← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11363

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ط ابن حزم

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (360 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وظيفة شهر رجب . خرج من الصحيحين من حديث أبي بكرة أن النبي ﷺ خطب في حجة الوداع فقال في خطبته: " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" وذكر الحديث قال الله : ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] فأخبر سبحانه أنه منذ خلق السماوات والأرض وخلق الليل والنهار يدوران في الفلك وخلق ما في السماء من الشمس والقمر والنجوم وجعل الشمس والقمر يسبحان في الفلك وينشأ منهما ظلمة الليل وبياض النهار فمن حينئذ جعل السنة اثني عشر شهرا بحسب الهلال فالسنة في الشرع مقدرة بسير القمر وطلوعه لا بسير الشمس وانتقالها كما يفعله أهل الكتاب. وجعل الله تعالى من هذه الأشهر أربعة أشهر حرما وقد فسرها النبي ﷺ في هذا الحديث وذكر أنها ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد فرد وهو شهر رجب وهذا قد يستدل به من يقول أنها من سنتين وقد روي من حديث ابن عمر مرفوعا: "أولهن رجب" وفي إسناده موسى بن عبيدة وفيه ضعف شديد من قبل حفظه وقد حكى أهل عن المدينة أنهم جعلوها من سنتين وأن أولها ذو القعدة ثم ذو الحجة ثم المحرم ثم رجب فيكون رجب آخرها. وعن بعض المدنيين: أن أولها رجب ثم ذو القعدة ثم ذو الحجة ثم المحرم.

стр. 107

وعن بعض أهل الكوفة: أنها من سنة واحدة أولها المحرم ثم رجب ثم ذو القعدة ثم ذو الحجة واختلف في أي هذه الأشهر الحرم أفضل؟ فقيل: رجب قاله بعض الشافعية وضعفه النووي وغيره وقيل: المحرم قاله الحسن ورجحه النووي وقيل: ذو الحجة روي عن سعيد بن جبير وغيره وهو أظهر والله أعلم. وقوله ﷺ : "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرا" مراده بذلك إبطال ما كانت الجاهلية تفعله من النسيء كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧] وقد اختلف في تفسير النسيء فقالت طائفة: كانوا يبدلون بعض الأشهر الحرم بغيرها من الأشهر فيحرمونها بدلها ويحلون ما أرادوا تحليله من الأشهر الحرم إذا احتاجوا إلى ذلك ولكن لا يزيدون في عدد الأشهر الهلالية شيئا ثم من أهل هذه المقالة من قال: كانوا يحلون المحرم فيستحلون القتال فيه لطول مدة التحريم عليهم بتوالي ثلاثة أشهر محرمة ثم يحرمون صفر مكانه فكأنهم يقترضونه ثم يوفونه ومنهم من قال: كانوا يحلون المحرم مع صفر من عام ويسمونها صفرين ثم يحرمونهما من عام قابل ويسمونهما محرمين قاله ابن زيد بن أسلم وهو ضعيف وزيد بن أسلم ثقة وهو من رجال الصحيح وقيل: بل كانوا ربما احتاجوا إلى صفر أيضا فأحلوه وجعلوا مكانه ربيعا ثم يدور كذلك التحريم والتحليل والتأخير إلى أن جاء الإسلام ووافق حجة الوداع صار رجوع التحريم إلى محرم الحقيقي وهذا هو الذي رجحه أبو عبيدة وعلى هذا فالتغير إنما وقع في عين الأشهر الحرم خاصة وقالت طائفة أخرى: بل كانوا يزيدون في عدد شهور السنة وظاهر الآية يشعر بذلك حيث قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً﴾ [التوبة: ٣٦] فذكر هذا توطئة لهدم النسيء وإبطاله ثم من هؤلاء من قال: كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر شهرا قاله مجاهد وأبو مالك قال أبو مالك: كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر شهرا ويجعلون المحرم صفرا وقال مجاهد: كانوا يسقطون المحرم ثم يقولون: صفرين لصفر وربيع الأول وربيع الآخر ثم يقولون: شهرا ربيع ثم يقولون: لرمضان شعبان ولشوال رمضان ولذي القعدة شوال ولذي الحجة ذو القعدة على وجه ما ابتدأوا وللمحرم ذو الحجة فيعدون ما ناسؤا على مستقبله على وجه ما ابتدأوا. وعنه قال: كانت الجاهلية يحجون في كل شهر من شهور السنة عامين

стр. 108

فوافق حج رسول الله ﷺ في ذي الحجة فقال: "هذا يوم استدار الزمان كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض" ومن هؤلاء من قال: كانت الجاهلية يجعلون الشهور اثني عشر شهرا وخمسة أيام قاله إياس بن معاوية وهذا العدد قريب من عدد السنة الرومية ولهذا جاء في مراسيل عكرمة بن خالد أن النبي ﷺ قال في خطبته يوم النحر: " والشهر هكذا وهكذا وهكذا وخنس إبهامه في الثالثة: وهكذا وهكذا وهكذا" يعني ثلاثين فأشار إلى أن الشهر هلالي ثم تارة ينقص وتارة يتم ولعل أهل النسيء كانوا يتمون الشهور كلها ويزيدون عليها والله أعلم. وقد قيل: إن ربيعة ومضر كانوا يحرمون أربعة أشهر من السنة مع اختلافهم في تعيين رجب منها كما سنذكره إن شاء الله تعالى وكانت بنو عوف بن لؤي يحرمون من السنة ثمانية أشهر وهذا مبالغة في الزيادة على ما حرم الله. واختلفوا في أي عام عاد الحج إلى ذي الحجة على وجهه واستدار الزمان فيه كهيئته: فقالت طائفة: إنما عاد على وجهه في حجة الوداع وأما حجة أبي بكر الصديق فكانت قد وقعت في ذي القعدة هذا قول مجاهد وعكرمة بن خالد وغيرهما وقد قيل: أنه اجتمع في ذلك العام حج الأمم كلها في وقت واحد فلذلك سمي يوم الحج الأكبر وقالت طائفة: بل وقعت حجة الصديق في ذي الحجة قاله الإمام أحمد وأنكر قول مجاهد واستدل: أن النبي ﷺ أمر عليا فنادى يوم النحر لا يحج بعد العام مشرك وفي رواية "واليوم يوم الحج الأكبر" وقد قال الله تعالى ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] فسماه يوم الحج الأكبر وهذا يدل على أن النداء وقع في ذي الحجة وخرج الطبراني في أوسطه من حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان العرب يحلون عاما شهرا وعاما شهرين ولا يصيبون الحج إلا في كل ستة وعشرين سنة مرة واحدة: وهو النسيء الذي ذكره الله في كتابه فلما كان عام حج أبي بكر الصديق بالناس وافق في ذلك العام الحج فسماه الله يوم الحج الأكبر ثم حج النبي ﷺ في العام المقبل فاستقبل الناس الأهلة فقال رسول الله ﷺ : "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض" وقيل بل استدارة الزمان كهيئته كان من عام الفتح. وخرج البزار في مسنده من حديث سمرة بن جندب أن رسول الله ﷺ قال لهم يوم الفتح: "إن هذا العام الحج الأكبر قد اجتمع حج المسلمين وحج المشركين في ثلاثة أيام متتابعات واجتمع حج اليهود والنصارى في ستة أيام

стр. 109

متتابعات ولم يجتمع منذ خلق الله السموات والأرض ولا يجتمع بعد العام حتى تقوم الساعة" وفي إسناده يوسف السمتي وهو ضعيف جدا. واختلفوا لم سميت هذه الأشهر الأربعة حرما؟. فقيل: لعظم حرمتها وحرمة الذنب فيها قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: اختص الله أربعة أشهر جعلهن حرما وعظم حرماتهن وجعل الذنب فيهن أعظم وجعل العمل الصالح والأجر أعظم قال كعب: اختار الله الزمان فأحبه إلى الله الأشهر الحرم وقد روي مرفوعا ولا يصح رفعه وقد قيل: في قوله تعالى: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] أن المراد في الأشهر الحرم وقيل: بل في جميع شهور السنة وقيل: إنما سميت حرما لتحريم القتال فيها وكان ذلك معروفا في الجاهلية وقيل: إنه كان من عهد إبراهيم ﵇ وقيل: إن سبب تحريم هذه الأشهر الأربعة بين العرب لأجل التمكن من الحج والعمرة فحرم شهر ذي الحجة لوقوع الحج فيه وحرم معه شهر ذي القعدة للسير فيه إلى الحج وشهر المحرم للرجوع فيه من الحج حتى يأمن الحاج على نفسه من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع إليه وحرم شهر رجب للإعتمار فيه في وسط السنة فيعتمر فيه من كان قريبا من مكة. وقد شرع الله في أول الإسلام تحريم القتال في الشهر الحرام قال تعالى: ﴿لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] وقال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧] وخرج ابن أبي حاتم بإسناده عن جندب بن عبد الله: إن النبي ﷺ بعث رهطا وبعث عليهم عبد الله بن جحش فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه ولم يدروا أن ذلك من رجب أو من جمادى فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام فأنزل الله : ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] الآية وروى السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود في هذه الآية فذكروا هذه القصة مبسوطة وقالوا فيها: فقال المشركون: يزعم محمد أنه يتبع طاعة الله وهو أول من استحل الشهر الحرام؟ فقال المسلمون: إنما قتلناه في جمادى وقيل في أول رجب وآخر ليلة من جمادى وأغمد المسلمون سيوفهم حين دخل شهر رجب وأنزل الله تعالى تعييرا لأهل مكة: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] لا يحل وما

стр. 110

صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام حين كفرتم بالله وصددتم عن محمد وأصحابه وإخراج أهل المسجد الحرام حين أخرجوا منه محمدا أكبر من القتل عند الله وقد روي عن ابن عباس هذا المعنى من رواية العوفي عنه ومن رواية أبي سعد البقال عن عكرمة عنه ومن رواية الكلبي عن أبي صالح عنه وذكر ابن اسحاق أن ذلك كان في آخر يوم من رجب وأنهم خافوا إن أخروا القتال أن يسبقهم المشركون فيدخلوا الحرم فيأمنوا وإنهم لما قدموا على النبي ﷺ قال لهم: "ما أمرتكم في الشهر الحرم ولم يأخذ من غنيمتهم شيئا" وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام فقال من بمكة من المسلمين: إنما قتلوهم في شعبان فلما أكثر الناس في ذلك قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] الآية وروي نحو هذا السياق عن عروة والزهري وغيرهما وقيل بأنها كانت أول غنيمة غنمها المسلمون وقال عبد الله بن جحش في ذلك وقيل: إنها لأبي بكر الصديق ﵁. تعدون قتلا في الحرام عظيمة ... وأعظم منه لو يرى الرشد راشد صددوكم عما يقول محمد ... وكفر به والله راء وشاهد وإخراجكم من مسجد الله أهله ... لئلا يرى لله في البيت ساجد وقد اختلف العلماء في حكم القتال في الأشهر الحرم هل تحريمه باق أو نسخ فالجمهور: على أنه نسخ تحريمه ونص على نسخه الإمام أحمد وغيره من الأئمة وذهبت طائفة من السلف: منهم عطاء: إلى بقاء تحريمه ورجحه بعض المتأخرين واستدلوا بآية المائدة والمائدة من آخر ما نزل من القرآن وقد روي: "أحلوا حلالها وحرموا حرامها" وقيل ليس فيها منسوخ وفي المسند: أن عائشة ﵁ قالت: هي آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه وما وجدتم فيها حرام فحرموه وروى الإمام أحمد في مسنده حدثنا اسحاق بن عيسى حدثنا ليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر قال: لم يكن رسول الله ﷺ يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى ويغزو فإذا حضره أقام حتى ينسلخ وذكر بعضهم أن النبي ﷺ حاصر الطائف في شوال فلما دخل ذو القعدة لم يقاتل بل صابرهم ثم رجع وكذلك في عمرة الحديبية لم يقاتل حتى بلغه أن عثمان قتل فبايع على القتال ثم لما بلغه أن ذلك لا حقيقة له كف واستدل الجمهور بأن الصحابة اشتغلوا بعد النبي ﷺ بفتح البلاد ومواصلة القتال والجهاد.

стр. 111

ولم ينقل عن أحد منهم أنه توقف عن القتال وهو طالب له في شيء من الأشهر الحرم وهذا يدل على إجماعهم على نسخ ذلك والله علم. ومن عجائب الأشهر الحرم ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص: إنه ذكر عجائب الدنيا فعد منها بأرض عاد عمود نحاس عليه شجرة من نحاس فإذا كان في الأشهر الحرم قطر منها الماء فملؤا منه حياضهم وسقوا مواشيهم وزروعهم فإذا ذهب الأشهر الحرم انقطع الماء. وقوله ﷺ : "ورجب مضر" سمي رجب رجبا لأنه كان يرجب: أي يعظم كذا قال الأصمعي والمفضل والفراء وقيل: لأن الملائكة تترجب للتسبيح والتحميد فيه وفي ذلك حديث مرفوع إلا أنه موضوع وأما إضافته إلى مضر فقيل: لأن مضر كانت تزيد في تعظيمه واحترامه فنسب إليهم لذلك وقيل: بل كانت ربيعة تحرم رمضان وتحرم مضر رجبا فلذلك سماه رجب مضر رجبا فلذلك سماه رجب مضر وحقق ذلك بقوله الذي بين جمادى وشعبان وذكر بعضهم أن لشهر رجب أربعة عشر اسما: شهر الله ورجب ورجب مضر ومنصل الأسنة والأصم والأصب ومنفس ومطهر ومعلي ومقيم وهرم ومقشقش ومبريء وفرد وذكر غيره: أن له سبعة عشر اسما فزاد: رجم بالميم ومنصل الآلة وهي الحربة ومنزع الأسنة. ويتعلق بشهر رجب أحكام كثيرة فمنها ما كان في الجاهلية واختلف العلماء في استمراره في الإسلام كالقتال وقد سبق ذكره وكالذبائح فإنهم كانوا في الجاهلية يذبحون ذبيحة يسمونها العتيرة واختلف العلماء في حكمها في الإسلام فالأكثرون على أن الإسلام أبطلها وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا فرع ولا عتيرة" ومنهم من قال: بل هي مستحبة منهم ابن سيرين وحكاه الإمام أحمد عن أهل البصرة ورجحه طائفة من أهل الحديث المتأخرين ونقل حنبل عن أحمد نحوه. وفي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجة عن خنف بن سليم الغامدي أن النبي ﷺ قال بعرفة: "إن على كل أهل بيت في كل عام أضحية أو عتيرة" وهي التي يسمونها الرجبية وفي النسائي عن نبيشة أنهم قالوا: يا رسول الله إنا كنا نعتر في الجاهلية يعني في رجب؟ قال: "اذبحوا لله في أي شهر كان وبروا لله وأطعموا" وروى الحرث بن عمرو: أن النبي ﷺ سئل عن الفرع والعتائر؟ فقال: "من شاء فرع ومن شاء لم يفرع ومن شاء عتر ومن شاء لم يعتر" وفي حديث آخر قال: "العتيرة حق" وفي النسائي عن أبي رزين قال: قلت يا رسول الله كنا.

стр. 112

نذبح ذبائح في الجاهلية يعني في رجب فنأكل ونطعم من جاءنا؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا بأس به" وخرج الطبراني بإسناده عن ابن عباس قال: استأذنت قريش رسول الله ﷺ في العتيرة؟ فقال: "اعتر كعتر الجاهلية ولكن من أحب منكم أن يذبح لله فيأكل ويتصدق فليفعل". وهؤلاء جمعوا بين هذه الأحاديث وبين حديث: "لا فرع ولا عتيرة" بأن المنهي عنه هو ما كان يفعله أهل الجاهلية من الذبح لغير الله وحمله سفيان بن عيينة على أن المراد به نفي الوجوب ومن العلماء من قال: حديث أبي هريرة أصح من هذه الأحاديث وأثبت فيكون العمل عليها دونها وهذه طريقة الإمام أحمد وروى مبارك بن فضالة عن الحسن قال: ليس في الإسلام عتيرة إنما كانت العتيرة في الجاهلية كان أحدهم يصوم رجب ويعتر فيه ويشبه الذبح في رجب اتخاذه موسما وعيدا كأكل الحلوى ونحوها وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه كان يكره أن يتخذ رجب عيدا وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: كان النبي ﷺ ينهى عن صيام رجب كله لئلا يتخذ عيدا وعن معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تتخذوا شهرا عيدا ولا يوما عيدا" وأصل هذا: أنه لا يشرع أن يتخذ المسلمون عيدا إلا ما جاءت الشريعة باتخاذه عيدا وهو يوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق وهي أعياد العام ويوم الجمعة وهو عيد الأسبوع وما عدا ذلك فاتخاذه عيدا وموسما بدعة لا أصل له في الشريعة. ومن أحكام رجب ما ورد فيه من الصلاة والزكاة والصيام والإعتمار. فأما الصلاة فلم يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة تختص به والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب كذب وباطل لا تصح وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء ومن ذكر ذلك من أعيان العلماء المتأخرين من الحفاظ أبو إسماعيل الأنصاري وأبو بكر بن السمعاني وأبو الفضل بن ناصر وأبو الفرج بن الجوزي وغيرهم إنما لم يذكرها المتقدمون لأنها أحدثت بعدهم وأول ما ظهرت بعد الأربعمائة فلذلك لم يعرفها المتقدمون ولم يتكلموا فيها. وأما الصيام فلم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ولكن روي عن أبي قلابة قال: في الجنة قصر لصوام رجب قال البيهقي: أبو قلابة من كبار التابعين لا يقول مثله إلا عن بلاغ وإنما ورد في صيام الأشهر الحرم كلها حديث مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها: أن النبي ﷺ قال

стр. 113

له: "صم من الحرم واترك" قالها ثلاثا خرجه أبو داود وغيره وخرجه ابن ماجة وعنده: "صم أشهر الحرم" وقد كان بعض السلف يصوم الأشهر الحرم كلها منهم ابن عمر والحسن البصري وأبو اسحاق السبيعي وقال الثوري: الأشهر الحرم أحب إلي أن أصوم فيها وجاء في حديث خرجه ابن ماجة أن أسامة بن زيد كان يصوم الأشهر الحرم فقال له رسول الله ﷺ : "صم شوالا" فترك أشهر الحرم وصام شوالا حتى مات وفي إسناده انقطاع. وخرج ابن ماجة أيضا بإسناد فيه ضعف عن ابن عباس: أن النبي ﷺ نهى عن صيام رجب والصحيح وقفه على ابن عباس ورواه عطاء عن النبي ﷺ مرسلا وقد سبق لفظه وروى عبد الرزاق في كتابه عن داود بن قيس عن زيد بن أسلم: ذكر لرسول الله ﷺ قوم يصومون رجبا فقال: "أين هم من شعبان" وروى أزهر بن سعيد الجمحي عن أمه أنها سألت عائشة عن صوم رجب فقالت: إن كنت صائمة فعليك بشعبان وروي مرفوعا ووقفه أصح وروي عن عمر ﵁: أنه كان يضرب أكف الرجال في صوم رجب حتى يضعوها في الطعام ويقول: ما رجب؟ إن رجبا كان يعظمه أهل الجاهلية فلما كان الإسلام ترك وفي رواية كره أن يكون صيامه سنة وعن أبي بكرة: أنه رأى أهله يتهيأون لصيام رجب فقال لهم أجعلتم رجب كرمضان وألقى السلال وكسر الكيزان. وعن ابن عباس: أنه كره أن يصام رجب كله وعن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يريان أن يفطر منه أياما وكرهه أنس أيضا وسعيد بن جبير وكره صيام رجب كله يحيى بن سعيد الأنصاري والإمام أحمد وقال: يفطر منه يوما أو يومين وحكاه عن ابن عمر وابن عباس وقال الشافعي في القديم: أكره أن يتخذ الرجل صوم شهر يكمله كما يكمل رمضان واحتج بحديث عائشة: ما رأيت رسول الله ﷺ استكمل شهرا قط إلا رمضان قال: وكذلك يوما من بين الأيام وقال: إنما كرهته أن لا يتأسى رجل جاهل فيظن أن ذلك واجب وإن فعل فحسن. وتزول كراهة إفراد رجب بالصوم بأن يصوم معه شهر آخر تطوعا عند بعض أصحابنا مثل أن يصوم الأشهر الحرم أو يصوم رجب وشعبان وقد تقدم عن ابن عمر وغيره صيام الأشهر الحرم والمنصوص عن أحمد أنه لا يصومه بتمامه إلا من صام الدهر وروي عن ابن عمر ما يدل عليه فإنه بلغه أن قوما أنكروا عليه أنه حرم صوم رجب فقال: كيف بمن يصوم الدهر وهذا يدل على: أنه لا يصام رجب إلا مع صوم الدهر.

стр. 114

وروى يوسف بن عطية عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن عائشة: أن النبي ﷺ لم يصم بعد رمضان إلا رجبا وشعبان ويوسف ضعيف جدا وروى أبو يوسف القاضي عن ابن أبي ليلى عن أخيه عيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وربما أخر ذلك حتى يقضيه في رجب وشعبان ورواه عمرو بن أبي قيس عن ابن أبي ليلى فلم يذكر فيه رجبا وهو أصح. وأما الزكاة فقد اعتاد أهل هذه البلاد إخراج الزكاة في شهر رجب ولا أصل لذلك في السنة ولا عرف عن أحد من السلف ولكن روي عن عثمان أنه خطب الناس على المنبر فقال: إن هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤد دينه وليزك ما بقي خرجه مالك في الموطأ وقد قيل: إن ذلك الشهر الذي كانوا يخرجون فيه زكاتهم نسي ولم يعرف وقيل: بل كان شهر المحرم لأنه رأس الحول وقد ذكر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم أن الإمام يبعث سعاته لأخذ الزكاة في المحرم وقيل بل كان شهر رمضان لفضله وفضل الصدقة فيه. وبكل حال فإنما تجب الزكاة إذا تم الحول على النصاب فكل أحد له حول يخصه بحسب وقت ملكه للنصاب فإذا تم حوله وجب عليه إخراج زكاته في أي شهر كان فإن عجل زكاته قبل الحول أجزأه عند جمهور العلماء وسواء كان تعجيله لاغتنام زمان فاضل أو لاغتنام الصدقة على من لا يجد مثله في الحاجة أو كان لمشقة إخراج الزكاة عليه عند تمام الحول جملة فيكون التفريق في طول الحول أرفق به وقد صرح مجاهد بجواز التعجيل على هذا الوجه وهو مقتضى إطلاق الأكثرين وخالف في هذه الصورة اسحاق نقله عنه ابن منصور وأما إذا حال الحول فليس له التأخير بعد ذلك عند الأكثرين وعن أحمد يجوز تأخيرها لانتظار قوم لا يجد مثلهم في الحاجة وأجاز مالك وأحمد في رواية نقلها إلى بلد فاضل فعلى قياس هذا لا يبعد جواز تأخيرها إلى زمان فاضل لا يوجد مثله كرمضان ونحوه وروى يزيد الرقاشي عن أنس: أن المسلمين كانوا يخرجون زكاتهم في شعبان تقوية على الإستعداد لرمضان وفي الإسناد ضعف. وأما الإعتمار في رجب فقد روى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ اعتمر في رجب فأنكرت ذلك عائشة عليه وهو يسمع فسكت واستحب الإعتمار في رجب عمر بن الخطاب وغيره وكانت عائشة تفعله وابن عمر أيضا ونقل ابن سيرين عن السلف أنهم كانوا يفعلونه فإن أفضل الانساك أن يؤتى بالحج في سفرة والعمرة في سفرة.

стр. 115

أخرى في غير أشهر الحج وذلك جملة إتمام الحج والعمرة المأمور به كذلك قاله جمهور الصحابة: كعمر وعثمان وعلي وغيرهم. وقد روي: أنه في شهر رجب حوادث عظيمة ولم يصح شيء من ذلك فروي: أن النبي ﷺ ولد في أول ليلة منه وأنه بعث في السابع والعشرين منه وقيل: في الخامس والعشرين ولا يصح شيء من ذلك وروى بإسناد لا يصح عن القاسم بن محمد: أن الإسراء بالنبي ﷺ كان في سابع وعشرين من رجب وانكر ذلك إبراهيم الحربي وغيره وروي عن قيس بن عباد قال: في اليوم العاشر من رجب: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] . وكان أهل الجاهلية يتحرون الدعاء فيه على الظالم وكان يستجاب لهم ولهم في ذلك أخبار مشهورة قد ذكرها ابن أبي الدنيا في كتاب مجاب الدعوة وغيره وقد ذكر ذلك لعمر بن الخطاب فقال عمر: إن الله كان يصنع بهم ذلك ليحجز بعضهم عن بعض وإن الله جعل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر وروى زائدة بن أبي الرقاد عن زياد التميمي عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل رجب قال: "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان" وروي عن أبي إسماعيل الأنصاري أنه قال: لم يصح في فضل رجب غير هذا الحديث وفي قوله نظر فإن هذا الإسناد فيه ضعف وفي هذا الحديث دليل على استحباب الدعاء بالبقاء إلى الأزمان الفاضلة لإدراك الأعمال الصالحة فيها فإن المؤمن لا يزيده عمره إلا خيرا وخير الناس من طال عمره وحسن عمله وكان السلف يستحبون أن يموتوا عقب عمل صالح من صوم رمضان أو رجوع من حج وكان يقال: من مات كذلك غفر له كان بعض العلماء الصالحين قد مرض قبل شهر رجب فقال: إني دعوت الله أن يؤخر وفاتي إلى شهر رجب فإنه بلغني أن لله فيه عتقاء فبلغه الله ذلك ومات في شهر رجب. شهر رجب مفتاح أشهر الخير والبركة قال أبو بكر الوراق البلخي: شهر رجب شهر للزرع وشعبان شهر السقي للزرع ورمضان شهر حصاد الزرع وعنه قال: مثل شهر رجب مثل الريح ومثل شعبان مثل الغيم ومثل رمضان مثل القطر وقال بعضهم: السنة مثل الشجرة وشهر رجب أيام توريقها وشعبان أيام تفريعها ورمضان أيام قطفها والمؤمنون قطافها جدير بمن سود صحيفته بالذنوب أن يبيضها بالتوبة في هذا الشهر وبمن ضيع عمره في البطالة أن يغتنم فيه ما بقي من العمر.

стр. 116

بيض صحيفتك السوداء في رجب ... بصالح العمل المنجي من اللهب شهر حرام أتي من أشهر حرم ... إذا دعا الله داع فيه لم يخب طوبى لعبد زكى فيه له عمل ... فكف فيه عن الفحشاء والريب انتهاز الفرصة بالعمل في هذا الشهر غنيمة واغتنام أوقاته بالطاعات له فضيلة عظيمة. يا عبد أقبل منيبا واغتنم رجبا ... فإن عفوي عمن تاب قد وجبا في هذه الأشهر الأبواب قد فتحت ... للتائبين فكل نحونا هربا حطوا الركائب في أبواب رحمتنا ... بحسن ظن فكل نال ما طلبا وقد نثرنا عليهم من تعطفنا ... نثار حسن قبول فاز من نهبا

стр. 117

وظائف شهر شعبان المجلس الأول: في صيامه ... وظائف شهر شعبان ويشتمل على مجالس: المجلس الأول في صيامه خرج الإمام أحمد والنسائي من حديث أسامة بن زيد قال: كان رسول الله ﷺ يصوم الأيام يسرد حتى نقول لا يفطر ويفطر الأيام حتى لا يكاد يصوم إلا يومين من الجمعة إن كانا في صيامه وإلا صامهما ولم يكن يصوم من الشهور ما يصوم من شعبان فقلت يا رسول الله إنك تصوم حتى لا تكاد تفطر وتفطر حتى لا تكاد تصوم إلا يومين إن دخلا في صيامك وإلا صمتهما؟ قال: أي يومين قلت: يوم الإثنين ويوم الخميس قال: " ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم قلت: ولم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع الأعمال فيه إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم".

стр. 118

قد تضمن هذا الحديث ذكر صيام رسول الله ﷺ من جميع السنة وصيامه من أيام الأسبوع وصيامه من شهور السنة فأما صيامه من السنة فكان يسرد الصوم أحيانا والفطر أحيانا فيصوم حتى يقال: لا يفطر ويفطر حتى يقال: لا يصوم. وقد روي ذلك أيضا عن عائشة وابن عباس وأنس وغيرهم ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم وفيهما عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يصوم إذا صام حتى يقول القائل: لا والله لا يفطر ويفطر إذا فطر حتى يقول القائل: لا والله لا يصوم وفيهما عن أنس أنه سئل عن صيام النبي ﷺ فقال: ما كنت أحب أن أراه من الشهر صائما إلا رأيته ولا مفطرا إلا رأيته ولا من الليل قائما إلا رأيته ولا نائما إلا رأيته ولمسلم عنه قال: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى يقال: قد صام قد صام ويفطر حتى يقال: قد أفطر قد أفطر. وقد كان رسول الله ﷺ ينكر على من يسرد صوم الدهر ولا يفطر منه ويخبر عن نفسه: أنه لا يفعل ذلك ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو: أن النبي ﷺ قال له: "أتصوم النهار وتقوم الليل"؟ قال: نعم فقال النبي ﷺ : "لكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأمس النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" وفيهما عن أنس: أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ قال بعضهم: لا أتزوج النساء وقال بعضهم: لا آكل اللحم وقال بعضهم: لا أنام على فراش فبلغ ذلك النبي ﷺ فخطب وقال: "ما بال أقوام يقولون كذا وكذا لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" وخرجه النسائي وزاد فيه: وقال بعضهم: أصوم ولا أفطر. وفي مسند الإمام أحمد عن رجل من الصحابة قال: ذكر لرسول الله ﷺ مولاة لبني عبد المطلب فقيل: إنها قامت الليل وتصوم النهار فقال النبي ﷺ : "لكني أنا أنام وأصلي وأصوم وأفطر فمن اقتدى بي فهو مني ومن رغب عن سنتي فليس مني إن لكل عمل شدة وفترة فمن كانت فترته إلى بدعة فقد ضل ومن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى". وفي المسند وسنن أبي داود عن عائشة ﵂ أن عثمان بن مظعون أراد التبتل فقال له رسول الله ﷺ : "أترغب عن سنتي"؟ قال: لا والله ولكن سنتك أريد قال: "فإني أنام وأصلي وأصوم وأفطر وأنكح النساء فاتق الله يا عثمان فإن لأهلك عليك حقا وإن لضيفك عليك حقا وإن لنفسك عليك حقا فصم

стр. 119

وافطر وصل ونم" وقد قال عكرمة وغيره: إن عثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب والمقداد وسالما مولى أبي حذيفة في جماعة تبتلوا فجلسوا في البيوت واعتزلوا النساء وحرموا طيبات الطعام واللباس إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل وهموا بالإختصاء وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار فنزلت فيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة:٨٧] . وفي صحيح البخاري أن سلمان زار أبا الدرداء وكان النبي ﷺ قد آخى بينهما فرأى أم الدرداء متبذلة فقال: ما شأنك متبذلة؟ فقالت: إن أخاك أبا الدرداء لا حاجة له في الدنيا فلما جاء أبو الدرداء قرب له طعاما قال له: كل فقال إني صائم فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل فأكل فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء ليقوم فقال له سلمان: نم ثم ذهب ليقوم فقال له: نم فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن فقاما فصليا فقال سلمان: إن لنفسك عليك حقا وإن لضيفك عليك حقا وإن لأهلك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه فأتيا النبي ﷺ فذكروا ذلك له فقال: "صدق سلمان" وفي رواية في غير الصحيح قال: "ثكلت سلمان أمه لقد أشبع من العلم" وهكذا قال النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص لما كان يصوم الدهر فنهاه وأمره أن يصوم صوم داود يصوم يوما ويفطر يوما وقال له: "لا أفضل من ذلك". وقد ورد النهي عن صيام الدهر والتشديد فيه وهذا كله يدل على أن أفضل الصيام أن لا يستدام بل يعاقب بينه وبين الفطر وهذا هو الصحيح من قولي العلماء وهو مذهب أحمد وغيره وقيل لعمر: إن فلانا يصوم الدهر فجعل يقرع رأسه بقناة معه ويقول: كل يا دهر كل يا دهر خرجه عبد الرزاق. وقد أشار النبي ﷺ إلى الحكمة في ذلك من وجوه: منها: قوله ﷺ في صيام الدهر: "لا صام ولا أفطر" يعني أنه لا يجد مشقة الصيام ولا فقد الطعام والشراب والشهوة لأنه صار الصيام له عادة مألوفة فربما تضرر بتركه فإذا صام تارة وأفطر أخرى حصل له بالصيام مقصوده بترك هذه الشهوات وفي نفسه داعية إليها وذلك أفضل من أن يتركها ونفسه لا تتوق إليها ومنها قوله ﷺ في حق داود ﵇: "كان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر إذا لاقى" يشير إلى أنه كان لا يضعفه صيامه عن ملاقاة عدوه ومجاهدته في سبيل الله ولهذا روي عن النبي ﷺ أنه قال لأصحابه يوم الفتح وكان في رمضان: "إن هذا يوم قتال فافطروا" وكان عمر

стр. 120

إذا بعث سرية قال لهم: لا تصوموا فإن التقوى على الجهاد أفضل من الصوم. فأفضل الصيام أن لا يضعف البدن حتى يعجز عما هو أفضل منه من القيام بحقوق الله تعالى أو حقوق عباده اللازمة فإن أضعف عن شيء من ذلك مما هو أفضل منه كان تركه أفضل فالأول: مثل أن يضعف الصيام عن الصلاة أو عن الذكر أو عن العلم كما قيل في النهي عن صيام الجمعة ويوم عرفة بعرفة أنه يضعف عن الذكر والدعاء في هذين اليومين وكان ابن مسعود يقل الصوم ويقول: إنه يمنعني من قراءة القرآن وقراءة القرآن أحب إلي فقراءة القرآن أفضل من الصيام نص عليه سفيان الثوري وغيره من الأئمة وكذلك تعلم العلم النافع وتعليمه أفضل من الصيام وقد نص الأئمة الأربعة على أن طلب العلم أفضل من صلاة النافلة والصلاة أفضل من الصيام المتطوع به فيكون العلم أفضل من الصيام بطريق الأولى فإن العلم مصباح يستضاء به في ظلمة الجهل والهوى فمن سار في طريق على غير مصباح لم يأمن أن يقع في بئر بوار فيعطب قال ابن سيرين: إن قوما تركوا العلم واتخذوا محاريب فصلوا وصاموا بغير علم والله ما عمل أحد بغير علم إلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح والثاني: مثل أن يضعف الصيام عن الكسب للعيال أو القيام بحقوق الزوجات فيكون تركه أفضل وإليه الإشارة بقوله ﷺ : "إن لأهلك عليك حقا". ومنها: ما أشار إليه ﷺ بقوله: "إن لنفسك عليك حقا فاعط كل ذي حق حقه" يشير إلى أن النفس وديعة لله عند ابن آدم وهو مأمور أن يقوم بحقها ومن حقها اللطف بها حتى توصل صاحبها إلى المنزل قال الحسن: نفوسكم مطاياكم إلى ربكم فأصلحوا مطاياكم توصلكم إلى ربكم فمن وفى نفسه حظها من المباح بنية التقوى به على تقويتها على أعمال الطاعات كان مأجورا في ذلك كما قال معاذ بن جبل: إني أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي ومن قصر في حقها حتى ضعفت وتضررت كان ظالما وإلى هذا أشار النبي ﷺ بقوله لعبد الله بن عمرو بن العاص: "إنك إذا فعلت ذلك نفهت له النفس وهجمت له العين" ومعنى نفهت: كلت وأعيت ومعنى هجمت العين: غارت وقال لأعرابي جاءه فأسلم ثم أتاه من عام قابل وقد تغير فلم يعرفه فلما عرفه سأله عن حاله؟ قال: ما أكلت بعدك طعاما بنهار فقال النبي ﷺ : "ومن أمرك أن تعذب نفسك؟! " فمن عذب نفسه بأن حملها ما لا تطيقه من الصيام ونحوه فربما أثر ذلك في ضعف بدنه وعقله فيفوته من الطاعات الفاضلة أكثر مما حصله بتعذيبه نفسه بالصيام.

стр. 121

وكان النبي ﷺ : يتوسط في إعطاء نفسه حقها ويعدل فيها غاية العدل فيصوم ويفطر ويقوم وينام وينكح النساء ويأكل ما يجد من الطيبات كالحلواء والعسل ولحم الدجاج وتارة يجوع يربط على بطنه الحجر وقال: " عرض علي ربي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا فقلت: لا يا رب ولكن أجوع يوما وأشبع يوما فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك وإذا شبعت حمدتك وشكرتك" فاختار لنفسه أفضل الأحوال ليجمع بين مقامي الشكر والصبر والرضا. ومنها ما أشار إليه بقوله ﷺ لعبد الله بن عمرو: "ولعله أن يطول بك حياة" يعني: أن من تكلف الإجتهاد في العبادة فقد تحمله قوة الشباب ما دامت باقية فإذا ذهب الشباب وجاء المشيب والكبر عجز عن حمل ذلك فإن صابره وجاهد واستمر فربما هلك بدنه وإن قطع فقد فاته أحب الأعمال إلى الله تعالى وهو المداومة على العمل ولهذا قال النبي ﷺ : "اكلفوا من العمل ما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا" وقال ﷺ : " أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل" فمن عمل عملا يقوى عليه بدنه في طول عمره في قوته وضعفه استقام سيره ومن حمل ما لا يطيق فإنه قد يحدث له مرض يمنعه من العمل بالكلية وقد يسأم ويضجر فيقطع العمل فيصير كالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى. وأما صيام النبي ﷺ من الأيام أعني أيام الأسبوع فكان يتحرى صيام الاثنين والخميس وكذا روي عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يتحرى صيام الإثنين والخميس خرجه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي وحسنه وخرج ابن ماجه من حديث أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ يصوم الإثنين والخميس فقيل له: يا رسول الله إنك تصوم الإثنين والخميس؟ فقال: "إن يوم الإثنين والخميس يغفر الله فيهما لكل مسلم إلا مهتجرين فيقول: دعوهما حتى يصطلحا" وخرجه الإمام أحمد وعنده: أن رسول الله ﷺ كان أكثر ما يصوم الإثنين والخميس فقيل له؟: قال: "إن الأعمال تعرض كل اثنين وخميس فيغفر لكل مسلم أو لكل مؤمن إلا المتهاجرين فيقول: أخرهما" وخرجه الترمذي ولفظه قال: "تعرض الأعمال يوم الإثنين ويوم الخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم" وروي موقوفا على أبي هريرة ورجح بعضهم وقفه. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعا: "تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجل كانت بينه وبين أخيه شحناء يقول: أنظروا هذين حتى يصطلحا" ويروى بإسناد فيه ضعف عن أبي أمامة.

стр. 122

مرفوعا "ترفع الأعمال يوم الإثنين ويوم الخميس فيغفر للمستغفرين ويترك أهل الحقد بحقدهم" وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله : ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [قّ:١٨] قال: يكتب كل ما تكلم به من خير وشر حتى أنه ليكتب قوله: أكلت وشربت وذهبت وجئت ورأيت حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر وألقى سائره فذلك قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] خرجه ابن أبي حاتم وغيره. فهذا يدل على اختصاص يوم الخميس بعرض الأعمال لا يوجد في غيره. وكان إبراهيم النخعي يبكي إلى امرأته يوم الخميس وتبكي إليه ويقول: اليوم تعرض أعمالنا على الله فهذا عرض خاص في هذين اليومين غير العرض العام كل يوم فإن ذلك عرض دائم بكرة وعشيا ويدل على ذلك ما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فيجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر فيسأل الذين باتوا فيكم وهو أعلم: كيف تركتم عبادي فيقولون: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون". وفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع الله عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" ويروى عن ابن مسعود قال: إن مقدار كل يوم من أيامكم عند ربكم اثنتا عشرة ساعة فتعرض عليه أعمالكم بالأمس أول النهار اليوم فينظر فيها ثلاث ساعات وذكر باقيه كان الضحاك يبكي آخر النهار ويقول: لا أدري ما رفع من عملي يا من عمله معروض على من يعلم السر وأخفى لا تبهرج فإن الناقد بصير. السقم على الجسم له ترداد ... والعمر ينقص والذنوب تزاد ما أبعد شقتي ومالي زاد ... ما أكثر بهرجي ولي نقاد وحديث أسامة فيه: أن النبي ﷺ كان إذا سرد الفطر يصوم الإثنين والخميس فدل على مواظبة النبي ﷺ على صيامهما وقد كان أسامة يصومهما حضرا وسفرا لهذا وفي مسند الإمام أحمد وسنن النسائي عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ أمره أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر فقال له: إني أقوى على أكثر من

стр. 123

ذلك قال: "فصم من الجمعة يوم الإثنين والخميس" قال: إني أقوى على أكثر من ذلك قال: "فصم صيام داود". وفي مسند الإمام أحمد من رواية عثمان بن رشيد حدثني أنس بن سيرين قال: أتينا أنس بن مالك في يوم خميس فدعا بمائدة فدعاهم إلى الغداء فتغذى بعض القوم وأمسك بعض ثم أتوه يوم الخميس ففعل مثلها فقال أنس: لعلكم أثنائيون لعلكم خميسيون كان رسول الله ﷺ يصوم حتى يقال: لا يفطر ويفطر حتى يقال: لا يصوم وظاهر هذا الحديث يخالف حديث أسامة وأن النبي ﷺ إنما كان يصوم الإثنين والخميس إذا دخلا في صيامه ولم يكن يتحرى صيامهما في أيام سرد فطره ولكن عثمان بن رشيد ضعيف ضعفه ابن معين وغيره وحديث أسامة أصح منه وقد روي من حديث أم سلمة أن النبي ﷺ كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام أول خميس والإثنين والإثنين وفي رواية بالعكس الإثنين والخميس والخميس وأكثر العلماء على استحباب صيام الإثنين والخميس وروي كراهته عن أنس بن مالك من غير وجه عنه وكان مجاهد يفعله ثم يتركه وكرهه وكره أبو جعفر محمد بن علي صيام الإثنين وكرهت طائفة صيام يوم معين كلما مر بالإنسان. روي عن عمران بن حصين وابن عباس والشعبي والنخعي ونقله ابن القاسم عن مالك وقال الشافعي في القديم أكره ذلك قال: وإنما كرهته لئلا يتأسى جاهل فيظن أن ذلك واجب قال: فإن فعل فحسن يعني على غير اعتقاد الوجوب. وإنما صيام النبي ﷺ من أشهر السنة فكان يصوم من شعبان ما لا يصوم من غيره من الشهور وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قط إلا رمضان وما رأيته في شهر أكثر صياما منه في شعبان زاد البخاري في رواية: كان يصوم شعبان كله ولمسلم في رواية: كان يصوم شعبان كله كان يصوم شعبان إلا قليلا وفي رواية النسائي عن عائشة قالت: كان أحب الشهور إلى رسول الله ﷺ أن يصوم شعبان كان يصله برمضان وعنها وعن أم سلمة قالتا: كان رسول الله ﷺ يصوم شعبان إلا قليلا بل كان يصومه كله وعن أم سلمة قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان. وقد رجح طائفة من العلماء منهم ابن المبارك وغيره: أن النبي ﷺ لم.

стр. 124

يستكمل صيام شعبان وإنما كان يصوم أكثره ويشهد له ما في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: ما علمته تعني النبي ﷺ صام شهرا كله إلا رمضان وفي رواية له أيضا عنها قالت: ما رأيته صام شهرا كاملا منذ قدم المدينة إلا أن يكون رمضان وفي رواية له أيضا: أنها قالت: لا أعلم نبي الله ﷺ قرأ القرآن كله في ليلة ولا صام شهرا كاملا غير رمضان وفي رواية له أيضا قالت: ما رأيته قام ليلة حتى الصباح ولا صام شهرا متتابعا إلا رمضان وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: ما صام رسول الله ﷺ شهرا كاملا غير رمضان وكان ابن عباس يكره أن يصوم شهرا كاملا غير رمضان وروى عبد الرزاق في كتابه عن ابن جريج عن عطاء قال: كان ابن عباس بنهى عن صيام الشهر كاملا ويقول: ليصمه إلا أياما وكان ينهي عن إفراد اليوم كلما مر به وعن صيام الأيام المعلومة وكان يقول: لا تصم أياما معلومة. فإن قيل: فكيف كان النبي ﷺ يخص شعبان بصيام التطوع فيه مع أنه قال: "أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم"؟ فالجواب: أن جماعة من الناس أجابوا عن ذلك بأجوبة غير قوية لاعتقادهم أن صيام المحرم والأشهر الحرم أفضل من شعبان كما صرح به الشافعية وغيرهم والأظهر خلاف ذلك وأن صيام شعبان أفضل من صيام الأشهر الحرم ويدل على ذلك ما خرجه الترمذي من حديث أنس سئل النبي ﷺ : أي الصيام أفضل بعد رمضان؟ قال: "شعبان" تعظيما لرمضان وفي إسناده مقال وفي سنن ابن ماجة: أن أسامة كان يصوم الأشهر الحرم فقال له رسول الله ﷺ : "صم شوالا" فترك الأشهر الحرم فكان يصوم شوالا حتى مات وفي إسناده إرسال وقد روي من وجه آخر يعضده فهذا نص في تفضيل صيام شوال على صيام الأشهر الحرم وإنما كان كذلك لأنه يلي رمضان من بعده كما أن شعبان يليه من قبله وشعبان أفضل لصيام النبي ﷺ له دون شوال فإذا كان صيام شوال أفضل من الأشهر الحرم فلأن يكون صوم شعبان أفضل بطريق الأولى. فظهر بهذا أفضل التطوع ما كان قريبا من رمضان قبله وبعده وذلك يلتحق بصيام رمضان لقربه منه وتكون منزلته من الصيام بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها فيلتحق بالفرائض في الفضل وهي تكملة لنقص الفرائض وكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده فكما أن السنن الرواتب أفضل من التطوع المطلق بالصلاة فكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده أفضل من صيام ما بعد منه.

стр. 125

ويكون قوله ﷺ : "أفضل الصيام بعد رمضان المحرم": محمولا على التطوع المطلق بالصيام فأما ما قبل رمضان وبعده فإن يلتحق في الفضل كما أن قوله في تمام الحديث "وأفضل الصلاة بعد المكتوبة: قيام الليل" إنما أريد به تفضيل قيام الليل على التطوع المطلق دون السنن الرواتب عند جمهور العلماء خلافا لبعض الشافعية والله أعلم. فإن قيل: فقد قال النبي ﷺ : "أفضل الصيام صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما" ولم يصم كذلك بل كان يصوم سردا ويفطر سردا ويصوم شعبان وكل اثنين وخميس؟ قيل: صيام داود الذي فضله النبي ﷺ على الصيام قد فسره النبي ﷺ في حديث آخر بأنه صوم شطر الدهر وكان صيام النبي ﷺ إذا جمع يبلغ نصف الدهر أو يزيد عليه وقد كان يصوم مع ما سبق ذكره يوم عاشوراء أو تسع ذي الحجة وإنما كان يفرق صيامه ولا يصوم يوما ويفطر يوما لأنه كان يتحرى صيام الأوقات الفاضلة ولا يضر تفريق الصيام والفطر أكثر من يوم ويوم إذا كان القصد به التقوى على ما هو أفضل من الصيام من أداء الرسالة وتبليغها والجهاد عليها والقيام بحقوقها فكان صيام يوم وفطر يوم يضعفه عن ذلك ولهذا سئل النبي ﷺ في حديث أبي قتادة عمن يصوم يوما ويفطر يومين؟ قال: "وددت أني طوقت ذلك" وقد كان عبد الله بن عمرو بن العاص لما كبر يسرد الفطر أحيانا ليتقوى به على الصيام ثم يعود فيصوم ما فاته محافظة على ما فارق عليه النبي ﷺ من صيام شطر الدهر فحصل للنبي ﷺ أجر صيام شطر الدهر وأزيد منه بصيامه المتفرق وحصل له أجر تتابع الصيام بتمنيه لذلك وإنما عاقه عنه الإشتغال بما هو أهم منه وأفضل والله أعلم. وقد ظهر بما ذكرناه وجه صيام النبي ﷺ لشعبان دون غيره من الشهور وفيه معان أخر: وقد ذكر منها النبي في حديث أسامة معنيين: أحدهما: أنه شهر "يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان" يشير إلى أنه لما اكتنفه شهران عظيمان الشهر الحرام وشهر الصيام اشتغل الناس بهما عنه فصار مغفولا عنه وكثير من الناس يظن أن صيام رجب أفضل من صيامه لأنه شهر حرام وليس كذلك وروى ابن وهب قال: حدثنا معاوية بن صالح عن أزهر بن سعد عن أبيه عن عائشة قالت: ذكر لرسول الله ناس يصومون رجبا؟ فقال: "فأين هم عن شعبان". وفي قوله: "يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان" إشارة إلى أن بعض ما.

стр. 126

يشتهر فضله من الأزمان أو الأماكن أو الأشخاص قد يكون غيره أفضل منه إما مطلقا أو لخصوصية فيه لا يتفطن لها أكثر الناس فيشتغلون بالمشهور عنه ويفوتون تحصيل فضيلة ما ليس بمشهور عندهم وفيه دليل على استحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة وأن ذلك محبوب لله كما كان طائفة من السلف يستحبون إحياء ما بين العشاءين بالصلاة ويقولون: هي ساعة غفلة ولذلك فضل القيام في وسط الليل المشمول الغفلة لأكثر الناس فيه عن الذكر وقد قال النبي ﷺ : "إن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الليلة فكن" ولهذا المعنى كان النبي ﷺ يريد أن يؤخر العشاء إلى نصف الليل وإنما علل ترك ذلك لخشية المشقة على الناس ولما خرج على أصحابه وهم ينتظرونه لصلاة العشاء قال لهم: "ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم" وفي هذا إشارة إلى فضيلة التفرد بذكر الله في وقت من الأوقات لا يوجد فيه ذاكر له ولهذا ورد في فضل الذكر في الأسواق ما ورد من الحديث المرفوع والآثار الموقوفة حتى قال أبو صالح: إن الله ليضحك ممن يذكره في السوق وسبب ذلك أنه ذكر في موطن الغفلة بين أهل الغفلة وفي حديث أبي ذر المرفوع: "ثلاثة يحبهم الله قوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به فوضعوا رؤوسهم فقام أحدهم يتملقني ويتلو آياتي وقوم كانوا في سرية فانهزموا فتقدم أحدهم فلقي العدو فصبر حتى قتل وذكر أيضا قوما جاءهم سائل فسألهم فلم يعطوه فانفرد أحدهم حتى أعطاه سرا" فهؤلاء الثلاثة انفردوا عن رفقتهم بمعاملة الله سرا بينهم وبينه فأحبهم الله فكذلك من يذكر الله في غفلة الناس أو من يصوم في أيام غفلة الناس عن الصيام. وفي إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فوائد: منها: أنه يكون أخفى وإخفاء النوافل وإسرارها أفضل لا سيما الصيام فإنه سر بين العبد وربه ولهذا قيل: إنه ليس فيه رياء وقد صام بعض السلف أربعين سنة لا يعلم به أحد كان يخرج من بيته إلى سوقه ومعه رغيفان فيتصدق بهما ويصوم فيظن أهله أنه أكلهما ويظن أهل السوق أنه أكل في بيته وكانوا يستحبون لمن صام أن يظهر ما يخفي به صيامه فعن ابن مسعود: أنه قال: إذا أصبحتم صياما فأصبحوا مدهنين وقال قتادة: يستحب للصائم أن يدهن حتى تذهب عنه غبرة الصيام وقال أبو التياح: أدركت أبي ومشيخة الحي إذا صام أحدهم ادهن ولبس صالح ثيابه ويروى أن عيسى بن مريم ﵇ قال: "إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن لحيته وليمسح شفتيه من دهنه حتى ينظر الناظر إليه فيرى أنه ليس بصائم".

стр. 127

اشتهر بعض الصالحين بكثرة الصيام فكان يجتهد في إظهار فطره للناس حتى كان يقوم يوم الجمعة والناس مجتمعون في مسجد الجامع فيأخذ إبريقا فيضع بلبلته في فيه ويمصه ولا يزدرد منه شيئا ويبقى ساعة كذلك ينظر الناس إليه فيظنون أنه يشرب الماء وما دخل إلى حلقه منه شيء كم ستر الصادقون أحوالهم وريح الصدق ينم علهيم ريح الصيام أطيب من ريح المسك تستنشقه قلوب المؤمنين وإن خفي وكلما طالت عليه المدة ازدادت قوة ريحه. كم أكتم حبكم عن الأغيار ... والدمع يذيع في الهوى أسراري كم أستركم هتكتموا أسراري ... من يخفي في الهوى لهيب النار ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه رداءها علانية. وهبني كتمت السرا وقلت غيره ... أتخفي على أهل القلوب السرائر أبى ذاك أن السر في الوجه ناطق ... وإن بضمير القلب في العين ظاهر ومنها: أنه أشق على النفوس: وأفضل الأعمال أشقها على النفوس وسبب ذلك أن النفوس تتأسى بما تشاهد من أحوال أبناء الجنس فإذا كثرت يقظة الناس وطاعاتهم كثر أهل الطاعة لكثرة المقتدين بهم فسهلت الطاعات وإذا كثرت الغفلات وأهلها تأسى بهم عموم الناس فيشق على نفوس المستيقظين طاعاتهم لقلة من يقتدون بهم فيها ولهذا المعنى قال النبي ﷺ "للعامل منهم أجر خمسين منكم إنكم تجدون على الخير أعوانا ولا يجدون" وقال: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء" وفي رواية قيل: ومن الغرباء: قال: "الذين يصلحون إذا فسد الناس". وفي صحيح مسلم من حديث معقل بن يسار عن النبي ﷺ قال: "العباد في الهرج كالهجرة إلي" وخرجه الإمام أحمد ولفظه: "العباد في الفتنة كالهجرة إلي" وسبب ذلك أن الناس في زمن الفتن يتبعون أهواءهم ولا يرجعون إلى دين فيكون حالهم شبيها بحال الجاهلية فإذا انفرد من بينهم من يتمسك بدينه ويعبد ربه ويتبع مراضيه ويجتنب مساخطه كان بمنزلة من هاجر من بين أهل الجاهلية إلى رسول الله ﷺ مؤمنا به متبعا لأوامره مجتنبا لنواهيه. ومنها أن المفرد بالطاعة من أهل المعاصي والغفلة قد يدفع البلاء عن الناس كلهم فكأنه يحميهم ويدافع عنهم وفي حديث ابن عمر الذي رويناه في جزء ابن عرفة مرفوعا: "ذاكر الله في الغافلين كالذي يقاتل عن الفارين وذاكر الله في

стр. 128

الغافلين كالشجرة الخضراء في وسط الشجر الذي تحات ورقه من الصرير ـ والصرير: البرد الشديد ـ وذاكر الله في الغافلين يغفر له بعدد كل رطب ويابس وذاكر الله في الغافلين يعرف مقعده في الجنة" قال بعض السلف: ذاكر الله في الغافلين كمثل الذي يحمي الفئة المنهزمة ولولا من يذكر الله في غفلة الناس لهلك الناس. رأى جماعة من المتقدمين في منامهم كأن ملائكة نزلت إلى بلاد شتى فقال بعضهم لبعض: اخسفوا بهذه القرية فقال بعضهم: كيف نخسف بها وفلان قائم يصلي ورأى بعض المتقدمين في منامه من ينشد ويقول: لولا الذين لهم ورد يصلونا ... وآخرون لهم سرد يصومونا لدكدكت أرضكم من تحتكم سحرا ... لأنكم قوم سوء ما تطيعونا وفي مسند البزار عن أبي هريرة مرفوعا: "مهلا عن الله مهلا فلولا عباد ركع وأطفال رضع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا" ولبعضهم في المعنى: لولا عباد للإله ركع ... وصبية من اليتامى رضع ومهملات في الفلاة رتع ... صب عليكم العذاب الموجع وقد قيل في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١] أنه يدخل فيها دفعة عن العصاة بأهل الطاعة وجاء في الأثر: أن الله يدفع بالرجل الصالح عن أهله وولده وذريته ومن حوله وفي بعض الآثار يقول الله : "أحب العباد إلي المتحابون بجلالي المشاؤن في الأرض بالنصيحة الماشون على أقدامهم إلى الجمعات" وفي رواية: "المتعلقة قلوبهم بالمساجد والمستغفرون بالأسحار فإذا أردت إنزال عذاب بأهل الأرض فنظرت إليهم صرفت العذاب عن الناس" وقال مكحول: ما دام في الناس خمسة عشر يستغفر كل منهم كل يوم خمسا وعشرين مرة لم يهلكوا بعذاب عامة والآثار في هذا المعنى كثيرة جدا. وقد روي في صيام النبي ﷺ شعبان معنى آخر وهو أنه تنسخ فيه الآجال فروي بإسناد فيه ضعف عن عائشة قالت: كان أكثر صيام رسول الله ﷺ في شعبان فقلت: يا رسول الله أرى أكثر صيامك في شعبان؟ قال: "إن هذا الشهر يكتب فيه لملك الموت من يقبض فأنا لا أحب أن ينسخ اسمي إلا وأنا صائم".

стр. 129

وقد روي مرسلا وقيل: إنه أصح وفي حديث آخر مرسل: "تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى أن الرجل لينكح ويولد له ولقد خرج اسمه في الموتى". وروي في ذلك معنى آخر وهو: أن النبي ﷺ كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وربما أخر ذلك حتى يقضيه بصوم شعبان رواه ابن أبي ليلة عن أخيه عيسى عن أبيهما عن عائشة ﵂ خرجه الطبراني ورواه غيره وزاد: قالت عائشة: فربما أردت أن أصوم فلم أطق حتى إذا صام صمت معه وقد يشكل على هذا ما في صحيح مسلم عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر لا يبالي من أية كان وفيه أيضا عنها قالت: ما علمته ـ تعني النبي ﷺ صام شهرا كاملا إلا رمضان ولا أفطره كله حتى يصوم منه حتى مضى لسبيله وقد يجمع بينهما بأنه قد يكون صومه في بعض الشهور لا يبلغ ثلاثة أيام فيكمل ما فاته من ذلك في شعبان أو أنه ﷺ كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام مع الاثنين والخميس فيؤخر الثلاثة خاصة حتى يقضيها في شعبان مع صومه الإثنين والخميس. وبكل حال فكان ﷺ عمله ديمة وكان إذا فاته من نوافله قضاه كما كان يقضي ما فاته من سنن الصلاة وما فاته من قيام الليل بالنهار فكان إذا دخل شعبان وعليه بقية من صيام تطوع لم يصمه قضاه في شعبان حتى يستكمل نوافله قبل دخول رمضان فكانت عائشة حينئذ تغتنم قضاءه لنوافله فتقضي ما عليها من فرض رمضان حينئذ لفطرها فيه بالحيض وكانت في غيره من الشهور مشتغلة بالنبي ﷺ فإن المرأة لا تصوم وبعلها شاهد إلا بإذنه. فمن دخل عليه شعبان وقد بقي عليه من نوافل صيامه في العام استحب له قضاؤها فيه حتى يكمل نوافل صيامه بين الرمضانين ومن كان عليه شيء من قضاء رمضان وجب عليه قضاؤه مع القدرة ولا يجوز له تأخيره إلى ما بعد رمضان آخر لغير ضرورة فإن فعل ذلك وكان تأخيره لعذر مستمر بين الرمضانين كان عليه قضاؤه بعد رمضان الثاني ولا شيء عليه مع القضاء وإن كان ذلك لغير عذر فقيل: يقضي ويطعم مع القضاء لكل يوم مسكينا وهو قول مالك والشافعي وأحمد اتباعا لآثار وردت بذلك وقيل: يقضي ولا إطعام عليه وهو قول أبي حنيفة وقيل: يطعم ولا يقضي وهو ضعيف. وقد قيل: في صوم شعبان معنى آخر: أن صيامه كالتمرين على صيام رمضان لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة وكلفة بل قد تمرن على.

стр. 130

الصيام واعتاده ووجد بصيام شعبان قبله حلاوة الصيام ولذته فيدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط. ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القرآن ليحصل التأهب لتلقي رمضان وترتاض النفوس بذلك على طاعة الرحمن روينا بإسناد ضعيف عن أنس قال: كان المسلمون إذا دخل شعبان انكبوا على المصاحف فقرؤها وأخرجوا زكاة أموالهم تقوية للضعيف والمسكين على صيام رمضان وقال سلمة بن كهيل: كان يقال شهر شعبان شهر القراء وكان حبيب بن أبي ثابت إذا دخل شعبان قال: هذا شهر القراء وكان عمرو بن قيس الملائي إذا دخل شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القرآن قال الحسن بن سهل: قال شعبان: يا رب جعلتني بين شهرين عظيمين فما لي؟ قال: جعلت فيك قراءة القرآن يا من فرط في الأوقات الشريفة وضيعها وأودعها الأعمال السيئة وبئس ما استودعها. مضى رجب وما أحسنت فيه ... وهذا شهر شعبان المبارك فيا من ضيع الأوقات جهلا ... بحرمتها أفق واحذر بوارك فسوف تفارق اللذات قسرا ... ويخلي الموت كرها منك دارك تدارك ما استطعت من الخطايا ... بتوبة مخلص واجعل مدارك على طلب السلامة من جحيم ... فخير ذوي الجرائم من تدارك

стр. 131

المجلس الثاني في نصف شعبان . خرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى رمضان" وصححه الترمذي وغيره واختلف العلماء في صحة هذا الحديث ثم في العمل به: فأما تصحيحه فصححه غير واحد منهم الترمذي وابن حبان والحاكم والطحاوي وابن عبد البر وتكلم فيه من هو أكبر من هؤلاء وأعلم وقالوا: هو حديث منكر منهم الرحمن بن المهدي والإمام أحمد وأبو زرعة الرازي والأثرم وقال الإمام أحمد: لم يرو العلاء حديثا أنكر منه ورده بحديث: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو

стр. 132

يومين" فإن مفهومه جواز التقدم بأكثر من يومين وقال الأثرم الأحاديث كلها تخالفه يشير كلها تخالفه يشير إلى أحاديث صيام النبي ﷺ شعبان كله ووصله برمضان ونهيه عن التقدم على رمضان بيومين فصار الحديث حينئذ شاذا مخالفا للأحاديث الصحيحة وقال الطحاوي هو منسوخ وحكى الإجماع على ترك العمل به وأكثر العلماء على أنه لا يعمل به وقد أخذ آخرون منهم الشافعي وأصحابه ونهو عن ابتداء التطوع بالصيام بعد نصف شعبان لمن ليس له عادة ووافقهم بعض المتأخرين من أصحابنا ثم اختلفوا في علة النهي فمنهم من قال: خشية أن يزاد في شهر رمضان ما ليس منه وهذا بعيد جدا فيما بعد النصف وإنما يحتمل هذا في التقديم بيوم أو يومين ومنهم من قال: النهي للتقوى على صيام رمضان شفقة أن يضعفه ذلك عن صيام رمضان وروي ذلك عن وكيع ويرد هذا صيام النبي ﷺ شعبان كله أو أكثره ووصله برمضان هذا كله بالصيام بعد نصف شعبان. وأما صيام يوم النصف منه فغير منهي عنه فإنه من جملة أيام البيض الغر المندوب إلى صيامها من كل شهر وقد ورد الأمر بصيامه من شعبان بخصوصه ففي سنن ابن ماجه بإسناد ضعيف عن علي عن النبي ﷺ : "إذا كان ليلة نصف شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى السماء الدنيا فيقول: ألا مستغفر فأغفر له ألا مسترزق فأرزقه ألا مبتلي فأعافيه ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر" وفي فضل ليلة نصف شعبان أحاديث أخر متعددة وقد اختلف فيها فضعفها الأكثرون وصحح ابن حبان بعضها وخرجه في صحيحه ومن أمثلها حديث عائشة قال: فقدت النبي ﷺ فخرجت فإذا هو بالبقيع رافعا رأسه إلى السماء فقال: "أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله" فقلت يا رسول الله ظننت أنك أتيت بعض نسائك فقال: " إن الله ﵎ ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب" خرجه الإمام أحمد والترمذي الإمام أحمد ابن ماجه وذكر الترمذي عن البخاري أنه ضعفه. وخرج ابن ماجه من حديث أبي موسى عن النبي ﷺ قال: "إن الله ليطلع ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن" وخرج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "إن الله ليطلع إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لعباده إلا اثنين مشاحن أو قاتل نفس" وخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث معاذ مرفوعا ويروى من حديث عثمان بن أبي العاص مرفوعا: "إذا كان ليلة النصف من شعبان نادى مناد: هل من مستغفر فأغفر له هل

стр. 133

من سائل فأعطيه فلا يسأل أحد شيئا إلا أعطيه إلا زانية بفرجها أو مشركا" وفي الباب أحاديث أخر فيها ضعف ويروى عن نوف البكالي أن عليا خرج ليلة النصف من شعبان فأكثر الخروج فيها ينظر إلى السماء فقال: إن داود ﵇ خرج ذات ليلة في مثل هذه الساعة فنظر إلى السماء فقال إن هذه الساعة ما دعى الله أحد إلا أجابه ولا استغفره أحد من هذه الليلة إلا غفر له ما لم يكن عشارا أو ساحرا أو شاعرا أو كاهنا أو عريفا أو شرطيا أو جابيا أو صاحب كوبة أو غرطبة قال نوف: الكوبة الطبل والغرطبة: الطنبور اللهم رب داود اغفر لمن دعاك في هذه الليلة ولمن استغفرك فيها. وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام كخالد بن معدان ومكحول ولقمان بن عامر وغيرهم يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادة وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها وقد قيل أنه بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان اختلف الناس في ذلك فمنهم من قبله منهم وافقهم على تعظيمها منهم طائفة من عباد أهل البصرة وغيرهم وأنكر ذلك أكثر علماء الحجاز منهم عطاء وابن أبي مليكة ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة وهو قول أصحاب مالك وغيرهم وقالوا: ذلك كله بدعة. واختلف علماء أهل الشام في صفة إحيائها على قولين: أحدهما: أنه يستحب إحياؤها جماعة في المساجد كان خالد بن معدان ولقمان بن عامر وغيرهما يلبسون فيها أحسن ثيابهم ويتبخرون ويكتحلون ويقومون في المسجد ليلتهم تلك ووافقهم إسحاق بن راهوية على ذلك وقال في قيامها في المساجد جماعة: ليس ببدعة نقله عنه حرب الكرماني في مسائله. والثاني: أنه يكره الإجتماع فيها في المساجد للصلاة والقصص والدعاء ولا يكره أن يصلي الرجل فيها لخاصة نفسه وهذا قول الأوزاعي إمام أهل الشام وفقيههم وعالمهم وهذا هو الأقرب إن شاء الله تعالى. وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عامله إلى البصرة عليك بأربع ليال من السنة فإن الله يفرغ فيهن الرحمة إفراغا أول ليلة من رجب وليلة النصف من شعبان وليلة الفطر وليلة الأضحى وفي صحته عنه نظر. وقال الشافعي ﵁: بلغنا أن الدعاء يستجاب في خمس ليال: ليلة الجمعة والعيدين وأول رجب ونصف شعبان قال: وأستحب كل ما حكيت في هذه الليالي ولا يعرف للإمام أحمد كلام في ليلة نصف شعبان ويتخرج في استحباب.

стр. 134

قيامها عنه روايتان من الروايتين عنه في قيام ليلتي العيد فإنه في رواية لم يستحب قيامها جماعة لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ وأصحابه واستحبها في رواية لفعل عبد الرحمن بن يزيد بن الأسود وهو من التابعين فكذلك قيام ليلة النصف لم يثبت فيها شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه وثبت فيها عن طائفة من التابعين من أعيان فقهاء أهل الشام. وروي عن كعب قال: إن الله تعالى يبعث ليلة النصف من شعبان جبريل ﵇ إلى الجنة فيأمرها أن تتزين ويقول: إن الله تعالى قد اعتق في ليلتك هذه عدد نجوم السماء وعدد أيام الدنيا ولياليها وعدد ورق الشجر وزنة الجبال وعدد الرمال وروى سعيد بن منصور حدثنا أبو معشر عن أبي حازم ومحمد بن قيس عن عطاء بن يسار قال: ما من ليلة بعد ليلة القدر أفضل من ليلة النصف من ليلة النصف من شعبان ينزل الله ﵎ إلى السماء الدنيا فيغفر لعباده كلهم إلا لمشرك أو مشاحن او قاطع رحم فيا من أعتق فيها من النار هنيئا لك المنحة الجسيمة ويا أيها المردود فيها جبر الله مصيبتك هذه فإنها مصيبة عظيمة. بكيت على نفسي وحق لي البكا ... وما انا من تضييع في شك لئن قلت أني في صنيعي محسن ... فإني في قولي لذلك ذو إفك ليالي شعبان وليلة نصفه ... بأية حال قد تنزل لي صكي وحق لعمري أن أديم تضرعي ... لعل إله الخلق يسمح بالفك فينبغي للمؤمن أن يتفرغ في تلك الليلة لذكر الله تعالى ودعائه بغفران الذنوب وستر العيوب وتفريج الكروب وأن يقدم على ذلك التوبة فإن الله تعالى يتوب فيها على من يتوب. فقم ليلة النصف الشريف مصليا ... فأشرف هذا الشهر ليلة نصفه "فكم من فتى قد بات في النصف آمنا ... وقد نسخت فيه صحيفة حتفه فبادر بفعل الخير قبل انقضائه ... وحاذر هجوم الموت فيه بصرفه وصم يومها لله وأحسن رجاءه ... لتظفر عند الكرب منه بلطفه ويتعين على المسلم أن يجتنب الذنوب التي تمنع من المغفرة وقبول الدعاء في تلك الليلة وقد روي: أنها: الشرك وقتل النفس والزنا وهذه الثلاثة أعظم الذنوب عند الله كما في حديث ابن مسعود المتفق على صحته أنه سأل النبي ﷺ :

стр. 135

أي الذنب أعظم؟ قال "أن تجعل لله ندا وهو خلقك" قال: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خسية أن يطعم معك" قال: ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك" فأنزل الله تعالى ذلك: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الآية ومن الذنوب المانعة من المغفرة أيضا الشحناء وهي حقد المسلم على أخيه بغضا له لهوى نفسه وذلك يمنع أيضا من المغفرة في أكثر أوقات المغفرة والرحمة كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين والخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا" وقد فسر الأوزاعي هذه الشحناء المانعة بالذي في قلبه شحناء لأصحاب النبي ﷺ ولا ريب أن هذه الشحناء أعظم جرما من مشاحنة الأقران بعضهم بعضا وعن الأوزاعي أنه قال المشاحن كل صاحب بدعة فارق عليها الأمة وكذا قال ابن ثوبان: المشاحن هو التارك لسنة النبي ﷺ الطاعن على أمته السافك دماءهم وهذا الشحناء أعني شحناء البدعة توجب الطعن على جماعة المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم وأعراضهم كبدع الخوارج والروافض ونحوهم. فأفضل الأعمال سلامة الصدر من أنواع الشحناء كلها وأفضلها السلامة من شحناء أهل الأهواء والبدع التي تقتضي الطعن على سلف الأمة وبغضهم والحقد عليهم واعتقاد تكفيرهم أو تبديعهم وتضليلهم ثم يلي ذلك سلامة القلب من الشحناء لعموم المسلمين وإرادة الخير لهم ونصيحتهم وأن يحب لهم ما يحب لنفسه وقد وصف الله تعالى المؤمنين عموما بأنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] . وفي المسند عن أنس أن النبي ﷺ قال لأصحابه: "ثلاثة أيام يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة" فيطلع رجل واحد فاستضافه عبد الله بن عمرو فنام عنده ثلاثا لينظر عمله فلم ير له في بيته كبير عمل فأخبره بالحال فقال له هو ما ترى إلا أني أبيت وليس في قلبي شيء على أحد من المسلمين فقال عبد الله: "بهذا بلغ ما بلغ" وفي سنن ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو قال: قيل: يا رسول الله أي الناس أفضل؟ قال: "كل مخموم القلب صدوق اللسان" قالوا: صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال: "هو التقي النقي الذي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد" قال بعض السلف: أفضل الأعمال سلامة الصدور وسخاوة النفوس.

стр. 136

والنصحة للأمة وبهذه الخصال بلغ من بلغ لا بكثرة الإجتهاد في الصوم والصلاة. إخواني اجتنبوا الذنوب التي تحرم العبد مغفرة مولاه الغفار في مواسم الرحمة والتوبة والإستغفار. أما الشرك: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] وأما القتل فلو اجتمع أهل السموات وأهل الأرض على قتل رجل مسلم بغير حق لأكبهم الله جميعا في النار وأما الزنا فحذار حذار من التعرض لسخط الجبار الخلق كلهم عبيد الله وإماؤه والله يغار لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته فمن أجل ذلك حرم الفواحش وأمر بغض الأبصار وأما الشحناء فيا من أضمر لأخيه السوء وقصد له الإضرار: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [٤٢] . يكفيك حرمان المغفرة في أوقات مغفرة الأوزار. خاب عبد بارز المو ... لى بأسباب المعاصي ويحه مما جناه ... لم يخف يوم القصاص يوم فيه ترعد الأقـ ... دام من شيب النواصي لي ذنوب في ازدياد ... وحياة في انتقاص فمتى أعمل ما أعـ ... ـلم لي فيه خلاصي وقد روي عن عكرمة وغيره من المفسرين في قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤] أنها ليلة النصف من شعبان والجمهور على أنها ليلة القدر وهو الصحيح وقال عطاء بن يسار: إذا كان ليلة النصف من شعبان دفع إلى ملك الموت صحيفة فيقال: اقبض من في هذه الصحيفة فإن العبد ليغرس الغراس وينكح الأزواج ويبني البنيان وأن اسمه قد نسخ في الموتى ما ينتظر به ملك الموت إلا أن يؤمر به فيقبضه يا مغرورا بطول الأمل يا مسرورا بسوء العمل كن من الموت على وجل فما تدري متى يهجم الأجل. كل امرىء مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله قال بعض السلف: كم من مستقبل يوما لا يستكمله ومن مؤمل غدا لا يدركه إنكم لو رأيتم الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره.

стр. 137

أؤمل أن أخلد والمنايا ... تدور علي من كل النواحي وما أدري وإن أمسيت يوما ... لعلي لا أعيش إلى الصباح "كم ممن راح في طلب الدنيا أو غدا أصبح من سكان القبور غدا". كأنك بالمضي إلى سبيلك ... وقد جد المجهز في رحيلك وجيء بغاسل فاستعجلوه ... بقولهم له أفرغ من غسيلك ولم تحمل سوى كفن وقطن ... إليهم من كثيرك أو قليلك وقد مد الرجال إليك نعشا ... فأنت عليه ممدود بطولك "وصلوا ثم إنهم تداعوا ... لحملك من بكورك أو أصيلك فلما أسلموك نزلت قبرا ... ومن لك بالسلامة في نزولك أعانك يوم تدخله رحيم ... رؤوف بالعباد على دخولك فسوف تجاور الموتى طويلا ... فذرني من قصيرك أو طويلك أخي لقد نصحتك فاسمع لي ... وبالله استعنت على قبولك ألست ترى المنايا كل حين ... تصيبك في أخيك وفي خليلك

стр. 138

المجلس الثالث في صيام آخر شعبان . ثبت في الصحيحين عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال لرجل: "هل صمت من سرر هذا الشهر شيئا؟ قال: لا قال: فإذا أفطرت فصم يومين" وفي رواية للبخاري أظنه يعني رمضان وفي رواية لمسلم وعلقها البخاري: "هل صمت من سرر شعبان شيئا" وفي رواية: "فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين مكانه" وفي رواية: "يوما أو يومين" شك شعبة وروي: "من سرار الشهر". وقد اختلف في تفسير السرار والمشهور إنه آخر الشهر يقال: سرار الشهر وسراره بكسر السين وفتحها ذكره ابن السكيت وغيره وقيل: إن الفتح أفصح قاله الفراء وسمي آخر الشهر سرارا: لاسترار القمر فيه وممن فسر السرار بآخر الشهر أبو عبيد وغيره من الأئمة وكذلك بوب عليه البخاري صيام آخر الشهر.

стр. 139

وأشكل هذا على كثير من العلماء في الصحيحين أيضا عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تقدموا رمضان بيوم أو يومين إلا من كان يصوم صوما فليصمه" فقال كثير من العلماء كأبي عبيد ومن تابعه كالخطابي وأكثر شراح الحديث: أن هذا الرجل الذي سأله النبي ﷺ كان يعلم أن له عادة بصيامه أو كان قد نذره فلذلك أمره بقضائه وقالت طائفة: حديث عمران يدل على أنه يجوز صيام يوم الشك وآخر شعبان مطلقا سواء وافق عادة أو لم يوافق وإنما ينهى عنه إذا صامه بنية الرمضانية احتياطا وهذا مذهب مالك وذكر أنه القول الذي أدرك عليه أهل العلم حتى قال محمد بن مسلمة من أصحابه: يكره الأمر بفطره لئلا يعتقد وجوب الفطر قبل الشهر كما وجب بعده. وحكى ابن عبد البر هذا القول عن أكثر علماء الأمصار وذكر محمد بن ناصر الحافظ: إن هذا هو مذهب أحمد أيضا وغلط في نقله هذا عن أحمد ولكن يشكل على هذا الحديث أبي هريرة ﵁ وقوله: "إلا من كان يصوم صوما فليصمه" وقد ذكر الشافعي في كتاب مختلف الحديث احتمالا في معنى قوله: "إلا من كان يصوم صوما فليصمه" وفي رواية: "إلا أن يوافق ذلك صوما كان يصومه أحدكم" أن المراد بموافقة العادة صيامه على عادة الناس في التطوع بالصيام دون صيامه بنية الرمضانية للاحتياط. وقالت طائفة: سر الشهر: أوله. وخرج أبو داود في باب تقدم رمضان من حديث معاوية أنه قال: إني متقدم الشهر فمن شاء فليتقدم فسئل عن ذلك فقال سمعت النبي ﷺ يقول: "صوموا الشهر وسره" ثم حكى أبو داود عن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز: أن سر الشهر: أوله قال أبو داود: وقال بعضهم: سره وسطه وفرق الأزهري بين سرار الشهر وسره فقال: سراره وسرره آخره وسره وسطه وهي أيام البيض وسر كل شيء جوفه. وفي رواية لمسلم في حديث عمران بن حصين المذكور: "هل صمت من سرة هذا الشهر" وفسر ذلك: بأيام البيض قلت: لا يصح أن يفسر سرر الشهر وسراره بأوله لأن أول الشهر يشتهر فيه الهلال ويرى من أول الليل ولذلك سمى الشهر شهرا لاشتهاره وظهوره فتسمية ليالي الإشتهار ليالي السرار قلب للغة والعرف وقد أنكر العلماء ما حكاه أبو داود عن الأوزاعي منهم الخطابي وروى بإسناده عن الوليد عن الأوزاعي قال: سر الشهر: آخره وقال الهروي: المعروف

стр. 140

أن سر الشهر آخره وفسر الخطابي حديث معاوية: "صوموا الشهر وسره" بأن المراد بالشهر الهلال فيكون المنى صوموا أول الشهر وآخره فلذلك أمر معاوية بصيام آخر الشهر. قلت: لما روى معاوية: "صوموا الشهر وسره" وصام آخر الشهر علم أنه فسر السر بالآخر والأظهر أن المراد بالشهر شهر رمضان كله والمراد بسره آخر شعبان كما في رواية البخاري في حديث عمران أظنه يعني رمضان وأضاف السرر إلى رمضان وإن لم يكن منه كما سمى رمضان شهر عيد وإن كان العيد ليس منه لكنه يعقبه فدل حديث عمران وحديث معاوية على استحباب صيام آخر شعبان وإنما أمر بقضائه في أول شوال لأن كلا من الوقتين صيام يلي شهر رمضان فهو ملتحق برمضان في الفضل فمن فاته ما قبله صامه فيما بعده كما كان النبي ﷺ يصوم شعبان وندب إلى صيام شوال. وإنما يشكل على هذا حديث أبي هريرة ﵁ في نهي النبي ﷺ عن تقدم رمضان بيوم أو يومين إلا من له عادة أو من كان يصوم صوما وأكثر العلماء على أنه نهى عن التقدم إلا من كانت له عادة بالتطوع فيه وهو ظاهر الحديث ولم يذكر أكثر العلماء في تفسيره بذلك اختلافا وهو الذي اختاره الشافعي في تفسيره ولم يرجح ذلك الإحتمال المتقدم وعلى هذا فيرجح حديث أبي هريرة على حديث عمران فإن حديث أبي هريرة فيه نهي عام للأمة عموما فهو تشريع عام للأمة فيعمل به وأما حديث عمران فهي قضية عين في حق رجل معين فيتعين حمله على صورة صيام لا ينهى عن التقدم به جمعا بين الحدثين وأحسن ما حمل عليه: أن هذا الرجل الذي سأله النبي ﷺ كان قد علم منه ﷺ أنه كان يصوم شعبان أو أكثره موافقة لصيام النبي ﷺ وكان قد أفطر فيه بعضه فسأله عن صيام آخره فلما أخبره أنه لم يصم آخره أمره بأن يصوم بدله بعد يوم الفطر لأن صيام أول شوال كصيام آخر شعبان وكلاهما حريم لرمضان وفيه دليل على استحباب قضاء ما فات من التطوع بالصيام وأن يكون في أيام مشابهة للأيام التي فات فيها الصيام في الفضل وفيه دليل على أنه يجوز لمن صام شعبان أو أكثره أن يصله برمضان من غير فصل بينهما. فصيام آخر شعبان له ثلاثة أحوال: أحدها: أن يصوم بنية الرمضانية احتياطا لرمضان فهذا منهي عنه وقد فعله بعض الصحابة وكأنهم لم يبلغهم النهي عنه وفرق ابن عمر بين يوم الغيم والصحو في يوم الثلاثين من شعبان وتبعه الإمام أحمد.

стр. 141

والثاني: أن يصام بنية الندب أو قضاء عن رمضان أو عن كفارة ونحو ذلك فجوزه الجمهور ونهى عنه من أمر بالفصل بين شعبان ورمضان بفطر يوم مطلقا وهم طائفة من السلف وحكي كراهته أيضا عن أبي حنيفة والشافعي وفيه نظر. والثالث: أن يصام بنية التطوع المطلق فكرهه من أمر بالفصل بين شعبان ورمضان بالفطر منهم الحسن وإن وافق صوما كان يصومه ورخص فيه مالك ومن وافقه وفرق الشافعي والأوزاعى وأحمد وغيرهم بين أن يوافق عادة أو لا وكذلك يفرق بين صيامه بأكثر من يومين ووصله برمضان فلا يكره أيضا إلا عند من كره الإبتداء بالتطوع بالصيام بعد نصف شعبان فإنه ينهى عنه إلا أن يبتدىء الصيام قبل النصف ثم يصله برمضان. وفي الجملة فحديث أبي هريرة هو المعمول به في هذا الباب عند كثير من العلماء وانه يكره التقدم قبل رمضان بالتطوع بالصيام بيوم أو يومين لمن ليس له به عادة ولا سبق منه صيام قبل ذلك في شعبان متصلا بآخره. ولكراهة التقدم ثلاثة معان: أحدها: أنه على وجه الإحتياط لرمضان فينهى عن التقدم قبله لئلا يزاد في صيام رمضان ما ليس منه كما نهي عن صيام يوم العيد لهذا المعنى حذرا مما وقع فيه أهل الكتاب في صيامهم فزادوا فيه بآرائهم وأهوائهم وخرج الطبراني وغيره عن عائشة ﵁ قالت: إن ناسا كانوا يتقدمون الشهر فيصومون قبل النبي ﷺ فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] قالت عائشة: إنما الصوم صوم الناس والفطر فطر الناس ومع هذا فكان من السلف من يتقدم للإحتياط والحديث حجة عليه. ولهذا نهي عن صيام يوم الشك قال عمار: من صامه فقد عصى أبا القاسم ﷺ ويوم الشك هو اليوم الذي يشك فيه هل هو من رمضان أو غيره فكان من المتقدمين من يصومه احتياطا ورخص فيه بعض الحنفية للعلماء في أنفسهم خاصة دون العامة لئلا يعتقدوا وجوبه بناء على أصلهم في أن صوم رمضان يجزىء بنية الصيام المطلق والنفل ويوم الشك هو الذي تحدث فيه برؤيته من لم يقبل قوله فأما يوم الغيم فمن العلماء من جعله يوم شك ونهى عن صيامه وهو قول الأكثرين ومنهم من صامه احتياطا وهو قول ابن عمر وكان الإمام أحمد يتابعه على ذلك وعنه في صيامه ثلاث روايات مشهورات ثالثها لا يصام إلا مع الإمام وجماعة المسلمين لئلا يقع الإفتيات عليهم والإنفراد عنهم وقال اسحاق: لا

стр. 142

يصام يوم الغيم ولكم يتلوم بالأكل فيه إلى ضحوة النهار خشية أن يشهد برؤيته بخلاف حال الصحو فإنه يأكل فيه من غدوة. والمعنى الثاني: الفصل بين صيام الفرض والنفل فإن جنس الفصل بين الفرائض والنوافل مشروع ولهذا حرم صيام يوم العيد ونهى النبي ﷺ أن توصل صلاة مفروضة بصلاة حتى يفصل بينهما بسلام أو كلام وخصوصا سنة الفجر قبلها فإنه يشرع الفصل بينها وبين الفريضة ولهذا يشرع صلاتها في البيت والإضطجاع بعدها. ولما رأى النبي ﷺ رجلا يصلي وقد أقيمت صلاة الفجر: "الصبح أربعا" وفي المسند: أنه ﷺ قال: "افصلوا بينها وبين المكتوبة ولا تجعلوها كصلاة الظهر" وفي سنن أبي داود: إن رجلا صلى مع النبي ﷺ فلما سلم قام يشفع فوثب إليه عمر فأخذ بمنكبيه فهزه ثم قال: اجلس فإنه لم يهلك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن لصلاتهم فصل فرفع النبي ﷺ بصره فقال: "أصاب الله بك يا ابن الخطاب" ومن علل بهذا فمنهم من كره وصل صوم شعبان برمضان مطلقا وروي عن ابن عمر قال: لو صمت الدهر كله لأفطرت الذي بينهما وروي فيه حديث مرفوع لا يصح والجمهور على جواز صيام ما وافق عادة لأن الزيادة إنما تخشى إذا لم يعرف سبب الصيام. والمعنى الثالث: إنه أمر بذلك للتقوي على صيام رمضان فإن مواصلة الصيام قد تضعف عن صيام الفرض فإذا حصل الفطر قبله بيوم أو يومين كان أقرب إلى التقوي على صيام رمضان وفي هذا التعليل نظر فإنه لا يكره التقدم بأكثر من ذلك ولا لمن صام الشهر كله وهو أبلغ في معنى الضعف لكن الفطر بنية التقوي لصيام رمضان حسن لمن أضعفه مواصلة الصيام كما كان عبد الله بن عمرو بن العاص يسرد الفطر أحيانا ثم يسرد الصوم ليتقوى بفطره على صومه ومنه قول بعض الصحابة إني أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي وفي الحديث المرفوع: "الطاعم الشاكر كالصائم الصابر" خرجه الترمذي وغيره ولربما ظن بعض الجهال أن الفطر قبل رمضان يراد به اغتنام الأكل لتأخذ النفوس حظها من الشهوات قبل أن تمنع من ذلك بالصيام ولهذا يقولون هي أيام توديع للأكل وتسمى تنحيسا واشتقاقه من الأيام النحسات ومن قال: هو تنهيس بالهاء فهو خطأ منه ذكره ابن درستويه النحوي وذكر أن أصل ذلك متلقى من النصارى فإنهم يفعلونه عند قرب صيامهم وهذا كله خطأ وجهل ممن ظنه وربما لم يقتصر كثير منهم على.

стр. 143

اغتنام الشهوات المباحة بل يتعدى إلى المحرمات وهذا هو الخسران المبين وأنشد لبعضهم: إذا العشرون من شعبان ولت ... فواصل شرب ليلك بالنهار ولا تشرب بأقداح صغار ... فإن الوقت ضاق على الصغار وقال آخر. جاء شعبان منذرا بالصيام ... فاسقياني راحا بماء الغمام ومن كانت هذه حاله فالبهائم أعقل منه وله نصيب من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [لأعراف: ١٧٩] الآية وربما كره كثير منهم صيام رمضان حتى إن بعض السفهاء من الشعراء كان يسبه وكان للرشيد ابن سفيه فقال مرة: دعاني شهر الصوم لا كان من شهر ... ولا صمت شهرا بعده آخر الدهر فلو كان يعديني الأنام بقدرة ... على الشهر لاستعديت جهدي على الشهر فأخذه داء الصرع فكان يصرع في كل يوم مرات متعددة ومات قبل أن يدركه رمضان آخر وهؤلاء السفهاء يستثقلون رمضان لاستثقالهم العبادات فيه من الصلاة والصيام فكثير من هؤلاء الجهال لا يصلي إلا في رمضان إذا صام وكثير منهم لا يجتنب كبائر الذنوب إلا في رمضان فيطول عليه ويشق على نفسه مفارقتها لمألوفها فهو يعد الأيام والليالي ليعودوا إلى المعصية وهؤلاء مصرون على ما فعلوا وهم يعلمون فهم هلكى ومنهم من لا يصبر على المعاصي فهو يواقعها في رمضان. وحكاية محمد بن هارون البلخي مشهورة وقد رويت من وجوه وهو أنه كان مصرا على شرب الخمر فجاء في آخر يوم من شعبان وهو سكران فعاتبته أمه وهي تسجر تنورا فحملها فألقاها في التنور فاحترقت وكان بعد ذلك قد تاب وتعبد فرؤي له في النوم أن الله قد غفر للحاج كلهم سواه فمن أراد الله به خيرا حبب إليه الإيمان وزينه في قلبه وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان فصار من الراشدين ومن أراد به شر خلى بينه وبين نفسه فاتبعه الشيطان فحبب إليه الكفر والفسوق والعصيان فكان من الغاوين. الحذر الحذر من المعاصي فكم سلبت من نعم وكم جلبت من نقم وكم.

стр. 144

خربت من ديار وكم أخلت ديارا من أهلها فما بقي منهم ديار كم أخذت من العصاة بالثار كم محت لهم من آثار. يا صاحب الذنب لا تأمن عواقبه ... عواقب الذنب تخشى وهي تنتظر فكل نفس ستجزى بالذي كسبت ... وليس للخلق من ديانهم وزر أين حال هؤلاء الحمقى من قوم كان دهرهم كله رمضان ليلهم قيام ونهارهم صيام. باع قوم من السلف جارية فلما قرب شهر رمضان رأتهم يتأهبون له ويستعدون بالأطعمة وغيرها فسألتهم فقالوا نتهيأ لصيام رمضان فقالت: وأنتم لا تصومون إلا رمضان لقد كنت عند قوم كل زمانهم رمضان ردوني عليهم. باع الحسن بن صالح جارية له فلما انتصف الليل قامت فنادتهم: يا أهل الدار الصلاة الصلاة قالوا: طلع الفجر؟ قالت: أنتم لا تصلون إلا المكتوبة ثم جاءت الحسن فقالت: بعتني على قوم سوء لا يصلون إلا المكتوبة ردني ردني قال بعض السلف: صم الدنيا واجعل فطرك الموت الدنيا كلها شهر صيام المتقين يصومون فيه عن الشهوات المحرمات فإذا جاءهم الموت فقد انقضى شهر صيامهم واستهلوا عيد فطرهم. وقد صمت عن لذات دهري كلها ... ويوم لقاكم ذاك فطر صيامي من صام اليوم عن شهواته أفطر عليها بعد مماته ومن تعجل ما حرم عليه قبل وفاته عوقب بحرمانه في الآخرة وفواته وشاهد ذلك قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الاحقاف: ٢٠] الآية وقول النبي ﷺ : "من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة ومن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة". أنت في دار شتات ... فتأهب لشتاتك واجعل الدنيا كيوم ... صمته عن شهواتك وليكن فطرك عند الله ... في يوم وفاتك في حديث مرفوع خرجه ابن أبي الدنيا: "لو يعلم العباد ما في رمضان لتمنت أمتي أن يكون رمضان السنة كلها" وكان النبي ﷺ يبشر أصحابه بقدوم رمضان كما خرجه الإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ يبشر أصحابه يقول: "قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك كتب الله عليكم صيامه فيه تفتح

стр. 145

أبواب الجنان وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه الشياطين فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم" قال بعض العلماء: هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضا بشهر رمضان كيف لا يبشر المؤمن بفتح أبواب الجنان كيف لا يبشر المذنب بغلق أبواب النيران كيف لا يبشر العاقل بوقت يغل فيه الشياطين من أين يشبه هذا الزمان زمان. وفي حديث آخر: "أتاكم رمضان سيد الشهور فمرحبا به وأهلا". جاء شهر الصيام بالبركات ... فأكرم به من زائر هو آت وروي: أن النبي ﷺ كان يدعو ببلوغ رمضان فكان إذا دخل رجب يقول: "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان" خرجه الطبراني وغيره من حديث أنس قال معلى بن الفضل: كانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم رمضان يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم وقال يحيى بن أبي كثير كان من دعائهم: اللهم سلمني إلى رمضان وسلم لي رمضان وتسلمه مني متقبلا. بلوغ شهر رمضان وصيامه نعمة عظيمة على من أقدره الله عليه ويدل عليه حديث الثلاثة الذين استشهد اثنان منهم ثم مات الثالث على فراشه بعدهما فرؤي في المنام سابقا لهما فقال النبي ﷺ : "أليس صلى بعدهما كذا وكذا صلاة وأدرك رمضان فصامه؟! فوالذي نفسي بيده إن بينهما لأبعد مما بين السماء والأرض" خرجه الإمام أحمد وغيره من رحم في رمضان فهو المرحوم ومن حرم خيره فهو المحروم ومن لم يتزود لمعاده فيه فهو ملوم. أتى رمضان مزرعة العباد ... لتطهير القلوب من الفساد فأد حقوقه قولا وفعلا ... وزادك فاتخذه للمعاد فمن زرع الحبوب وما سقاها ... تأوه نادما يوم الحصاد يا من طالت غيبته عنا قد قربت أيام المصالحة يا من دامت خسارته قد أقبلت أيام التجارة الرابحة من لم يربح في هذا الشهر ففي أي وقت يربح من لم يقرب فيه من مولاه فهو على بعده لا يربح. أناس أعرضوا عنا ... بلا جرم ولا معنى أساؤا ظنهم فينا ... فهلا أحسنوا الظنا فإن عادوا لنا عدنا ... وإن خانوا فما خنا فإن كانوا قد استغنوا ... فإنا عنهم أغنا
следующие страницы →