تاليا يتلو: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ [غافر: ٤٧] فغشي عليه. وتزوج صلة بن أشيم فدخل الحمام ثم دخل على زوجته تلك الليلة فقام يصلي حتى أصبح وقال: دخلت بالأمس بيتا أذكرني النار ودخلت الليلة بيتا ذكرت به الجنة فلم يزل فكري فيهما حتى أصبحت كان بعض السلف إذا أصابه كرب الحمام يقول: يا بر يا رحيم من علينا وقنا عذاب السموم صب بعض الصالحين على رأسه ماء من الحمام فوجده شديد الحر فبكى وقال: ذكرت قوله تعالى: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩] . كل ما في الدنيا يدل على صانعه ويذكر به ويدل على صفاته فما فيها من نعيم وراحة يدل على كرم خالقه وفضله وإحسانه وجوده ولطفه وما فيها من نقمة وشدة وعذاب يدل على شدة بأسه وبطشه وقهره وانتقامه واختلاف أحوال الدنيا من حر وبرد وليل ونهار وغير ذلك يدل على انقضائها وزوالها قال الحسن: كانوا يعني الصحابة يقولون: الحمد لله الرفيق الذي لو جعل هذا الخلق خلقا دائما لا ينصرف لقال الشاك في الله: لو كان لهذا الخلق رب لحادثه وإن الله قد حادث بما ترون من الآيات أنه جاء بضوء طبق ما بين الخافقين وجعل فيها معاشا و ﴿سِرَاجاً وَهَّاجاً﴾ ثم إذا شاء ذهب بذلك الخلق وجاء بظلمة طبقت ما بين الخافقين وجعل فيها سكنا ونجوما وقمرا منيرا وإذا شاء بنى بناء جعل فيه المطر والرعد والبرق والصواعق ما شاء وإن شاء صرف ذلك الخلق وإذا شاء جاء ببرد يقرقف الناس وإذا شاء ذهب بذلك وجاء بحر يأخذ بأنفاس الناس ليعلم الناس أن لهذا الخلق ربا يحادثه بما ترون من الآيات كذلك إذا شاء ذهب بالدنيا وجاء بالآخرة. وقال خليفة العبدي: لو أن الله لم يعبد إلا عن رؤية ما عبده أحد ولكن المؤمنين تفكروا في مجيء هذا الليل إذا جاء فطبق كل شيء وملأ كل شيء ومحا سلطان النهار وتفكروا في مجيء هذا النهار إذا جاء فملأ كل شيء وطبق كل شيء ومحا سلطان الليل وتفكروا في ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ وتفكروا في ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ وتفكروا في مجيء الشتاء

стр. 330

والصيف فوالله ما زال المؤمنون يتفكرون فيما خلق لهم ربهم حتى أيقنت قلوبهم وحتى كأنما عبدوا الله عن رؤيته ما رأى العارفون شيئا من الدنيا إلا تذكروا به ما وعد الله به من جنسه في الآخرة من كل خير وعافية. قلوب العارفين لها عيون ... ترى ما لا يراه الناظرونا وأما الأزمان فشدة الحر والبرد يذكر بما في جهنم من الحر والزمهرير وقد دل هذا الحديث الصحيح على: أن ذلك من تنفس النار في ذلك الوقت قال الحسن: كل برد أهلك شيئا فهو من نفس جهنم وكل حر أهلك شيئا فهو من نفس جهنم وفي الحديث الصحيح أيضا عن النبي ﷺ قال: "إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم". وفي حديث مرفوع خرجه عثمان الدارمي وغيره: "إذا كان يوم شديد الحر فقال العبد: لا إله إلا الله ما أشد حر هذا اليوم اللهم أجرني من حر جهنم قال الله لجهنم: إن عبدا من عبادي قد استجار بي منك وقد أجرته وإذا كان يوم شديد البرد فقال العبد: لا إله إلا الله ما أشد برد هذا اليوم اللهم أجرني من زمهرير جهنم قال الله لجهنم: إن عبدا من عبادي قد استجار بي من زمهريرك وإني أشهدك أني قد أجرته قالوا وما زمهرير جهنم قال: بيت يلقى فيه الكافر فيتميز من شدة برده". أبواب النار مغلقة وتفتح أحيانا فتفتح أبوابها كلها عند الظهيرة ولذلك يشتد الحر حينئذ فيكون في ذلك تذكرة بنار جهنم. وأما الأجسام المشاهدة في الدنيا المذكرة بالنار فكثيرة منها الشمس عند اشتداد حرها وقد روي أنها خلقت من النار وتعود إليها وخرج الطبراني بإسناده أن رجلا في عهد النبي ﷺ نزع ثيابه ثم تمرغ في الرمضاء وهو يقول لنفسه: "ذوقي، نار جهنم أشد حرا جيفة بالليل يطال بالنهار فرآه النبي ﷺ فقال: يا رسول الله غلبتني نفسي فقال النبي ﷺ : " لقد فتحت لك أبواب السماء وباهى الله بك الملائكة" وأما البروز للشمس تعبدا بذلك فغير مشروع فإن النبي ﷺ قال لأبي اسرائيل لما رآه قائما في الشمس: فأمره أن يجلس ويستظل وكان نذر أن يقوم في الشمس مع الصوم فأمره أن يتم صومه فقط وإنما يشرع البروز للشمس للمحرم كما قال ابن عمر ﵄ لمحرم رآه قد استظل: اضح لمن أحرمت له أي ابرز إلى الضحاء وهو حر الشمس كان بعضهم إذا أحرم لم يستظل فقيل له لو أخذت بالرخصة فأنشد:

стр. 331

ضحيت له كي أستظل بظله ... إذا الظل أضحى في القيامة قالصا فوا أسفا إن كان سعيك خائبا ... ووا أسفا إن كان حظك ناقصا ومما يؤمر بالصب فيه على حر الشمس النفر للجهاد في الصيف كما قال تعالى عن المنافقين: ﴿وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨١] وكذلك في المشي إلى المساجد للجمع والجماعات وشهود الجنائز ونحوها من الطاعات والجلوس في الشمس لانتظار ذلك حيث لا يوجد ظل. خرج رجل من السلف إلى الجمعة فوجد الناس قد سبقوه إلى الظل فقعد في الشمس فناداه رجل من الظل أن يدخل إليه فأبى أن يتخطى الناس لذلك ثم تلا: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] كان بعضهم إذا رجع من الجمعة في حر الظهيرة يذكر انصراف الناس من موقف الحساب إلى الجنة أو النار فإن الساعة تقوم في يوم الجمعة ولا ينتصف ذلك النهار حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار قاله ابن مسعود وتلا قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ [الفرقان:٢٤] وينبغي لمن كان في حر الشمس أن يتذكر حرها في الموقف فإن الشمس تدنو من رؤوس العباد يوم القيامة ويزاد في حرها وينبغي لمن لا يصبر على حر الشمس في الدنيا أن يجتنب من الأعمال ما يستوجب صاحبه به دخول النار فإنه لا قوة لأحد عليها ولا صبر قال قتادة: وقد ذكر شراب أهل جهنم وهو ماء يسيل من صديدهم من الجلد واللحم فقال: هل لكم بهذا يدان أم لكم عليه صبر طاعة الله أهون عليكم يا قوم فأطيعوا الله ورسوله. نسيت لظى عند ارتكانك للهوى ... وأنت توقى حر شمس الهواجر كأنك لم تدفن حميما ولم تكن ... له في سياق الموت يوما بحاضر رأى عمر بن عبد العزيز قزما في جنازة قد هربوا من الشمس إلى الظل وتوقوا الغبار فبكى ثم أنشد: من كان حين تصيب الشمس جبهته ... أو الغبار يخاف الشين والشعثا ويألف الظل كي يبقى بشاشته ... فسوف يسكن يوما راغما جدثا في ظل مقفرة غبراء مظلمة ... يطيل تحت الثرى في غمها اللبثا تجهزي بجهاز تبلغين به ... يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثا

стр. 332

ومما يضاعف ثوابه في شدة الحر من الطاعات: الصيام لما فيه من ظمأ الهواجر ولهذا كان معاذ بن جبل يتأسف عند موته على ما يفوته من ظمأ الهواجر وكذلك غيره من السلف وروي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه كان يصوم في الصيف ويفطر في الشتاء ووصى عمر ﵁ عند موته ابنه عبد الله فقال له: عليك بخصال الإيمان وسمى أولها: الصوم في شدة الحر في الصيف قال القاسم بن محمد: كانت عائشة ﵂ تصوم في الحر الشديد قيل له: ما حملها على ذلك؟ قال: كانت تبادر الموت. وكان مجمع التيمي يصوم في الصيف حتى يسقط كانت بعض الصالحات تتوخى أشد الأيام حرا فتصومه فيقال لها في ذلك فتقول: إن السعر إذا رخص اشتراه كل أحد تشير إلى أنها لا تؤثر إلا العمل الذي لا يقدر عليه إلا قليل من الناس لشدته عليهم وهذا من علو الهمة كان أبو موسى الأشعري في سفينة فسمع هاتفا يهتف: يا أهل المركب قفوا يقولها ثلاثا فقال أبو موسى: يا هذا كيف نقف ألا ترى ما نحن فيه كيف نستطيع وقوفا فقال الهاتف: ألا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه؟ قال: بلى أخبرنا قال: فإن الله قضى على نفسه أنه من عطش نفسه لله في يوم حار كان حقا على الله أن يرويه يوم القيامة فكان أبو موسى يتوخى ذلك اليوم الحار الشديد الحر الذي يكاد الإنسان ينسلخ منه فيصومه قال كعب: إن الله تعالى قال لموسى: إني آليت على نفسي أنه من عطش نفسه لي أن أرويه يوم القيامة وقال غيره: مكتوب في التوراة طوبى لمن جوع نفسه ليوم الشبع الأكبر طوبى لمن عطش نفسه ليوم الري الأكبر. قال الحسن: تقول الحوراء لولي الله وهو متكىء معها على نهر الخمر في الجنة تعاطيه الكأس في أنعم عيشه أتدري أي يوم زوجنيك الله إنه نظر إليك في يوم صائف بعيد ما بين الطرفين وأنت في ظمأ هاجرة من جهد العطش فباهى بك الملائكة وقال انظروا إلى عبدي ترك زوجته ولذته وطعامه وشرابه من أجلي رغبة فيما عندي اشهدوا أني قد غفرت له فغفر لك يومئذ وزوجنيك لما سار عامر بن عبد قيس من البصرة إلى الشام كان معاوية يسأله أن يرفع إليه حوائجه فيأبى فلما أكثر عليه قال: حاجتي أن ترد على من حر البصرة لعل الصوم أن يشتد علي شيئا فإنه يخف علي في بلادكم. نزل الحجاج في بعض أسفاره بماء بين مكة والمدينة فدعا بغدائه ورأى

стр. 333

أعرابيا فدعاه إلى الغداء معه فقال: دعاني من هو خير منك فأجبته قال: ومن هو؟ قال: الله تعالى دعاني إلى الصيام فصمت قال: في هذا الحر الشديد؟ قال: نعم صمت ليوم أشد منه حرا قال: فافطر وصم غدا قال: إن ضمنت لي البقاء إلى غد قال: ليس ذلك إلي قال: فكيف تسألني عاجلا بآجل لا تقدر عليه. خرج ابن عمر في سفر معه أصحابه فوضعوا سفرة لهم فمر بهم راع فدعوه إلى أن يأكل معهم قال: إني صائم فقال ابن عمر: في مثل هذا اليوم الشديد حره وأنت بين هذه الشعاب في آثار هذه الغنم وأنت صائم؟ فقال: أبادر أيامي هذه الخالية فعجب منه ابن عمر فقال له ابن عمر: هل لك أن تبيعنا شاة من غنمك ونطعمك من لحمها ما تفطر عليه ونعطيك ثمنها قال: إنها ليست لي إنها لمولاي قال: فما عسيت أن يقول لك مولاك إن قلت أكلها الذئب فمضى الراعي وهو رافع اصبعه إلى السماء وهو يقول: فأين الله فلم يزل ابن عمر يردد كلمته هذه فلما قدم المدينة بعث إلى سيد الراعي فاشترى منه الراعي والغنم فأعتق الراعي ووهب له الغنم. نزل روح بن زنباع منزلا بين مكة والمدينة في حر شديد فانقض عليه راع من جبل فقال له: يا راع هلم إلى الغداء قال: إني صائم قال: أفتصوم في هذا الحر؟ قال: أفأدع أيامي تذهب باطلا فقال روح: لقد ضننت بأيامك يا راعي إذ جاد بها روح بن زنباع كان ابن عمر يصوم تطوعا فيغشى عليه فلا يفطر وكان الإمام أحمد يصوم حتى يكاد يغمى عليه فيمسح على وجهه الماء وسئل عن من يصوم فيشتد عليه الحر قال: لا بأس أن يبل ثوبا يتبرد به ويصب عليه الماء كان النبي ﷺ بالعرج يصب على رأسه الماء وهو صائم وكان أبو الدرداء يقول: صوموا يوما شديدا حره لحر يوم النشور وصلوا ركعتين في ظلمة الليل لظلمة القبور. وفي الصحيحين عن أبي الدرداء ﵁ قال: لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره في اليوم الحار الشديد الحر وإن الرجل ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما في القوم أحد صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة وفي رواية أن ذلك كان في شهر رمضان. لما صبر الصائمون لله في الحر على شدة العطش والظمأ أفرد لهم بابا من أبواب الجنة وهو باب الريان من دخل شرب ومن شرب لم يظمأ بعدها أبدا فإذا دخلوا أغلق على من بعدهم فلا يدخل منه غيرهم.

стр. 334

وقد تحدث أحيانا حوادث غير معتادة تذكر بالنار كالصواعق والريح الحارة المحرقة للزرع قال الله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: ١٣] وقد روي أن الصواعق قطعة من نار تطير من في الملك الذي يزجر السحاب عند اشتداد غضبه وقال الله تعالى: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: ٢٦٦] والإعصار: الريح الشديدة العاصف التي فيها نار والصر: الريح الشديدة البرد وقد عذب الله تعالى قوم شعيب بالظلة وروي أنه أصابهم حر أخذ بأنفاسهم فخرجوا من البيوت إلى الصحراء فأظلتهم سحابة فوجدوا لها بردا فاجتمعوا تحتها كلهم فأمطرت عليهم نارا فأحرقوا كلهم. فكل هذه العقوبات بسبب المعاصي وهي من مقدمات عقوبات جهنم وأنموذجها. ومما يدل على الجنة والنار أيضا ما يعجله الله في الدنيا لأهل طاعته وأهل معصيته فإن الله تعالى يعجل لأوليائه وأهل طاعته من نفحات نعيم الجنة وروحها ما يجدونه ويشهدونه بقلوبهم مما لا يحيط به عبارة ولا تحصره إشارة حتى قال بعضهم: إنه لتمر بي أوقات أقول إن كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه فإنهم في عيش طيب قال أبو سليمان: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم وقال بعضهم: الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا ومستراح العابدين قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] قال الحسن: نرزقه طاعة يجد لذتها في قلبه أهل التقوى في نعيم حيث كانوا في الدنيا والبرزخ وفي الآخرة. العيش عيشهم والملك ملكهم ... ما الناس إلا همو بانوا أو اقتربوا وأما أهل المعاصي والإعراض عن الله فإن الله يعجل لهم في الدنيا من أنموذج عقوبات جهنم ما يعرف أيضا بالتجربة والذوق فلا تسأل عما هم فيه من ضيق الصدر وحرجه ونكده وعما يعجل لهم من عقوبات المعاصي في الدنيا ولو بعد حين من زمن العصيان وهذا من نفحات الجحيم المعجلة لهم ثم ينتقلون بعد هذه الدار إلى أشد من ذلك وأضيق ولذلك يضيق على أحدهم قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ويفتح له باب إلى النار فيأتيه من سمومها قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه: ١٢٤] وورد في الحديث المرفوع تفسيرها بعذاب القبر ثم بعد ذلك يصيرون إلى جهنم وضيقها قال الله.

стр. 335

تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً*لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾ [الفرقان: ١٣, ١٤] . ومما يدل أيضا في الدنيا على وجود النار الحمى التي تصيب بني آدم وهي نار باطنة فمنها نفحة من نفحات سموم جهنم ومنها نفحة من نفحات زمهريرها وقد روي في حديث خرجه الإمام أحمد وابن ماجه: أنها "جظ المؤمن من النار" والمدار أن الحمى تكفر ذنوب المؤمن وتنقيه منها كما ينقي الكير خبث الحديد وإذا طهر المؤمن من ذنوبه في الدنيا لم يجد حر النار إذا مر عليها يوم القيامة لأن وجدان الناس لحرها عند المرور عليها بحسب ذنوبهم فمن طهر من الذنوب ونقي منها في الدنيا جاز على الصراط كالبرق الخاطف والريح ولم يجد شيئا من حر النار ولم يحس بها فتقول النار للمؤمن: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي وفي حديث جابر المرفوع في مسند الإمام أحمد: " إنهم يدخلونها فتكون عليهم بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم حتى أن للنار ضجيجا من بردهم". ومن أعظم ما يذكر بنار جهنم النار التي في الدنيا قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة:٧٣] يعني: أن نار الدنيا جعلها الله تذكرة تذكر بنار جهنم مر ابن مسعود بالحدادين وقد أخرجوا حديدا من النار فوقف ينظر إليه ويبكي وروي عنه أنه مر على الذين ينفخون الكير فسقط وكان أويس يقف على الحدادين فينظر إليهم كيف ينفخون الكير ويسمع صوت النار فيصرخ ثم يسقط وكذلك الربيع بن خيثم وكان كثير من السلف يخرجون إلى الحدادين ينظرون إلى ما يصنعون بالحديد فيبكون ويتعوذون بالله من النار ورأى عطاء السليمي امرأة قد سجرت تنورها فغشي عليه قال الحسن: كان عمر ربما توقد له النار ثم يدني يده منها ثم يقول: يا ابن الخطاب هل لك على هذا صبر كان الأخنف بن قيس يجيء إلى المصباح فيضع اصبعيه فيه ويقول حس ثم يعاتب نفسه على ذنوبه أحج بعض العباد نارا بين يديه وعاتب نفسه فلم يزل يعاتبها حتى مات نار الدنيا جزء من سبعين جزءا من نار جهنم وغسلت بالبحر مرتين حتى أشرقت وخف حرها ولولا ذلك ما انتفع بها أهل الدنيا وهي تدعو إلى الله أن لا يعيدها إليها قال بعض السلف: لو أخرج أهل النار منها إلى نار الدنيا لقالوا فيها ألفي عام يعني أنهم كانوا ينامون فيها ويرونها بردا كان عمر يقول: أكثروا ذكر النار فإن حرها شديد وإن قعرها بعيد وإن مقامعها حديد كان ابن عمر وغيره من السلف إذا شربوا ماء باردا بكوا وذكروا أمنية أهل النار وأنهم يشتهون.

стр. 336

الماء البارد وقد حيل بينهم وبين ما يشتهون ويقولون لأهل الجنة: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [لأعراف: ٥٠] فيقولون لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [لأعراف: ٥٠] والمصيبة العظمى حين تطبق النار على أهلها وييأسون من الفرج وهو الفزع الأكبر الذي يأمنه أهل الجنة: ﴿الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الانبياء: ١٠١] . لو أبصرت عيناك أهل الشقا ... سيقوا إلى النار وقد أحرقوا شرابهم المهل في قعرها ... إذ خالفوا الرسل وما صدقوا تقول أخراهم لأولاهم ... في لجج المهل وقد أغرقوا قد كنتموا خوفتمو حرها ... لكن من النيران لم تفرقوا وجيء بالنيران مذمومة ... شرارها من حولها محدق وقيل للنيران أن أحرقي ... وقيل للخزان أن أطبقوا

стр. 337

المجلس الثالث في ذكر فصل الشتاء . خرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الشتاء ربيع المؤمن" وخرجه البيهقي وغيره وزاد فيه: "طال ليله فقامه وقصر نهاره فصامه" إنما كان الشتاء ربيع المؤمن لأنه يرتع فيه في بساتين الطاعات ويسرح في ميادين العبادات وينزه قلبه في رياض الأعمال الميسرة فيه كما ترتع البهائم في مرعى الربيع فتسمن وتصلح أجسادها فكذلك يصلح دين المؤمن في الشتاء بما يسر الله فيه من الطاعات فإن المؤمن يقدر في الشتاء على صيام نهاره من غير مشقة ولا كلفة تحصل له من جوع ولا عطش فإن نهاره قصير بارد فلا يحس فيه بمشقة الصيام وفي المسند والترمذي عن النبي ﷺ قال: "الصيام في الشتاء الغنيمة الباردة" وكان أبو هريرة ﵁ يقول: ألا أدلكم على الغنيمة الباردة؟ قالوا: بلى فيقول: الصيام في الشتاء ومعنى كونها غنيمة باردة أنها غنيمة حصلت بغير قتال ولا تعب ولا مشقة فصاحبها يحوز هذه الغنيمة عفوا صفوا بغير كلفة. وأما قيام ليل الشتاء فلطوله يمكن أن تأخذ النفس حظها من النوم ثم تقوم.

стр. 338

بعد ذلك إلى الصلاة فيقرأ المصلي ورده كله من القرآن وقد أخذت نفسه حظها من النوم فيجتمع له فيه نومه المحتاج إليه مع إدراك ورده من القرآن فيكمل له مصلحة دينه وراحة بدنه. ومن كلام يحيى بن معاذ الليل طويل فلا تقصره بمنامك والإسلام نقي فلا تدنسه بآثامك بخلاف ليل الصيف فإنه لقصره وحره يغلب النوم فيه فلا تكاد تأخذ النفس حظها بدون نومه كله فيحتاج القيام فيه إلى مجاهدة وقد لا يتمكن فيه لقصره من الفراغ من ورده من القرآن ويروى عن ابن مسعود ﵁ قال: مرحبا بالشتاء تنزل فيه البركة ويطول فيه الليل للقيام ويقصر فيه النهار للصيام وروي عنه مرفوعا ولا يصح رفعه وعن الحسن قال: نعم زمان المؤمن الشتاء ليله طويل يقومه ونهاره قصير يصومه وعن عبيد بن عمير أنه كان إذا جاء الشتاء قال: يا أهل القرآن طال ليلكم لقراءتكم فاقرأوا وقصر النهار لصيامكم فصوموا. قيام ليل الشتاء يعدل صيام نهار الصيف ولهذا بكى معاذ عند موته وقال: إنما أبكي على ظمأ الهواجر وقيام ليل الشتاء ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر وقال معضد: لولا ثلاث ظمأ الهواجر وقيام ليل الشتاء ولذاذة التهجد بكتاب الله ما بليت أن أكون يعسوبا القيام في ليل الشتاء يشق على النفوس من وجهين: أحدهما من جهة تألم النفس بالقيام من الفراش في شدة البرد قال داود بن رشيد: قام بعض إخواني إلى ورده بالليل في ليلة شديدة البرد فكان عليه خلقان فضربه البرد فبكى فهتف به هاتف أقمناك وأنمناهم وتبكي علينا خرجه أبو نعيم. والثاني: بما يحصل بإسباغ الوضوء في شدة البرد من التألم وإسباغ الوضوء في شدة البرد من أفضل الأعمال وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات"؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: "إسباغ الوضوء على الكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلك الرباط" وفي حديث معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ أنه رأى ربه يعني في المنام "فقال له: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: في الدرجات والكفارات"؟ قال: "والكفارات إسباغ الوضوء في الكريهات ونقل الأقدام إلى الجمعات" وفي رواية: "الجماعات وانتظار الصلاة بعد الصلاة من فعل ذلك عاش بخير ومات بخير وكان من خطيئته كيوم ولدته.

стр. 339

أمه" والدرجات: إطعام الطعام وإفشاء السلام والصلاة بالليل والناس نيام وذكر الحديث خرجه الإمام أحمد والترمذي وفي بعض الروايات: "إسباغ الوضوء في السبرات" والسبرة: شدة البرد إسباغ الوضوء في شدة البرد من أعلى خصال الإيمان روى ابن سعد بإسناده: أن عمر ﵁ وصى ابنه عند موته فقال له: يا بني عليك بخصال الإيمان قال: وما هي؟ قال: الصوم في شدة الحر أيام الصيف وقتل الأعداء بالسيف والصبر على المصيبة وإسباغ الوضوء في اليوم الشاتي وتعجيل الصلاة في يوم الغيم وترك ردغة الخبال فقال: ما ردغة الخبال؟ قال: شرب الخمر. وروى الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال: ست من كن فيه فقد استكمل الإيمان: قتال أعداء الله بالسيف والصيام في الصيف وإسباغ الوضوء في اليوم الشاتي والتبكير بالصلاة في يوم الغيم وترك الجدال والمراء وأنت تعلم أنك صادق والصبر على المصيبة وقد روي هذا مرفوعا خرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة له بإسناد فيه ضعف عن أبي سعيد الخدري ﵁: "ست من كن فيه بلغ حقيقة الإيمان: ضرب أعداء الله بالسيف وابتدار الصلاة في اليوم الدجن وإسباغ الوضوء عند المكاره وصيام الحر وصبر عند المصائب وترك المراء وأنت صادق". وفي كتاب الزهد للإمام أحمد عن عطاء بن يسار ﵁ قال: قال موسى ﵇: يا رب من هم أهلك الذين هم أهلك تظلهم في ظل عرشك؟ قال: هم البرية أيديهم الطاهرة قلوبهم الذين يتحابون لجلالي الذين إذا ذكرت ذكروني وإذا ذكرت ذكرت بذكرهم الذين يسبغون الوضوء في المكاره وينيبون إلى ذكرى كما تنيب النسور إلى أوكارها ويكلفون بحبي كما يكلف الصبي بحب الناس ويغضبون لمحارمي إذا استحلت كما يغضب النمر إذا حرب. وقد روي عن داود بن رشيد قال: قام رجل ليلة باردة ليتوضأ للصلاة فأصاب الماء باردا فبكى فنودي: أما ترضى أنا أنمناهم وأقمناك حتى تبكي علينا خرجه ابن السمعاني. معالجة الوضوء في جوف الليل للتهجد موجب لرضا الرب ومباهات الملائكة ففي شدة البرد يتأكد ذلك ففي المسند وصحيح ابن حبان عن عقبة بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "رجلان من أمتي يقوم أحدهما من الليل فيعالج نفسه إلى الطهور وعليه عقد فيتوضأ فإذا وضأ يديه انحلت عقدة وإذا وضأ وجهه انحلت عقدة وإذا مسح رأسه انحلت عقدة وإذا وضأ رجليه انحلت

стр. 340

عقدة فيقول الرب للذين وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا يعالج نفسه ما سألني عبدي هذا فهو له". وفي حديث عطية عن أبي سعيد عن النبي ﷺ : "إن الله يضحك إلى ثلاثة نفر: رجل قام من جوف الليل فأحسن الطهور ثم صلى ورجل نام وهو ساجد ورجل في كتيبة منهزمة على فرس جواد لو شاء أن يذهب لذهب" قال أبو سليمان الداراني: كنت ليلة باردة في المحراب فأقلتني البرد فخبأت إحدى يدي من البرد وبقيت الأخرى ممدودة فغلبتني عيني فهتف بي هاتف: يا أبا سليمان قد وضعنا في هذه ما أصابها ولو كانت الأخرى لوضعنا فيها قال: فآليت أن لا أعود إلا ويداي خارجتان حرا كان أو بردا قال مالك ﵀: كان صفوان بن سليم يصلي يعني بالليل في الشتاء في السطح وفي الصيف في بطن البيت يتيقظ بالحر والبرد حتى يصبح ثم يقول: هذا الجهد من صفوان وأنت أعلم وإنه لترم رجلاه حتى يعود مثل السقط من قيام الليل ثم يظهر فيها عروق خضر وكان صفوان وغيره من العباد يصلون في الشتاء بالليل في ثوب واحد ليمنعهم البرد من النوم ومنهم من كان إذا نعس ألقى نفسه في الماء ويقول: هذا أهون من صديد جهنم. كان عطاء الخرساني ينادي أصحابه بالليل يا فلان ويا فلان ويا فلان قوموا فتوضئوا وصلوا فقيام هذا الليل وصيام هذا النهار أهون من شرب الصديد ومقطعات الحديد غدا في النار الوحا الوحا النجا النجا كان قوم من العباد يبيتون في مسجد وكانوا يتهجدون في الليل فاستيقظ واحد منهم ليلة فوجد إخوانه نياما فسمع هاتفا يهتف من جانب المسجد: أيا عجبا للناس من قرت عيونهم ... مطاعم غمض بعدها الموت منتصب وطول قيام الليل أيسر مؤنة ... وأهون من نار تفور وتلتهب وفي الحديث الصحيح أن ابن عمر رأى في منامه كأن آتيا فانطلق به إلى النار حتى رآها ورأى فيها رجالا يعرفهم معلقين بالسلاسل فأتاه ملك فقال له: لن تراع لست من أهلها فقص ذلك على أخته حفصة فقصته حفصة على رسول الله ﷺ فقال: "نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل" فكان ابن عمر لا ينام من الليل إلا قليلا قال الحسن: أفضل العبادة الصلاة في جوف.

стр. 341

الليل وقال: هو أقرب ما يتقرب به إلى الله وقال: ما وجدت في العبادة أشد منها ورؤي سلمة بن كهيل في المنام فقال: وجدت أفضل الأعمال قيام الليل ما عندهم أشرف منه ورأى بعض السلف خياما ضربت فسأل لمن هي فقيل للمتهجدين بالقرآن فكان بعد ذلك لا ينام. فما لي بعيد الدار لم أقرب الحمى ... وقد نصبت مسافرين خيام علامة طردي طول ليلي نائم ... وغيري يرى أن المنام حرام ومن الصالحين من كان يلطف به في الحر والبرد كما دعا النبي ﷺ لعلي: أن يذهب الله عنه الحر والبرد فكان يلبس في الشتاء ثياب الصيف وفي الصيف ثياب الشتاء ولا يجد حرا ولا بردا كان بعض التابعين يشتد عليه الطهور في الشتاء فدعا الله فكان يؤتى بالماء في الشتاء وله بخار من حره رأى أبو سليمان في طريق الحج في شدة البرد شيخا عليه خلقان وهو يرشح عرقا فعجب منه وسأله عن حاله فقال: إنما الحر والبرد خلقان لله فإن أمرهما أن يغشياني أصاباني وإن أمرهما أن يتركاني تركاني وقال: أنا في هذه البرية من ثلاثين سنة يلبسني في البرد فيحا من محبته ويلبسني في الصيف بردا من محبته وقيل لآخر وعليه خرقتان في يوم برد شديد: لو استترت في موضع يكنك من البرد فأنشد: ومحسن ظني أنني في فنائه ... وهل أحد في كنه يجد البردا وأما من يجد البرد وهم عامة الخلق فإنه يشرع لهم دفع أذاه بما يدفعه لباس وغيره. وقد امتن الله على عباده بأن خلق لهم من أصواف بهيمة الأنعام وأوبارها وأشعارها ما فيه دفء لهم قال الله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل:٥] وقال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] وروى ابن المبارك عن صفوان بن عمرو عن سليم بن عامر قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا حضر الشتاء تعاهدهم وكتب لهم بالوصية إن الشتاء قد حضر وهو عدو فتأهبوا له أهبته من الصوف والخفاف والجوارب واتخذوا الصوف شعارا ودثارا فإن البرد عدو سريع دخوله بعيد خروجه وإنما كان يكتب عمر إلى أهل الشام لما فتحت في زمنه فكان يخشى على من بها من الصحابة وغيرهم ممن لم يكن له عهد بالبرد أن يتأذى ببرد الشام وذلك من تمام نصيحته وحسن نظره وشفقته وحياطته لرعيته ﵁.

стр. 342

وروي عن كعب قال: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇ أن تأهب لعدو قد أظلك قال: يا رب من عدوي وليس بحضرتي عدو؟ قال: بلى الشتاء وليس المأمور به أن يتقي البرد حتى لا يصيبه منه شيء بالكلية فإن ذلك يضر أيضا وقد كان بعض الأمراء يصون نفسه من الحر والبرد بالكلية حتى لا يحس بهما بدنه فتلف باطنه وتعجل موته فإن الله بحكمته جعل الحر والبرد في الدنيا لمصالح عباده فالحر لتحلل الأخلاط والبرد لجمودها فمتى لم يصب الأبدان شيء من الحر والبرد تعجل فسادها ولكن المأمور به اتقاء ما يؤذي البدن من الحر المؤذي والبرد المؤذي المعدودان من جملة أعداء ابن آدم. قيل لأبي حازم الزاهد: إنك لتشدد يعني في العبادة؟ فقال: وكيف لا أشدد وقد ترصد لي أربعة عشر عدوا قيل له: لك خاصة؟ قال بل لجميع من يعقل قيل له: وما هذه الأعداء قال: أما أربعة: فمؤمن يحسدني ومنافق يبغضني وكافر يقاتلني وشيطان يغويني ويضلني وأما العشرة: فالجوع والعطش والحر والبرد والعري والمرض والفاقة والهرم والموت والنار ولا أطيقهن إلا بسلاح تام ولا أجد لهن سلاحا أفضل من التقوى فعد الحر ولبرد من جملة أعدائه. وقال الأصمعي: كانت العرب تسمي الشتاء: الفاضح فقيل لامرأة منهم أيما أشد عليكم القيظ أم القر؟ قالت: سبحان الله من جعل البؤس كالأذى فجعلت الشتاء بؤسا والقيظ أذى قال بعض السلف: إن الله وصف الجنة بصفة الصيف لا بصفة الشتاء فقال: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ، وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ، وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ، وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٢٨, ٣٢] وقد قال الله تعالى في صفة أهل الجنة: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً﴾ [الانسان:١٣] فنفى عنهم شدة الحر والبرد قال قتادة: علم الله أن شدة الحر تؤذي وشدة البرد تؤذي فوقاهم أذاهما جميعا. قال أبو عمرو بن العلاء: إني لأبغض الشتاء لنقص الفروض وذهاب الحقوق وزيادة الكلفة على الفقراء وقد روي في حديث مرفوع: "إن الملائكة تفرح بذهاب الشتاء" لما يدخل فيه على فقراء المؤمنين من الشدة ولكن لا يصح إسناده وروي أيضا مرفوعا: "خير صيفكم أشده حرا وخير شتائكم أشده بردا وإن الملائكة لتبكي في الشتاء رحمة لبني آدم" وإسناده أيضا باطل وقال بعض السلف: البرد عدو الدين يشير إلى أنه يفتر عن كثير من الأعمال ويثبط عنها فتكسل النفوس.

стр. 343

بذلك وقال بعضهم: خلقت القلوب من طين فهي تلين في الشتاء كما يلين الطين فيه. قال الحسن: الشتاء ذكر فيه اللقاح والصيف انثى فيه النتاج يشير إلى أن الصيف تنتج فيه المواشي والشجر والصيف عند العرب هو الربيع وأما الذي تسميه الناس: الصيف فالعرب يسمونه القيظ ففي الشتاء تفور الحرارة إلى باطن الشجر فتنعقد مواد الثمر فتظهر في الربيع مباديها فتزهر الشجر ثم تورق ثم إذا ظهرت الثمار قوي حر الشمس لإنضاجها الإيثار في الشتاء للفقراء بما يدفع عنهم البرد له فضل عظيم خرج صفوان بن سليم في ليلة باردة بالمدينة من المسجد فرأى رجلا عاريا فنزع ثوبه وكساه إياه فرأى بعض أهل الشام في منامه أن صفوان بن سليم دخل الجنة بقميص كساه فقدم المدينة فقال: دلوني على صفوان فأتاه فقص عليه ما رأى. رأى مسعر أعرابيا يتشرق في الشمس وهو يقول: جاء الشتاء وليس عندي درهم ... ولقد يخص بمثل ذاك المسلم قد قطع الناس الجباب وغيرها ... وكأنني بفناء مكة محرم فنزع مسعر جبته فألبسه إياها رفع إلى بعض الوزراء الصالحين أن امرأة معها أربعة أطفال أيتام وهم عراة جياع فأمر رجلا أن يمضي إليهم وحمل معه ما يصلحهم من كسوة وطعام ثم نزع ثيابه وحلف: لا لبستها ولا دفئت حتى تعود وتخبرني أنك كسوتهم وأشبعتهم فمضى وعاد فأخبره: أنهم اكتسوا وشبعوا وهو يرعد من البرد فلبس حينئذ ثيابه خرج الترمذي من حديث أبي سعيد مرفوعا: "من أطعم مؤمنا على جوع أطعمه الله يوم القيامة من ثمار الجنة ومن سقاه على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم ومن كساه على عري كساه الله من خضر الجنة" وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن ابن مسعود قال: يحشر الناس يوم القيامة أعرى ما كانوا قط وأجوع ما كانوا قط وأظمأ ما كانوا قط فمن كسا لله كساه الله ومن أطعم لله أطعمه الله ومن سقا لله سقاه الله ومن عفا لله أعفاه الله. ومن فضائل الشتاء: أنه يذكر بزمهرير جهنم ويوجب الإستعاذة منها وفي حديث أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي ﷺ قال: "إذا كان يوم شديد البرد فإذا قال العبد: لا إله إلا الله ما أشد برد هذا اليوم: اللهم أجرني من زمهرير جهنم قال الله

стр. 344

تعالى لجهنم: إن عبدا من عبادي استجار بي من زمهريرك وإني أشهدك أني قد أجرته" قالوا ما زمهرير جهنم قال: "بيت يلقى فيه الكفر فيتميز من شدة البرد" قام زبيد اليامي ذات ليلة للتهجد فعمد إلى مطهرة له كان يتوضأ منها فغمس يده في المطهرة فوجد الماء باردا شديدا كاد أن يجمد من شدة برده فذكر الزمهرير ويده في المطهرة فلم يخرجها حتى أصبح فجاءته جاريته وهو على تلك الحال فقالت: ما شأنك يا سيدي لم لا تصلي الليلة كما كنت تصلي وأنت قاعد هنا على هذه الحالة؟ فقال: ويحك إني أدخلت يدي في هذه المطهرة فاشتد علي برد الماء فذكرت به الزمهرير فوالله ما شعرت بشدة برده حتى وقفت علي فانطوي لا تحدثي بهذا أحدا ما دمت حيا فما علم بذلك أحد حتى مات ﵀ في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : "إن لجهنم نفسين في الشتاء ونفسا في الصيف فأشد ما تجدون من البرد من زمهريرها وأشد ما تجدون من الحر من سمومها". وروي عن ابن عباس قال: يستغيث أهل النار من الحر فيغاثون بريح باردة يصدع العظام بردها فيسألون الحر وعن مجاهد قال: يهربون إلى الزمهرير فإذا وقعوا فيه حطم عظامهم حتى يسمع لها نقيض وعن كعب قال: إن في جهنم بردا هو الزمهرير يسقط اللحم حتى يستغيثوا بحر جهنم وعن عبد الملك بن عمير قال بلغني: أن أهل النار سألوا خازنها أن يخرجهم إلى جانبها فأخرجوا فقتلهم البرد والزمهرير حتى رجعوا إليها فدخلوها مما وجدوه من البرد وقد قال الله : ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً، إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً، جَزَاءً وِفَاقاً﴾ [النبأ: ٢٤, ٢٦] وقال الله تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ [صّ:٥٧] قال ابن عباس: الغساق: الزمهرير البارد الذي يحرق من برده وقال مجاهد: هو الذي لا يستطيعون أن يذوقوه من برده وقيل: إن الغساق: البارد المنتن أجارنا الله تعالى من جهنم بفضله وكرمه يا من تتلى عليه أوصاف جهنم ويشاهد تنفسها كل عام حتى يحس به ويتألم وهو مصر على ما يقتضي دخولها مع أنه يعلم ستعلم إذا جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام من يندم ألك صبر على سعيرها وزمهريرها؟ قل وتكلم ما كان صلاحك يرجى والله أعلم. كم يكون الشتاء ثم المصيف ... وربيع يمضي ويأتي الخريف وارتحال من الحرور إلى البرد ... وسيف الردى عليك منيف

стр. 345

يا قليل المقام في هذه الدنيا ... إلى كم يغرك التسويف يا طالب الزائل حتى متى ... قلبك بالزائل مشغوف عجبا لامرىء يذل لذي الدنـ ... ـيا ويكفيه كل يوم رغيف

стр. 346

مجلس في ذكر التوبة والحث عليها قبل الموت وختم العمر بها والتوبة وظيفة العمر وهي خاتمة مجالس الكتاب . خرج الإمام أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" وقال الترمذي حديث حسن دل هذا الحديث على قبول توبة الله لعبده ما دامت روحه في جسده لم تبلغ الحلقوم والتراقي وقد دل القرآن على مثل ذلك أيضا قال الله : ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [النساء:١٧] وعمل السوء إذا انفرد يدخل فيه جميع السيئات صغيرها وكبيرها والمراد بالجهالة الإقدام على السوء وإن علم صاحبه أنه سوء فإن كل من عصى الله فهو جاهل وكل من أطاعه فهو عالم وبيانه من وجهين: أحدهما: أن من كان علما بالله تعالى وعظمته وكبريائه وجلاله فإنه يهابه ويخشاه فلا يقع منه مع استحضار ذلك عصيانه كما قال بعضهم: لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى ما عصوه وقال آخر: كفى بخشية الله علما وكفى بالإغترار بالله جهلا. والثاني: أن من آثر المعصية على الطاعة فإنما حمله على ذلك جهله وظنه أنها تنفعه عاجلا باستعجال لذتها وإن كان عنده إيمان فهو يرجو التخلص من سوء عاقبتها بالتوبة في آخر عمره وهذا جهل محض فإنه تعجل الإثم والخزي ويفوته عز التقوى وثوابها ولذة الطاعة وقد يتمكن من التوبة بعد ذلك وقد يعاجله الموت بغتة فهو كجائع أكل طعاما مسموما لدفع جوعه الحاضر ورجا أن يتخلص من ضرره بشرب الذرياق بعده وهذا لا يفعله إلا جاهل وقد قال تعالى

стр. 347

في حق الذين يؤثرون السحر: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢, ١٠٣] والمراد أنهم آثروا السحر على التقوى والإيمان لما رجوا فيه من منافع الدنيا المعجلة مع علمهم أنهم يفوتهم بذلك ثواب الآخرة وهذا جهل منهم فإنهم لو علموا لآثروا الإيمان والتقوى على ما عداهما فكانوا يحرزون أجر الآخرة ويأمنون عقابها ويتعجلون عز التقوى في الدنيا وربما وصلوا إلى ما يأملونه في الدنيا أو إلى خير منه وأنفع فإن أكثر ما يطلب بالسحر قضاء حوائج محرمة أو مكروهة عند الله . والمؤمن المتقي يعوضه الله في الدنيا خيرا مما يطلبه الساحر ويؤثره مع تعجيله عز التقوى وشرفها وثواب الآخرة وعلو درجاتها فتبين بهذا أن إيثار المعصية على الطاعة إنما يحمل عليه الجهل ولذلك كان كل من عصى الله جاهلا وكل من أطاعه عالما وكفى بخشية الله علما وبالإغترار به جهلا. وأما التوبة من قريب: فالجمهور على أن المراد بها التوبة قبل الموت فالعمر كله قريب ومن تاب قبل الموت فقد تاب من قريب ومن مات ولم يتب فقد بعد كل البعد كما قيل: فهم جيرة الأحياء أما قرارهم ... فدان وأما الملتقى فبعيد فالحي قريب والميت بعيد من الدنيا على قربه منها فإن جسمه في الأرض يبلى وروحه عند الله تنعم أو تعذب ولقاؤه لا يرجى في الدنيا. مقيم إلى أن يبعث الله خلقه ... لقاؤك لا يرجى وأنت قريب تزيد بلى في كل يوم وليلة ... وتنسى كما تبلى وأنت حبيب وهذان البيتان سمعهما داود الطائي ﵀ من امرأة في مقبرة تندب بهما ميتا لها فوقعتا من قلبه فاستيقظ بهما ورجع زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة فانقطع إلى العبادة إلى أن مات ﵀ فمن تاب قبل أن يغرغر فقد تاب من قريب فتقبل توبته وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧] قال: قبل المرض والموت وهذا إشارة إلى أفضل أوقات التوبة وهو أن يبادر الإنسان بالتوبة في صحته قبل نزول المرض به حتى يتمكن حينئذ من العمل الصالح ولذلك قرن الله تعالى التوبة بالعمل الصالح في مواضع كثيرة من.

стр. 348

القرآن وأيضا فالتوبة في الصحة ورجاء الحياة تشبه الصدقة بالمال في الصحة ورجاء البقاء. والتوبة في المرض عند حضور إمارات الموت يشبه الصدقة بالمال عند الموت فكأن من لا يتوب إلا في مرضه قد استفرغ صحته وقوته في شهوات نفسه وهواه ولذة دنياه فإذا أيس من الدنيا والحياة فيها تاب حينئذ وترك ما كان عليه فأين توبة هذا من توبة من يتوب من قريب وهو صحيح قوي قادر على عمل المعاصي فيتركها خوفا من الله ورجاء لثوابه وإيثارا لطاعته على معصيته. دخل قوم على بشر الحافي وهو مريض فقالوا له: على ماذا عزمت؟ فقال: عزمت أني عوفيت تبت فقال له رجل منهم: فهلا تبت الساعة فقال: يا أخي أما علمت أن الملوك لا تقبل الأمان ممن في رجليه القيد وفي رقبته الغل إنما يقبل الأمان ممن هو راكب الفرس والسيف مجرد بيده فبكى القوم جميعا ومعنى هذا أن التائب في صحته بمنزلة من هو راكب على متن جواده وبيده سيف مشهور فهو يقدر على الكر والفر والقتال وعلى الهرب من الملك وعصيانه فإذا جاء على هذه الحال إلى بين يدي الملك ذليلا له طالبا لأمانه صار بذلك من خواص الملك وأحبابه لأنه جاءه طائعا مختارا له راغبا في قربه وخدمته وأما من هو في أسر الملك وفي رجله قيد وفي رقبته غل فإنه إذا طلب الأمان من الملك فإنما طلبه خوفا على نفسه من الهلاك وقد لا يكون محبا للملك ولا مؤثرا لرضاه فهذا مثل من لا يتوب إلا في مرضه عند موته والأول بمنزلة من يتوب في صحته وقوته وشبيبته لكن ملك الملوك أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين وكل خلقه أسير في قبضته لا يعجزه هارب ولا يفوته ذاهب ومع هذا فكل من طلب الأمان من عذابه من عباده أمنه على حال كان إذا علم منه الصدق في طلبه. الأمان الأمان وزري ثقيل ... وذنوبي إذا عددت تطول أوبقتني وأوثقتني ذنوبي ... فترى لي إلى الخلاص سبيل وقوله : ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [النساء:١٨] فسوى بين من تاب عند الموت ومن مات من غير توبة والمراد بالتوبة عند الموت التوبة عند انكشاف الغطاء ومعاينة المحتضر أمور

стр. 349

الآخرة ومشاهدة الملائكة فإن الإيمان والتوبة وسائر الأعمال إنما تنفع بالغيب فإذا كشف الغطاء وصار الغيب شهادة لم ينفع الإيمان ولا التوبة في تلك الحال وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن علي قال: لا يزال العبد في مهل من التوبة ما لم يأته ملك الموت بقبض روحه فإذا نزل ملك الموت فلا توبة حينئذ. وبإسناده عن الثوري قال: قال ابن عمر: التوبة مبسوطة ما لم ينزل سلطان الموت وعن الحسن قال: التوبة معروضة لابن آدم ما لم يأخذ الموت بكظمه وعن بكر المزني قال: لا تزال التوبة للعبد مبسوطة ما لم تأته الرسل فإذا عاينهم انقطعت المعرفة وعن أبي مجلز قال: لا يزال العبد في توبة ما لم يعاين الملائكة وروي أيضا في كتاب الموت بإسناده عن أبي موسى الأشعري قال: إذا عاين الميت الملك ذهبت المعرفة وعن مجاهد نحوه. وعن حصين قال: بلغني أن ملك الموت إذا غمز وريد الإنسان حينئذ يشخص بصره ويذهل عن الناس وخرج ابن ماجه حديث أبي موسى مرفوعا قال: سألت النبي ﷺ : متى تنقطع معرفة العبد من الناس؟ قال: "إذا عاين" وفي إسناده مقال والموقوف أشبه وقد قيل: إنه إنما منع من التوبة حينئذ لأنه إذا انقطعت معرفته وذهل عقله لم يتصور منه ندم ولا عزم فإن الندم والعزم إنما يصح مع حضور العقل وهذا ملازم لمعاينة الملائكة كما دلت عليه الأخبار وقوله ﷺ في حديث ابن عمر: "ما لم يغرغر" يعني إذا لم تبلغ روحه عند خروجها منه إلى حلقه فشبه ترددها في حلق المحتضر بما يتغرغر به الإنسان من الماء وغيره ويردده في حلقه وإلى ذلك الإشارة في القرآن بقوله : ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٣, ٨٥] وبقوله : ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ [القيامة:٢٦] وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن الحسن قال: أشد ما يكون الموت على العبد إذا بلغت الروح التراقي قال: فعند ذلك يضطرب ويعلو نفسه ثم بكى الحسن رحمه الله تعالى. عش ما بدا لك سالما ... في ظل شاهقة القصور يسعى عليك بما اشتهيت ... لدى الرواح وفي البكور فإذا النفوس تقعقعت ... في ضيق حشرجة الصدور فهناك تعلم موقنا ... ما كنت إلا في غرور

стр. 350

واعلم أن الإنسان ما دام يأمل الحياة فإنه لا يقطع أمله في الدنيا وقد لا تسمح نفسه بالإقلاع عن لذاتها وشهواتها من المعاصي وغيرها ويرجيه الشيطان بالتوبة في آخر عمره فإذا تيقن الموت وأيس من الحياة أفاق من سكرته بشهوات الدنيا فندم حينئذ على تفريطه ندامة يكاد يقتل نفسه وطلب الرجعة إلى الدنيا ليتوب ويعمل صالحا فلا يجاب إلى شيء من ذلك فيجتمع عليه سكرة الموت مع حسرة الفوت وقد حذر الله في كتابه عباده من ذلك ليستعدوا للموت قبل نزوله بالتوبة والعمل الصالح قال الله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ، وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ، أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٤, ٥٦] . سمع بعض المحتضرين عند احتضاره يلطم على وجهه ويقول: ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ وقال آخر عند احتضاره: سخرت بي الدنيا حتى ذهبت أيامي وقال آخر عند موته: لا تغرنكم الحياة الدنيا كما غرتني وقال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ٩٩, ١٠٠] وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ وقال الله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤] وفسره طائفة من السلف منهم عمر بن عبد العزيز ﵀: بأنهم طلبوا التوبة حين حيل بينهم وبينها قال الحسن: اتق الله يا ابن آدم لا يجتمع عليك خصلتان سكرة الموت وحسرة الفوت وقال ابن السماك: احذر السكرة والحسرة أن يفجأك الموت وأنت على الغرة فلا يصف واصف قدر ما تلقى ولا قدر ما ترى. قال الفضيل: يقول الله : ابن آدم إذا كنت تتقلب في نعمتي وأنت تتقلب في معصيتي فاحذرني لا أصرعك بين معاصي وفي بعض الإسرائيليات: ابن آدم احذر لا يأخذك الله على ذنب فتلقاه لا حجة لك مات كثير من المصرين على المعاصي على أقبح أحوالهم وهم مباشرون للمعاصي فكان ذلك خزيا لهم في الدنيا مع ما صاروا إليه من عذاب الآخرة وكثيرا ما يقع هذا للمصرين على الخمر المدمنين لشربها كما قال القائل:

стр. 351

أتامن أيها السكران جهلا ... بأن تفجاك في السكر المنية فتضحى عبرة للناس طرا ... وتلقى الله من شر البرية سكر بعض المتقدمين ليلة فعاتبته زوجته على ترك الصلاة فحلف بطلاقها ثلاثا لا يصلي ثلاثة أيام فاشتد عليه فراق زوجته فاستمر على ترك الصلاة مدة الأيام الثلاث فمات فيها على حاله وهو مصر على الخمر تارك الصلاة كان بعض المصرين على الخمر يكنى أبا عمرو فنام ليلة وهو سكران فرأى في منامه قائلا يقول له: جد بك الأمر أبا عمرو ... وأنت معكوف على الخمر تشرب صهباء صراحية ... سال بك السيل ولا تدري فاستيقظ منزعجا وأخبر من عنده بما رأى ثم غلبه سكره فنام فلما كان وقت الصبح مات فجأة قال يحيى بن معاذ: الدنيا خمر الشيطان من سكر منها لم يفق إلا في عسكر الموتى نادما مع الخاسرين وفي حديث خرجه الترمذي مرفوعا "ما من أحد يموت إلا ندم" قالوا: وما ندامته؟ قال: "إن كان محسنا ندم أن لا يكون ازداد وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون استعتب" إذا ندم المحسن عند الموت فكيف يكون حال المسيء غاية أمنية الموتى في قبورهم حياة ساعة يستدركون فيها ما فاتهم من توبة وعمل صالح وأهل الدنيا يفرطون في حياتهم فتذهب أعمارهم في الغفلة ضياعا ومنهم من يقطعها بالمعاصي قال بعض السلف: أصبحتم في أمنية ناس كثير يعني أن الموتى كلهم يتمنون حياة ساعة ليتوبوا فيها ويجتهدوا في الطاعة ولا سبيل لهم إلى ذلك. لو قيل لقوم ما مناكموا طلبوا ... حياة يوم ليتوبوا فاعلم ويحك يا نفس ألا تيقظ ... ينفع قبل أن تزل قدمي مضى الزمان في ثوان وهوى ... فاستدركي ما قد بقي واغتنمي الناس في التوبة على أقسام: فمنهم: من لا يوفق لتوبة نصوح بل ييسر له عمل السيئات من أول عمره إلى آخره حتى يموت مصرا علها وهذه حالة الأشقياء. وأقبح من ذلك: من يسر له في أول عمره عمل الطاعات ثم ختم له بعمل سيء حتى مات عليه كما في الحديث الصحيح: "إن أحدكم ليعمل عمل أهل

стр. 352

الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ثم يسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها" وفي الحديث الذي خرجه أهل السنن: "إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين عاما ثم يحضره الموت فيجور في وصيته فيدخل النار". ما أصعب الإنتقال من البصر إلى العمى وأصعب منه الضلالة بعد الهدى والمعصية بعد التقى كم من وجوه خاشعة وقع على قصص أعمالها ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ، تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٣, ٤] كم من شارف مركبه ساحل النجاة فلما هم أن يرقى لعب به موج الهوى فغرق الخلق كلهم تحت هذا الخطر قلوب العباد بين اصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء قال بعضهم: ما العجب ممن هلك كيف هلك إنما العجب ممن نجا كيف نجا. يا قلبي إلام تطالبني ... بلقا الأحباب وقد رحلوا أرسلتك في طلبي لهم ... لتعود فضعت وما حصلوا ما أحسن ما علقت بهم ... آمالك منهم لو قد فعلوا سلم واصبر واخضع لهم ... كم قبلك مثلك قد قتلوا وقسم يفني عمره في الغفلة والبطالة ثم يوفق لعمل صالح فيموت عليه وهذه حالة من عمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها. الأعمال بالخواتيم: "إذا أراد الله بعبد غسله" قالوا: وما غسله"؟ قال: " يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه" وهؤلاء: منهم: من يوقظ قبل موته بمدة يتمكن فيها من التزود بعمل صالح يختم به عمره ومنهم: من يوقظ عند حضور الموت فيوفق لتوبة نصوح يموت عليها قالت عائشة ﵂: إذا أراد الله بعبد خيرا قيض له ملكا قبل موته بعام فيسدده وييسره حتى يموت وهو خير ما كان ويقول الناس: مات فلان خير ما كان وخرجه البزار عنها مرفوعا: "إذا أراد الله بعبد خيرا بعث إليه ملكا من عامه الذي يموت فيه فيسدده وييسره فإذا كان عند موته أتاه ملك الموت فقعد عند رأسه فقال: أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان فذلك حين يحب لقاء الله ويحب الله لقاءه وإذا أراد الله بعبد شرا بعث إليه شيطانا من عامه الذي يموت فيه فأغواه فإذا كان عند موته أتاه ملك الموت فقعد عند رأسه فقال: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب فتتفرق في جسده فذلك حين يبغض لقاء الله ويبغض الله لقاءه".

стр. 353

وفي الدعاء المأثور: اللهم اجعل خير عملي خاتمته وخير عمري آخره وفي المسند عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: من تاب قبل موته عاما تيب عليه ومن تاب قبل موته شهرا تيب عليه حتى قال يوما حتى قال: ساعة حتى قال: فواقا قال: قال له إنسان أرأيت إن كان مشركا فأسلم؟ قال: إنما أحدثكم ما سمعت من رسول الله ﷺ وفيه ايضا عن عبد الرحمن البيلماني قال: اجتمع أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ فقال أحدهم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بيوم" قال الآخر: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم قال: وأنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بنصف يوم" فقال ثالث: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال نعم قال: وأنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بضحوة" قال الرابع: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم قال: وأنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر بنفسه". وفيه أيضا عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا ابرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم فقال الرب : وعزتي وجلالي لا أزل أغفر لهم ما استغفروني" ذكر ابن أبي الدنيا بإسناد له أن رجلا من ملوك البصرة كان قد تنسك ثم مال إلى الدنيا والشيطان فبنى دارا وشيدها وأمر بها ففرشت له ونجدت واتخذ مأدبة وصنع طعاما ودعا الناس فجعلوا يدخلون فيأكلون ويشربون وينظرون إلى بنائه ويعجبون منه ويدعون له ويتفرقون فمكث بذلك أياما حتى فرغ من أمر الناس ثم جلس في نفر من خاصة إخوانه فقال: قد ترون سروري بداري هذه وقد حدثت نفسي أن أتخذ لكل واحد من ولدي مثلها فأقيموا عندي أياما أستمتع بحديثكم وأشاوركم فيما أريد من هذا لولدي فأقاموا عنده أياما يلهون ويلعبون ويشاورهم كيف يبني لولده وكيف يريد أن يصنع فبينما هم ذات ليلة في لهوهم إذا سمعوا قائلا يقول: من أقاصي الدار: يا أيها الباني الناسي منيته ... لا تأمنن فإن الموت مكتوب على الخلائق إن سروا وإن فرحوا ... فالموت حتف لذي الآمال منصوب لا تبنين ديارا لست تسكنها ... وراجع النسك كيما يغفر الحوب

стр. 354

قال: ففزع لذلك وفزع أصحابه فزعا شديدا وراعهم ما سمعوا من ذلك فقال لأصحابه: هل سمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم قال: فهل تجدون ما أجد؟ قالوا: وما تجد؟ قال: أجد والله مسكة على قلبي ما أراها إلا علة الموت قالوا: كلا بل البقاء والعافية قال: فبكى وقال: أنتم أخلائي وإخواني فما لي عندكم قالوا: مرنا بما أحببت قال: فأمر بالشراب فأهريق وبالملاهي فأخرجت ثم قال: اللهم إني أشهدك ومن حضر من عبادك أني تائب إليك من جميع ذنوبي نادم على ما فرطت أيام مهلتي وإياك أسأل إن أقلتني أن تتم علي نعمتك بالإنابة إلى طاعتك وإن أنت قبضتني إليك أن تغفر لي ذنوبي تفضلا منك علي واشتد به الأمر فلم يزل يقول: الموت والله الموت والله حتى خرجت روحه وكان الفقهاء يرون أنه مات على توبته. وروى الواحدي في كتاب قتلى القرآن: بإسناد له: أن رجلا من أشراف أهل البصرة كان منحدرا إليها في سفينة ومعه جارية له فشرب يوما وغنته جاريته بعود لها وكان معهم في السفينة فقير صالح فقال له يا فتى تحسن مثل هذا؟ قال أحسن ما هو أحسن منه وكان الفقير حسن الصوت فاستفتح وقرأ: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً، أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٧, ٧٨] فرمى الرجل ما بيده من الشراب في الماء وقال: أشهد أن هذا أحسن مما سمعت فهل غير هذا؟ قال: نعم فتلا عليه: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] الآية فوقعت في قلبه موقعا ورمى بالشراب في الماء وكسر العود ثم قال: يا فتى هل ههنا فرج؟ قال: نعم ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] الآية فصاح صيحة عظيمة فنظروا إليه فإذا هو قد مات ﵀. وروى ابن أبي الدنيا بإسناد له أن صالحا المري ﵀ كان يوما في مجلسه يقص على الناس فقرأ عنده قارىء: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨] فذكر صالح: النار وحال العصاة فيها وصفة سياقهم إليها وبالغ في ذلك وبكى الناس فقام فتى كان حاضرا في مجلسه وكان مسرفا على نفسه فقال: أكل هذا في القيامة؟ فقال صالح: نعم وما هو أكبر منه لقد بلغني أنهم يصرخون في النار حتى تنقطع أصواتهم فلا يبقى منهم إلا كهيئة الأنين من المريض المدنف فصاح الفتى:

стр. 355

أيا لله واغفلتاه عن نفسي أيام الحياة وا أسفاه على تفريطي في طاعتك يا سيداه وا أسفاه على تضييع عمري في دار الدنيا ثم استقبل القبلة وعاهد الله على توبة نصوح ودعا الله أن يتقبل منه وبكى حتى غشي عله فحمل من المجلس صريعا فمكث صالح وأصحابه يعودونه أياما ثم مات فحضره خلق كثير فكان صالح يذكره في مجلسه كثيرا ويقول: وبأبي قتيل القرآن وبأبي قتيل الواعظ والأحزان فرآه رجل في منامه فقال: ما صنعت؟ قال: عمتني بركة مجلس صالح فدخلت في سعة رحمة الله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [لأعراف: ١٥٦] من آلمته سياط المواعظ فصاح فلا جناح ومن زاد ألمه فمات فدمه مباح. قضى الله في القتلى قصاص دمائهم ... ولكن دماء العاشقين جبار وبقى ههنا قسم آخر وهو أشرف الأقسام وأرفعها: وهو من يفني عمره في الطاعة ثم ينبه على قرب الأجل ليجد في التزود ويتهيأ للرحيل بعمل يصلح للقاء يكون خاتمه للعمل قال ابن عباس: لما نزلت على النبي ﷺ : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] نعيت لرسول الله ﷺ نفسه فأخذ في أشد ما كان اجتهادا في أمر الآخرة قالت أم سلمة: كان النبي ﷺ في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلا قال: سبحان الله ويحمده فذكرت ذلك له فقال: "إني أمرت بذلك" وتلا هذه السورة. كان من عادته ﷺ أن يعتكف في كل عام في رمضان عشرا ويعرض القرآن على جبريل مرة فاعتكف في ذلك العام عشرين يوما وعرض القرآن مرتين وكان يقول: ما أرى ذلك إلا لاقتراب أجلي ثم حج حجة الوداع وقال للناس: "خذوا عني مناسككم فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا" وطفق يودع الناس فقالوا: هذه حجة الوداع ثم رجع إلى المدينة فخطب قبل وصوله إليها وقال: "أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب ثم أمر بالتمسك بكتاب الله" ثم توفي بعد وصوله إلى المدينة بيسير ﷺ إذا كان سيد المحسنين يؤمر أن يختم عمره بالزيادة في الإحسان فكيف يكون حال المسيء. خذ في جد فقد تولى العمر ... كم ذا التفريط قد تدانى الأمر أقبل فعسى يقبل منك العذر ... كم تبني كم تنقض كم ذا العذر مرض بعض العابدين فوصف له دواء يشربه فأتي في منامه فقيل له: أتشرب الدواء والحور العين لك تهيأ؟ فانتبه فزعا فصلى في ثلاثة أيام حتى انحنى صلبه.
следующие страницы →