Полный текст (360 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ومن جملة ما كتبه في هذا الذكر وهو أم الكتاب: أن محمدا خاتم النبيين.
ومن حيندئذ انتقلت المخلوقات من مرتبة العلم إلى مرتبة الكتابة وهو نوع من أنواع الوجود الخارجي ولهذا قال سعيد بن راشد سألت عطاء: هل كان النبي ﷺ نبيا قبل أن يخلق؟ قال: قال: إي والله وقبل أن تخلق الدنيا بألفي عام خرجه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة وعطاء ـ الظاهر أنه ـ الخرساني وهذا إشارة إلى ما ذكرنا من كتابة نبوته ﷺ في أم الكتاب عند تقدير المقادير وقوله ﷺ في هذا الحديث: "إني عبد الله في أم الكتاب لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته" ليس المراد به والله أعلم أنه حينئذ كتب في أم الكتاب ختمه للنبيين وإنما المراد الإخبار عن كون ذلك مكتوبا في أم الكتاب في تلك الحال قبل نفخ الروح في آدم وهو أول ما خلق من النوع الإنساني.
وجاء في أحاديث أخر أنه في تلك الحال وجبت له النبوة وهذه مرتبة ثالثة وهي انتقاله من مرتبة العلم والكتابة إلى مرتبة الوجود العيني الخارجي فإنه ﷺ استخرج حينئذ من ظهر آدم ونبىء فصارت نبوته موجودة في الخارج بعد كونها كانت مكتوبة مقدرة في أم الكتاب ففي حديث ميسرة الفجر قال: قلت يا رسول الله متى كنت نبيا؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد" خرجه الإمام أحمد والحاكم.
قال الإمام أحمد في رواية مهنا: وبعضهم يرويه: متى كتبت نبيا؟ من الكتابة فإن صحت هذه الرواية حملت مع حديث العرباض بن سارية على وجوب نبوته وثبوتها وظهورها في الخارج فإن الكتابة إنما تستعمل فيما هو واجب: إما شرعا كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] أو قدرا كقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] وفي حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنهم قالوا: يا رسول الله متى وجبت لك النبوة؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد" خرجه الترمذي وحسنه وفي نسخه صححه وخرجه الحاكم وروى ابن سعد من رواية جابر الجعفي عن الشعبي قال: قال رجل للنبي ﷺ : متى استنبئت؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد حيث أخذ مني الميثاق" وهذه الرواية تدل على أنه ﷺ حينئذ استخرج من ظهر آدم ونبىء وأخذ ميثاقه فيحتمل أن يكون ذلك دليلا على أن استخراج ذرية آدم من ظهره وأخذ الميثاق منهم كان قبل نفخ الروح في آدم وقد روي هذا عن سلمان الفارسي وغيره من السلف ويستدل له أيضا بظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ .
стр. 72
[الأعراف: ١١] على ما فسره به مجاهد وغيره: أن المراد: إخراج ذرية آدم من ظهره قبل أمر الملائكة بالسجود له ولكن أكثر السلف على أن استخراج ذرية آدم منه كان بعد نفخ الروح فيه وعلى هذا يدل أكثر الأحاديث فتحمل على هذا أن يكون محمد ﷺ خص باستخراجه من ظهر آدم قبل نفخ الروح فيه فإن محمدا ﷺ هو المقصود من خلق النوع الإنساني وهو عينه وخلاصته وواسطة عقده فلا يبعد أن يكون أخرج من ظهر آدم عند خلقه قبل نفخ الروح فيه.
وقد روي: أن آدم ﵊ رأى اسم محمد ﷺ مكتوبا على العرش وأن الله قال لآدم: "لولا محمد ما خلقتك" وقد خرجه الحاكم في صحيحه فيكون حينئذ من حين صور آدم طينا استخرج منه محمد ﷺ ونبىء وأخذ منه الميثاق ثم أعيد إلى ظهر آدم حتى خرج في وقت خروجه الذي قدر الله خروجه فيه ويشهد لذلك ما روي عن قتادة أن النبي ﷺ قال: "كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث" وفي رواية: "أول الناس في الخلق" خرجه ابن سعد وغيره وخرجه الطبراني من رواية قتادة عن الحسن عن أبي هريرة مرفوعا والمرسل أشبه وفي رواية عن قتادة مرسلة: ثم تلا: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧] فبدأ به قبل نوح الذي هو أول الرسل فمحمد ﷺ أول الرسل خلقا وآخرهم بعثا فإنه استخرج من ظهر آدم لما صور ونبىء حينئذ وأخذ ميثاقه ثم أعيد إلى ظهره ولا يقال: فقد خلق آدم قبله لأن آدم حينئذ كان مواتا لا روح فيه ومحمد ﷺ كان حيا حين استخراج ونبىء وأخذ ميثاقه فهو أول النبيين خلقا وآخرهم بعثا فهو خاتم النبيين باعتبار أن زمانه تأخر عنهم فهو: المقفى والعاقب الذي جاء عقب الأنبياء ويقفوهم قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] .
وفي الصحيحين عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارا فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة فجعل الناس يدخلونها ويعجبون منها ويقولون لولا موضع اللبنة" زاد مسلم قال: "فجئت فختمت الأنبياء" وفيهما أيضا عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ معناه وفيه: "فجعل الناس يطوفون به ويقولون: هلا وضعت اللبنة؟ فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين".
وقد استدل الإمام أحمد بحديث العرباض بن سارية هذا على أن النبي ﷺ لم يزل على التوحيد منذ نشأ ورد بذلك على من زعم غير ذلك بل قد يستدل بهذا.
стр. 73
الحديث على أنه ﷺ ولد نبيا فإن نبوته وجبت له من حين أخذ الميثاق منه حين استخرج من صلب آدم فكان نبيا من حينئذ لكن كانت مدة خروجه إلى الدنيا متأخرة عن ذلك وذلك لا يمنع كونه نبيا قبل خروجه كمن يولى ولاية ويؤمر بالتصرف فيها في زمن مستقبل فحكم الولاية ثابت له من حين ولايته وإن كان تصرفه يتأخر إلى حين مجيء الوقت قال حنبل: قلت لأبي عبد الله يعني أحمد: من زعم أن النبي كان على دين قومه قبل أن يبعث؟ قال: هذا قول سوء ينبغي لصاحب هذه المقالة أن يحذر كلامه ولا يجالس قلت له: إن جارنا الناقد أبا العباس يقول هذه المقالة؟ قال: قاتله الله وأي شيء أبقى إذا زعم أن النبي ﷺ كان على دين قومه وهم يعبدون الأصنام قال الله تعالى حاكيا عن عيسى ﵇: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] قلت له: وزعم أن خديجة كانت على ذلك حين تزوجها النبي ﷺ في الجاهلية قال: أما خديجة فلا أقول شيئا قد كانت أول من آمن به من النساء ثم قال: ماذا يحدث الناس من الكلام!! هؤلاء أصحاب الكلام لم يفلح ـ سبحان الله ـ لهذا القول واحتج في ذلك بكلام لم أحفظه.
وذكر أن أمه حين ولدت رأت نورا أضاء له قصور الشام أو ليس هذا عندما ولدت رأت هذا وقبل أن يبعث كان طاهرا مطهرا من الأوثان أوليس كان لا يأكل لما ذبح على النصب ثم قال: "احذروا الكلام فإن أصحاب الكلام أمرهم لا يؤول إلى خير" خرجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب السنة ومراد الإمام أحمد الإستدلال بتقدم البشارة بنبوته من الأنبياء الذين قبله وبما شوهد عند ولادته من الآيات على أنه كان نبيا من قبل خروجه إلى الدنيا وولادته وهذا هو الذي يدل عليه حديث العرباض بن سارية هذا فإنه ﷺ ذكر فيه أن نبوته كانت حاصلة من حين آدم منجدلا في طينته والمراد بالمنجدل: الطريح الملقى على الأرض قبل نفخ الروح فيه ويقال للقتيل: إنه منجدل لذلك.
ثم استدل ﷺ على سبق ذكره والتنويه باسمه ونبوته وشرف قدره لخروجه إلى الدنيا بثلاث دلائل وهو مراده بقوله تعالى "وسأنبئكم بتأويل ذلك".
الدليل الأول: دعوة أبيه إبراهيم ﵇ وأشار إلى ما قص الله في كتابه عن إبراهيم وإسماعيل لأنهما قالا عند بناء البيت الذي بمكة: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ.
стр. 74
آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧, ١٢٩] فاستجاب الله دعاءهما وبعث في أهل مكة منهم رسولا بهذه الصفة من ولد إسماعيل الذي دعا مع أبيه إبراهيم ﵉ بهذا الدعاء وقد امتن الله تعالى على المؤمنين ببعثه لهذا النبي منهم على هذه الصفة التي دعا بها إبراهيم وإسماعيل قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:١٦٤] وقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ*ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٢, ٤] ومعلوم أنه لم يبعث من مكة رسول فيهم بهذه الصفة غير محمد ﷺ وهو ولد إسماعيل كما أن أنبياء بني إسرائيل من ولد اسحاق وذكر تعالى: أنه من على المؤمنين بهذه الرسالة فليس لله نعمة أعظم من إرسال محمد ﷺ يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم.
وقوله في الأميين والمراد بهم العرب: تنبيه لهم على قدر هذه النعمة وعظمها حيث كانوا أميين لا كتاب لهم وليس عندهم شيء من آثار النبوات كما كان عند أهل الكتاب فمن الله عليهم بهذا الرسول وبهذا الكتاب حتى صاروا أفضل الأمم وأعلمهم وعرفوا ضلالة من ضل من الأمم قبلهم.
وفي كونه منهم فائدتان:
إحداهما: أن هذا الرسول كان أيضا أميا كأمته المبعوث إليهم لم يقرأ كتابا قط ولم يخطه بيمينه كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] الآيات ولا خرج عن ديار قومه فأقام عند غيرهم حتى تعلم منهم شيئا بل لم يزل أميا بين أمة أمية لا يكتب ولا يقرأ حتى كمل الأربعين من عمره ثم جاء بعد ذلك بهذا الكتاب المبين وهذه الشريعة الباهرة وهذا الدين القيم الذي اعترف حذاق أهل الأرض ونظارهم أنه لم يقرع العالم ناموس أعظم منه وفي هذا برهان ظاهر على صدقه.
والفائدة الثانية: التنبيه على أن المبعوث منهم ـ وهم الأميون خصوصا أهل مكة ـ يعرفون نسبه وشرفه وصدقه وأمانته وعفته وأنه نشأ بينهم معروفا بذلك كله وأنه لم يكذب قط فكيف كان يدع الكذب على الناس ثم يفتري الكذب على الله.
стр. 75
عز وجل فهذا هو الباطل ولذلك سأل هرقل عن هذه الأوصاف واستدل بها على صدقه فيما ادعاه من النبوة والرسالة.
وقوله تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٤] يعني يتلو عليهم ما أنزله الله عليه من آياته المتلوة وهو القرآن وهو أعظم الكتب السماوية وقد تضمن من العلوم والحكم والمواعظ والقصص والترغيب والترهيب وذكر أخبار من سبق وأخبار ما يأتي من البعث والنشور والجنة والنار ما لم يشتمل عليه كتاب غيره حتى قال بعض العلماء لو أن هذا الكتاب وجد مكتوبا في مصحف في فلاة من الأرض ولم يعلم من وضعه هناك لشهدت العقول السليمة أنه منزل من عند الله وأن البشر لا قدرة لهم على تأليف ذلك فكيف إذا جاء على يدي أصدق الخلق وأبرهم وأتقاهم وقال إنه كلام الله وتحدى الخلق كلهم أن يأتوا بسورة مثله فعجزوا فيه فكيف مع هذا شك ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] وقال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] فلو لم يكن لمحمد ﷺ من المعجزات الدالة على صدقه غير هذا الكتاب لكفاه فكيف وله من المعجزات الأرضية والسماوية مالا يحصى.
وقوله: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] : يعني إنه يزكي قلوبهم ويطهرها من أدناس الشرك والفجور والضلال فإن النفوس تزكوا إذا طهرت من ذلك كله ومن زكت نفسه فقد أفلح كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٩] وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى:١٤] وقوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩] : يعني بالكتاب: القرآن والمراد ويعلمهم تلاوة ألفاظه ويعني بالحكمة: فهم معاني القرآن والعمل بما فيه فالحكمة هي: فهم القرآن والعمل به فلا يكفي بتلاوة ألفاظ الكتاب حتى يعلم معناه ويعمل بمقتضاه فمن جمع له ذلك كله فقد أوتي الحكمة قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: ٢٦٩] .
قال الفضيل: العلماء كثير والحكماء قليل وقال: الحكماء ورثة الأنبياء فالحكمة هي العلم النافع الذي يتبعه العمل الصالح وهو نور يقذف في القلب يفهم بها معنى العلم المنزل من السماء ويحض على اتباعه والعمل به ومن قال الحكمة: السنة فقوله الحق لأن السنة تفسر القرآن وتبين معانيه وتحض على اتباعه.
стр. 76
والعمل به فالحكيم هو العالم المستنبط لدقائق العلم المنتفع بعلمه بالعمل به ولأبي العتاهية:
وكيف تحب أن تدعى حكيما ... وأنت لكل ما تهوى ركوب
وتضحك دائبا ظهرا لبطن ... وتذكر ما عملت فلا تتوب
قوله تعال: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] إشارة إلى ما كان الناس عليه قبل إنزال هذا الكتاب من الضلال فإن الله نظر حينئذ إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب تمسكوا بدينهم الذي لم يبدل ولم يغير وكانوا قليلا جدا فأما عامة أهل الكتاب فكانوا قد بدلوا كتبهم وغيروها وحرفوها وأدخلوا في دينهم ما ليس منه فضلوا وأضلوا وأما غير أهل الكاتب فكانوا على ضلال بين فالأميون أهل شرك يعبدون الأوثان والمجوس يعبدون النيران ويقولون بإلهين اثنين وكذلك غيرهم من أهل الأرض منهم من كان يعبد النجوم ومنهم من كان يعبد الشمس أو القمر فهدى الله المؤمنين بإرسال محمد ﷺ إلى ما جاء به من الهدى والدين الحق وأظهر الله دينه حتى بلغ مشارق الأرض ومغاربها فظهرت فيها كلمة التوحيد والعمل بالعدل بعد أن كانت الأرض كلها ممتلئة من الشرك والظلم فالأميون هم العرب والآخرون الذي لم يلحقوا بهم هم أهل فارس والروم فكانت أهل فارس مجوسا والروم نصارى فهدى الله جميع هؤلاء برسالة محمد ﷺ إلى التوحيد.
وقد رؤي الإمام بعد موته في المنام فسئل عن حاله فقال: لولا النبي لكنا مجوسا قال: فإن أهل العراق لولا رسالة محمد ﷺ لكانوا مجوسا وأهل الشام ومصر والروم لولا رسالة محمد ﷺ لكانوا نصارى وأهل جزيرة العرب لولا رسالة محمد ﷺ لكانوا مشركين عباد أوثان ولكن رحم الله عباده بإرسال محمد ﷺ فأنقذهم من الضلال كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الانبياء:١٠٧] ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة:٤] فمن حصل له نصيب من دين الإسلام فقد حصل له الفضل العظيم وقد عظمت عليه نعمة الله فما أحوجه إلى القيام بشكر هذه النعمة وسؤاله دوامها والثبات عليها إلى الممات والموت عليها فبذلك تتم النعمة.
فإبراهيم ﵊ هو إمام الحنفاء المأمور محمد ﷺ ومن قبله
стр. 77
من الأنبياء والاقتداء به وهو الذي جعله للناس إماما وقد دعا هو وابنه إسماعيل بأن يبعث الله في أهل مكة رسولا منهم موصوفا بهذه الأوصاف فاستجاب الله لهما وجعل هذا النبي مبعوثا فيهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم كما دعيا بذلك وهو النبي الذي أظهر دين إبراهيم الحنيف بعد اضمحلاله وخفائه على أهل الأرض فلهذا كان أولى الناس بإبراهيم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٦٨] وقال ﷺ : " إن لكل نبي وليا من المؤمنين وأنا ولي إبراهيم" ثم تلا هذه الآية وكان ﷺ أشبه ولد إبراهيم به صورة ومعنى حتى إنه أشبهه في خلة الله تعالى فقال: "إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا".
والثاني بشارة عيسى به: وعيسى آخر أنبياء بني إسرائيل وقد قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] وقد كان المسيح ﵊ يحض على اتباعه ويقول: إنه يبعث السيف فلا يمنعنكم ذلك منه وروي عنه أنه قال: سوف أذهب أنا ويأتي الذي بعدي لا يتحمدكم بدعواه ولكن يسل السيف فتدخلونه طوعا وكرها وفي المسند عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ : "إن الله أوحى إلى عيسى ﵇ أني باعث بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا ولا حلم ولا علم قال: يا رب كيف هذا ولا حلم ولا علم؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي" قال ابن اسحاق حدثني بعض أهل العلم: أن عيسى بن مريم ﵇ قال: إن أحب الأمم إلى الله لأمة أحمد قيل له: وما فضلهم الذي تذكر؟ قال: لم تذلل لا إله إلا الله على ألسن أمة من الأمم تذليلها على ألسنتهم.
الثالث: مما دل على نبوته قبل ظهوره: رؤيا أمه التي رأت أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام وذكر أن أمهات النبيين كذلك يرين والرؤيا هنا إن أريد بها رؤيا المنام فقد روي أن آمنة بنت وهب رأت في أول حملها بالنبي ﷺ أنها بشرت بأنه يخرج منها عند ولادتها نور يضيء له قصور الشام.
وروى الطبراني بإسناده عن أبي مريم الكندي عن النبي ﷺ أنه سئل: أي شيء كان أول من أمر نبوتك؟ قال: "أخذ الله مني الميثاق كما أخذ من النبيين ميثاقهم" وتلا: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] الآية وبشرى المسيح عيسى بن مريم ورأت أم رسول الله ﷺ في منامها أنه خرج من
стр. 78
بين يديها سراج أضاءت لها من قصور الشام ثم قال: ووراء ذلك قريتين أو ثلاثا".
وإن أريد بها رؤية عين كما قال ابن عباس في قول الله : ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الاسراء: ٦٠] إنها رؤية عين أريها النبي ﷺ ليلة أسري به فقد روى أن أمه رأت ذلك عند ولادة النبي ﷺ قال ابن اسحاق: كانت آمنة بنت وهب تحدث أنها أتيت حين حملت برسول الله ﷺ فقيل لها إنك حملت بسيد هذه الأمة فإذا وقع إلى الأرض فقولي أعيذه بالواحد من شر كل حاسد وآية ذلك أن يخرج معه نور يملأ قصور بصرى من أرض الشام فإذا وقع فسميه محمدا فإن اسمه في التوراة أحمد يحمده أهل السماء وأهل الأرض واسمه في الإنجيل أحمد يحمده أهل السماء وأهل الأرض واسمه في القرآن محمد.
وذكر ابن سعد عن الواقدي بأسانيد له متعددة: أن آمنة بنت وهب قالت: لقد علقت به تعني النبي ﷺ فما وجدت له مشقة حتى وضعته فلما فصل مني خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب ثم وقع إلى الأرض معتمدا على يديه ثم أخذ قبضة من التراب فقبضها ورفع رأسه إلى السماء وفي حديث بعضهم: وقع جاثيا على ركبتيه وخرج معه نور أضاءت له قصور الشام وأسواقها حتى رأت أعناق الإبل ببصرى رافعا رأسه إلى السماء وروى البيهقي بإسناده عن عثمان بن أبي العاص حدثتني أمي أنها شهدت ولادة آمنة بنت وهب رسول الله ﷺ ليلة ولدته قالت: فما شيء أنظر إليه إلا نور وإني أنظر إلى النجوم تدنو حتى أني لأقول ليقعن علي وخرج الإمام أحمد من حديث عتبة بن عبد السلمي عن النبي ﷺ : أن أمه قالت: إني رأيت خرج مني نور أضاءت منه قصور الشام.
وروى ابن اسحاق عن جهم بن أبي جهم عن عبد الله بن جعفر عمن حدث عن سليمة أم النبي ﷺ التي أرضعته أن آمنة بنت وهب حدثتها أنها قالت: إني حملت به فلم أر حملا قط كان أخف علي منه ولا أعظم بركة منه لقد رأيت نورا كأنه شهاب خرج مني حين وضعته أضاءت له أعناق الإبل ببصرى وخروج هذا النور عند وضعه إشارة إلى ما يجيء به من النور الذي اهتدى به أهل الأرض وزال به ظلمة الشرك منها كما قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ
стр. 79
الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥, ١٦] وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وفي هذا المعنى يقول العباس في أبياته المشهورة السائرة:
وأنت لما ولدت أشرقت الأرض ... وضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي النور ... وسبل الرشاد نخترق
وأما إضاءة قصور بصرى بالنور الذي خرج معه فهو إشارة إلى ما خص الشام من نور نبوته بأنها دار ملكه كما ذكر كعب أن في الكتب السابقة محمد رسول الله مولده بمكة ومهاجره يثرب وملكه بالشام فمن مكة بدئت نبوة محمد ﷺ وإلى الشام ينتهي ملكه ولهذا أسري به ﷺ إلى الشام إلى بيت المقدس كما هاجر إبراهيم ﵊ من قبله إلى الشام.
قال بعض السلف: ما بعث الله نبيا إلا من الشام فإن لم يبعثه منها هاجر إليها وفي آخر الزمان يستقر العلم والإيمان بالشام فيكون نور النبوة فيها أظهر منه في سائر بلاد الإسلام.
وخرج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وأبي الدرداء وخرج الحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال: "رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فأتبعته بصري فإذا هو عمود ساطع عمد به إلى الشام ألا وإن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام" وفي المسند والترمذي وغيرهما عن النبي ﷺ قال: "ستكون هجرة بعد هجرة فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم" يعني الشام وبالشام ينزل عيسى بن مريم ﵇ في آخر الزمان وهو المبشر بمحمد ﷺ ويحكم به ولا يقبل من أحد غير دينه فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويصلي خلف إمام المسلمين ويقول: إن هذه الأمة أئمة بعضهم لبعض إشارة إلى أنه متبع لدينهم غير ناسخ له والشام هي في آخر الزمان أرض المحشر والمنشر فيحشر الناس إليهم قبل القيامة من أقطار الأرض فيهاجر خيار أهل الأرض إلى مهاجر إبراهيم وهي أرض الشام طوعا كما تقدم أن خيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم.
وقال ﷺ : "عليكم بالشام فإنها خيرة الله من أرضه يجتبي إليها خيرته من عباده" خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم في صحيحهما وقال.
стр. 80
أبو أمامة: لا تقوم الساعة حتى ينتقل خيار أهل العراق إلى الشام وشرار أهل الشام إلى العراق وخرجه الإمام أحمد.
وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز فتضيء لها أعناق الإبل ببصرى" وقد خرجت هذه النار بالحجاز بقرب المدينة ورؤيت أعناق الإبل من ضوءها ببصرى في سنة أربع وخمسين وستمائة وعقيبها جرت واقعة بغداد وقتل بها الخليفة وعامة من كان ببغداد وتكامل خراب أهل العراق على أيدي التتار وهاجر خيار أهلها إلى الشام من حينئذ فأما شرار الناس فتخرج نار في آخر الزمان تسوقهم إلى الشام قهرا حتى تجتمع الناس كلها بالشام قبل قيام الساعة.
وفي سنن أبي داود عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها دمشق من خير مدائن الشام" وخرجه الحاكم ولفظه: " خير منازل المسلمين يومئذ".
إخواني من كان من هذه الأمة فهو من خير الأمم عند الله قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقال النبي ﷺ : "أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها عل الله ".
لما كان هذا الرسول النبي الأمي خير الخلق وأفضلهم كانت أمته خير أمة وأفضلها فما يحسن بمن كان من خير الأمم وانتسب إلى متابعة خير الخلق وخصوصا من كان يسكن خير منازل المسلمين في آخر الزمان إلا أن يكون متصفا بصفات الخير مجتنبا لصفات الشر وقبيح به أن يرضى لنفسه أن يكون من شر الناس مع انتسابه إلى خير الأمم ومتابعة خير الرسل قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٧] فخير الناس من آمن وعمل صالحا وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "خير الناس من فقه في دين الله ووصل رحمه وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر" وفي رواية: "خير الناس أتقاهم للرب وأوصلهم للرحم وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر" وقال: "الناس معادن فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" وقال: "خير الناس من طال عمره وحسن عمله وشر الناس من طال عمره وساء عمله" وقال: "خيركم من يرجى خيره ويؤمن شره وشركم من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره".
стр. 81
وقال: " ألا أخبركم بخياركم؟ قالوا: بلى قال: الذين إذا رؤوا ذكر الله وقال: ألا أنبئكم بشراركم؟ قالوا: بلى قال: المشاؤن بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون للبرآء العيب" وقال: "شر الناس منزلة عند الله من تركه الناس اتقاء فحشه" وقال: "إن من شر الناس يوم القيامة منزلة عند الله ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه" وقال: "إن من شر الناس عند الله منزلة من يقرأ كتاب الله ثم لا يرعوي إلى ما فيه" وقال: "من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من أذهب آخرته بدنيا غيره".
أعمال الأمة تعرض على نبيها في البرزخ فليستح عبد أن يعرض على نبيه من عمله ما نهاه عنه لما وقف ﷺ عام حجة الوداع قال: "إني فرطكم على الحوض وأني مكاثر بكم الأمم فلا تسودوا وجهي" يشير إلى أنه ﷺ يستحي من سيئات أمته إذا عرضت عليه وقال: "ليؤخذن برجال من أمتي ذات الشمال فأقول: يا رب أصحابي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول: سحقا سحقا لمن بدل بعدي" خير هذه الأمة أولها قرنا كما قال النبي ﷺ : "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" وقال: "بعثت في خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى كتبت من القرن الذي كنت منه".
كما قد جاء مدح أصحابه في كتابه تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] و ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] وخص الصديق من بينهم بالصحبة بقوله: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] .
لما جلى الرسول ﷺ عروس الإسلام وأبرزها للبصائر من خدرها أخرج أبو بكر ﵁ ماله كله نثارا لهذا العروس فأخرج عمر النصف موافقة له فقام عثمان بوليمة العرس فجهز جيش العسرة فعلم علي ﵁ أن الدنيا ضرة هذه العروس وأنهما لا يجتمعان فبت طلاقها ثلاثا فالحمد لله الذي خصنا بهذه الرحمة وأسبغ علينا هذه النعمة وأعطانا ببركة نبينا هذه الفضائل الجمة فقال لنا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
من أين في الأمم مثل أبي بكر الصديق أو عمر الذي ما سلك طريقا إلا هرب الشيطان من ذلك الطريق أو عثمان الصابر على مر الضيق أو عليا بحر العلم العميق أو حمزة والعباس أفيهم مثل طلحة والزبير القرنين أو مثل سعد.
стр. 82
وسعيد هيهات من أين أو مثل ابن عوف وأبي عبيدة ومن مثل الإثنين إن شبهتهم بهم فقد أبعدتم القياس.
من أين في زهاد الأمم مثل أويس أو في عبادهم مثل عامر بن عبد قيس أو في خائفهم مثل عمر بن عبد العزيز هيهات ليس ضوء الشمس كالمقايس أو في علمائهم مثل أبي حنيفة ومالك والشافعي السديد المالك كيف تمدحه وهو أجل من ذلك ما أحسن بنيانه والأساس أثم أعلى من الحسن البصري وأنبل أو ابن سيرين الذي بالورع تقبل أو سفيان الثوري الذي بالخوف والعلم تسربل أو مثل أحمد الذي بذل نفسه لله وسبل تالله ما في الأمم مثل ابن حنبل إرفع صوتك بهذا ولا بأس: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
لاح شيب الرأس مني فنصح ... بعد لهو وشباب ومرح
إخوتي توبوا إلى الله بنا ... قد لهونا وجهلنا ما صلح
نحن في دار نرى الموت بها ... لم يدع فيها لذي اللب فرح
يا بني آدم صونوا دينكم ... ينبغي للدين أن لا يطرح
واحمدوا الله الذي أكرمكم ... بنبي قام فيكم فنصح
بنبي فتح الله به ... كل خير نلتموه ومنح
مرسل لو يوزن الناس به ... في التقى والبر خفوا ورجح
فرسول الله أولى بالعلى ... ورسول الله أولى بالمدح
стр. 83
المجلس الثاني في ذكر المولد أيضا .
خرج مسلم في صحيحه من حديث أبي قتادة الأنصاري أن النبي ﷺ سئل عن صيام يوم الإثنين فقال: "ذاك يوم ولدت فيه وأنزلت علي فيه النبوة".
أما ولادة النبي ﷺ يوم الإثنين فكالمجمع عليه بين العلماء وقد قاله ابن عباس وغيره وقد حكي عن بعضهم أنه ولد يوم الجمعة وهو قول ساقط مردود وروي عن أبي جعفر الباقر: أنه توقف في ذلك وقال: لا يعلم ذلك إلا الله وإنما
стр. 84
قال هذا لأنه لم يبلغه في ذلك ما يعتمد عليه فوقف تورعا وأما الجمهور فبلغهم في ذلك ما قالوا بحسبه: وقد روي عن أبي جعفر أيضا موافقتهم وأن النبي ﷺ ولد يوم الإثنين موافقة لما قاله سائر العلماء وحديث أبي قتادة يدل على أنه ﷺ ولد نهارا في يوم الإثنين وقد روي: أنه ولد عند طلوع الفجر منه وروى أبو جعفر بن أبي شيبة في تاريخه وخرجه من طريقه أبو نعيم في الدلائل بإسناد فيه ضعف عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كان بمر الظهران راهب يدعى عيص من أهل الشام وكان يقول: يوشك أن يولد فيكم يا أهل مكة مولود تدين له العرب ويملك العجم هذا زمانه فكان لا يولد بمكة مولود إلا سأل عنه.
فلما كان صبيحة اليوم الذي ولد فيه رسول الله ﷺ خرج عبد الله بن عبد المطلب حتى أتى عيص فناداه فأشرف عليه فقال له عيص: كن أباه فقد ولد ذلك المولود الذي كنت أحدثكم عنه يوم الإثنين ويبعث يوم الإثنين ويموت يوم الإثنين قال: إنه ولد لي مع الصبح مولود قال: فما سميته؟ قال: محمدا قال: والله لقد كنت أشتهي أن يكون هذا المولود فيكم أهل البيت لثلاث خصال بها نعرفه فقد أتى عليهن منها أنه طلع نجمه البارحة وأنه ولد اليوم وأن اسمه محمد انطلق إليه فإنه الذي كنت أحدثكم عنه.
وقد روي ما يدل على إنه ولد ليلا وقد سبق في المجلس الذي قبله من الآثار ما يستدل به لذلك وفي صحيح الحاكم عن عائشة قالت: كان بمكة يهودي يتجر فيها فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ قال: "يا معشر قريش هل ولد فيكم الليلة مولود قالوا: لا نعلمه فقال: ولد الليلة نبي هذه الأمة الأخيرة بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات كأنهن عرف فرس فخرجوا باليهودي حتى أدخلوه على أمه فقالوا: أخرجي إلينا ابنك فأخرجته وكشفوا عن ظهره فرأى تلك الشامة فوقع اليهودي مغشيا عليه فلما أفاق قالوا: ويلك ما لك؟ قال: ذهبت والله النبوة من بني إسرائيل" وهذا الحديث يدل على أنه ولد بخاتم النبوة بين كتفيه.
وخاتم النبوة: من علامات نبوته التي كان يعرفه بها أهل الكتاب ويسألون عنها ويطلبون الوقوف عليها وقد روي: أن هرقل بعث إلى النبي بتبوك من ينظر له خاتم النبوة ثم يخبره عنه وقد روي من حديث أبي ذر وعتبة بن عبيد عن النبي ﷺ : أن الملكين اللذين شقا صدره وملآه حكمة هما اللذان ختماه بخاتم النبوة وهذا يخالف حديث عائشة هذا وقد روي أن هذا الخاتم رفع بعد موته من بين كتفيه ولكن إسناد هذا الخبر ضعيف.
стр. 85
وقد روي في صفة ولادته آيات تستغرب فمنها: روي عن آمنة بنت وهب أنها قالت: وضعته فما وقع كما وقع الصبيان وقع واضعا يده على الأرض رافعا رأسه إلى السماء وروي أيضا: أنه قبض من التراب بيده لما وقع بالأرض فقال بعض القافة: إن صدق الفال ليغلبن أهل الأرض وروي: أنه وضع تحت جفنة فانفلقت عنه ووجدوه ينظر إلى السماء.
واختلفت الروايات هل ولد مختونا؟! فروي: أنه ولد مختونا مسرورا يعني مقطوع السرة حتى قال الحاكم: تواترت الروايات بذلك وروي أن جده ختنه وتوقف الإمام أحمد في ذلك قال المروذي: سئل أبو عبد الله هل ولد النبي ﷺ مختونا؟ قال: الله أعلم ثم قال: لا أدري قال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا: قد روي: أنه ﷺ ولد مختونا مسرورا ولم يجترىء أبو عبد الله على تصحيح هذا الحديث.
وأما شهر ولادته فقد اختلف فيه:: فقيل: في شهر رمضان روي عن عبد الله بن عمرو بإسناد لا يصح وقيل: في رجب ولا يصح وقيل: في ربيع الأول وهو المشهور بين الناس حتى نقل ابن الجوزي وغيره عليه الإتفاق ولكنه قول جمهور العلماء ثم اختلفوا في أي يوم كان من الشهر: فمنهم من قال: هو غير معين وإنما ولد في يوم الإثنين من ربيع من غير تعين لعدد ذلك اليوم من الشهر والجمهور على أنه يوم معين منه ثم اختلفوا فقيل: لليلتين خلتا منه وقيل: لثمان خلت منه وقيل: لعشر وقيل: لاثنتي عشرة وقيل: لسبع عشرة وقيل: لثماني عشرة وقيل لثمان بقين منه وقيل: إن هذين القولين غير صحيحين عمن حكيا عنه بالكلية والمشهور الذي عليه الجمهور: أنه ولد يوم الإثنين ثاني عشر ربيع الأول وهو قول ابن إسحاق وغيره.
وأما عام ولادته فالأكثرون على أنه عام الفيل وممن قال ذلك: قيس بن مخرمة وقبات بن أشيم وابن عباس وروي عنه: أنه ولد يوم الفيل وقيل: إن هذه الرواية وهم إنما الصحيح عنه أنه قال: عام الفيل ومن العلماء من حكى الإتفاق على ذلك وقال: كل قول يخالفه وهم والمشهور أنه ﷺ ولد بعد الفيل بخمسين يوما وقيل: بعده بخمس وخمسين يوما وقيل: بشهر وقيل: بأربعين يوما وقد قيل: إنه ولد بعد الفيل بعشر سنين وقيل: بثلاث وعشرين سنة وقيل: بأربعين سنة وقيل: قبل الفيل بخمس عشرة سنة وهذه الأقوال وهم عند جمهور العلماء ومنها لا يصح عمن حكي عنه قال إبراهيم بن المنذر
стр. 86
الحزامي: الذي لا يشك فيه أحد من علمائنا أنه ﷺ ولد عام الفيل وقال خليفة بن خياط: هذا هو المجمع عليه وكانت قصة الفيل توطئة لنبوته وتقدمة لظهوره وبعثته وقد قص الله ذلك في كتابه فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ، أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ١, ٥] .
فقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] استفهام تقرير لمن سمع هذا الخطاب وهذا يدل على اشتهار ذلك بينهم ومعرفتهم به وأنه مما لا يخفى علمه عن العرب خصوصا قريشا وأهل مكة وهذا أمر اشتهر بينهم وتعارفوه وقالوا فيه الأشعار السائرة وقد قالت عائشة: رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين يستطعمان وفي هذه القصة ما يدل على تعظيم مكة واحترامها واحترام بيت الله الذي فيها ولادة النبي ﷺ عقب ذلك تدل على نبوته ورسالته فإنه ﷺ بعث بتعظيم هذا البيت وحجه والصلاة إليه فكان هذا البلد هو موطنه ومولده فاضطره قومه عند دعوتهم إلى الله تعالى إلى الخروج منه كرها بما نالوه به من الأذى ثم إن الله تعالى ظفره بهم وأدخله عليهم قهرا فملك البلد عنوة وملك رقاب أهله ثم من عليهم وأطلقهم وعفا عنهم فكان في تسليط نبيه ﷺ على هذا البلد وتمليكه إياه ولأمته من بعده ما دل على صحة نبوته فإن الله حبس عنه من يريد بالأذى وأهلكه ثم سلط عليه رسوله وأمته كما قال ﷺ : "إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين" فإن الرسول ﷺ وأمته إنما كان قصدهم تعظيم البيت وتكريمه واحترامه ولهذا أنكر النبي ﷺ يوم الفتح على من قال: اليوم تستحل الكعبة وقال: "اليوم تعظم الكعبة" وقد كان أهل الجاهلية غيروا دين إبراهيم وإسماعيل بما ابتدعوه من الشرك وتغيير بعض مناسك الحج فسلط الله رسوله وأمته على مكة فطهروها من ذلك كله وردوا الأمر إلى دين إبراهيم الحنيف وهو الذي دعا لهم مع ابنه إسماعيل عند بناء البيت أن يبعث فيهم رسولا منهم عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة فبعث الله فيهم محمدا ﷺ من ولد إسماعيل بهذه الصفة فطهر البيت وما حوله من الشرك ورد الأمر إلى دين إبراهيم الحنيف والتوحيد الذي لأجله بني البيت كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج:٢٦] .
وأما تسليط القرامطة على البيت بعد ذلك فإنما كان عقوبة بسبب ذنوب
стр. 87
الناس ولم يصلوا إلى هدمه ونقضه ومنع الناس عن حجه وزيارته كما كان يفعل أصحاب الفيل لو قدروا على هدمه وصرف الناس عن حجه والقرامطة أخذوا الحجر والباب وقتلوا الحجاج وسلبوهم أموالهم ولم يتمكنوا من منع الناس من حجة بالكلية ولا قدروا على هدمه بالكلية كما كان أصحاب الفيل يقصدونه ثم أذلهم الله بعد ذلك وخذلهم وهتك أستارهم وكشف أسرارهم.
والبيت المعظم باق على حاله من التعظيم والزيارة والحج والإعتمار والصلاة إليه لم يبطل شيء من ذلك عنه بحمد الله ومنه وغاية أمرهم أنهم أخافوا حج العراق حتى انقطعوا بعض السنين ثم عادوا ولم يزل الله يمتحن عباده المؤمنين بما يشاء من المحن ولكن دينه قائم محفوظ لا يزال تقوم به أمة من أمة محمد ﷺ لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٢, ٣٣] .
وقد أخبر النبي ﷺ أن هذا البيت يحج ويعتمر بعد خروج يأجوج ومأجوج ولا يزال كذلك حتى تخربه الحبشة ويلقون حجارته في البحر وذلك بعد أن يبعث الله ريحا طيبة تقبض أرواح المؤمنين كلهم فلا يبقى على الأرض مؤمن ويسرى بالقرآن من الصدور والمصاحف فلا يبقى في الأرض قرآن ولا إيمان ولا شيء من الخير فبعد ذلك تقوم الساعة ولا تقوم إلا على شرار الناس.
وقوله ﷺ : "ويوم أنزلت علي فيه النبوة" يعني أنه ﷺ نبىء يوم الإثنين وفي المسند عن ابن عباس قال: ولد النبي ﷺ يوم الإثنين واستنبىء يوم الإثنين وخرج مهاجرا من مكة إلى المدينة يوم الإثنين ودخل المدينة يوم الإثنين وتوفي يوم الإثنين ورفع الحجر الأسود يوم الإثنين وذكر ابن إسحاق: أن النبوة نزلت يوم الجمعة وحديث أبي قتادة يرد هذا واختلفوا: في أي شهر كان ابتداء النبوة؟ فقيل: في رمضان وقيل: في رجب ولا يصح وقيل في ربيع الأول وقيل: إنه نبىء يوم الإثنين لثمان من ربيع الأول.
وأما الإسراء فقيل كان في رجب وضعفه غير واحد وقيل: كان في ربيع الأول وهو قول إبراهيم الحربي وغيره.
وأما دخول المدينة ووفاته: فكانا في ربيع الأول بغير خلاف مع اختلاف في تعيين ذلك اليوم من أيام الشهر وفي قول النبي ﷺ لما سئل عن صيام يوم
стр. 88
الإثنين؟: "ذاك يوم ولدت فيه وأنزلت علي فيه النبوة" إشارة إلى استحباب صيام الأيام التي تتجدد فيها نعم الله على عباده فإن أعظم نعم الله على هذه الأمة إظهار محمد ﷺ لهم وبعثته وإرساله إليهم كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] فإن النعمة على الأمة: بإرساله أعظم من النعمة عليهم بإيجاد السماء والأرض والشمس والقمر والرياح والليل والنهار وإنزال المطر وإخراج النبات وغير ذلك فإن هذه النعم كلها قد عمت خلقا من بني آدم كفروا بالله وبرسله وبلقائه فبدلوا نعمة الله كفرا فأما النعمة بإرسال محمد ﷺ فإن بها تمت مصالح الدنيا والآخرة وكمل بسببها دين الله الذي رضيه لعباده وكان قبوله سبب سعادتهم في دنياهم وآخرتهم فصيام يوم تجددت فيه هذه النعم من الله على عباده المؤمنين حسن جميل وهو من باب مقابلة النعم في أوقات تجددها بالشكر ونظير هذا صيام يوم عاشوراء حيث أنجى الله فيه نوحا من الغرق ونجى فيه موسى وقومه من فرعون وجنوده وأغرقهم في اليم فصامه نوح وموسى شكرا لله فصامه رسول الله ﷺ متابعة لأنبياء الله وقال لليهود: "نحن أحق بموسى منكم" وصامه وأمر بصيامه.
وقد روي أن النبي ﷺ كان يتحرى صيام يوم الإثنين ويوم الخميس روي ذلك عنه من حديث عائشة وأبي هريرة وأسامة بن زيد وفي حديث أسامة: أنه سأله عن ذلك؟ فقال: "إنهما يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم" وفي حديث أبي هريرة أنه سئل عن ذلك؟ فقال: "إنه يغفر فيهما لكل مسلم إلا مهتجرين يقول دعهما حتى يصطلحا" وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعا: "تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين والخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله إلا رجل كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال انظروا هذين حتى يصطلحا" ويروى من حديث أبي أمامة مرفوعا: "ترفع الأعمال يوم الإثنين والخميس فيغفر للمستغفرين ويترك أهل الحقد كما هو" وفي المسند عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : " أن أعمال بني آدم تعرض علي كل خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم" كان بعض التابعين يبكي إلى امرأته يوم الخميس وتبكي إليه ويقول: اليوم تعرض أعمالنا على الله يا من يبهرج بعلمه على من تبهرج والناقد بصير يا من يسوف بتطويل أمله إلى كم تسوف والعمر قصير.
صروف الحتف مترعة الكؤوس ... تدور على الرعايا والرؤوس
فلا تتبع هواك فكل شخص ... يصير إلى بلى وإلى دروس
стр. 89
وخف من هول يوم قمطرير ... تخوف شره ضنك عبوس
فمالك غير تقوى الله زاد ... وفعلك حين تقبر من أنيس
فحسنه ليعرض مستقيما ... ففي الإثنين يعرض والخميس
стр. 90
المجلس الثالث في ذكر وفاة رسول الله ﷺ
في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر فقال: "إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده" فاختار ما عنده فبكى أبو بكر وقال: يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا قال: فعجبنا وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عند الله وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا قال: فكان رسول الله ﷺ هو المخير وكان أبو بكر هو أعلمنا به فقال النبي ﷺ : "إن من آمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ولو اتخذت من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن إخوة الإسلام لا تبقى في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر ﵁" الموت مكتوب على كل حي الأنبياء والرسل وغيرهم قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الانبياء: ٣٤, ٣٥] وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] .
خلق الله تعالى آدم من تراب الأرض ونفخ فيه من روحه فكانت روحه في جسده وأرواح ذريته في أجسادهم في هذه الدار عارية وقضى عليه وعلى ذريته أنه لا بد من أن يسترد أرواحهم من هذه الأجساد ويعيد أجسادهم إلى ما خلقت منه وهو التراب ووعد أن يعيد الأجساد من الأرض مرة ثانية ثم يرد إليها الأرواح مرة ثانية تمليكا دائما لا رجعة فيه في دار البقاء قال الله تعالى: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف:٢٥] وقال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا
стр. 91
نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه:٥٥] وقال: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً*ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً﴾ [نوح: ١٧, ١٨] وأرانا دليلا في هذه الدار على إعادة الأجساد من التراب بإنبات الزرع من الأرض وإحياء الأرض بعد موتها بالمطر ودليلا على إعادة الأرواح إلى أجسادها بعد المفارقة بقبض أرواح العباد في منامهم وردها إليهم في يقظتهم كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر:٤٢] .
وفي مسند البزار عن أنس أن النبي ﷺ قال لهم لما ناموا عن الصلاة: "إن هذه الأرواح عارية في أجساد العباد فيقبضها إذا شاء ويرسلها إذا شاء".
استعدي للموت يا نفس واسعي ... للنجاة فالحازم المستعد
قد تيقنت أنه ليس للحي ... خلود ولا من الموت بد
إنما أنت مستعيرة ما سوف ... تردين والعواري ترد
* * *
فما أهل الحياة لنا بأهل ... ولا دار الحياة لنا بدار
وما أموالنا والأهل فيها ... ولا أولادنا إلا عواري
وأنفسنا إلى أجل قريب ... سيأخذها المعير من المعار
مفارقة الجسد للروح لا تقع إلا بعد ألم عظيم تذوقه الروح والجسد جميعا فإن الروح قد تعلقت بهذا الجسد وألفته واشتدت إلفتها له وامتزاجها به ودخولها فيه حتى صارا كالشيء الواحد فلا يتفارقان إلا بجهد شديد وألم عظيم ولم يذق ابن آدم حياته ألما مثله وإلى ذلك الإشارة بقول الله : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] قال الربيع بن خثيم أكثروا ذكر هذا الموت فإنكم لم تذوقوا قبله مثله.
ويتزايد الألم بمعرفة المحتضر فإن جسده إذا فارقته الروح صار جيفة مستقذرة يأكله الهوام ويبليه التراب حتى يعود ترابا وإن الروح المارقة له لا تدري أين مستقرها هل هو في الجنة أو في النار فإن كان عاصيا مصرا على المعصية إلى الموت فربما غلب على ظنه أن روحه تصير إلى النار فتتضاعف بذلك حسرته وألمه وربما كشفت له مع ذلك عن مقعده من النار فرآه أو يبشر بذلك فيجتمع له مع كرب الموت وألمه العظيم معرفته بسوء مصيره وهذا المراد بقول الله :
стр. 92
﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة:٢٩] على ما فسر به كثير من السلف فيجتمع عليه سكرة الموت مع حسرة الفوت فلا يسأل عن سوء حاله وقد سمى الله تعالى ذلك سكرة لأن ألم الموت مع ما ينضم إليه يسكر صاحبه فيغيب عقله غالبا قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [قّ: ١٩] .
ألا الموت كأس أي كأس ... وأنت لكأسه لا بد حاسي
إلى كم والممات إلى قريب ... تذكر بالممات وأنت ناسي
وقد أمر النبي ﷺ بكثرة ذكر الموت فقال: "أكثروا ذكر هادم اللذات الموت" وفي حديث مرسل أنه ﷺ مر بمجلس قد استعلاه الضحك فقال "شوبوا مجلسكم بذكر مكدر اللذات الموت" وفي الإكثار من ذكر الموت فوائد منها: أنه يحث على الإستعداد له قبل نزوله ويقصر الأمل ويرضى بالقليل من الرزق ويزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة ويهون مصائب الدنيا ويمنع من الأشر والبطر والتوسع في لذات الدنيا وفي حديث أبي ذر المرفوع الذي خرجه ابن حبان في صحيحه وغيره: " أن صحف موسى كانت عبرا كلها عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح عجبت لمن أيقن بالنار كيف يضحك عجبت لمن أيقن بالقدر كيف ينصب عجبت لمن رأى الدنيا وسرعة تقبلها كيف يطمئن إليها".
وقد رزي أن الكنز الذي كان للغلامين كان لوحا من ذهب مكتوب فيه هذا أيضا قال الحسن: إن هذا الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم فالتمسوا عيشا لا موت فيه وقال: فضح الموت الدنيا فلم يدع لذي لب بها فرحا وقال غيره: ذهب الموت بلذاذة كل عيش وسرور كل نعيم ثم بكى وقال: واها لدار لا موت فيها.
اذكر الموت هادم اللذات ... وتهيأ لمصرع سوف يأتي
غيره:
"يا غافل القلب عن ذكر المنيات ... عما قليل ستلقى بين أموات
فاذكر محلك من قبل الحلول به ... وتب إلى الله من لهو ولذات
إن الحمام له وقت إلى أجل ... فاذكر مصائب أيام وساعات
لا تطمئن إلى الدنيا وزينتها ... قد آن للموت يا ذا اللب أن يأتي
стр. 93
قال بعض السلف: شيئان قطعا عني لذاذة الدنيا: ذكر الموت والوقوف بين يدي الله .
كيف يلذ العيش من كان موقنا ... بأن المنايا بغتة ستعاجله
وكيف يلذ العيش من كان موقنا ... بأن إله الخلق لا بد سائله
قال أبو الدرداء: كفى بالموت واعظا وكفى بالدهر مفرقا اليوم في الدور وغدا في القبور.
اذكر الموت وداوم ذكره ... إن في الموت لذي اللب عبر
وكفى بالموت فاعلم واعظا ... لمن الموت عليه قد قدر
غفلة الإنسان عن الموت مع أنه لا بد له منه من العجب والموجب له طول الأمل.
كلنا في غفلة والمـ ... ـوت يغدو ويروح
لبنى الدنيا من المـ ... ـوت غبوق وصبوح
سيصير المرء يوما ... جسدا ما فيه روح
بين عيني كل حي ... علم الموت يلوح
نح على نفسك يا مسكـ ... ـين إن كنت تنوح
لتموتن ولو عمـ ... ـرت ما عمر نوح
لما كان الموت مكروها بالطبع لما فيه من الشدة والمشقة العظيمة لم يمت نبي من الأنبياء حتى يخير ولذلك وقع التردد فيه في حق المؤمن كما في حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "يقول الله : وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه" كما رواه البخاري.
قال ابن أبي المليكة: "لما قبض إبراهيم ﵇ قال الله له: كيف وجدت الموت؟ قال: يا رب كأن نفسي تنزع بالبلى فقال: هذا وقد هونا عليك الموت" وقال أبو إسحاق: قيل لموسى ﵇: كيف وجدت طعم الموت قال: وجدته كسفود أدخل في صوف فاجتذب قال: هذا وقد هونا عليك الموت ويروى أن عيسى ﵇ كان إذا ذكر الموت يقطر جلده دما وكان يقول للحواريين: ادعوا الله أن يخفف عني الموت فلقد خفت الموت خوفا أوقفني مخافة الموت على الموت.
стр. 94
كيف يطمع في البقاء وما من الأنبياء إلا من مات أم كيف يؤمن هجوم المنايا ولم يسلم الأصفياء والأحباء هيهات هيهات.
قد مات كل نبي ... ومات كل بنيه
ومات كل شريف ... وعاقل وسيفه
لا يوحشنك طريق ... كل الخلائق فيه
أول ما أعلم النبي ﷺ من انقضاء عمره باقتراب أجله بنزول سورة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] وقيل لابن عباس ﵄: هل كان يعلم رسول الله ﷺ متى يموت؟ قال: نعم قيل: ومن أين؟ قال: إن الله تعالى جعل علامة موته هذه السورة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] يعني فتح مكة ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً﴾ [النصر:٢] ذلك علامة موته وقد كان نعى نفسه إلى فاطمة ﵍ فإن المراد من هذه السورة: أنك يا محمد إذا فتح الله عليك البلاد ودخل الناس في دينك الذي دعوتهم إليه أفواجا فقد اقترب أجلك فتهيأ للقائنا بالتحميد والإستغفار فإنه قد حصل منك مقصود ما أمرت به من أداء الرسالة والتبليغ وما عندنا خير لك من الدنيا فاستعد للنقلة إلينا قال ابن عباس: لما نزلت هذه السورة نعيت لرسول الله ﷺ نفسه فأخذ في أشد ما كان اجتهادا في أمر الآخرة وروي في حديث: "إنه تعبد حتى صار كالشن البالي" وكان يعرض القرآن كل عام على جبريل مرة فعرضه ذلك العام مرتين وكان يعتكف العشر الأواخر من رمضان كل عام فاعتكف فيه ذلك العام عشرين وأكثر من الذكر والإستغفار.
قالت أم سلمة: كان رسول الله ﷺ في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلا قال "سبحان الله وبحمده" فذكرت ذلك له فقال: "إني أمرت بذلك" وتلا هذه السورة وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول قبل موته: سبحان الله وبحمده استغفر الله وأتوب إليه فقلت له: إنك تدعو بدعاء لم تكن تدعو به قبل اليوم؟ قال: "إن ربي أخبرني أنني سأرى علما في أمتي وإني إذا رأيته أن أسبح بحمده وأستغفره وقد رأيته" ثم تلا هذه السورة إذا كان سيد المحسنين يؤمر بأن يختم أعماله بالحسنى فكيف يكون حال المذنب المسيء المتلوث بالذنوب المحتاج إلى التطهير من لم ينذره باقتراب أجله وحي أنذره الشيب وسلب أقرانه بالموت.
стр. 95
كفى مؤذنا باقتراب الأجل ... شباب تولى وشيب نزل
وموت الأقران وهل بعده ... بقاء يؤمله من عقل
إذا ارتحلت قرناء الفتى ... على حكم ريب المنون ارتحل
قال وهب بن الورد: إم لله ملكا ينادي في السماء كل يوم وليلة أبناء الخمسين: زرع دنا حصاده أبناء الستين: هلموا إلى الحساب أبناء السبعين: ماذا قدمتم وماذا أخرتم أبناء الثمانين: لا عذر لكم وعن وهب قال: ينادي مناد: أبناء الستين: عدوا أنفسكم في الموتى.
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: أعذر ﷺ إلى من بلغه ستين من عمره وفي حديث آخر: "إذا كان يوم القيامة نودي أين أبناء الستين وهو العمر الذي قال الله فيه: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧] " وفي الترمذي عنه ﷺ قال: "أعمار أمتي بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك" وفي حديث آخر: "معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين" وفي حديث آخر: "إن لكل شيء حصادا وحصاد أمتي ما بين الستين إلى السبعين" وفي هذا المعترك قبض النبي ﷺ قال سفيان الثوري: من بلغ سن رسول الله ﷺ فليتخذ لنفسه كفنا.
وإن أمر قد سار ستين حجة ... إلى منهل من ورده لقريب
قال الفضيل لرجل: كم أتى عليك؟ قال: ستون سنة قال له: أنت من ستين سنة تسير إلى ربك يوشك أن تبلغ فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون فقال فضيل: من علم أنه لله عبد وأنه إليه راجع فليعلم أنه موقوف وأنه مسؤول فليعد للمسألة جوابا فقال له الرجل: فما الحيلة؟ قال: يسيرة قال: ماهي؟ قال: تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى فإنك إن أسأت فيما بقي أخذت بما مضى وما بقى.
خذ في جد فقد تولى العمر ... كم ذا التفريط قد تدانى الأمر
أقبل فعسى يقبل منك العذر ... كم تبنى كم تنقض كم ذا الغدر
وما زال ﷺ يعرض باقتراب أجله في آخر عمره فإنه لما خطب في حجة الوداع قال للناس: "خذوا عني مناسككم فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا" وطفق يودع الناس فقالوا: هذه حجة الوداع فلما رجع من حجته إلى المدينة جمع الناس.
стр. 96
بماء يدعى خما في طريقه بين مكة والمدينة فخطبهم وقال: " أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب" ثم حض على التمسك بكتاب الله ووصى بأهل بيته ثم إنه لما بدأ به مرض الموت خير بين لقاء الله وبين زهرة الدنيا والبقاء فيها ما شاء الله فاختار لقاء الله وخطب الناس وأشار إليهم بذلك إشارة من غير تصريح.
وكان ابتداء مرضه في أواخر شهر صفر وكان مدة مرضه ثلاثة عشر يوما في المشهور وقيل: أربعة عشر يوما وقيل: اثنا عشر يوما وقيل: عشرة أيام وهو غريب وكانت خطبته التي خطب بها في حديث أبي سعيد هذا الذي نتكلم عليه ههنا في ابتداء مرض ففي المسند وصحيح ابن حبان عن أبي سعيد الخدري قال: خرج إلينا رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه وهو معصوب الرأس فقام على المنبر فقال: "إن عبدا عرضت عليه الدنيا وزينتها فاختار الآخرة" قال: فلم يفطن لها أحد من القوم إلا أبو بكر فقال: بأبي وأمي بل نفديك بأموالنا وأنفسنا وأولادنا قال: ثم هبط عن المنبر فما رؤي عليه حتى الساعة.
وفي المسند عن أبي مويهبة: أن النبي ﷺ خرج ليلة إلى البقيع فاستغفر لأهل البقيع وقال: "ليهنكم ما أصبحتم فيه مما أصبح فيه الناس أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع بعضها بعضا يتبع آخرها أولها الآخرة شر من الأولى" ثم قال: يا أبا موهبة إني قد أعطيت خزائن الدنيا والخلد ثم الجنة فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي فاخترت لقاء ربي والجنة ثم انصرف فابتدأه وجعه الذي قبضه الله فيه.
لما قويت معرفة الرسول ﷺ بربه ازداد حبه له وشوقه إلى لقائه فلما خير بين البقاء في الدنيا وبين لقاء ربه اختار لقاءه على خزائن الدنيا والبقاء فيها سئل الشبلي هل يقنع المحب بشيء من حبيبه دون مشاهدته فأنشد:
والله لو أنك توجتني ... بتاج كسرى ملك المشرق
ولو بأموال الورى جدت لي ... أموال من باد ومن قد بقي
وقلت لي: لا نلتقي ساعة ... اخترت يا مولاي أن نلتقي
لما عرض الرسول ﷺ على المنبر باختياره اللقاء على البقاء ولم يصرح خفي المعنى على كثير ممن سمع ولم يفهم المقصود غير صاحبه الخصيص به ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠] وكان أعلم الأمة بمقاصد الرسول ﷺ فلما فهم المقصود من هذه الإشارة بكى وقال: بل نفديك بأموالنا وأنفسنا وأولادنا.
стр. 97
فسكن الرسول ﷺ جزعه وأخذ في مدحه والثناء عليه على المنبر ليعلم الناس كلهم فضله ولا يقع عليه اختلاف في خلافته فقال: "إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر" وفي رواية أخرى أنه قال: "ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه ما خلا أبو بكر فإن له عندنا يدا يكافئه الله يوم القيامة بها وما نفعني مال أحد قط ما نفعي مال أبي بكر" خرجه الترمذي ثم قال رسول الله ﷺ : "لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن إخوة الإسلام" لما كان رسول الله ﷺ خليل الله لم يصلح له أن يخالل مخلوقا فإن الخليل من جرت محبة خليله منه مجرى الروح ولا يصلح هذا لبشر كما قيل:
قد تخللت مسلك الروح مني ... وبذا سمي الخليل خليلا
ولهذا المعنى قيل: إن إبراهيم الخليل ﵇ أمر بذبح ولده ولم يكن المقصود غراقة دم الولد بل تفريغ محل الخلة لمن لا يصلح أن يزاحمه فيها أحد.
أروح وقد ختمت على فؤادي ... بحبك أن يحل به سواكا
فلو أني استطعت غضضت طرفي ... فلم أنظر به حتى أراكا
ثم قال ﷺ : "لا يبقين خوخة في المسجد إلا سدت إلا خوخة أبي بكر" وفي رواية: "سدوا هذه الأبواب الشارعة في المسجد إلا باب أبي بكر" وفي هذه الإشارة إلى أن أبا بكر هو الإمام بعده فإن الإمام يحتاج إلى سكنى المسجد والإستطراق فيه بخلاف غيره وذلك من مصالح المسلمين المصلين في المسجد ثم أكد هذا المعنى بأمره صريحا أن يصلي بالناس أبو بكر فروجع في ذلك فغضب وقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" فولاه إمامة الصلاة دون غيره وأبقى استطراقه من داره إلى مكان الصلاة وسد استطراق غيره وفي ذلك إشارة واضحة إلى استخلافه على الأمة دون غيره ولهذا قالت الصحابة عند بيعة أبي بكر: رضيه رسول الله ﷺ لديننا فكيف لا نرضاه لدنيانا ولما قال أبو بكر: قد أقلتكم بيعتي قال علي: لا نقيلك ونستقيلك قدمك رسول الله ﷺ فمن ذا يؤخرك.
لما انطوى بساط النبوة من الأرض بوفاة الرسول ﷺ لم يبق على وجه الأرض أكمل من درجة الصديقية وأبو بكر رأس الصديقين فلهذا استحق خلافة الرسول والقيام مقامه وكان النبي ﷺ قد عزم على أن يكتب لأبي بكر كتابا لئلا يختلف عليه ثم أعرض عن ذلك لعلمه أنه لا يقع غيره وقال: "يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" وربما كان ترك ذلك لئلا يتوهم متوهم أن نصه على خلافته.
стр. 98
كانت مكافأة ليده التي كانت له والولايات كلها لا يقصد بها مصلحة المولى بل مصلحة المسلمين عامة.
وكان أول ما ابتدىء به رسول الله ﷺ من مرضه وجع رأسه ولهذا خطب وقد عصب رأسه بعصابة دسماء وكان صداع الرأس والشقيقة يعتريه كثيرا في حياته ويتألم منه أياما وصداع الرأس من علامات أهل الإيمان وأهل الجنة وقد روي عن النبي ﷺ : أنه وصف أهل النار فقال: "هم الذين لا يألمون رؤوسهم" ودخل عليه أعرابي فقال له: "يا أعرابي هل أخذك هذا الصداع"؟ فقال: وما الصداع؟ قال: "عروق تضرب على الإنسان في رأسه" فقال: ما وجدت هذا فلما ولى الأعرابي قال النبي ﷺ : "من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا" خرجه الإمام أحمد والنسائي.
وقال كعب: أجد في التوراة لولا أن يحزن عبدي المؤمن لعصبت الكافر بعصابة من حديد لا يصدع أبدا وفي المسند عن عائشة ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ في اليوم الذي بدأ فيه فقلت: وارأساه فقال: وددت أن ذلك كان وأنا حي فهيأتك ودفنتك فقلت: غيراء كأني بك في ذلك اليوم عروسا ببعض نسائك فقال: "أنا وارأساه ادعو لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا فإني أخاف أن يقول قائل ويتمنى متمن ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" وخرجه البخاري بمعناه ولفظه: أن عائشة ﵂ قالت: وارأساه فقال رسول الله ﷺ : "ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر وأدعو لك قالت عائشة: واثكلاه والله إني لأظنك تحب موتي ولو كان ذلك لظللت آخر يومك معرسا ببعض أزواجك فقال النبي ﷺ : "بل أنا وارأساه" وذكر بقية الحديث.
وفي المسند أيضا عنها قالت كان رسول الله ﷺ إذا مر ببابي كثيرا ما يلقي الكلمة ينفع الله بها فمر ذات يوم فلم يقل شيئا مرتين أو ثلاثا قلت: يا جارية ضعي لي وسادة على الباب وعصبت رأسي فمر بي وقال: "يا عائشة ما شأنك"؟ فقلت: أشتكي رأسي فقال: أنا وارأساه فذهب فلم يلبث إلا يسيرا حتى جيء به محمولا في كساء فدخل علي فبعث إلى النساء وقال: "إني اشتكيت أني لا أستطيع أن أدور بينكن فأذن لي فلأكن عند عائشة" وفيه أيضا عنها قالت: رجع إلي النبي ﷺ ذات يوم من جنازة بالبقيع وأنا أجد صداعا في رأسي وأنا أقول وارأساه ثم قال: "ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك" فقلت: لكأني بك والله لو فعلت ذلك لقد.
стр. 99
رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك فتبسم رسول الله ﷺ ثم بدأ في وجعه الذي مات فيه.
فقد تبين أن أول مرضه كان صداع الرأس والظاهر أنه كان مع حمى فإن الحمى اشتدت به في مرضه فكان يجلس في مخضب ويصب عليه الماء من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن يتبرد بذلك وكان عليه قطيفة فكانت حرارة الحمى تصيب من وضع يده عليه من فوقها فقيل له في ذلك؟ فقال: "إنا كذلك يشدد علينا البلاء ويضاعف لنا الأجر وقال: إني أوعك كما يوعك رجلان منكم" ومن شدة وجعه كان يغمى عليه في مرضه ثم يفيق وحصل له ذلك غير مرة فأغمي عليه مرة وظنوا أن وجعه ذات الجنب فلدوه فلما أفاق أنكر ذلك وأمر أن يلد من ولده وقال: "إن الله لم يكن ليسلطها علي - يعني ذات الجنب- ولكنه من الأكلة التي أكلتها يوم خيبر" يعني: أنه نقض عليه سم الشاة التي أهدتها له اليهودية فأكل منها يومئذ فكان ذلك يثور عليه أحيانا فقال في مرض موته: "ما زالت أكلة خيبر تعاودني فيها أوان انقطاع أبهري" وكان ابن مسعود وغيره يقولون: إنه مات شهيدا من السم.
وقالت عائشة: ما رأيت أحدا كان أشد عليه الوجع من رسول الله ﷺ وكان عنده في مرضه سبعة دنانير فكان يأمرهم بالصدقة بها ثم يغمى عليه فيشتغلون بوجعه فدعا بها فوضعها في كفه يأمرهم بالصدقة بها ثم يغمى عليه فيشتغلون بوجعه فدعا بها فوضعها في كفه وقال: "ما ظن محمد بربه لو لقي الله وعنده هذه" ثم تصدق بها كلها فكيف يكون حال من لقي الله وعنده دماء المسلمين وأموالهم المحرمة وما ظنه بربه.
ولم يكن عندهم في مرضه دهن للمصباح يوقد فيه فلما اشتد وجعه ليلة الإثنين أرسلت عائشة بالمصباح إلى امرأة من النساء فقالت قطري لنا في مصباحنا من عكة السمن فإن رسول الله ﷺ أمسى في جديد الموت وكان عند عائشة إزار غليظ مما صنع باليمن وكساء من الملبدة فكانت تقسم بالله أن رسول الله ﷺ قبض فيهما.
ودخلت عليه فاطمة ﵍ في مرضه فسارها رسول الله بشيء فبكت ثم سارها فضحكت فسئلت عن ذلك؟ فقالت: لا أفشي سر رسول الله ﷺ فلما توفي سئلت؟ فقالت: أخبرني أنه يموت في مرضه فبكيت ثم أخبرني أني أول أهله لحوقا به وأني سيدة نساء العالمين فضحكت فلما احتضر ﷺ اشتد به الأمر فقالت عائشة: ما أغبط أحدا يهون عليه الموت بعد الذي رأيت من شدة موت.
стр. 100
رسول الله ﷺ قالت: وكان عنده قدح من ماء فيدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ويقول: "اللهم أعني على سكرات الموت" قالت: وجعل يقول: "لا إله إلا الله إن للموت لسكرات" وفي حديث مرسل أنه قال: "اللهم إنك تأخذ الروح من بين العصب والقصب والأنامل اللهم فأعني على الموت وهونه علي" ولما ثقل النبي ﷺ جعل يتغشاه الكرب قالت فاطمة ﵍: واكرب أبتاه فقال لها: "لا كرب على أبيك بعد اليوم" وفي حديث خرجه ابن ماجه: أنه ﷺ قال لفاطمة: "إنه قد حضر من أبيك ما ليس الله بتارك منه أحد الموافاة يوم القيامة".
ولم يقبض ﷺ حتى خير مرة أخرى بين الدنيا والآخرة قالت عائشة كان النبي ﷺ يقول: "إنه لم يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير" فلما نزل به ورأسه على فخذي غشي عليه ساعة ثم أفاق فأشخص بصره إلى سقف البيت ثم قال: "اللهم الرفيق الأعلى" فقلت: الآن لا يختارنا وعلمت أنه الحديث الذي كان يحدثناه وهو صحيح فكانت تلك آخر كلمة تكلم بها وفي رواية أنه قال: "اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى" وفي رواية "أنه أصابه بحة شديدة فسمعته يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ [النساء: ٦٩] قالت: فظننت أنه خير، وهذه الروايات مخرجة في صحيح البخاري وغيره.
وقد روي ما يدل على أنه قبض ثم رأى مقعده من الجنة ثم ردت إليه نفسه ثم خير: ففي المسند عن عائشة ﵂ قالت كان رسول الله ﷺ يقول: "ما من نبي إلا يقبض نفسه ثم يرى الثواب ثم ترد إليه فيخير بين أن ترد إليه أو يلحق" فكنت قد حفطت ذلك منه فإني لمسندته إلى صدري فنظرت إليه حتى مالت عنقه فقلت: قد قضى قالت: فعرفت الذي قال: فنظرت إليه حتى ارتفع ونظر فقالت: إذا والله لا يختارنا فقال: مع الرفيق الأعلى في الجنة ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] إلى آخر الآية وفي صحيح ابن حبان عنها قالت: أغمي على رسول الله ﷺ ورأسه في حجري فجعلت أمسحه وأدعو له بالشفاء فلما أفاق قال: "لا بل أسأل الله الرفيق الأعلى مع جبريل وميكائيل وإسرافيل" وفيه وفي المسند عنها: أنها كانت ترقيه في مرضه الذي مات فيه فقال: "ارفعي يدك فإنها كانت تنفعني في المدة" قال الحسن لما كرهت الأنبياء الموت هون الله عليهم بلقاء الله وبكل ما أحبوا من تحفة أو.
стр. 101
كرامة حتى أن نفس أحدهم لتنزع من بين جنبيه وهو يحب ذلك لما قد مثل له وفي المسند عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إنه ليهون علي الموت إني رأيت بياض كف عائشة في الجنة" وخرجه ابن سعد وغيره مرسلا انه قال ﷺ : "لقد أريتها في الجنة ليهون بذلك علي موتي كأني أرى كفيها" يعني عائشة كان النبي ﷺ يحب عائشة ﵂ حبا شديدا حتى لا يكاد يصبر عناه فمثلت له بين يديه في الجنة ليهون عليه موته فإن العيش إنما يطيب باجتماع الأحبة وقد سأله رجل: أي النساء أحب إليك؟ فقال: "عائشة" فقال له فمن الرجال؟ قال: "أبوها" ولهذا قال لها في ابتداء مرضه لما قالت: وارأساه: وددت أن ذلك كان وأنا حي فأصلي عليك وأدفنك فعظم ذلك عليها وظنت أنه يحب فراقها وإنما كان يريد تعجيلها بين يديه ليقرب اجتماعهما.
وقد كانت عائشة مضغت له ﷺ سواكا وطيبته بريقها ثم دفعته إليه فاستن به أحسن استنان ثم ذهب يتناوله فضعفت يده عنه فسقط من يده فكانت عائشة تقول: جمع الله بي ريقي وريقه في أخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة والحديث مخرج في الصحيحين وفي حديث خرجه العقيلي أنه ﷺ قال لها في مرضه: "ائتيني بسواك رطب امضغيه ثم ائتيني به أمضغه لكي يختلط ريقي بريقك لكي يوهن به عند الموت".
قال جعفر بن محمد عن أبيه لما بقي من أجل رسول الله ﷺ ثلاث نزل عليه جبريل ﵇ فقال: يا أحمد إن الله قد أرسلني إليك إكراما لك وتفضيلا لك وخاصة لك يسألك عما هو أعلم به منك يقول لك: كيف تجدك؟ فقال: "أجدني يا جبريل مغموما وأجدني يا جبريل مكروبا" ثم أتاه في اليوم الثاني فقال له مثل ذلك ثم أتاه في اليوم الثالث فقال له مثل ذلك ثم استأذن فيه ملك الموت فقال جبريل: يا أحمد هذا ملك الموت يستأذن عليك ولم يستأذن على آدمي كان قبلك ولا يستأذن على آدمي بعدك قال: ائذن له فدخل ملك الموت فوقف بين يديه فقال: يا رسول الله يا أحمد إن الله أرسلني إليك وأمرني أن أطيعك في كل ما تأمر إن أمرتني أن أقبض نفسك قبضتها وإن أمرتني أن أتركها تركتها؟ قال: " وتفعل ذلك يا ملك الموت" قال: بذلك أمرت أن أطيعك في كل ما أمرتني به فقال جبريل: يا أحمد إن الله قد اشتاق إليك قال: فامض يا ملك الموت لما أمرت به فقال جبريل ﵇: السلام عليك يا رسول الله هذا آخر موطيء من الأرض إنما كنت حاجتي من الدنيا وجاءت التعزية يسمعون الصوت
стр. 102
والحس ولا يرون الشخص: السلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك ودركا من كل فائت فبالله فاتقوا وإياه فارجوا إنما المصاب من حرم الثواب والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وكانت وفاته ﷺ في يوم الإثنين في شهر ربيع الأول بغير خلاف وكان قد كشف الستر في ذلك اليوم والناس في صلاة الصبح خلف أبي بكر فهم المسلمون أن يفتنوا من فرحهم برؤيته ﷺ حين نظروا إلى وجهه كأنه ورقة مصحف وظنوا أنه يخرج للصلاة فأشار إليهم أن مكانكم ثم أرخى الستر.
وتوفى ﷺ من ذلك اليوم وظن المسلمون أنه ﷺ قد برئ من مرضه لما أصبح يوم الإثنين مفيقا فخرج أبو بكر إلى منزله بالسنح خارج المدينة فلما ارتفع الضحى من ذلك اليوم توفي رسول الله ﷺ وقيل توفي حين زاغت الشمس والأول أصح وأنه توفي حين اشتد الضحى من يوم الإثنين في مثل الوقت الذي دخل فيه المدينة حين هاجر إليها.
واختلفوا في تعيين ذلك اليوم من الشهر فقيل: كان أوله وقيل: ثانية وقيل ثاني عشرة وقيل: ثالث عشرة وقيل: خامس عشرة والمشهور بين الناس: إنه كان ثاني عشر ربيع الأول وقد رد ذلك السهيلي وغيره بأن وقفة حجة الوداع في السنة العاشرة كانت الجمعة كان أول ذي الحجة فيها الخميس ومتى كان كذلك لم يصح أن يكون يوم الإثنين ثاني عشر ربيع الأول سواء حسبت الشهور الثلاثة أعني: ذا الحجة ومحرما وصفرا كلها كاملة أو ناقصة أو بعضها كاملة وبعضها ناقصة ولكن أجيب عن هذا بجواب حسن وهو أن ابن اسحاق ذكر أن النبي ﷺ توفي لاثنتي عشرة ليلة من ربيع الأول وهذا ممكن فإن العرب تؤرخ بالليالي دون الأيام ولكن لا تؤرخ إلا بليلة مضى يومها فيكون اليوم تبعا لليلة وكل ليلة لم يمض يومها لم يعتد بها كذلك إذا ذكروا الليالي في عدد فإنهم يريدون بها الليالي مع أيامها فإذا قالوا عشر ليال فمرادهم بأيامها ومن هنا يتبين صحة قول الجمهور في أن عدة الوفاة أربعة أشهر وعشر ليال بأيامها وأن اليوم العاشر من جملة تمام العدة خلافا للأوزاعي وكذلك قال الجمهور في أشهر الحج: إنها شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة وأن يوم النحر داخل فيها لهذا المعنى خلافا للشافعي وحينئذ فيوم الإثنين الذي توفي فيه النبي ﷺ كان: ثالث عشر الشهر لكن لما لم يكن يومه قد
стр. 103
مضى لم يؤرخ بليلته إنما أرخوا بليلة الأحد ويومها وهو الثاني عشر فلذلك قال ابن إسحاق توفي لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول والله أعلم.
واختلفوا في وقت دفنه فقيل: دفن من ساعته وفيه بعد وقيل: من ليلة الثلاثاء وقيل: ليلة الأربعاء.
ولما توفي ﷺ اضطرب المسلمون فمنهم من دهش فخربط ومنهم من أقعد فلم يطق القيام ومنهم من اعتقل لسانه فلم ينطق الكلام ومنهم من أنكر موته بالكلية وقال: إنما بعث إليه كما بعث إلى موسى وكان من هؤلاء عمر وبلغ الخبر أبا بكر فأقبل مسرعا حتى دخل بيت عائشة ورسول الله ﷺ مسجى فكشف عن وجهه الثوب وأكب عليه وقبل جبهته مرارا وهو يبكي وهو يقول: وانبياه واخليلاه واصفياه وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون مات والله رسول الله ﷺ وقال: والله لا يجمع الله عليك موتتين أما الموتة التي كتب الله عليك فقد متها.
ثم دخل المسجد وعمر يكلم الناس وهم مجتمعون عليه فتكلم أبو بكر وتشهد وحمد الله فأقبل الناس إليه وتركوا عمر فقال: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت وتلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] الآية فاستيقن الناس كلهم بموته وكأنهم لم يسمعوا هذه الآية من قبل أن يتلوها أبو بكر فتلقاها الناس منه فما يسمع أحد إلا يتلوها وقالت فاطمة ﵍: يا أبتاه أجاب ربا دعاه يا أبتاه جنة الفردوس مأواه يا أبتاه إلى جبريل أنعاه يا أبتاه من ربه ما أدناه وعاشت بعده ستة أشهر فما ضحكت في تلك المدة وحق لها ذلك.
على مثل ليلى يقتل المرء نفسه ... وإن كان من ليلى على الهجر طاويا
كل المصائب تهون عند هذه المصيبة.
في سنن ابن ماجه أنه ﷺ قال في مرضه: "يا أيها الناس إن أحد من الناس أو المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعز بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري فإن أحدا من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي" قال أبو الجوزاء: كان الرجل من أهل المدينة إذا أصابته مصيبة جاء أخوه فصافحه ويقول: يا عبد الله اتق الله فإن في رسول الله ﷺ أسوة حسنة.
اصبر لكل مصيبة وتجلد ... واعلم بأن المرء غير مخلد
стр. 104
واصبر كما صبر الكرام فإنها ... نوب تنوب اليوم تكشف في غد
وإذا أتتك مصيبة تشجى بها ... فاذكر مصابك بالنبي محمد
ولبعضهم:
تذكرت لما فوق الدهر بيننا ... فعزيت نفسي بالنبي محمد
وقلت لها إن المنايا سبيلنا ... فمن لم يمت في يومه مات في الغد
كانت الجمادات تتصدع من ألم مفارقة الرسول ﷺ فكيف بقلوب المؤمنين لما فقده الجذع الذي كان يخطب إليه قبل اتخاذ المنبر حن إليه وصاح كما يصيح الصبي فنزل إليه فاعتنقه فجعل يهدي كما يهدي الصبي الذي يسكن عند بكائه فقال: " لو لم أعتنقه لحن إلي يوم القيامة" كان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى وقال: هذه خشبة تحن إلى رسول الله ﷺ فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه ووري أن بلالا كان يؤذن بعد وفاة النبي ﷺ قبل دفنه فإذا قال: أشهد أن محمدا رسول الله ارتج المسجد بالبكاء والنحيب فلما دفن ترك بلال الأذان ما أمر عيش من فارق الأحباب خصوصا من كانت رؤيته حياة الألباب.
لو ذاق طعم الفراق رضوى ... لكاد من وجده يميد
قد حملوني عذاب شوق ... يعجز عن حمله الحديد
لما دفن رسول الله ﷺ قالت فاطمة: كيف طابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله ﷺ قال أنس: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء فلما كان اليوم الذي دفن فيه أظلم منها كل شيء وما نفضنا عن رسول الله ﷺ التراب وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا.
ليبك رسول الله من كان باكيا ... فلا تنس قبرا بالمدينة ثاويا
جزى الله عنا كل خير محمدا ... فقد كان مهديا وقد كان هاديا
وكان رسول الله روحا ورحمة ... ونورا وبرهانا من الله باديا
وكان رسول الله بالخير آمرا ... وكان عن الفحشاء والسوء ناهيا
وكان رسول الله بالقسط قائما ... وكان لما استرعاه مولاه راعيا
وكان رسول الله يدعو إلى الهدى ... قلبي رسول الله لبيه داعيا
أينسى أبر الناس بالناس كلهم ... وأكرمهم بيتا وشعبا وواديا
стр. 105
أينسى رسول الله أكرم من مشى ... وآثاره بالمسجدين كما هيا
تكدر من بدع النبي محمد ... ﵇ كل مل كان صافيا
وكنا إلى الدنيا الدنية بعده ... وكشفت الأطماع منا مساويا
وكم من منار كان أوضحه لنا ... ومن علم أمسى وأصبح عافيا
إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى ... تقلب عريانا وإن كان كاسيا
وخير خصال المرء طاعة ربه ... ولاخير فيمن كان الله عاصيا
стр. 106
وظيفة شهر رجب .
خرج من الصحيحين من حديث أبي بكرة أن النبي ﷺ خطب في حجة الوداع فقال في خطبته: " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" وذكر الحديث قال الله : ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] فأخبر سبحانه أنه منذ خلق السماوات والأرض وخلق الليل والنهار يدوران في الفلك وخلق ما في السماء من الشمس والقمر والنجوم وجعل الشمس والقمر يسبحان في الفلك وينشأ منهما ظلمة الليل وبياض النهار فمن حينئذ جعل السنة اثني عشر شهرا بحسب الهلال فالسنة في الشرع مقدرة بسير القمر وطلوعه لا بسير الشمس وانتقالها كما يفعله أهل الكتاب.
وجعل الله تعالى من هذه الأشهر أربعة أشهر حرما وقد فسرها النبي ﷺ في هذا الحديث وذكر أنها ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد فرد وهو شهر رجب وهذا قد يستدل به من يقول أنها من سنتين وقد روي من حديث ابن عمر مرفوعا: "أولهن رجب" وفي إسناده موسى بن عبيدة وفيه ضعف شديد من قبل حفظه وقد حكى أهل عن المدينة أنهم جعلوها من سنتين وأن أولها ذو القعدة ثم ذو الحجة ثم المحرم ثم رجب فيكون رجب آخرها.
وعن بعض المدنيين: أن أولها رجب ثم ذو القعدة ثم ذو الحجة ثم المحرم.
стр. 107
وعن بعض أهل الكوفة: أنها من سنة واحدة أولها المحرم ثم رجب ثم ذو القعدة ثم ذو الحجة واختلف في أي هذه الأشهر الحرم أفضل؟ فقيل: رجب قاله بعض الشافعية وضعفه النووي وغيره وقيل: المحرم قاله الحسن ورجحه النووي وقيل: ذو الحجة روي عن سعيد بن جبير وغيره وهو أظهر والله أعلم.
وقوله ﷺ : "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرا" مراده بذلك إبطال ما كانت الجاهلية تفعله من النسيء كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧] وقد اختلف في تفسير النسيء فقالت طائفة: كانوا يبدلون بعض الأشهر الحرم بغيرها من الأشهر فيحرمونها بدلها ويحلون ما أرادوا تحليله من الأشهر الحرم إذا احتاجوا إلى ذلك ولكن لا يزيدون في عدد الأشهر الهلالية شيئا ثم من أهل هذه المقالة من قال: كانوا يحلون المحرم فيستحلون القتال فيه لطول مدة التحريم عليهم بتوالي ثلاثة أشهر محرمة ثم يحرمون صفر مكانه فكأنهم يقترضونه ثم يوفونه ومنهم من قال: كانوا يحلون المحرم مع صفر من عام ويسمونها صفرين ثم يحرمونهما من عام قابل ويسمونهما محرمين قاله ابن زيد بن أسلم وهو ضعيف وزيد بن أسلم ثقة وهو من رجال الصحيح وقيل: بل كانوا ربما احتاجوا إلى صفر أيضا فأحلوه وجعلوا مكانه ربيعا ثم يدور كذلك التحريم والتحليل والتأخير إلى أن جاء الإسلام ووافق حجة الوداع صار رجوع التحريم إلى محرم الحقيقي وهذا هو الذي رجحه أبو عبيدة وعلى هذا فالتغير إنما وقع في عين الأشهر الحرم خاصة وقالت طائفة أخرى: بل كانوا يزيدون في عدد شهور السنة وظاهر الآية يشعر بذلك حيث قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً﴾ [التوبة: ٣٦] فذكر هذا توطئة لهدم النسيء وإبطاله ثم من هؤلاء من قال: كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر شهرا قاله مجاهد وأبو مالك قال أبو مالك: كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر شهرا ويجعلون المحرم صفرا وقال مجاهد: كانوا يسقطون المحرم ثم يقولون: صفرين لصفر وربيع الأول وربيع الآخر ثم يقولون: شهرا ربيع ثم يقولون: لرمضان شعبان ولشوال رمضان ولذي القعدة شوال ولذي الحجة ذو القعدة على وجه ما ابتدأوا وللمحرم ذو الحجة فيعدون ما ناسؤا على مستقبله على وجه ما ابتدأوا.
وعنه قال: كانت الجاهلية يحجون في كل شهر من شهور السنة عامين
стр. 108
فوافق حج رسول الله ﷺ في ذي الحجة فقال: "هذا يوم استدار الزمان كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض" ومن هؤلاء من قال: كانت الجاهلية يجعلون الشهور اثني عشر شهرا وخمسة أيام قاله إياس بن معاوية وهذا العدد قريب من عدد السنة الرومية ولهذا جاء في مراسيل عكرمة بن خالد أن النبي ﷺ قال في خطبته يوم النحر: " والشهر هكذا وهكذا وهكذا وخنس إبهامه في الثالثة: وهكذا وهكذا وهكذا" يعني ثلاثين فأشار إلى أن الشهر هلالي ثم تارة ينقص وتارة يتم ولعل أهل النسيء كانوا يتمون الشهور كلها ويزيدون عليها والله أعلم.
وقد قيل: إن ربيعة ومضر كانوا يحرمون أربعة أشهر من السنة مع اختلافهم في تعيين رجب منها كما سنذكره إن شاء الله تعالى وكانت بنو عوف بن لؤي يحرمون من السنة ثمانية أشهر وهذا مبالغة في الزيادة على ما حرم الله.
واختلفوا في أي عام عاد الحج إلى ذي الحجة على وجهه واستدار الزمان فيه كهيئته: فقالت طائفة: إنما عاد على وجهه في حجة الوداع وأما حجة أبي بكر الصديق فكانت قد وقعت في ذي القعدة هذا قول مجاهد وعكرمة بن خالد وغيرهما وقد قيل: أنه اجتمع في ذلك العام حج الأمم كلها في وقت واحد فلذلك سمي يوم الحج الأكبر وقالت طائفة: بل وقعت حجة الصديق في ذي الحجة قاله الإمام أحمد وأنكر قول مجاهد واستدل: أن النبي ﷺ أمر عليا فنادى يوم النحر لا يحج بعد العام مشرك وفي رواية "واليوم يوم الحج الأكبر" وقد قال الله تعالى ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] فسماه يوم الحج الأكبر وهذا يدل على أن النداء وقع في ذي الحجة وخرج الطبراني في أوسطه من حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان العرب يحلون عاما شهرا وعاما شهرين ولا يصيبون الحج إلا في كل ستة وعشرين سنة مرة واحدة: وهو النسيء الذي ذكره الله في كتابه فلما كان عام حج أبي بكر الصديق بالناس وافق في ذلك العام الحج فسماه الله يوم الحج الأكبر ثم حج النبي ﷺ في العام المقبل فاستقبل الناس الأهلة فقال رسول الله ﷺ : "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض" وقيل بل استدارة الزمان كهيئته كان من عام الفتح.
وخرج البزار في مسنده من حديث سمرة بن جندب أن رسول الله ﷺ قال لهم يوم الفتح: "إن هذا العام الحج الأكبر قد اجتمع حج المسلمين وحج المشركين في ثلاثة أيام متتابعات واجتمع حج اليهود والنصارى في ستة أيام
стр. 109
متتابعات ولم يجتمع منذ خلق الله السموات والأرض ولا يجتمع بعد العام حتى تقوم الساعة" وفي إسناده يوسف السمتي وهو ضعيف جدا.
واختلفوا لم سميت هذه الأشهر الأربعة حرما؟.
فقيل: لعظم حرمتها وحرمة الذنب فيها قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: اختص الله أربعة أشهر جعلهن حرما وعظم حرماتهن وجعل الذنب فيهن أعظم وجعل العمل الصالح والأجر أعظم قال كعب: اختار الله الزمان فأحبه إلى الله الأشهر الحرم وقد روي مرفوعا ولا يصح رفعه وقد قيل: في قوله تعالى: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] أن المراد في الأشهر الحرم وقيل: بل في جميع شهور السنة وقيل: إنما سميت حرما لتحريم القتال فيها وكان ذلك معروفا في الجاهلية وقيل: إنه كان من عهد إبراهيم ﵇ وقيل: إن سبب تحريم هذه الأشهر الأربعة بين العرب لأجل التمكن من الحج والعمرة فحرم شهر ذي الحجة لوقوع الحج فيه وحرم معه شهر ذي القعدة للسير فيه إلى الحج وشهر المحرم للرجوع فيه من الحج حتى يأمن الحاج على نفسه من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع إليه وحرم شهر رجب للإعتمار فيه في وسط السنة فيعتمر فيه من كان قريبا من مكة.
وقد شرع الله في أول الإسلام تحريم القتال في الشهر الحرام قال تعالى: ﴿لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] وقال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧] وخرج ابن أبي حاتم بإسناده عن جندب بن عبد الله: إن النبي ﷺ بعث رهطا وبعث عليهم عبد الله بن جحش فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه ولم يدروا أن ذلك من رجب أو من جمادى فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام فأنزل الله : ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] الآية وروى السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود في هذه الآية فذكروا هذه القصة مبسوطة وقالوا فيها: فقال المشركون: يزعم محمد أنه يتبع طاعة الله وهو أول من استحل الشهر الحرام؟ فقال المسلمون: إنما قتلناه في جمادى وقيل في أول رجب وآخر ليلة من جمادى وأغمد المسلمون سيوفهم حين دخل شهر رجب وأنزل الله تعالى تعييرا لأهل مكة: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] لا يحل وما
стр. 110
صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام حين كفرتم بالله وصددتم عن محمد وأصحابه وإخراج أهل المسجد الحرام حين أخرجوا منه محمدا أكبر من القتل عند الله وقد روي عن ابن عباس هذا المعنى من رواية العوفي عنه ومن رواية أبي سعد البقال عن عكرمة عنه ومن رواية الكلبي عن أبي صالح عنه وذكر ابن اسحاق أن ذلك كان في آخر يوم من رجب وأنهم خافوا إن أخروا القتال أن يسبقهم المشركون فيدخلوا الحرم فيأمنوا وإنهم لما قدموا على النبي ﷺ قال لهم: "ما أمرتكم في الشهر الحرم ولم يأخذ من غنيمتهم شيئا" وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام فقال من بمكة من المسلمين: إنما قتلوهم في شعبان فلما أكثر الناس في ذلك قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] الآية وروي نحو هذا السياق عن عروة والزهري وغيرهما وقيل بأنها كانت أول غنيمة غنمها المسلمون وقال عبد الله بن جحش في ذلك وقيل: إنها لأبي بكر الصديق ﵁.
تعدون قتلا في الحرام عظيمة ... وأعظم منه لو يرى الرشد راشد
صددوكم عما يقول محمد ... وكفر به والله راء وشاهد
وإخراجكم من مسجد الله أهله ... لئلا يرى لله في البيت ساجد
وقد اختلف العلماء في حكم القتال في الأشهر الحرم هل تحريمه باق أو نسخ فالجمهور: على أنه نسخ تحريمه ونص على نسخه الإمام أحمد وغيره من الأئمة وذهبت طائفة من السلف: منهم عطاء: إلى بقاء تحريمه ورجحه بعض المتأخرين واستدلوا بآية المائدة والمائدة من آخر ما نزل من القرآن وقد روي: "أحلوا حلالها وحرموا حرامها" وقيل ليس فيها منسوخ وفي المسند: أن عائشة ﵁ قالت: هي آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه وما وجدتم فيها حرام فحرموه وروى الإمام أحمد في مسنده حدثنا اسحاق بن عيسى حدثنا ليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر قال: لم يكن رسول الله ﷺ يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى ويغزو فإذا حضره أقام حتى ينسلخ وذكر بعضهم أن النبي ﷺ حاصر الطائف في شوال فلما دخل ذو القعدة لم يقاتل بل صابرهم ثم رجع وكذلك في عمرة الحديبية لم يقاتل حتى بلغه أن عثمان قتل فبايع على القتال ثم لما بلغه أن ذلك لا حقيقة له كف واستدل الجمهور بأن الصحابة اشتغلوا بعد النبي ﷺ بفتح البلاد ومواصلة القتال والجهاد.
следующие страницы →