مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الهدى محمد وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، وسلك سبيله، واتبع سنته، وجاهد في الله حق جهاده ...
وبعد:
فهذه "لمحات في الثقافة الإسلامية" ترمي إلى تزويدنا بثقافة نافعة عن إسلامنا، تؤدي إلى ترسيخ مبادئه، والإيمان بمثله وفهم نظمه، ورد الشبهات عنه، وإحباط المكائد التي تحاك ضده من أعدائه -وبخاصة في المضمار الفكري والثقافي- ومؤامرات أعداء الإسلام ودسائسهم في الماضي والحاضر، تعمل بدأب وإصرار لتحقيق هدف خطير وهو: فك ارتباط المسلمين بإسلامهم، وإعاقة الدعوة إلى استئناف حياة إسلامية، في مجتمع متماسك متين تحكمه عقيدة الإسلام وشريعته ونظامه الفريد..؛ فإذا انتهت جهود هؤلاء الأعداء
стр. 2
الماكرين -التي ما زالت منذ قرون- إلى النجاح، أصبح الطريق أمامهم مفتوحًا لافتراس المسلمين بالمبادئ المنحرفة، والنظم الضالة، والروابط الزائفة، ثم القضاء نهائيًّا على الوجود الإسلامي الحق، الذي يخشون إقامته، وترهبهم يقظته، ويجدون فيه الخطر الكبير على حضارتهم المادية الفاسدة، ومحاولتهم السيطرة على مقدارت البشر ومستقبلهم..
والحديث في الثقافة الإسلامية أثير لنفس المسلم حبيب إليها؛ فهو وثيق الصلة بالعقل والقلب والفكر والشعور، مرتبط أتم ارتباط بالماضي الزاهر، والحاضر القلق، والمستقبل المنشود.. إنه -في أقرب أهدافه الكثيرة- يزود العقول بالحقائق الناصعة عن هذا الدين وسط ضباب كثيف من أباطيل الخصوم، ويربي فيها ملكة النقد الصحيح التي تقوم المبادئ والنظم والمذاهب التقويم السليم، وتميز -في نزعات الفكر والسلوك- بين الغث والسمين؛ فتأخذ النافع الخير، وتطرح الضار الفاسد، ملتزمة في ذلك التوجيه النبوي الكريم:
"الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها" ١
وليست جولة هذه الثقافة في آفاق المعرفة العقلية لونًا من رياضة الذهن، أو ضربًا من الاستزادة من المعارف، أو فنًا من القول المنمق والأسلوب الممتع الجميل؛ فتلك كلها غايات تأتي تبعًا لا قصدًا، وهي متوافرة في طائفة كثيرة من العلوم والفنون، أما الحديث في الثقافة الإسلامية فإنه يتجازو حدود المعرفة العقلية البحتة، لينفذ إلى القلب فيحرك المشاعر، ويفجر في روح المؤمن تلك الطاقة الحية العالية، التي تشده شدًّا محكم الأواصر إلى عقيدته الحقة النيرة، وشريعته الكاملة القويمة، تتعمق فيه روح الولاء لأمته الرائدة القائدة التي أكرمها الله بهذه الرسالة الهادية..
وحين يتلاقى العقل والقلب، والفكر والشعور، على فهم الإسلام،
стр. 3
ووعي قضيته، والولاء لأمته، والتفاعل مع مبادئه ونظمه.. وحين يكون ذلك الفهم والوعي والولاء والتفاعل عميقًا قويًّا شاملًا؛ فلا بد أن تنبثق من ذلك روح جديدة تتسم بالإيمان الصادق، والعمل المنتج، والعزيمة القوية، وبذلك تتجدد ثقة المسلمين بمهمتهم القيادية الكبرى، وتتلاشى عوامل الانهزام الفكري والنفسي، وتزول أعراض ذلك المرض العضال من الشعور بالنقص، وشيوع الضعف والخور، والإخلاد إلى الراحة، والاستكانة إلى المتاع العاجل، والتعلق بالأهواء والشهوات، والخضوع لسلطة الأقوياء، والانبهار بحضارة الأعداء.. وتتقد -من جديد- جذوة الكفاح الصامد لنشر الدعوة، ومواجهة التحدي، وقيادة الركب الحضاري النير الذي فتح العقول والقلوب، ورفع لواء الكرامة والعدالة والحرية، وبسط راية العلم والمعرفة والسلام في أرجاء المعمورة..
ذلك هو الأمل الذي نرجو أن يحققه الحديث في الثقافة الإسلامية في كل جوانبها المشرقة الوضيئة، ومع مصادرها الحية الوفيرة، ومنهجها المتكامل القويم، وتوجيهها السوي السليم، وبنائها شخصية الفرد والمجتمع، وتحريرها الإنسان من ركام الجهل والتخلف والضياع، وتطهيرها لروحه ونفسه وضميره من دنس الشر والانحراف والفساد..
وهو أمل حمل القائمين على "الكليات والمعاهد العلمية" بالمملكة العربية السعودية وغيرها من الجامعات والكليات على تقرير تدريس مادة "الثقافة الإسلامية" فلقيت هذه الخطوة الطيبة المشكورة ما كان منتظرًا من تجاوب الطلاب معها تجاوبًا كبيرًا؛ ذلك أن شبابنا هم -في الحقيقة- موضع هذا الأمل الكبير، والغرس الطيب لذلك المستقبل المنشود.. وقد تجلى هذا التجاوب في الإقبال على البحث في الثقافة الإسلامية؛ جمعًا لمصادرها وقراءة لمراجعها، ودرسًا لموضوعاتها، وحماسةً طيبةً مبرورةً في ذلك كله..
أعدت هذه الفصول استجابة لمطلب ملح، وتلبيةً لرغبة صادقة.. وهي لا تعدو أن تكون -بحق- صُوىً تدل على الطريق وترشد إليه.. ولا غنى
стр. 4
للباحث في الثقافة الإسلامية عن الجوع إلى مصادرها الأصلية في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وتتبع موضوعاتها -بصبر وأناة- في أمهات الكتب التي ألفها سلفنا الصالح -أجزل الله ثوابهم-، كما لا بد من دراسة ما كتبه أعلام الفكر الإسلامي في هذا العصر من كتب ورسائل، في أمور العقيدة والعبادة والأخلاق والتشريع والنظم، وما عقدوه من موازنات وافية بين الإسلام والمذاهب الفكرية والاجتماعية الأخرى.. ولدى الباحث -بحمد الله- رصيد طيب من هذه الكتب القيمة الغنية بالفكر الرصين، والبحث العميق، والتوجيه الطيب، وهي عامرة كذلك بحرارة الدعوى وروح الإخلاص، تشهد لمؤلفيها بجهادهم الصادق المبرور في هذا الميدان العظيم..
والله ﵎ نسأل أن يجعل عملنا خالصًا لوجهه فهو حسبنا ونعم الوكيل..
عمر عودة الخطيب
الرياض
١٥ صفر ١٣٩٢هـ
стр. 5
الفصل الأول: في المدلول العام للثقافة
الثقافة في حياة الأمم
المفاهيم الأساسية
...
الثقافة في حياة الأمم المفاهيم الأساسية:
١- في حياة كل أمة مفاهيم أساسية تحرص عليها، وتعمل على ترسيخها، وتعميق إدراكها في شئونها الفكرية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها ذلك من أمور الحياة. وتسعى كل أمة سعيًا حقيقيًّا دائبًا على أن تكون مفاهيمها واضحة الدلالة في ذاتها، مراعية الجانب لدى أبنائها، واسعة الانتشار والتداول لدى غيرها، وتتخذ لتحقيق ذلك وسائل شتى: فتؤلف الكتب، وتعقد المؤتمرات، وتقوم بالدراسات، وتصدر النشرات، وتضع مناهج التربية والتعليم، وتستخدم -بوجه عام- كل وسائل الإعلام والتوجيه لتوضيح هذه المفاهيم وشرحها، وبيان أسسها وخصائصها، وتفصيل وجوه النفع فيها.
إن هذه المفاهيم الأساسية، وما ينبثق عنها ويتعلق بها، هي في حقيقتها: ما يمكن أن يطلق عليه -بشكل عام- ثقافة الأمة أو حضارتها، مع الأخذ بعين الاعتبار ما بين الثقافة والحضارة من فروق يدل عليها تطور الكلمتين في اللغة العربية واللغات الأخرى. كما سنفصل ذلك فيما بعد.
٢- وأكثر ما يتهم به قادة الفكر والثقافة المؤمنون بمفاهيم أمتهم، الدائبون
стр. 6
لنشرها، هو نقلها من حيز النظر المجرد إلى الواقع البشري الحي، ووصل حياة الناس بها، بحيث تكون مصدر فكرهم وشعورهم، وطابع سلوكهم، وسمة حياتهم العملية. ومن هنا يخرج مدلول الثقافة عن قصد المعرفة المجردة إلى المعرفة الهادفة. أو بتعبير آخر: عن المعرفة الساكنة التي لا تتجاوز حدود العمل الذهني، إلى المعرفة المحركة التي تحدث تفاعلًا موجهًا واضح التأثير مع تطلعات الفرد والجماعة.
ولعل خير ما يجلي هذه الفكرة؛ ما ذكره "أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي" في وصف العلم والأدب فقال: "فإنهما القطبان اللذان عليهما مدار الدين والدنيا، وفرق ما بين الإنسان وسائر الحيوان، وما بين الطبيعة الملكية، والطبيعة البهيمية، وهما مادة العقل وسراج البدن، ونور القلب وعماد الروح، وقد جعل الله بلطيف قدرته، وعظيم سلطانه، بعض الأشياء عمدًا لبعض ومتولدًا من بعض؛ فإجالة الوهم فيما تدركه الحواس تبعث خواطر الذكر، وخواطر الذكر تنبه روية الفكر، وروية الفكر تثير مكامن الإرادة، والإرادة تحكم أسباب العمل؛ فكل شيء يقوم في العقل ويمثل في الوهم يكون ذكرًا، ثم فكرًا، ثم إرادة، ثم عملًا"١.
٣- وإذا كان لا بد لهذه المفاهيم الأساسية من مرتكزات منطقية وأصول علمية؛ فإن الأمم التي تعوزها هذه المرتكزات والأصول لمفاهيمها؛ تحاول أن تعوض هذا النقص الخطير باتخاذ أسلوب الافتراض والتخمين. وقد تلجأ أحيانًا إلى ضروب من المغالطات الخفية، والمرتكزات الوهمية حين تنعدم لديها الحقائق الأصلية، وتفقد قواعد اليقين العلمي الراسخ، وتحاول أن تحيط مفاهيمها الناقصة التي لا تستند إلى أدلة مقبولة بهالةٍ من التمجيد والتزيين تلفت إليها الأنظار؛ فترمقها مبهورة بظواهرها.
стр. 7
غافلة عن حقيقتها، ويحجبها الفريق اللامع المصنوع بكثير من المهارة عن النظرة النافذة العميقة التي تقومها التقويم الصحيح.
٤- وليس يعرف في تاريخ الأمم -ماضيها وحاضرها- أن واحدة منها أهملت في نشر ثقافتها، أو تركتها تذوب في ثقافة غيرها، أو تتلاشى في عقول أبنائها؛ لتحل محلها ثقافات أخرى طارئة غريبة..؛ ذلك أن الثقافة -في حقيقتها- هي الصورة الحية للأمة؛ فهي التي تحدد ملامح شخصيتها وقوام وجودها، وهي التي تضبط سيرها في الحياة، وتحدد اتجاهها فيها. إنها عقيدتها التي تؤمن بها، ومبادؤها التي تحرص عليها، ونظمها التي تعمل على التزامها، وتراثها الذي تخشى عليه الضياع والاندثار، وفكرها الذي تود له الذيوع والانتشار..؛ فإذا اهتزت هذه الصورة، أو اضطربت ملامحها، أو طمسها الركام المتكاثف فوقها؛ لم يكن للأمة -بسبب ذلك- شخصية تميزها، أو سمات تنفرد بها؛ بل تصبح تبعًا لغيرها، حتى تنتهي إلى الاضمحلال، وتؤول إلى الزوال، وتلك هي الكارثة التي تخشى كل أمة حية أن تحل بها، فتمحق وجودها، وتطمس حياتها.
стр. 8
الثقافة والتغيرات الطارئة:
١- إن هذا هو شأن الثقافة في حياة الأمة في أحوالها المعتادة المألوفة، وسيرها مع حركة الحياة في خطاها الرتيبة؛ شأنها في ذلك شأن الجو الطبيعي في صفاء سمائه، وإشراق شمسه، وحركة الرياح فيه، ومستوى درجة حرارته، وفق الفصل الذي يكون.. غير أن الأحوال المعتادة لا تبقى دائمًا في نطاق المألوف؛ بل تتعرض في مناسبات ملحوظة أو غير ملحوظة إلى التغير، وقد يبلغ هذا التغير درجة لا يبقى معها من المعتاد المألوف شيء؛ فتتبدل الأوضاع وتأتي على صورة جديدة غير متوقعة أو معروفة.
стр. 9
وهنا تصبح خطى الحياة الرتيبة خطى متسارعة منتظمة، أو قلقة مضطربة لا توازن فيها ولا انتظام.
وحتى تكون الصورة أكثر وضوحًا في الذهن لتجلية هذه الحقيقة عن أثر الثقافة وخطرها في حياة الأمة حين تكون في غير الجو المعتاد، والمناخ المألوف: أو في ما يمكن أن نطلق عليه حالة التغيرات العاصفة..؛ فإن علينا أن نتصور هبوب ريح عاتية، وانتشار سحب كثيفة، تتلبد معها السماء، وتحتجب الشمس، وتنهمر الأمطار قوية غزيرة؛ فتشكل سيلًا رابيًا قد يتحول إلى فيضان شديد في فصل ليس مألوفًا فيه أن يقع مثل هذا التغير الكلي الذي يحمل الإنسان على أن يسائل نفسه عن الفصل الذي يعيش فيه بسبب اختلاف ما يرى، وتنافيه تنافيًا تامًّا عن طبيعة المناخ المألوف لديه.
٢- في ضوء هذه الصورة يمكن أن نلحظ التشابه بين الثقافة والمناخ، وأثرهما على الأمة من حيث الجو الطبيعي والإلف المعتاد في سير الحياة وفق الخطى الرتيبة المعروفة، وما يعرض للثقافة والمناخ معًا من تغير وتبدل، وغيبة للمألوف، عندما تختفي رتابة الحركة وتفقد الاتزان والتناسق والانسجام.. ولا يكاد هذا التشابه بين الثقافة والمناخ يختلف إلا في الأمور التالية:
أ- عودة المناخ بعد التغير إلى حالته الطبيعية المألوفة؛ فيتلاشى الضباب، وتهدأ الريح وتشرق الشمس، ويغيض ماء الفيضان، وليس الأمر كذلك في الثقافة؛ فلا بد أن يترك التغيير آثاره العميقة التي يطول مكثها، وقد يعسر التغلب عليها. ولا شك أن ضباب الفكر لا يمكن أن يتلاشى سريعًا من سماء الثقافة، وكذلك الحال في عصف التيارات الغريبة الوافدة، وما يترافق معها من طوفان الانحراف، وما تخلفه من رواسب آسنة مؤذية في مفاهيم الأمة وأخلاقها وطابع حياتها.
ب- تستطيع الأمة أن تعالج على المدى القريب أو البعيد آثار الكوارث الطبيعية
стр. 10
مهما كانت شديدة ثقيلة..؛ فهي تعمل وتبذل وتبادر إلى بناء ما تهدم، وإصلاح ما فسد، وبث الحركة فيما أصابه العطب.. وتقوى إذا حدث وصبرت على إزالة جميع الآثار الضارة وطمس الرواسب المؤذية.
وليس الأمر في الثقافة على هذا النحو تمامًا، فإن بناء ما تصدع، وإصلاح ما فسد، وتحريك ما توقف، وبث روح الحركة السوية المتزنة في الحياة الفكرية والاجتماعية بعد التغير الناجم عن الحركة القلقة الملتوية المضطربة.. إن كل ذلك يحتاج إلى جهد كبير وبذل سخي وعمل متواصل.. ولا بد أن يفوق -أضعافًا مضاعفة- جهد الأمة وبذلها وعملها وكل ما تنفقه من أجل التغلب على نتائج أشد كوارث الطبيعة وأضخمها وأعنفها.
ج- وليس من شك في أن قدرة الأمة على ذلك محفوفة بكثير من الصعاب، بسبب عمق القضايا المعنوية وتعقدها، ووفرة ما تتصل به من شئون وأوضاع، وهي كلها شئون حيوية، وأوضاع أساسية، يعد إهمال أمرها كارثة كبيرة، كما يؤدي خطأ علاجها، في أي جانب أساسي من جوانبها مدعاةً إلى سلسة أطول من الأخطاء؛ ثم إن البون شاسع جدًّا بين علاج المشكلات المادية والمشكلات المعنوية من حيث كنهها الذاتي، وطبيعة كل منها وخصائصها المتمايزة، ومن حيث إمكان الإصلاح ويسره وطواعيته ثم مدى بلوغ نتائجه.
إزاء هذا لا بد من الإلحاح على بيان خطر الثقافة في حياة الأمم، وأثرها البالغ في وجودها، ولا مناص لأي باحث يتصدى لعلاج هذه القضايا من أن يحاول -أقصى ما وسعه الجهد وبكل وسيلة ميسورة لديه- إثارة الإحساس بهذه القضية، ودفعها إلى بؤرة التوتر الذهني والطاقة العملية؛ حتى لا يكون وعي القضية الثقافية، والتصدي لعلاج مشكلاتها دون مستوى ما ينبغي لها -على مختلف فئات الأمة- من تعمق في الفهم، واستيعاب للقضية، وإحاطة بمشكلاتها، وجدٍّ في علاجها، وبحث عن الخطة المثلى في حلها.
стр. 11
٣- وإذا حاولنا أن نتجاوز الإطار العام الذي يصدق على أمم شتى، وأن نضع قضية ثقافتنا في ميزان التحليل، وفق ما سلف لنخرج بتقويم دقيق صحيح..؛ فإنه لا غنى لنا عن الإشارة إلى ملاحظة مهمة ينبغي أن توضع في موضعها الصحيح وهي: أن الهروب من المشكلات لا ينفي وقوعها، ثم إن محاولة العزلة لا يقضي أبدًا تسرب هذه التيارات إلينا..؛ بَلْهَ إن العزلة نفسها ليست ممكنة في هذا العصر، والذي تلاقت الأمم فيه بوسائل كثيرة من الاتصال، والذي أصحبت التيارات الثقافية فيه كالتيارات الهوائية على حد سواء؛ أضف إلى ذلك أن هذا العصر قد فرض علينا أن نتلاقى مع غيرنا من الأمم والشعوب في عدد من ساحات العمل المشترك بتأثير مقتضيات دولية وإنسانية وشئون حيوية كبرى تخص وجودنا وقضيانا نفسها. ثم إن فترة الانطواء التي جرت في العالم الإسلامي حقبة قصيرة من الزمن لم تكن فترة خصب وازدهار، وإن كانت فترة تماسك وصمود؛ لا يوصف بالقوة والحركة إن لم يوسم بالضعف والجمود؛ ولكن لم يكن ينتظر لها أن تستمر وتطول، إزاء حدة ما يحيط بها من عواصف عاتية وتيارات شديدة..
"لقد كانت الفترة التي عاشت فيها بعض الأقطار الإسلامية بعيدة عن الحضارة الحديثة بخيرها وشرها، زاهدة في مرافقها وأساليبها، منطوية على نفسها. لقد كانت هذه الفترة قصيرة مضطربة، مهددة بالغزو الحضاري والثقافي من الخارج، وموجات هذه المدينة العاتية التي تتغلغل إلى الجذور والأعماق، وتذهب بالقيم والمفاهيم ومبادئ الأخلاق، ويشك كل عاقل -عرف قوة نفوذ هذه الحضارة وسعته، وعرف ضعف هذه الأقطار الروحي والمادي، وفقدها ما يقاوم هذه الحضارة من إيمان وقوة شخصية وثقة- يشك في بقاء هذه الأقطار في سلخها وحصارها المدني والثقافي والاجتماعي، ويشك في طول هذه الفترة؛ لأنها -مع وجود هذا الضعف في الشخصية والفقر في القوة
стр. 12
المعنوية- غير صالحة للطول والامتداد؛ فضلًا عن البقاء والاستمرار"١.
стр. 13
أمتنا على مفترق الطرق:
١- إن أمتنا اليوم على مفترق طرق شتى، تتربص بها قوى الشر في كل منعطف وزاوية، تحاول -كما حاولت من قبل- أن تقوض رسالتها، وتطوي رايتها، وتطفئ مشاعلها، بوسائل لم يختلف الحديث منها كثيرًا عن القديم، وإن كان أقسى ما نواجهه منها أنها استطاعت أن تحتل بعض المواقع الرئيسية في الحصن الشامخ؛ لتتابع منها حربها الضارية وهدفها الرهيب.. وإن وعي أمتنا لهذه الحقيقة، وإدراكها لطبيعة المعركة؛ يحتم عليها أن تكون أكثر إصرارًا على سلوك سبيل الإسلام وحده في التربية والتشريع والحكم، وأقوى اعتصامًا بحبل الله، وأوفى اتباعًا لهداه، في بناء الفرد وإنشاء المجتمع بلبنات الفكر والثقافة والاقتصاد والخلق والتوجيه..
﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢.
٢- ولا بد للمسلم في عصرنا الحاضر الذي ازدحمت فيه التيارات الفكرية، والنظم الاجتماعية، من أن يعرف طريقه ويحدد وجهته، ويدرك ما يحيط به من اتجاهات؛ لتكون خطاه في هذه الحياة على أقوم السبل، وأوضح المناهج، وينأى في رحلة العمر عن العبث والضياع، وحتى لا يضطر -وقد قطع في سيره التائه أشواطًا- أن يعود القههرى، وينقض
стр. 14
ما أبرم، ويرجع من حيث انطلق، إذا أتيح له أن ينجو من الانزلاق الخطير، ويسلم من الانهيار وسوء المصير..
إن المسلم بحاجة ماسة -إزاء هذه الظاهرة- إلى مزيد من دفقات النور، تقتبس -وضاءة ساطعة- من الينبوع الأصيل الزاخر الذي يبدد ظلمات قرون طويلة من الجاهلية التي صنعها مردة الشر وجنود الشيطان.. وأفاض بعدها على الإنسانية من أنوار هدايته الربانية دعوة خيرة، ومثلًا عاليةً، وحضارةً زاهرة، وأمدَّ الحياة بروح جديدة قوامها التوحيد ومبناها الإخلاص وشعارها عقيدة والتزام..؛ فالتأم الشمل المشتت، وتحرر العقل المقيد وتطهر الضمير الملوث، واكتشف الإنسان -بوحي من هذه الدعوة وهدىً من هذه الروح- جوهره النبيل، ومعدنه الأصيل، وفطرته الطيبة، وأدرك أن له في هذا الوجود مهمة عظيمة، ورسالة جليلة، عليه أن يدأب لتحقيقها، ويسعى بصبر وثبات لأدائها، ويعد نفسه إعدادًا ملائمًا للقيام بها. تلك هي "الخلافة في الأرض" إقامةً لحكم الله، وتطبيقًا لشريعته، لإرشاد من ضل وغوى، وإنقاذ من انحرف وهوى، وتحرير من استعبدته الأهواء، واستبد به طواغيت الأرض، فشوهوا فطرته، وأفسدوا عقيدته وأذلوا كرامته، وجعلوا منه مطيةً سهلةً لمطامعهم، وساقوه سوق السوائم إلى مذبح رغباتهم وشهواتهم.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ ١.
وقال سبحانه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ ٢.
стр. 15
وقال رسول الله ﷺ : "إن الدنيا حلوةٌ خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون" ١.
٣- لقد كان مولد الإسلام في أرض الطهر والنور، وفي رحاب بيت الله الحرام، إعلانًا جديدًا وأخيرًا لمولد الإنسان الذي أراد له بارئه أن يحمل أعباء الخلافة في الأرض بصدق وإخلاص، ويهب لها -برضى وتصميم- ما حباه الله به من فكر وعزيمة وعمل؛ بحيث تكون طاقاته كلها في خدمة هذه الغاية السامية، بناءً وتشييدًا، ودعمًا وتأييدًا ورعايةً دائمةً لها، وذودًا صارمًا عنها، ولا يتم ذلك إلا حين تكون هي محور حركته ونشاطه، تملأ عليه وجوده، وتتوهج في ضميره توهج اللهب، وتسري في عروقه سريان الدم.. يحياها عقيدة صافية مبرأة من نوازع الشك والشرك، والانحراف والرياء، وعبادة خالصة خاشعة، طاعة لله وقربى إليه، وتحليًا بأكرم الأخلاق وأنبل الصفات.. وهذه هي العناصر الأساسية التي تجعل منه النموذج الأمثل، الذي يدعو إلى فكرته حالُه، قبل أن يدعو مقالُه..
٤- إن رسالة الإسلام -في أصولها وفروعها- بناءٌ متكاملٌ يتلاءم كل التلاؤم مع فطرة الإنسان الطيبة، واستعداده للخير، ولدى المسلمين اليوم هذا الرصيد الضخم الذي يجب أن يتحول إلى تفاعل منتج بين العقيدة والسلوك والعمل، ويصاغ -في الإطار النفسي والفكري والخلقي- التزامًا كاملًا للمنهج الرباني، واحتكامًا تامًا إلى مقاييس الإسلام وسعيًا دائبًا إلى الغاية الأساسية وهي إرضاء الله ﵎، وأداء الأمانة التي حملهم الله إياها، وتبليغ الرسالة التي ندبهم لها..
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ
стр. 16
أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ١
فإذا صحت العقيدة، وصدق الاتباع؛ تحققت الاستجابة الصحيحة لنداء الله في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ٢
وذلك وحده هو سبيل تحقيق وعد الله ﵎ في أن يعيش المؤمنون على هذه الأرض أعزةً أحرارًا.. كرماء سعداء، تسودهم المحبة، ويعمهم الخير، وترفرف فوق ربوعهم ألوية السلام..
وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ ٣
وقال : ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ ٤.
٥- بهذا المنهج الرباني وحده، يستطيع المسلمون أن يواجهوا تحديات الحضارة المعادية، والثقافات المسمومة، والمفاهيم الدخيلة المغلوطة، وما جاءت به -في فترة سيطرة الاستعمار وعنفوان تسلطه- من مناهج ملتوية في الفكر والاقتصاد، والأخلاق والاجتماع.
стр. 17
وبهذا المنهج وحده -دون سواه- لا يغيب الجيل الإسلامي اليوم عن معترك الحياة، ولا يحيا على هامشها، أو يسلم نفسه لتيارها؛ تتخطفه مذاهبها، وتلفه أعاصيرها، وتفتك به أدواؤها، ويعبث بفكره وخلقه شياطينها، ويقذفون به في مهاوي الظلام بعيدًا عن ينبوع الحياة الطيبة الكريمة، يتخبط في سيره، وينحرف في اتجاهه، ويجري مكدودًا مرهقًا في تيه طويل وشقاء مرير.
وعلى الجيل الإسلامي الذي يجب عليه أن يرفض الوجود الخائر الزائف، الذي لا يليق بالأمة التي ينتمي إليها، أن يدرك أن دعوة الله ﵎ هي البرهان القوي الساطع على أحقية الوجود الإسلامي الرائد في هذه الحياة، وهي النور المشرق الوضاء الذي يجب أن يعمر الصدور، ويفتح العقول، ويحرك العزائم، لأداء هذه الأمانة للبشر في كل أرض وتحت كل سماء؛ مهما تزاحمت الشدائد، وتكاثف الضباب، وكثرت الصعوبات، وعظمت التضحيات..؛ فهي لكل إنسان الدليل القاطع للعذر، والحجة المزيلة للشبهات؛ تنفذ إلى العقول السليمة فتنكشف أمامها الحقائق واضحةً جليلةً، وإذا انكشفت الحقائق؛ سقطت الشبهات صرعى متهالكة، وانهارت في العقول والقلوب والضمائر وأوضاع الحياة؛ تلك الهياكل النخرة الشوهاء، التي يحاول الشر والباطل -المتمثل في المنطق الجاهلي المتخاذل- أن يقيمها زيغًا في النفوس، وزيفًا في نظم المجتمع وواقع الناس.
وبهدي هذه الدعوة وأدلتها القوية في الكون والحياة والناس، وأهدافها السامية في التحرير والتطهير ومطاردتها الباطل، ورد غوائل الفساد، ودحر نوازع العدوان..؛ تنزاح عن الإنسان تلك الرواسب الضالة الكثيفة التي تشده إلى ما يرديه، وتنأى به عما يسعده ويرضيه، وبذلك ينقى المجتمع البشري من أدران الظلم والفوضى، والتمزق والضياع..؛ وبذلك أيضًا يحيا الإنسان حياة السعادة والطهر، والاستقامة والكرامة.. وتلك هي معالم الطريق التي تتحقق بها لبني البشر -أفرادًا وجماعات- قيم الحق والخير، والعدالة والسلام.
стр. 18
الثقافة ومشكلة التعريف بين المدلولين: اللفظي والفكري
في ضوء -ما أسلفنا- من الوصف والتحليل العام لمدلول الثقافة، وطبيعتها وخطرها، وأثرها في حياة الأمة -ما ضيها وحاضرها ومستقبلها- وتجديدها لعلاقتها، وتوجيهها لسلوكها؛ تجيء مشكلة تعريف الثقافة تعريفًا جامعًا مانعًا وهو ما يعبر عنه بالحدِّ١، وتتأكد هذه المشكلة حين يضيق التحديد اللفظي عن استيعاب المضمون الضخم الواسع المتشعب الذي تدل عليه كلمة "ثقافة"؛ فهي كلمة ذات أبعاد كبرى، ودلالات كثيرة، وإيحاءات متعددة، وتعني -في إطارها العام- آفاقًا ومستويات تتعلق بالفكر والسلوك والنظم والعلائق الإنسانية ونحوها؛ وهي آفاق ومستويات يضيق المدلول اللغوي عن ضبطها أو حصرها -أو بتعبير آخر- عن احتوائها؛ فلا بد إذًا من تجاوز النطاق اللغوي -من حيث أصل الكلمة واستعمالاتها- إلى النطاق الفكري العام عند محاولة تعريف الثقافة تعريفًا يشمل جوانبها المتعددة وآفاقها المتنوعة.
ولعل من الضروري أن نلم بأصل الكلمة في اللغة وبعض وجوه استعمالها، قبل أن نتقصى ما تدل عليه أو تعنيه في نطاق الفكر والعلوم الإنسانية.
стр. 19
الثقافة في نطاق اللغة:
١- إن الثقافة -بمدلولها العام الشائع- كلمة جديدة لا تتصل بالمدلول اللغوي الذي ذكرته معاجمنا العربية إلا على ضروب من التأويل والمجاز، لا تستقيم في كل الأحوال التي تستعمل فيها كلمة "ثقافة"؛ فهي تعني في أكثر الاستعمالات اللغوية: "الحذق والفطنة، وسرعة أخذ العلم وفهمه، وتقويم المعوجّ من الأشياء".
أ- قال الزمخشري في "أساس البلاغة" في مادة "ثقف": "ثقف القناة، وعض بها الثقاف، وطلبناه فثقفناه في مكان كذا: أي أدركناه. وثقفت العلم أو الصناعة في أوهى مدة: إذا أسرعت أخذه، ومن المجاز: أدَّبه وثقّفه، ولولا تثقيفك وتوقيفك لما كنت شيئًا. وهل تهذبت وتثقفت إلا على يدك".
ولو رحنا نتقصى مدلول هذه المادة في المعاجم العربية الأخرى قديمها وحديثها، لما ظفرنا بشيء جديد؛ ذلك أن هذه المعاجم ينقل بعضها عن بعض.
ب- قال في "القاموس المحيط":
""ثقف" ككرم وفرح ثقفًا وثقفًا وثقافة: صار حاذقًا خفيفًا فطنًا، وثقفه كسمعه: صادفه أو أخذه أو ظفر به أو أدركه ... وأُثْقِفْتُهُ، أي قُيّضَ لي، وثقفه تثفيفًا: سَوَّاهُ"
جـ- وفي مختار الصحاح -للرازي-:
ثقف الرجل من باب ظرف صار حاذقًا خفيفًا ... وثقف
стр. 20
من باب طرب لغة فيه. والثقاف: ما تسوّى به الرماح. وتثقيفها تسويتها، وثقفه من باب فهم صادفه".
٢- وقد وردت لفظة "ثقافة" معطوفة على لفظة "صناعة" في مقدمة "طبقات الشعراء" لأبي عبد الله محمد بن سلام الجُمَحي "٢٣٢هـ".
فقال١:
"وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات؛ منها ما تثقفه العين، ومنها ما تثقفه الأذن، ومنها ما تثقفه اليد، ومنها ما يثقفه اللسان".
وقد فهم بعض الباحثين في النقد الأدبي أن لفظة "صناعة" تعني لدى ابن سلام ميزان نقد الشعر فقال:
"كان ابن سلام أول من نص على استقلال النقد الأدبي؛ فأفرد الناقد بدور خاص، حين جعل للشعر -أي لنقده والحكم عليه- "صناعة" يتقنها "أهل العلم بها" مثلما أن نقاد الدرهم والدينار يعرف صحيحهما من زائفهما بالمعاينة والنظر. ولعله كان يرد على من يتطاولون إلى الحديث في نقد الشعر من معاصريه وهم لا يملكون ما يسعفهم على ذلك"٢. وهنا يبقى السؤال قائمًا حول ما يعنيه ابن سلام من كلمة "ثقافة" التي عطفها على لفظة "صناعة" فإذا كان ينفي الترادف؛ فإن مدلول لفظة "ثقافة" -كما يفهم من كلامه- يعني الحذق والفهم والقدرة، أو ما يمكن أن نعبر عنه بما يسمى "الملكة".. فإذا أضيفت الكلمة إلى الشعر؛ كانت ملكة الشعر.. أي القدرة على فهمه وحذقه ونقده.. وإذا أطلقت دون
стр. 21
أن تضاف إلى علم أو فن؛ فليس ثمة ما يمنع أن تدل على ما نطلق عليه اليوم الثقافة العامة؛ فإذا جَعَلَ ابن سلام للشعر ثقافة؛ فإن معنى ذلك أن للنثر ثقافة أيضًا، وهي "الثقافة الأدبية"، وتتسع الدائرة ويتنوع المدلول كلما أضيفت الثقافة إلى علم أو فن خاص؛ كأن نقول: الثقافة الشرعية، والثقافة التاريخية، والثقافة الفلسفية والثقافة الطبية.. ونحو ذلك..؛ فإذا ذكرت اللفظة دون إضافتها إلى شيء؛ فليس لها -على هذا التفسير- إلا التنوع والعموم، وإذا اتصف بها إنسان كانت ملكته في فهم ضروب العلوم والفنون والمعارف ملكة جيدة بوجه عام، وهذا هو ما يدل عليه لفظ "المثقف" في الاصطلاح الشائع في هذا العصر.
ويلفت بعض الباحثين النظر إلى أنه لا أثر لهذه الكلمة "الثقافة" في لغة "ابن خلدون" الذي يعتبر المرجع الأول لعلم الاجتماع العربي في العصر الوسيط١.
وإذا كان من غير الميسور أن يحصي الباحث كل ألفاظ ابن خلدون في "المقدمة" ليرى إن كان قد استعمل هذا اللفظ أم لا؟ فإن الحقيقة أن ابن خلدون قد تناول في "الباب السادس" من "المقدمة" الكلام على كل أنواع العلوم وأصنافها، والتعليم وطرقه.. وقد عقد واحدًا وستين فصلًا عالج فيها البحث في مختلف أنواع الثقافة في عصره، وإن لم يستعمل لفظة "الثقافة" نفسها كما سلف٢.
ولعل ابن خلدون كان يعني بما أطلق عليه "الملكة" ما تدل عليه لفظة "الثقافة": ممتزجة بالموهبة؛ فقد ذكر أن "نوع المحفوظ يقرّر اتجاه صاحبه في
стр. 22
الأدب أو العلم؛ فالملكة الشعرية تنشأ بحفظ الشعر، وملكة الكتابة بحفظ الأسجاع والترسل، والعلمية بمخالطة العلوم والإدراكات والأبحاث والأنظار، والفقهية بمخالطة الفقه.. إلخ"١.
ويقول الباحث -بعد كلامه عن ابن خلدون-: "كما لا نجد الكلمة مستعملة في العصر الأموي والعباسي؛ إذ لا أثر لها في اللغة الأدبية أو اللغة الرسمية والإدارية لذلك العصر؛ فتاريخ هذه الحقبة لم يرو وجود لائحة إدارية خاصة بمنظمة معينة، أو عمل من الأعمال يتصل بالثقافة"٢.
стр. 23
تعريف الأمور المعنوية:
إن ما يكتنف كلمة الثقافة من صعوبة التعريف الجامع المانع يشبه إلى حدٍ كبير ما يعترض الدارسين من صعوبة تعريف "الأدب"١ و "الشعر" و "الفن" و "الحضارة" و "المدنية" وغير ذلك من المصطلحات التي أصبحت شائعة في هذا العصر بدلالات، لم تكن معروفةً لهذه الكلمات من حيث الأصل والاستعمال من قبل.
إن هذه الصعوبة هي: "صعوبة التوفيق إلى حدود منطقية دقيقة لأكثر
стр. 24
المصطلحات التي تجري على الألسن دون أن تتضح مدلولاتها في أذهان مستعمليها أو يكونوا متفقين على ما بها يعنون من ذلك كلمات: الجمال والشعر والخيال والأدب والمثالية، وغيرها كثير؛ وذلك أن هناك فرقًا واضحًا بين الأشياء الحسية التي يتلقاها الإنسان بحواسه الظاهرة ويجري عليها تجاربه المتنوعة، ويبرئها من التأثير بمزاجه وعواطفه، وبين الأشياء الروحية والمعنوية التي يصعب إخضاعها للتجارب المحدودة، والنواميس الثابتة لتغيرها واتصالها بالطبائع والانفعالات؛ فالأولى يمكن تعريفها بدقة أو قريب من ذلك كالمثلث والجزيرة والأجسام الصلبة والسائلة، والثانية: تجد معانيها مبهمة غير محدودة حتى في البيئة الواحدة بين المشتغلين بها. وقد يحتال بعض الباحثين للخروج من هذا الإبهام؛ فيضع تعاريف عامة تتناول أكثر المعاني الجزئية؛ ولكن ذلك يزيد في غموضها إذ لا يعرف القارئ أي المعاني يراد، وربما كان خيرًا منه ذلك الذي يذكر للكلمة ما يريد لها من معنى في موضوعه، ثم يشير إلى أن لها معاني أخرى في غير هذا المقام"١.
стр. 25
الثقافة في اللغات الأجنبية:
إن المشكلة في تعريف الثقافة ليست مشكلة خاصة بنا بل هي مشكلة الإنسان وعلاقة اللغة بالفكر، وما يطرأ على هذا الفكر من تطور يتجلى في انتقاله من الأمور المحسوسة أو المادية، إلى المفاهيم المجردة والأمور المعنوية. وفي حركته من البسيط إلى المركب وما يطرأ على هذا وذاك من نمو يتزايد أحيانًا حتى يبلغ حد التركيب المعقد، وقد تختفي صورته البسيطة الأولى إزاء ما يتراكم عليه من صور جديدة؛ ومن هنا يحاول الباحثون عند بحث مشكلة التعريف للأمور المعنوية -وهو إطلاق الاسم على شيء ما- أن يتتبعوا أصل التعريف: أي معرفة المدلول الذي كان مرادًا عند بدء إطلاق الاسم على الشيء.. ثم البحث
стр. 26
بعد ذلك فيما طرأ على هذا المدلول من تطور، ومحاولة معرفة العلاقة أو العلاقات الجديدة في ضوء العلاقة الأصلية الأولى، وإذا أعياهم ضبط هذه العلاقات أو حصرها في نطاق الحقيقة اللغوية؛ كان لهم في المجاز سعة وأي سعة١.
فما هي صورة مشكلة تعريف الثقافة في اللغات الأجنبية؟
ليس من شك في أن معرفة هذه الصورة وتقصي تاريخها من حيث معرفة الأصل وما طرأ عليه بعد ذلك من تطور حتى أخذ الشكل المألوف سوف يوضح لنا جوانب كثيرة من استعمال كلمة "الثقافة" في الاصطلاح الحديث في لغتنا واللغات الأجنبية؛ وهو اصطلاح يجدر بنا أن ندركه في صدد بيان ما نقصد إليه من توضيح معنى الثقافة الإسلامية في مدلولها الحديث.
١- "إن الثقافة" في اللغات الأجنبية -الفرنسية والإنجليزية والألمانية- يعبر عنها بلفظة "Culture" وتفيد معنى الزراعة والاستنبات. وقد أصبحت كلمة الثقافة في الاصطلاح العرفي في العربية وغيرها تفيد معنى ما يكتسبه الإنسان من ضروب المعرفة النظرية والخبرة العملية، التي تحدد طريقته في التفكير، وموافقة في مختلف طرق الحياة، من أي جهة حصلت تلك المعرفة وتلك الخبرة؛ سواء أكانت من البيئة والمحيط والمدرسة والمهنة أم من طرق أخرى غيرها"٢.
ولا بد لنا أن نأخذ بمزيد من التفصيل عن دلالة هذه الكلمة "Culture" من حيث أصلها وما طرأ عليها من تطور فيما بعد:
أ- كانت هذه الكلمة تدل من حيث الأصل اللاتيني في العصور
стр. 27
القديمة والوسيطة على تنمية الأرض ومحصولاتها، ويقال: إن "شيشرون ١٠٦_٤٣ ق. م" -الخطيب والسياسي والكاتب الروماني المشهور- كان أول من استعمل هذه الكلمة بمعناها المجازي فسمى الفلسفة "Culture Mentis" أي فلاحة العقل أو تنميته؛ ولكن هذا الاستعمال لم يلق الرواج كثيرًا في اللغة اللاتينية في أول الأمر؛ غير أن الحال قد تغير فيما بعد.
ب- ولما كانت اللاتينية أم اللغات الأوربية من إنكليزية وفرنسية وألمانية؛ فقد استعملت كلمة "الثقافة" في أوائل العصور الحديثة -في الإنكليزية والفرنسية- بمدلولها المادي والعقلي، ثم جاء الكتاب الفرنسيون -كفولتير وأقرانه- في القرن الثامن عشر الميلادي؛ فأطلقوا هذه الكلمة دون إضافتها إلى أمر مادي أو معنوي، وغدت بعد ذلك تدل على تنمية العقل والذوق، ثم انتقلت بعد ذلك إلى حصيلة عملية هذه التنمية وهي: المكاسب العقلية والأدبية والذوقية.
جـ- أما في الإنكليزية؛ فإن أول نص تستعمل فيه هذه الكلمة -بما يتفق مع ما أسلفنا- إنما يعود -حسب معجم إكسفورد- إلى عام ١٨٠٥م ولا يزال هذا المفهوم هو المعنى السائد في اللغات الغربية.. ولم ينتقل من الفرنسية إلى الألمانية -بهذا المعنى- إلا في أواخر القرن الثامن عشر.
- أخذ معنى هذه الكلمة يتطور عند الفلاسفة وعلماء الاجتماع والمؤرخين، وكان لا بد أن يطرأ عليه بعض التغير خلال تطوره هذا.. وكان أول ما طرأ عليه من تغير هو تحوله من الدلالة على الإنماء الفردي، إلى أحوال المجموعات الإنسانية من الأمم والشعوب، وغدت هذه الكلمة تطلق على مجموعة عناصر الحياة وأشكالها ومظاهرها في مجتمع من المجتمعات،
стр. 28
وقد برز هذا المعنى في القرن التاسع عشر عند المؤرخ والعالم الاجتماعي الألماني "Cuslav-Klemm" الذي يعتبر مؤسس علم "الإنثروبولوجيا" الحديث: أي علم الإنسان الذي يبحث في أصل الجنس البشري وتطوره وأعرافه وعاداته ومعتقداته.
٣- ولا تزال كلمة "Culture" تستعمل في الفرنسية والإنكليزية ولغات أخرى بمعنى الثقافة الفردية والثقافة بوجه عام، وكان من الطبيعي إزاء تقدم العلوم الطبيعية والتطبيقات الصناعية أن يعود إليها في هذه العلوم والتطبيقات معناها الأصلي أي عملية إنماء الأشياء المادية كالجراثيم واللآلئ بـ "الزرع" و "التصنيع"١.
قال صاحب معجم "المورد"٢: في مادة "Culture" هي: حراثة، تهذيب، ثقافة، حضارة، أو مرحلة معينة من مراحل التقدم الحضاري، الاستنبات: زرع البكتريا "الأنسجة الحية" للدراسة العلمية أو للأغراض الطبية.
стр. 29
الثقافة والمجتمع الثقافة ومناحي الدراسة الاجتماعية:
يتناول علماء الاجتماع "الثقافة" في دراستهم لطبيعة المجتمع الإنساني من جوانب عدة منها:
١- كونها عنصرًا مهمًا من عناصر التراث الاجتماعي؛ فإلى الثقافة يعود الفضل فيما وصل إليه أفراد المجتمع من مستوى اجتماعي وحضاري، وهي -بما فيها من مفاهيم ومدركات مصطلح عليها في المجتمع- تكسب الجماعة صفات وخواص مميزة؛ تنعكس في فكر أفراد الجماعة وأعمالهم.
٢- كونها أبرز العوامل فيما يقع من التغير في المجتمعات الإنسانية؛ فإذا كان التغير في المجتمعات ناتجًا عن تأثير عدد من العوامل المتأصلة في الحياة، كالعوامل الطبيعية و"البيولوجية" و"الديموغرافية" -أي التغير السكاني- فإن تأثير العامل الثقافي -في رأي عدد من علماء الاجتماع- يفوق العوامل الأخرى في التغيير الاجتماعي.
٣- في ضوء هذين الجانبين يأخذ معنى الثقافة في الدراسات الاجتماعية ذلك
стр. 30
المنحى الذي يتصل بكل أوجه النشاط الإنساني الذي جاء نتيجةً للاجتماع البشري؛ فهي تشمل في تعريف علماء الاجتماع:
أ- ما يتلقاه الفرد عن الجماعة من مظاهر الفنون والعلوم والمعارف والفلسفة والعقائد وما إليها.
ب- النماذج المختلفة التي يصب فيها الأفراد سلوكهم وتصرفهم.
جـ- الطرق التي يوجدها أي مجتمع لسد حاجاته الأساسية ولتقوم بتنظيم علاقاته الاجتماعية؛
ومن هذا يتضح أن الثقافة في تفسيرهم، هي كل ما يتصل بمقومات الفرد والمجتمع من النواحي الاعتقادية والفكرية والسلوكية والاجتماعية، أو هي كما قال "تيلر Tailer": "ذلك الكل المعقد الذي ينطوي على المعرفة والعقائد والفن والأخلاق والقانون والعرف وغير ذلك من القدرات"١.
وإذا كان "تيلر" قد وصف الثقافة بأنها ذلك الكل المعقد، وأدرج "العرف" ضمن المحتوى الثقافي للمجتمع الإنساني؛ فقد رأى "كروبر Kroper" "أن العرف هو عادة نفسية وبيولوجية معًا ارتقت إلى المستوى الاجتماعي وارتبطت بها قيم ثقافية"٢ ويرى أن هنالك للمحتوى الثقافي المتفاوت الغنى "ثوابت ثقافية" كالدين والأسرة والحرب وتبادل الأفكار، ويرى أنها بمثابة الأطر "البيوسيكولوجية" -النفسية- لهذا المحتوى الثقافي٣.
وحول علاقة الثقافة بالدين بوجه خاص يرى بعض الباحثين الغربيين
стр. 31
"إليوت": أن الثقافة ليست إلا تجسيمًا للدين، ورد بذلك على "أرنولد" الذي عد الثقافة أشمل من الدين١.
٤- من هذا التنوع والاختلاف في تحديد علاقة الثقافة بالمجتمع من ناحية، وبالدين من ناحية أخرى؛ يتضح أن تحديد هذه العلاقة في نطاق الدراسات الاجتماعية، وفي مفهوم الدين لدى هؤلاء الباحثين الغربيين لا بد أن ينتهي إلى ما انتهى إليه من تباين في الرأي، وتباعد في الاتجاه.. ويمكن أن نلاحظ هنا أمرين:
أ- إن الفكر الغربي بعامة ينظر إلى الدين على أنه قضية ميتافيزيقية تخص الفلسفة؛ كما يعد الدين ظاهرة اجتماعية، ويعالجه كما يعالج أي ظاهرة أخرى من ظواهر المجتمع ومؤسساته، ولا يرى مانعًا -إن لم يجد ذلك ضروريًا- من إخضاع الدين -من حيث كونه قضية فلسفية- للمفاهيم الفكرية الجديدة الناشئة من تطور الدراسات الفلسفية، غير آبهٍ لما ينجم عن ذلك من انهيار العقيدة، ودمار القيم، وضعف سلطان الوازع الديني على النفوس، وأوضاع الحياة.. كما يحرص هذا الفكر الغربي نفسه على أن يفصل الدين عن المجتمع وما يتصل به من نظم وأوضاع، ويحصره بالأمور الروحية فحسب. وعلى هذا فإن تفسير الباحثين الغربيين للثقافة، وتحديد علاقاتها بالمجتمع، من حيث كونها عنصرًا من عناصر تراثه، أو عاملًا من عوامل التغير فيه؛ لا يضع الدين حيث يجب أن يكون من حياة الإنسان باعتباره السلطان النازع الوازع، الذي يضمن تماسك المجتمع، واستقرار نظامه، والتئام أسباب الراحة والطمأنينة فيه، وبكونه خير ضمان لقيام التعامل بين الناس على قواعد العدالة والنصفة،
стр. 32
والتعاون المثمر الخير، ولا ينظر هذا الفكر الغربي -الذي سيطرت عليه المادية- إلى الدين من زاوية حقيقته الأصيلة التي تقرر أنه فطرة إنسانية؛ كما أنه ضرورة اجتماعية؛ فهو الذي يؤكد الإيمان بقيمة الفضيلة وكرامة الإنسانية، وليست تداني سلطانه على النفس أي سلطة أو قوة أو نظام١.
ب- لقد التبس في أذهان هؤلاء الدين الحق بالأديان الباطلة سواء منها الوثنيات التي عرفتها البشرية في أديان الفرس والإغريق والهنود، والعرب في جاهليتهم، والتي لا تعدو أن تكون ضروبًا من الخيالات والأساطير والأوهام، أو الوثنيات الأخرى التي وجدت نتيجة الانحراف عن عقيدة التوحيد. كما جاء بها موسى وعيسى ﵉؛ هذا الانحراف الخطير الذي نجم عنه ذلك التصور الفاسد لحقيقة العقيدة وأثرها في حياة البشر..
ولقد جهلوا الإسلام، الدين الحق، الذي يسمو بالإنسان عن هذه التصورات الفارغة، التي جاءت بها العقائد الوثنية التي اصطبغت بها ديانة العرب في جاهليتهم، والفرس واليونان والهنود، والتصورات الخرافية التي تحولت إليها -نتيجة التغيير والتزوير- اليهودية والنصرانية.
ولو أمعنوا النظر، وطرحوا التعصب، وبحثوا بتجرد كامل في حقيقة الإسلام؛ لعرفوا أنه ليس قضية ميتافيزيقية محضة؛ يستوي في ذلك مع الأديان الباطلة والمحرفة، والفلسفات المختلفة التي تضرب في تيهٍ من الأوهام والجدال العقيم؛ بل هو الدين الذي جاء لينقذ البشرية كلها من الركام الذي كان ينوء بأفكارها
стр. 33
وحياتها ويثقلها، ومن التيه الذي كانت أفكارها وحياتها شاردة فيه، ولينشئ لها تصورًا خاصًا متميزًا منفردًا، وحياة أخرى تسير وفق منهج الله القويم.. وإن هذا التصور ليكفل تجمع الشخصية والطاقة في كيان المسلم الفرد والجماعة، وينفي التمزق والانفصام التي تسببها العقائد والتصورات الأخرى١.
стр. 34
الثقافة وقيم المجتمع:
١- إن ثقافة أي أمة يجب أن تقوم على أساس من القيم التي تسود مجتمعها، وهي قيم وثيقة الصلة بالعقيدة والفكر، والسلوك ونمط الحياة. ووجهة الحركة، وتحديد الهدف؛ كما أنها عماد التراث الروحي والنفسي والاجتماعي، ومحور التاريخ في جوانبه المتعددة، وأبطاله البارزين، ومواقفه الفاصلة..
٢- إذا كان من شأن ثقافة أفراد أي مجتمع أن تكون مصدرًا لتقديم الحلول الناجحة السليمة لكل ما يعترضهم من مشكلات، والوفاء بكل ما يجِدُّ في حياتهم من حاجات..؛ فإن تحقيق ذلك إنما يكون ميسورًا للثقافة إذا كانت قد نمت نموًا صحيحًا في جو القيم الصالحة ومناخها السليم..؛ وإلا كانت الثقافة عاجزةً مشلولة الحركة، عديمة التأثير، ولم تَعْدُ أن تكون لونًا من التعبير الجميل تارة.. أو ضربًا من الفلسفة النظرية في تيه الجدل العقيم تارة أخرى.. وهي معزولة -في الحالين- عن التأثير في المجتمع، وعلاج مشكلاته والوفاء بحاجاته.
٣- وعلى هذا فلا بد من أن تكون تعبيرًا حيًّا عن القيم الأساسية التي
стр. 35
تعطي المجتمع ملامحه الصحيحة، وتضبط حركته السديدة، وترسم له وجهته الرشيدة؛ فإذا انعزلت الثقافة عن هذه القيم، ووقع الفصل التام بينهما؛ فإن نتائج ذلك إنما تنعكس على الثقافة والقيم والمجتمع معًا؛ فلا مناص للثقافة بسبب ذلك من الضمور، وللقيم من الخمود، وللمجتمع من الانحطاط؛ إذ لا يتصور أن تنمو الثقافة من غير رِِفْْدٍ يغذوها، أو تحيا القيم إذا لم تأخذ مجالها في التطبيق والواقع؛ أما المجتمع فلا بد أن تتفاقم مشكلاته، وتشتد أزماته، ويصبح عاجزًا عن التحرك المجدي، والإنتاج المثمر حتى تفترسه العلل، وتعصف به الأحداث، ويمزقه الضياع.
٤- ومن هنا كان لا بد من أن تأخذ ثقافة أي مجتمع معنى تفاعله الذي يؤكد مدى تقديره واعتزازه للقيم التي يؤمن بها؛ فكما يدل هذا التفاعل مع القيم -من ناحية أخرى- على مدى حرصه على ترسيخها وإغنائها، وجعلها مقياس ما يعمل على بلوغه من تقدم ورقي في كل جوانب الحياة؛ بحيث تكون هذه القيم معيار تقويمه للواقع الذي يحياه، فيحلل بوحي منها هذا الواقع وينقده، ويقر الصالح منه ويطرح الفاسد دون أن تسيطر عليه نزعة الحرص على الجديد إذا كان متصادمًا مع هذه القيم، أو الرغبة في الانفلات من القديم إذا كان منبثقًا عنها، أو غير متصادم معها؛ وبذلك يصوغ المجتمع صورة مسقبله المنشود، وفق ركائز من القيم الأصلية الثابتة، التي تعطيه طابعه المميز وسماته الفريدة.
٥- ولا بد لنا هنا من أن نلقي نظرة على قيمنا الإسلامية التي يجب أن تكون ثقافتنا متفاعلة معها أوثق تفاعل وأعمقه، كما يجب أن تكون معيار تقويمنا لواقعنا ونقده، وتمييز عناصره وفرزها في ضوء ما تعطيه هذه القيم لنا من ملامح فريدة لشخصيتنا.
ومحور هذه القيم الإسلامية يسمو في حقيقته على الاعتبارات الأرضية كلها،
стр. 36
مهما كان لهذه الاعتبارات من وزن وتأثير، وضغط شديد على الفرد والجماعة، في أي مكان أو زمان؛ ذلك أن الإسلام لا يقيم أي وزن لما تواضع عليه الناس من قيم المادة والقوة، والجنس واللون، والعصبية والثراء، وما إلى ذلك من القيم الأخرى، إذا تجردت هذه القيم عن الإيمان والتقوى..
إنه بذلك يرمي إلى أن ينطلق الإنسان -فكرًا وشعورًا وسلوكًا وواقعًا- من حدود القيم الباطلة المتوارثة، والتي تراكمت في عصور الجاهلية، وأصبحت بسبب البعد عن المنهج الحق أمورًا ذات وزن واعتبار في حياة الناس، ولا يجد الإسلام لبقائها أي مبرر، مهما اكتسبت من قوة السيطرة على النفوس وأوضاع المجتمع، بسبب عنصر الاستمرار التاريخي، أو الإلف والشيوع، أو الملابسات الاجتماعية، والضغط النفسي، أو الأثر التربوي أو غير ذلك. إن الإسلام الذي جاء ليضع معالم الطريق لخير الإنسان وسعادته وتقدمه وأمنه وفلاحه، لا يعرف المساومة والمهادنة في أمر الحق الذي جاء به، وما انبثق عن هذا الحق من قيم جديدة بلغت الذروة في الاحتفال بخير الإنسان والاهتمام بعزته، وتوفير كرامته..
ولقد تنوعت الوسائل والأساليب التي جاءت بها دعوة الإسلام لتقرير هذه القيم وتحقيقها، وجعلها روح سلوك الفرد، وطابع المجتمع، وسمة الحياة الإسلامية. وتعمل دعوة الإسلام على توجيه المؤمنين إلى أن يستمدوا موازينهم من هذه القيم، في تجرد كامل من الملابسات والمواصفات، التي أقامتها في نفوسهم ومجتمعهم الأعراف الخاصة، والمواريث المألوفة، التي لا تتلاءم مع حقيقة الدعوة ومبادئها وأهدافها. ويقتضي الارتفاع إلى مستوى هذه القيم انعتاق الفرد والجماعة -في إيمان وعزيمة وصبر- من جواذب كثيرة، ورواسب ثقيلة، وظروف وارتباطات وموروثات مختلفة إلى الحد الذي يصبح فيه المؤمنون صورة حية صادقة لهذه القيم، ونماذج طيبة صالحة لتطبيقاتها الإنسانية في واقع الحياة..
стр. 37
وفي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسيرته وحياة الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أمثلة لا حصر لها من تربية المؤمنين على هذه القيم وتفاعلهم معها وصبغ حياتهم بها وتقريرها وإعلائها لدى الأمم والشعوب التي امتد إليها نور الإسلام، خلال أحقاب طويلة من التاريخ..
من هذه النماذج١:
أ- ما قرره القرآن الكريم في سورة "عبس" -في إطار التوجيه والعتاب لرسول الله ﷺ من أن "القيمة الوحيدة التي يرجح بها وزن الناس أو يشيل"، هي قيمة الإيمان والتقوى، وهي منفصلة عن كل ما تعارف عليه الناس من موازين واعتبارات..
وقصة ذلك أن النبي ﷺ كان مشغولًا بأمر نفرٍ من سادة قريش، يدعوهم إلى الإسلام، ويرجو بدخولهم فيه خيرًا كثيرًا، لما لهم من قوة وجاه، ومال ونفوذ في قومهم -حين جاءه "ابن أم مكتوم" الرجل الفقير الأعمى- يقول: يا رسول الله. أقرئني وعلمني مما علمك الله. فيكره رسول الله ﷺ من ابن أم مكتوم قطعه لكلامه واهتمامه؛ فيعبس ويعرض.. فينزل القرآن يعاتب الرسول عتابًا شديدًا على موقفه هذا، ويوجهه بعد ذلك إلى "حقيقة هذه الدعوة وكرامتها وعظمتها ورفعتها واستغنائها عن كل أحد، وعن كل سند، وعنايتها فقط بمن يريدها لذاتها؛ كائنًا ما كان وضعه في موازين الدنيا" ... وفي ذلك يقول :
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى، أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى، وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى، وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى، فَأَنْتَ
стр. 38
عَنْهُ تَلَهَّى، كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ، فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ ١.
وكان رسول الله ﷺ بعد أن نزلت هذه الآيات يَهشُّ لابن أم مكتوم ويقول له كلما لقيه: "أهلًا بمن عاتبني فيه ربي" وقد استخلفه مرتين بعد الهجرة على المدينة.
ب- آخى رسول الله ﷺ بعد هجرته إلى المدينة بين المهاجرين والأنصار أخوة إيمان وحب وإيثار؛ فربطت هذه الأخوة بين قلوب المؤمنين برباط لا ينفصم؛ لأنها فوق المنافع والمطامع، والعصبيات والأهواء؛ فوضع الإسلام بذلك القيم الجديدة والموازين الفاصلة، التي تتحدد بها علاقات القرب والبعد، ويتعين على أساسها موقف الولاء والعداء، دون أي اعتبار لما تواضع الناس في مجتمع الجاهلية من قيم العصبية أو الجنس أو اللون؛ تلك القيم الجاهلية التي كانت مدعاة إلى تمزيق الشمل، وإثارة الأحقاد، والتي صنفت الناس تصنيفًا يذكي بينهم نار العداوة والبغضاء، وفي ذلك يقول سبحانه -مذكرًا المؤمنين بهذه الأخوة الكريمة التي جمعتهم بعد تفرق، ووحدتهم بعد تمزق، وجعلت منهم إخوانًا متحابين بعد أن كانوا أعداء متناحرين:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ٢.
إن هذه الأخوة التي مَنَّ الله بها على عباده المؤمنين آصرة برٍّ وتعاطف،
стр. 39
ودعامة تآزر وتناصر؛ كانت إحدى القيم الإسلامية الكبرى التي أنعم الله بها على هذه الأمة، وعمّقت في فكر المؤمن ووجدانه روح الاعتزاز بهذا الإسلام، وشدة الحرص على دعوته، والعمل على ما يقوي كيان المؤمنين بها المنضوين تحت لوائها١.
ج- كان زيد بن حارثة مولىً لرسول الله ﷺ فزوجه بنت خالته زينب بنت جحش الأسدية، كما آخى بينه وبين عمه حمزة بن عبد المطلب، وجعله الأمير الأول في غزوة "مؤتة" يليه ابن عمه جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة الأنصاري؛ فجعل بذلك قيمة العقيدة فوق أي قيمة أخرى من قيم النسب والعصبية..
ثم كان آخر عمل من أعماله ﷺ أن أمَّرَ أسامة بن زيد على جيش لغزو الروم، يضم كثرة من المهاجرين والأنصار؛ فيهم أبو بكر وعمر وغيرهما من كبار الصحابة والسابقين إلى الإسلام، وقد تململ بعض الناس من إمارة أسامة وهو حدث، وفي ذلك قال ابن عمر ﵄: بعث رسول الله ﷺ بعثًا أمّرَ عليهم أسامة بن زيد ﵄؛ فطعن بعض الناس في إمارته؛ فقال النبي ﷺ : "إن تطعنوا في إمارته؛ فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل. وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة، وإن كان لمن أحبِّ الناس إلي، وإن هذا لمن أحبِّ الناس إليّ" ٢.
وقد بادر أبو بكر ﵁ بعد توليه الخلافة إلى إنفاذ بعث أسامة، وسار يودعه بنفسه إلى ظاهر المدينة، وكان أسامة راكبًا فاستحيا أن يشيعه الخليفة راجلًا فقال "يا خليفة رسول الله لتركبَنَّ أو لأنزلنَّ"؛ فقال أبو بكر: "والله لا تنزل ولا أركب. وما عليَّ أن أغبِّر قدميَّ في سبيل الله ساعة" ثم
стр. 40
يضرب أبو بكر مثلًا رائعًا في أدب الإسلام ورعاية النظام حين يستأذن أسامة في أن يتخلف عمر بن الخطاب -وهو جندي في الجيش الذي يقوده أسامة- عن الخروج لحاجته إليه بعد أن ولي أعباء الخلافة فيقول لأسامة: "إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل" فيأذن أسامة أمير الجيش لعمر في عدم الخروج استجابة لطلب أبي بكر ﵃ جميعًا.
وتمتد هذه الروح حين يلي الخلافة عمر بن الخطاب بعد وفاة أبي بكر ﵄ فيفرض لأسامة نصيبًا أكبر مما يفرض لابنه عبد الله؛ فيسأله ابنه في ذلك فيقول: "يا بني، كان زيد ﵁ أحب إلى رسول الله ﷺ من أبيك، وكان أسامة أحب إلى رسول الله ﷺ منك؛ فآثرت حب رسول الله ﷺ على حبي"١.