يتملكوا رقاعًا من الأرض، أو يستولوا على مرافق غنية بالثروات، أو يستعمروا شعوبا لتسخيرها لمآرب مادية أو مطامع عدوانية.. فذلك كله في مقياس الإسلام ظلم وعدوان يتنافى مع شريعة الله التي تأبى الاستعمار والاستغلال، وتعمل على سيادة مبادئ العدالة والحرية وكرامة الإنسان.
قال تعالى:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفا﴾ ١.
وقد بين أن الجهاد في سبيل الله هو التجارة الرابحة التي لا تعدل ربحها مغانم الأرض مهما بلغت، فهي التي تنجي من العذاب الأليم وتؤدي إلى العزة في الدنيا والسعادة في الآخرة، وغفران الذنوب، والفوز برضا الله وثوابه العميم.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
стр. 107
٣- وثمة حقيقة أخرى تلفت إليها معركة الإسلام الدائمة في الحياة، وهي أن الناس اليوم حيارى تائهون تفترسهم ضلالات الجاهلية الجديدة، وتتحكم بهم أباطيل زائفة، وأوضاع ملتوية، ويعانون ترديًا خطيرًا في كل شأن من شئونهم..؛ ذلك لأنهم يفتقدون العقيدة الحقة التي تحفز إلى الخير، وتردع عن الشر، وتعالج مشكلاتهم، وتحسم أزماتهم، وتنبثق عنها النظم السليمة، والأخلاق الكريمة، والحركة الحية الفاعلة.. لا بد لهم من هذه العقيدة التي تنقلهم من حياة الفراغ الفكري، والضياع النفسي، والتمزق الاجتماعي.. إلى حياة أخرى جديدة تملأ عقولهم بالفكر النير، ونفوسهم بالخلق الرضي، ومجتمعهم بالتماسك والنظام.
فَمَنْ لهذه العقيدة يحمل أمانتها، ويخوض معركتها. ويرفع رايتها غير أبنائها؟
إن طبيعة رسالتهم، وحقيقة وظيفتهم، توجب عليهم أن لا يكونوا في عزلة عن سير الحياة، فلا يليق بهم أن يعيشوا على هامشها، أو ينأوا عن معركتهم فيها، فثمة اليوم نظم وتيارات، ومذاهب واتجاهات، ينبغي أن نحدد موقفنا منها على هدي من نور الله، وعلى بصيرة من شريعتنا الغراء، فقد كان لنا في الماضي دور كبير خطير، في توجيه الإنسانية، وقيادة ركبها، وتقويم حضارتها، وكانت أسس عقيدتنا. ومبادئ شريعتنا، الحَكَمَ الأول في قبول أو رد معطياتها، فأجازت الصالح منها وتبنته ودعت إليه، وردت الفاسد الضار ونبذته وقضت عليه، وكانت أمتنا -في تفاعلها هذا مع معركة الحياة- تعطي وتأخذ في غير ضعف ولا استخذاء، مارست وظيفتها في الهداية والقيادة والإصلاح دون أن تغير من مفاهيمها؛ لتنطوي في مفاهيم غريبة عنها، أو تبدل من مناهجها لتذوب في مناهج دخيلة عليها، بل كانت شخصيتها المتميزة تعصمها من أن تؤخذ بسحر الجديد مهما بلغ بريقه،
стр. 108
أو تندفع مع التيار مهما بلغت شدته.. لم تقف تائهة مبهورة لا تدري أي طريق تسلك، أو تجمد مأخوذة حائرة لا تعرف ماذا تدع، وماذا تأخذ، بل خاضت معركتها بحزم وصبر وصدق وثبات، ونظرت في حضارات الأمم التي سبقتها أو عاصرتها، فأخذت منها وتركت، وأجازت ومنعت، ورفعت وخفضت من غير تأرجح أو اضطراب، ودون تخبط أو اهتزاز، وبلا جموح أو تفريط، وكانت في مواقفها كلها منسجمة مع المنهج الرباني، محتفظة بمقومات شخصيتها الإسلامية: عقيدة وعبادة، وسلوكًا ونظامًا، فهدت الركب الإنساني إلى الطريق السوي، وحذرته من المزالق، وبصرته بالعثرات، وأنقذته مما كان غارقا فيه من الفوضى والقلق والانهيار.
في ضوء هذه الحقيقة ينبغي أن يخوض أبناء هذه العقيدة معركتهم في كل جانب من جوانبها، ليواجهوا ما تُرْمَى به دعوتهم من غزوات، وما يقام في طريقها من عقبات، وما تواجه به من تحديات، معتصمين بجبل الله، واثقين بأحقية مبادئهم، وصحة مقاييسهم، ورائدهم في ذلك اتباع أمر الله، والسعي لما يحبه ويرضاه، ودليلهم تاريخ زاهر وضيء، حافل بالمكرمات، زاخر بالبطولات، وحسبهم في خطة السير، وروعة المنطق، وسمو الهدف قول الله ﵎:
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ
معركة تحديات وتبعات:
١- إن لنا نحن -المسلمين- في هذه الحياة قضية كبرى نخوض على أساس منها معارك متعدد الجوانب، ليس القتال الدامي -كما أسلفنا- إلا أحد جوانبها، وبعض صورها.. وهي معارك مفروضة علينا بضغط من المجتمع الجاهلي والقوى المعادية التي لم ينقطع تحديها عبر العصور، ولا يختلف جوهر التحدي وهدفه من زمن إلى زمن، وإن اختلفت صوره وأشكاله وأسلحته.
ومن الواضح أن وجوه معركة التحدي المعاصرة ترمي اليوم كما رمت التحديات في القديم إلى استصال العقيدة الإسلامية، والقضاء على الوجود الإسلامي الصحيح، وتقويض المقومات الأساسية للشخصية الإسلامية؛ ولذا فإن المعركة لصد التحديات، ومقاومة العدوان، وإحباط الأهداف الخطيرة، توجب علينا أن نخوضها من جميع وجوهها وجوانبها.. كما خاضتها أمتنا في فجر الدعوة وفي فترات مضيئة من تاريخها.. مع ملاحظة اختلاف الخطط والأساليب، وصور التحدي وأشكاله، وما يقتضي التصدي له من أهبة تامة، واستعداد كامل، وأخذٍ بالوسائل الناجحة، والأساليب المجدية.
стр. 111
إن الوجوه لمعركتنا اليوم كثيرة منها: السياسي والفكري، ومنها النفسي والخلقي ومنها الاجتماعي والاقتصادي.. ولكل واحد من جوانب هذه المعركة خطط وأسلحة، منها الظاهر والخفي، وبعضها هجومي وآخر دفاعي، تحشد لها منا ومن أعدائنا كل القوى والطاقات، ويجري التسابق لتحقيق الظفر والانتصار، وواضح أن محور كل معركة إنما يستند إلى البناء والهدم.. بناء الكيان الذاتي وتحصينه، وتوفير أسباب القوة والمنعة له، وهدم الكيان المعادي وتقويضه، بالعمل على إضعاف قوته، وتمزيق وحدته.
٢- وإن قضيتنا الأساسية الأولى التي دارت وتدور حولها كل المعارك في شتى صورها وأشكالها.. هي أننا منذ أكرمنا الله بالهداية فآمنا بالإسلام عقيدة وعبادة، وتشريعًا ونظامًا، ومنهجًا متكاملًا للحياة، وطريقًا لتحرير الإنسان من طغيان الجاهلية التي أذلت كرامته، وأهدرت إنسانيته.. منذ ذلك الحين هاج الشر وثارت عواصفه، وتحركت قوى الفساد والطغيان؛ لتعمل على كل جبهة وفي كل ميدان وتلاحقت معارك الصراع عبر العصور، وتتابعت موجات الحقد والعدوان عارمة عاتية ترمي -بمكر وغدر وضراوة- إلى تدمير صرح الإسلام بتقويض ركائزه، ودك قواعده، بمختلف الأسلحة، وشتى الأساليب.. حتى يتسنى لها التسلط والاستعباد، والتصرف بأوضاع البشر بمعزل عن المنهج الإلهي.. منهج السعادة الكاملة، والطهر الخالص، والعدالة التامة، والحضارة الخيّرة المثلى.. وقد سجل القرآن الكريم كثيرًا من مواقف الشر والفساد، وصوّر نماذج من بغيهم ومكرهم وأذاهم، ورسم الملامح البارزة لوسائلهم وأهدافهم بهذه الآية الكريمة:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي
стр. 112
الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ ١
تلك هي قضيتنا الأساسية الأولى، وتلك هي أبعاد المعركة التي نخوضها في الحياة، وهي معركة الوجود الحق عقيدة وفكرًا ومجتمعًا وأمةً.. وحضارةً ونظامًا..
ومعركتنا هذه ليست ميدانها -دائما- ساحات القتال، وليست أسلحتها -في كل الظروف- الحديد والنار، والعدو فيها -أحيانًا- خفي مستور، يتوارى خلف فكرة في سطور، فيزرع في القلوب بذور الانحراف، وينشر في الضمائر ضباب الفساد، ويتسلَّل بذلك إلى أكثر المواقع منعةً وقوةً، ويجردها من روح الصمود ويتركها بعد ذلك هدفًا مكشوفًا للسحق والتدمير..
٣- وإن من حق قضيتنا علينا: أن نكون أولاً في مستواها الرفيع، وجنود معركتها الأوفياء.. إنها معركة الإيمان الذي حقق لهذه الأمة وحدتها، وحدد لها رسالتها، ونظم لها حياتها.. هذا الإيمان الذي تحررت في ظلاله أمم وشعوب، وفتحت دول وأمصار، وعرف الإنسان به نفسه فهذبها بالخلق، وفكره فصقله بالعلم، وروحه فأحياها بالتقوى، فإذا بالمسلم -كما رباه المنهج الإلهي- طاقة حية تخضع لله، وتعيش للحق، وتموج بالنور، وتختفي من وجودها عناصر الشر، وأشباح الضلال، وتنشر في الدنيا مبادئ العدل والمساواة والسلام..
فيجب أن نكون مؤمنين إيمانًا لا يلمع في قلوبنا كلمعان السراب، ولكنه يتفجر منها كما يتفجر من جبهة الشمس نبع النور المشرق الوضاء. إنها معركة فكر.. والفكر البشري قد تقدم اليوم وارتقى، وقطع
стр. 113
أشواطًا في الكشف والاختراع بعيدة المدى، ولكنه في جموح بعض جوانبه، وغرور طائفة من رجاله، جاوز وظيفته في البناء إلى التخريب حين أقصي من منطلق حركته سنة الله في الكون، وحكمته في الحياة، وفطرته في الإنسان.. فَضَلَّ وتاه.. وأصبح بذلك داءًا قائلاً بدل أن يكون الدواء النافع، وانقلب نارًا محرقة بدل أن يكون النور الساطع..
قال تعالى:
﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ ١
стр. 114
المعركة وأصالة البناء الثقافي:
١- ولا بُدَّ لنا من أن نقيم بناءنا الثقافي على ركيزة الأصالة حتى يكون واضح السِّمَةِ، معروف النسب، موصلًا بعقيدتنا الحقة، ومبادئنا السامية، وشخصيتنا المتميزة، وقيمنا الخالدة.. وأن نقومه تقويمًا عميقًا ونحرره من أخلاط الثقافات المسمومة، ورواسب الغزو الفكري الدخيل.. حتى يكون عطاؤه السخي حقًا خالصًا، وعلمًا نافعًا، وعمرانًا دائمًا، وإبداعًا حضاريًا يسير في ركب الإيمان والحق والعدالة والحرية..
ودعامة الأصالة الثقافية للأمة الإسلامية هي الفهم الصحيح لكتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، والتفقه في الدين، واستيعاب التاريخ الإسلامي، وحل المشكلات المعاصرة للمجتمع الإسلامي من
стр. 115
خلال تحكيم شرع الله ﵎ تحكيمًا كاملاً من غير تأويل تمليه الأهواء، أو تحمل عليه نزعة الانهزام الفكري والنفسي أمام التيارات المعادية الطاغية..
ولا تتحقق هذه الأصالة إلا بالإحاطة الشاملة بالإسلام عقيدة وعبادة وتشريعًا وخلقًا، "وإن أكبر نكبة أصيب بها المسلمون اليوم هي أنه ليس فيهم التفقه في الدين، والتدبر في الكتاب والسنة، وهذا هو الذي زعزع أركان عقائدهم، وجرد أعمالهم عن الروح، وشتت شملهم، وخيب مساعيهم، ودفع حياتهم في الفوضى. لا ريب أن فيهم عددًا كبيرًا يعشقون الإسلام، ولكن الذين يستطيعون فهمه منهم هم نزر يسير.
ومن نتائج هذا الجهل والفوضى أن الذين يدَّعون الإسلام ويزعمون أنفسهم مسلمين، يوجد فيهم أشنع ما يكون من أنواع الأوهام، وعقائد الشرك، بل هم يعتنقون مبادئ ونظمًا تدعو صراحة إلى الإلحاد والكفر بالله، ولا يشعرون بأن الإسلام الذي يدَّعُون اتباعه لا يتلاءم أبدًا مع هذه الأفكار، وأن بينه وبينها ما بين السماء والأرض"١
٢- وإذا أردنا للأصالة أن تكون مكتملة الوجود في حياتنا الثقافية فلا بد لنا من التفريق -في علاقاتنا مع الغرب- بين الأشياء والأفكار، والتمييز بين المظاهر والحقائق، ووعي الغايات من خلال الوسائل، والحذر من السقوط في وثنية التقدم التي تردى فيها الغربيون، بعد أن جعلوا الدين معزولاً عن الحياة، ووضعوه في أبعد مكان في مؤخرة الأحداث.. فهذا هو التقليد المردي الذي يفقد الأمة الإسلامية أصالتها في الميدان الثقافي. ولسنا نعني "أن المسلمين لا يستطيعون أن يفيدوا
стр. 116
كثيرًا من الغرب وبخاصة في مجالي العلوم والفنون الصناعية؛ ذلك أن اكتساب الأفكار والأساليب العلمية ليس في الحق "تقليدًا" وبالتأكيد ليس في حالة قوم يأمرهم دينهم بطلب العلم حيثما يمكن أن يوجد. إن العلم لا غربي ولا شرقي ذلك أن الاكتشافات العلمية ليست إلا حلقات في سلسلة لا نهاية لها من الجهد العقلي الذي يضم الجنس البشري بكامله. إن كل عالم يبني على الأسس التي يقدمها له أسلافه، سواء كانوا من بني أمته أو من أبناء أمة غيرها، وعملية البناء والإصلاح والتحسين هذه تستمر وتستمر، ومن إنسان إلى إنسان، ومن عصر إلى عصر، ومن مدينة إلى مدينة؛ بحيث إن ما يحققه عصر معين أو مدنية معينة من أعمال علمية جليلة لا يمكن مطلقًا أن يقال إنها تخص أو تعود إلى ذلك العصر أو تلك المدنية"١.
وبعد.. فإنّ قضيتنا ليست موجةً عابرة على سطح الحياة، تعبث بها الأنواء ويدفعها مَدُّ الأحداث، ويحسرها بعد ذلك جزرها.. حتى تتكسر على الشاطئ وتضمحل ويطول بها الفناء.. بل روح الحياة، وشعلة الهدى، ومعقد الرجاء، وهي أمانة الله، ودعوته إلى البشر، حملها الجيل المثالي الرائد من الأجداد بقوة وصدق وإخلاص، فنشر رايتها في شرق الأرض وغربها، وخط بالدم الزكي الطاهر حدود هذا العالم الإسلام الكبير..
وجيل أمتنا اليوم مدعو إلى أن يكون أكثر -مما هو عليه- إيمانًا بقضيته، وإحاطة برسالته. ووعيًا لمقوماته، وأشد حرصًا على أن أن يتزود بالإيمان، ويتسلح بالفكر؛ ليخوض المعركة بثقة وعزيمة وثبات، ويطل على الدنيا من جديد، ويقول للتائهين السادرين: هذا هو الطريق ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٢
стр. 117
طبيعة المعركة وصُوَر العَداء المعركة في ماضيها وحاضرها:
١- حين انبثق نور الدعوة الإسلامية في فجرها الزاهي المشرق لقيت من أعداء الحق عتاة الجاهلية ورءوس الضلال ألوانًا شتى من التكذيب والسخرية، والتحدي والعدوان، فقد أخذتهم العزة بالإثم، وشق على نفوسهم المستكبرة أن تهز هذه الدعوة من القواعد مواريث الباطل، الذي كانوا يرتكزون إليه، ويصدرون في سلطانهم عنه، ويتحكمون باسمه في رقاب العباد، ويعيثون في الأرض الفساد.. فاندفعوا يسومون المؤمنين سوء العذاب، ويشنون عليهم حملات عاتية من البغي والإيذاء، وأغراهم بالتمادي في طغيانهم أنه لم تكن للمسلمين في بدء دعوتهم منعة وقوة وسلطان، فلم يكن ثمة ما يحملهم على أن يطامنوا من كبريائهم وعنفوانهم المغرور، إذ لم تكن للمسلمين آنذاك سلطة مطاعة، أو قوة مرهوبة.. ولكنّ ما شهدوه من صمود المؤمنين وصبرهم وثباتهم جلعهم يدركون أن الإيمان بالله والانضواء تحت راية الاسلام، قد زوَّد هؤلاء المسلمين بقوة عجيبة لا تغلب، وعزيمة خارقة لا تلين.. وروح لا تعبأ بالعدوان، ولا تخضع للطغيان.
стр. 118
لم يكن موكب الهداية يعبأ بما كان يلقى من أعدائه من عنت وشدة وعدوان، ولم يتح أي فرد في هذا الموكب الطاهر العظيم لهؤلاء الأعداء فرصة النيل من دعوته بموقف ضعف أو مهانة واستخذاء، وكانت قوة الإيمان هي تلك الدرع التي تنبو عنها الضربات مهما اشتدت.. بل لقد جعلت الأعداء على مثل اليقين أن معركتهم خاسرة وإن كانوا يملكون من القوى المادية ما يجعلهم أكثر تفوقًا ورجحانًا.. ولكن قوة الإيمان كانت تؤذن الباطل بنهايته، وتنذره باندحاره. فهي -في ميزان القوى- القوة الكبرى التي لا تعرف الهزيمة والضعف والاستسلام ومن شأنها إذا امتلأت بها القلوب وتحركت بها العزائم، أن تلجئ الأعداء إلى الانكفاء والضمور.. فالإيمان في مدِّه الكبير هو وحده صانع البطولات.
٢- ثم إن المعركة بين دعوة الإسلام والزائغين عنها المقاومين لها هي معركة دائمة الاحتدام، عنيفة الصراع، مشبوبة الأوار تجري اليوم -كما جرت من قبل- على جبهة واسعة عريضة، والأعداء فيها أصناف شتى، ولهم في الوصول إلى أهدافهم المعادية وسائل متنوعة متعددة، وهم على اختلاف أشكالهم وتعدد أسلحتهم دائبون في الحرب المكشوفة والمستورة، بمكر ودس وتآمر وتصادم، يرمون بحقد ولؤم إلى تحطيم هذه الدعوة، وتمزيق وحدة المسلمين، وصد الناس عن اتباع الهدى، ووقف التيار المشرق الزاخر بالإيمان عن أن يبلغ أهدافه الطيبة الكريمة في حياة البشر.
لقد كانوا يعلمون -من قبل- على ما بينهم من تنافر وخلاف إلى غاية واحدة: وهي القضاء على الإسلام، واستئصال شأفة المسلمين، فقد واجه المشركون -مثلاً- دعوة الإسلام بالإعراض والتحدي
стр. 119
والعناد والاستكبار، ولم يكونوا يصدرون في موقفهم ذلك عن أي أثارة من علم، أو مسكة من منطق، بل لم تكن لديهم شبهات يثيرونها، أو مسائل يناورون بها، وكل ما كانوا ينطلقون منه هو اتباع الآباء وتقليد الأجداد، والجمود على هذا الميراث الفاسد والركام التافه من أساطير الجاهلية وطوفان الوثنية.
أما موقف أعداء الإسلام من أهل الكتاب -وبخاصة اليهود- فلم يكن من حيث النتيجة يختلف عن موقف المشركين، وإن أخذ جحودهم وإعراضهم صورًا أخرى تتسم بالإفك والتزوير، ونشر الشبهات، وبث المفتريات، وقد كانوا متناسقين في خططهم الماكرة؛ وتشكيكهم وتآمرهم مع المشركين في عدائهم المكشوف، وأسلوبهم الأرعن.. لقد كان الفريقان يصدران عن نزعة واحدة هي الحقد العنيف والعداوة والبغضاء، ويساند بعضهم بعضا، ويتعاونون على الأثم والعداون.. ولم يختلف شأنهم اليوم عما كان عليه موقف من سبقهم من أعداء الأمس، إنهم -وإن تغيرت منهم الأسماء والسمات، والمذاهب والنزعات- الأعداء الألداء لنا ولدعوتنا، لايتفقون -إذا اختلفوا- إلا على حربنا وكراهيتنا، ومحاولة القضاء علينا.
٣- ومن وقائع تاريخنا الإسلامي حول طابع العلاقات التي كانت قائمة بين الجماعة الإسلامية في بدء تكوين مجتمعها الفريد، وإقامة دولتها الفاضلة.. أن بعض المسلمين كانوا -انطلاقا من روحهم الطيبة، وسريرتهم الصافية، ووفائهم بعهدهم- ما يزالون مخدوعين بمن كان يعيش بين ظهرانيهم في تلك الفترة من مخالفيهم في الدين من اليهود وغيرهم.. ممن أظهر الموادعة والمسالمة، ودخل في ذمة المؤمنين، ولكن الحقيقة التي كشفت عنها الوقائع فيما بعد، ودلت عليها التجارب التي تشي بما تنطوي عليه النفوس.. أكدت أن هؤلاء المتظاهرين بالود
стр. 120
وحسن التعايش وصدق التعامل، لم يكونوا سوى نماذج سيئة في الدس واللؤم والمكر.. بما قاموا به من ضروب الفتن وحبك الدسائس والمكر الخفي، بل كان لهم في مهمتهم الخبيثة أعوان من المنافقين الذين تظاهروا -كذباً وزورا- بأنهم مؤمنون؛ ليتاح لهم -من خلال تظاهرهم الكاذب- أن يمارسوا مهمة تمزيق الجماعة الإسلامية، وتفريق صفوفها، وهدم دولتها، وصد الناس عن الاستجابة لدعوتها.
لم يكن المسلمون جميعا -والأمر ما يزال في أوله- على معرفة تامة بحقيقة هؤلاء الأعداء الحاقدين، الذين يجاورونهم ويعيشون فيما بنيهم، فربما أفضى إليهم بعض المؤمنين بالمودة، أو اتخذ منهم بطانة وأصحابًا اغترارًا بظاهرة حالهم ومعسول كلامهم.
إزاء هذا الواقع جاء المنهج الإسلامي يحذر المؤمنين من موالاة هؤلاء الأعداء، واتخاذهم بطانة وأصدقاء.. فهؤلاء لا يصلحون أن يكونوا كذلك، وهم لا يقصرون في أي عمل يسبب للمؤمنين الفتنة والفساد والتشويش، ويتمنون لهم كل عنت ومشقة وسوء.. وإذا لم تظهر علامات البغض والكراهية على ألسنتهم، فإن قلوبهم تتميز غيظا بالحقد على المسلمين لما يرون من ائتلافهم واجتماع كلمتهم.. وصلاح ذات بينهم..
٤- وإن من طبيعة المنحرفين عن المنهج الإلهي، الذي جاءت به دعوة الإسلام هدىً وحقًا ونورًا، أن يقفوا من قواعده الخيرة، ومقاصده السامية، موقف التحدي والعداء، وأن يحاولوا -بكل ما لديهم من وسائل- أن يوقفوا تحركه نحو صدّ غلواء الباطل، وكبح جماح الشر، وتحطيم كبرياء الهوى.. فهذه هي ركائز انحرافهم، وقواعد فسادهم، فإذا تحطمت وانهارت كان وجودهم كله على شفا جرف هارٍ. وكان مآلهم في خاتمة المطاف إلى الهلاك والدمار.. فهم إنما يصدرون -في الحقيقة-
стр. 121
عن نزعة الدفاع عن هذا الوجود الفاسد المتهلهل. وإن كانوا يتخذون لذلك خطة الهجوم، وأسلوب التحدي، ويلتمسون لتحقيق مقاصدهم الخبيثة وسائل الدس والتشكيك، وإثارة الشبهات، وإدارة معارك الجدال الفارغ، والمراء العقيم، ويزعمون -إمعانًا في المكر والتضليل- أنهم رواد الحقيقة.. وأنهم موضوعيون. وأنصار البحث الدقيق، والفكر الحر.. والواقع أنهم ليسوا صادقين فيما يدعون، فهم لا يبحثون عن الحقيقة بل يكابرون فيها، ولا يودون تمحيص الموضوعات وبحثها لمعرفة الحق فيما يتعرضون له من مسائل، أو يثيرونه من قضايا وأمور.. فهم متعصبون لباطلهم، متشبثون بما هم عليه من إفك ووهم وزور.
إن هذا المسلك الذي يتسم بالالتواء والمخاتلة، وتشويه الحقائق، وإثارة الشبهات، هو مسلك أعداء هذا الدين في القديم والحديث. وتسجل وقائع التاريخ أن اليهود كانوا -في بدء الدعوة- أول من عمل على بلبلة الأفكار، وتصيد الشبهات، وشن الحملات، لإضعاف الصف المؤمن، وتمزيق وحدته، وصد الناس عن دين الله.. ولعلهم ما يزالون في عصرنا هذا، وراء هذا الغزو الفكري المعادي الذي يتحرك على أيدي المستشرقين والمستغربين لتشويه دعوة الحق، وطمس معالم النور.
٥- ثم إن من دأب أعداء الإسلام في كل عصر أن يحاولوا بكل ما في صدورهم من حقد، وما في وسائلهم من كيد، وما في رءوسهم من مكر، أن يقصوا الناس عن الهدى، ويصرفوهم عن الإيمان، ويدفعوهم في مسالك الضلال، وطرق الشر، ومهاوي الرذيلة، ودروب الغواية.. إنهم لا يحقدون على شيء كما يحقدون على هذه العقيدة الحقة النيرة، التي تحرر الفكر والوجدان، وتطهر القلوب، وتزكي النفوس، وتصحح التصورات، وتقوّم الأوضاع وتخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد الذي لا شريك له، كما تخرج البشر من إسار الطغيان، وجور
стр. 122
النظم الفاسدة، وتشويه العقائد الزائفة.. إلى آفاق الحرية والكرامة، والعدالة والاستقامة.
ويعرف أعداء الإسلام أن لا سبيل لهم إلى التسلط والاستبداد، والسيطرة على زمام البشر، والتحكم بأوضاعهم والتفرد بقيادتهم.. بروح متألهة عاتبة، ونزعة جشعة خبيثة.. لا سبيل لهم إلى تحقيق آمالهم المدمرة، وأهدافهم الشريرة ما دام لهذا الإسلام -بعقيدته وتشريعه وأخلاقه ونظمه- وجود قوي، وكيان مكين، ودولة وسلطان. ويدركون أنه الدعوة الكريمة إلى الحياة الطيبة، وأنه رسالة الخلاص والإنقاذ، وسبيل الطمأنينة والسلام. ولما كانوا هم أعداء كل خير، وخصوم كل هذه المثل العالية والقيم الرفيعة. فإنهم يقذفون بكل قوتهم في المعركة التي يديرونها لتحطيم هذا الإسلام، والقضاء على دعوته، وتشويه رسالته، وتدمير قوته، وتمزيق دولته.
هذا شأنهم اليوم وذلك هو شأنهم من قبل منذ فجر هذه الدعوة، ولكنهم -وإن أصابوا في هجماتهم بعض النجاح في بعض الفترات- يعلمون علم اليقين أن الإسلام بقوته الذاتية أمنع من أن تنال منه قوتهم مهما بلغت، وأعز من أن يخضع لسلطانهم، أو يتقوض أمام عدوانهم، فهو عقيدة الكفاح الصامد والجهاد الصادق، والحق الذي لا ينهزم. ولكن لا بد لتحقيق ذلك من جنود الإيمان الأوفياء.
стр. 123
صور العداء:
نستعرض -فيما يلي- أمثلة من عداء اليهود وغيرهم؛ ذلك العداء الماكر للإسلام، والتآمر الخبيث عليه منذ فجر الدعوة، وإذا كان التاريخ -كما يقال- يعيد نفسه، فإن من الحق أن نقول -ونحن نشهد
стр. 124
اليوم ضروبًا من الغزو الفكري، والعدوان المادي والحرب النفسية، وكثيرًا من التحديات المعاصرة-: "ما أشبه الليلة بالبارحة! ".
لقد كان الإسلام من أول عهده هدفًا لهجمات عنيفة قاسية لا تحتملها ديانة من الديانات، هجمات على قلبه وأعصابه لا تعرف الهوادة ولا الرفق ولا ترضى إلا بالفناء. إن الديانات التي فتحت في عصرها الدنيا، وأخضعت الأمم والحضارات قد ذابت وتحللت أمام هجمات أضعف منها بكثير، وفقدت شخصيتها وكيانها، ولكن الإسلام -بالعكس من ذلك- رد هذه الهجمات كلها على أعقابها وكسرها، وظل محافظًا على قوته وشخصيته وعلى مزاياه وروحه.
لقد كانت الباطنية بفروعها ومذاهبها المتنوعة خطرًا على روح الإسلام النقية وعقائده الصافية الواضحة، تتهدد وضع الإسلام الحقيقي، وكذلك كانت الغارة الصليبية، ثم هجوم التتار -ذلك الجراد المنتشر- صاعقة نزلت على الإسلام والأمة الإسلامية، وكانت جديرة بأن تقضي على الإسلام وتقصيه من ميدان الحياة ومصاف الأمم الحية، فلو كان غير الإسلام من الديانات للفظ نفسه الأخير وأصبح أسطورة من الأساطير.
ولكن الإسلام تحمل كل هذه الصدمات وكل هذه الصواعق، واستطاع أن يعيش رغم كل ذلك وهو يشق طريقه بقوة ويفتح كل يوم -في كل ميدان من ميادين الحياة - فتحًا جديدًا.
لقد مُنِيَ عبر تاريخه المديد بما لا حصر له من المؤامرات والدسائس، والتحدي الداخلي والخارجي لمبادئه وأحكامه ودولته ونظامه، وكان -أكثر من مرة- عرضة لتحريفات الغلو في الدين، وتأويلات أهل الجهالة والهوى، وانتحال أهل الفساد والباطل، وتسربت إليه البدع والضلالات والتقاليد الجاهلية والأفكار الوثنية، وهاجمته
стр. 125
موجات الإلحاد والزندقة عبر كثير من الفلسفات الوافدة شرقية وغربية.. ولكنه ظل في موقعه صامدًا راسخًا يرد الهجمات ويصد التحديات ...
لقد أبى الإسلام أن يستسلم لهذه الهجمات، وأن يخضع ويستكين لأعدائه، وأبت روح الإسلام أن تنهزم، وأبى ضمير الأمة المسلمة أن يصالح هذه الفتن وأن يتفاهم مع أعداء الإسلام، والمتآمرين ضده. ولكن الأعداء لم يكفوا ولن يكفوا، وما يزالون ماضين إلى هدفهم الخبيث بوسائل جديدة، وأنواع من التحديات، وضروب من المفتريات، يزحفون حتى يسدوا على الناس كل سبيل للحق، أو يفتح الله بابًا من أبواب رحمته فيبعث عليهم من ينكل بهم ويقطع دابر ما يثيرونه من فتن.
والجديد في أمرهم أن شرهم لم يعد مقصورًا في هذه الأيام على الكلام، فقد انتقلوا من مرحلة الكلام إلى مرحلة العمل، بعد أن نجحوا في التسرب إلى الحصون التي تحمل قيمنا وراء كثير مما صنعوه من مذاهب باطلة وشعارات زائفة وأسماء ما أنزل الله بها من سلطان.
وهم على اختلاف نزعاتهم، وعلى تباين ساداتهم وشياطينهم متعارفون متضامنون، يحمي كبيرهم صغيرهم، ويمهد السابق منهم للاحق، ويتحركون -كما كان المشركون واليهود في فجر الدعوة يتحركون-؛ لتحقيق هدفهم بتخطيط محكم، وتنسيق دقيق، وإحكام للدسائس، وحبك للمؤامرات، حتى يبلغوا ما يرمون إليه من هدمٍ لهذا الدين وإطفاءٍ لنور الله١
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ١
стр. 126
١- سلاح الفتنة:
أ- لقيت دعوة الإسلام التي جاءت بمنهج الحق والخير للبشر جميعا من المجتمع الجاهلي الذي عملت على تحريره وتطهيره، وإنقاذه من الضلال والفساد، ما لا بد أن يلقاه الحق الذي يواجه الباطل من معارضة واستهتار، وعناد واستكبار، كانت أوضاعه المعوجة الشوهاء التي أقامتها الوثنية وعمقتها العصبية، أكثف حجاب مظلم بين المشركين وبين الإيمان.
هذا موقف المشركين، أما اليهود الذين كانوا يعايشون المسلمين في المدينة بعد الهجرة إليها، فقد كان موقفهم من الإسلام أشد كفرًا وأبعد مكرًا، فقد كفروا بالحق الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة، حين كذبوا رسول الله ﷺ وهم يجدون البشارة به فيما يتلون من كتاب، لقد عزّ عليهم -حسدًا وبغيًا- أن يكون النبي الذي كانوا يقولون للعرب: قد أظلنا زمانه من غير اليهود، وساءهم أن ينزل القرآن بلسان عربي مبين، كانوا يعرفون أن رسول الله ﷺ هو النبي الذي ينتظرون، وأن ما أنزل عليه من الآيات هدى وحق ونور، ولكن غلبت عليهم شقوتهم المتأصلة فيهم، فلم يخرجوا عن أن يكونوا حلقة جديدة في سلسلة الشر والكفر والمكر، سلسلة الضلال والحقد والعدوان الذي عرف به اليهود في أحقاب التاريخ، لم يكفهم أن يكفروا وكل ما حولهم يبعث على الهداية والإيمان، بل اندفعوا -بكل ما عرف عنهم من نوازع الشر وحبائل المكر- يَصُدُّون الناس عن دين الله، ويعملون على إيقاد نار الفتن، وإثارة عوامل الفرقة، وقطع روابط الألفة، وهدم قيم الحق والخير، يبغون -وهم أهل العوج والانحراف- أن يعم الفساد، وتسود البغضاء، وتنتشر الفتن، ويبعد البشر عن سبيل الاستقامة والرشاد.
لقد كان هدف هؤلاء الأعداء الحاقدين أن يردوا المؤمنين إلى الكفر بعد
стр. 127
أن أكرمهم الله بالإيمان، وأن يقذفوهم في حضيض التمزق والضياع بعد أن سلكوا سبيلهم إلى تسنم ذُرَى الوحدة والنور، كانوا يريدون لهم أن يظلوا -كما كان شأنهم في الجاهلية- حيارى تائهين، تفترسهم العصبيات، وتفتك بهم العداوات، وتدمرهم الأحقاد والثأرات.
ب- إنهم يريدون -وهذا شأنهم في كل عصر- أن يبتعد المسلمون عقيدةً وفكرًا وعملاً وخلقًا، وتربيةً ونظامًا، عن سبيل الله الذي يحقق لهم الوجود الحق، والكيان القوي، والمجد الرفيع، والنصر الكبير، وليس سبيلهم إلى تحقيق ما يريدون من أذى وشر وفساد إلا العمل على فصم عُرَى المودة والإخاء، وإثارة نوازع العداوة والبغضاء؛ ولذا فقد جاءت آيات الوحي الكريم تكشف حقيقتهم، وتفضح حركتهم، وتحذر المؤمنين من مكرهم وشرهم، وتشدهم شدًا محكمًا إلى منهجهم الإلهي، وتربطهم ربطًا وثيقا بمصدر خيرهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة، كتاب الله ، والاعتصام بحبله المتين.
قال تعالى:
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ، قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ، وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١.
стр. 128
روي في أسباب نزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً﴾ الآية: أنه مر "شاس بن قيس اليهودي" وكان شيخًا قد عمي في الجاهلية، عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم، مَرّ "شاس" هذا على نفرٍ من أصحاب رسول الله ﷺ من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من جماعتهم وألفتهم فقال: قد اجتمع ملأ بني قَيْلَة بهذه البلاد -يريد الأوس، والخزرج- بعد الذي كان بينهم، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمعوا بها من قرار. فأمر شابًا من اليهود كان معه فقال له: اعمد إليهم، ثم ذكِّرْهُم بيوم بعَاث، وما كان قبله -وهو من حروب الأوس والخزرج في الجاهلية - وقال الشاب: أنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، ففعل الشاب ما أمره به "شاس" فعند ذلك تكلم القوم فتنازعوا وتفاخروا، حتى تواثب رجلان من الحيين فَتَقَاوَلا، وقال أحدهما لصاحبه: إن شئت والله رددتُها الآن جذعة، أي أثرت الحرب من جديد، وغضب الفريقان وقالا: قد فعلنا، السلاح السلاح. موعدكم الظاهر -وهي حرة في المدينة- فخرجوا إليها، وتلاقى الأوس والخزرج على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين حتى جاءهم فقال: "يا معشر المسلمين، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم، بعد أن أكرمكم الله بالإسلام، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، وألف بينكم، فترجعون إلى ما كتنم عليه كفارًا؟ الله الله". فعرف القوم عند ذلك أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح من أيديهم، وبكوا وعانق بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ سامعين مطيعين. فأنزل الله :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ، وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ
стр. 129
وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١.
٢- حرب الشبهات:
أ- يستهدف أعداء الإسلام في كل عصر صرف الناس عن الهدى، وصدهم عن الحق، وإقصاءهم عن سلوك السبيل السوي، وانتظامهم في ركب الإيمان الخالص.. ويسوؤهم دائما أن يستجيب البشر لدعوة الله، ويتبعوا منهجه القويم، ويتخذون لبلوغ أغراضهم السيئة وسائل شتى تصدر عن حقدهم وضلالهم، ويحاولون تحقيق ما يرمون إليه بضروب كثيرة من الدس والتشويه، والتشكيك، ولا يتوانون أبدًا عن خطتهم الماكرة المدمرة في تفريق الصف المؤمن، وتمزيق وحدته، وتوهين قوته، وفك ارتباطه بدعوته.
ولقد واجه أعداء الإسلام من اليهود وغيرهم هذه الدعوة الحقة الكريمة في فجر انتشارها بألوان من الشبهات، وأنماط من المفتريات، بغية إشاعة نزعات الشك، وتضليل العقول، وإفساد العقيدة، ونشر الانحراف، وكانت إثارة نزعة الجدال العقيم -في إطار التشويه والتشكيك- وسيلة هؤلاء في محاولتهم الماكرة تحويل المؤمنين عن المنحى الإيجابي المثمر البناء، إلى منحى الفرقة والبلبلة والخلاف، فأثاروا بعض الشبهات حول نسخ بعض الأوامر والتكاليف؛ بغية زعزعة إيمان المسلمين بعقيدتهم وصدهم عنها.
ويدعي اليهود حين ينكرون النسخ أنه "يستلزم في زعمهم البداء، وهو
стр. 130
الظهور بعد الخفاء، وهم يعنون بذلك: أن النسخ إما أن يكون لغير حكمة، وهذا عبث محال على الله، وإما أن يكون لحكمة ظهرت ولم تكن ظاهرة من قبل، وهذا يستلزم البداء وسبق الجهل، وهو محال على الله تعالى.
واستدلالهم هذا فاسد؛ لأن كلًا من حكمة الناسخ وحكمة المنسوخ معلوم لله -تعالى- من قبل، فلم يتجدد علمه بها، وهو -سبحانه- ينقل العباد من حكم إلى حكم؛ لمصلحة معلومة له من قبل بمقتضى حكمته وتصرفه المطلق في ملكه.
واليهود أنفسهم يعترفون بأن شريعة موسى ناسخة لما قبلها. وجاء في نصوص التوراة النسخ، كتحريم كثير من الحيوان على بني إسرائيل بعد حله.
قال تعالى في إخباره عنهم:
﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ ١
وقال:
﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآية ٢.
"وثبت في التوراة أن آدم كان يزوج من الأخت، وقد حرم الله ذلك على موسى، وأن موسى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا من عبد منهم العجل، ثم أمرهم برفع السيف عنه"٣
стр. 131
ب- هذا وإن النسخ واقع في كل شريعة بالنسبة لما قبلها، وفي الشريعة الواحدة، ولكن النسخ لا يتناول جوهر هذه الشرائع وأصولها فهي متحدة في جملة مراميها في العقيدة والخلق، وقد ذكر الله أن شرائع النبيين واحدة لا اختلاف بالنسبة لأصولها ومراميها الكلية.
فقال تعالى:
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ ١
حتى إذا صقلت النفس الإنسانية بتجارب الأحقاب ونضج العقل البشري جاءت شريعة الإسلام كلية في أكثر أحكامها في شئون الهداية والاجتماع، مخاطبة لكل الأجيال اللاحقة، صالحة لكل زمان ومكان. جاءت هذه الشريعة الإسلامية وفيها ناسخ ومنسوخ، وكانت الأحكام المنسوخة مناسبة في أوقاتها، حتى إذا زال ما يقتضي وجودها جاءت الأحكام المحكمة، ولا يرجع في معرفة النسخ إلا إلى نص صريح، ولا يعتمد فيه على قول لا يستند إلى نقل صحيح ثابت، فليس المجال -في النسخ- مجال اجتهاد بالرأي.
جـ- والحكمة في جواز النسخ هي التيسير على الأمة؛ لأن النسخ علاج للجماعة الإسلامية في عصرها الأول، ولم يثبت النسخ قط في الكليات، وإنما جاء في بعض التفصيلات الجزئية، ولذلك جاء النسخ بعد الهجرة عندما أخذ النبي ﷺ في إنشاء الدولة الإسلامية، ولأن الذي نزل بمكة إنما كان قواعد كلية وهي غير قابلة للنسخ٢.
стр. 132
في ضوء هذه الحقائق النقلية والعقلية يتضح أن دافع اليهود في إثارة مسألة نسخ بعض الأحكام إنما هو الكفر والعناد والتشويه والإفساد؛ إذ ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام الله تعالى؛ لأنه -سبحانه- يحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد، وقد وقع هذا النسخ في كتبه المتقدمة، وشرائعه الماضية، فهو أمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده ثم نسخ هذا الأمر قبل الفعل، وأمر -جل شأنه- جمهور بني إسرائيل بقتل من عبد العجل منهم ثم رفع عنهم هذا الأمر كيلا يستأصلهم القتل -كما أسلفنا- واليهود الذين أثاروا شبهة النسخ يعترفون بكل هذا، ولكنهم يصدفون عنه تعنتًا وعنادًا واستكبارًا، ومضيًا منهم في المكر بالإسلام وأهله.
وهنا يجيء وحي الله ﵎ بالحسم القاطع لكل ما يمكن أن يتسرب إلى العقول من شبهات زائفة، وشكوك باطلة، فيقرر -سبحانه- أن أي نسخ أو تعديل إنما هو لصالح البشر، ولتحقيق خير أكبر، وهو ﵎ خالق الناس ومرسل الرسل ومنزل الآيات، وله وحده الخلق والأمر، وهو المتصرف في خلقه بما يشاء، فيحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، وهو الذي يحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، ولا يُسْأَل عما يفعل وهم يُسألون، يأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها، ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى، فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره، واتباع رسله.
قال تعالى:
﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ ١
стр. 133
قال الإمام أبو جعفر بن جرير ﵀:
"وهذا الخير وإن كان خطابًا من الله -تعالى- لنبيه ﷺ على وجه الخبر عن عظمته، فإنه منه -جل ثناؤه- تكذيب لليهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة، وجحدوا نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام؛ لمجيئهما بما جاءا به من عند الله بتغيير ما غَيَّرَ الله من حكم التوراة، فأخبرهم الله أن له ملك السموات والأرض وسلطانها، وأن الخلق أهل مملكته وطاعته، وعليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه، وأن له أمرهم بما يشاء، ونهيهم عما يشاء من إقراره وأمره ونهيه".
هذا وإن المسلمين كلهم متفقون على جواز النسخ في أحكام الله -تعالى- لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وكلهم قال بوقوعه، ومن أمثلة ذلك قضية تحويل القبلة إلى الكعبة عن بيت المقدس، ونسخ مصابرة المسلم لعشرة من الكفرة إلى مصابرة الاثنين، ومن ذلك -أيضا- نسخ وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول ﷺ وغير ذلك.
د- إزاء هذا البيان الحاسم المقرر للحق فإن على المؤمنين أن يكونوا على حذر شديد من مسلك اليهود وغيرهم من أعداء الدين، قطعًا لدابر أي انخداع بهذه الشبهات الكاذبة والمفتريات الباطلة، ولا بد تحقيقًا لهذا الوعي المؤمن والتربية الإسلامية المثلى؛ أن يحذر المؤمنون من توجيه أسئلة للرسول ﷺ لا تتفق مع الثقة واليقين، وفي هذا استنكار للتشبه بقوم موسى في تعنتهم وطلبهم للبراهين والخوارق، وإعناتهم لرسولهم كلما أمرهم بأمر، أو أبلغهم بتكليف.. فهذا هو طريق التعنت الذي يحاول الكفار من أهل الكتاب أن يدفعوا المسلمين إلى سلوكه، إنه طريق الضلال واستبدال الإيمان بالكفر، وهم يحاولون أن يقودوا المسلمين إلى هذا حسدًا لهم وحقدًا عليهم، ورغبةً في إلحاق الأذى والشر بهم، وإذا
стр. 134
كان هدى الله قد دل المؤمنين على مكمن الخطر، ورباهم على الوعي والحذر، فقد وجههم إزاء ما يكتنف وجودهم المؤمن من تحديات وحملات، إلى الثبات على الإيمان، وأخذ الأمور بروح الصفح والعفو والاحتمال، والمضي في طريق الحق، والإقبال على عبادة الله، وادخار الحسنات، حتى يأتي أمر الله بالفتح والنصر المبين.
قال تعالى:
﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ، أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ، وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ١
٣- الدعاوى الباطلة:
أ- إن عقيدة الإسلام هي العقيدة الأصلية الكاملة الشاملة، التي تعلن الوحدة الكبرى للدين، من لدن إبراهيم أبي الأنبياء إلى خاتم رسل الله محمد ﷺ
стр. 135
لا يخالفها إلا ضالٌّ، ولا ينحرف عنها إلا متعنت، ولا يجحدها إلا ملحد، ولا يكابر فيما جاءت به من حقائق ساطعة وأدلة ناصعة إلا معاند مستكبر.. وقد لقيت هذه الدعوة من المشركين وأهل الكتاب ضروبًا من المعارضة، وصنوفًا من الكراهية والعداء، وإذا كان المشركون من العرب قد قابلوها بالتحدي والجحود والإنكار، حفاظًا على موروثات الجاهلية وتقليدًا فارغًا للآباء.. فقد قابلها أهل الكتاب الذين عاصروها بالشبهات الملتوية، والادعاءات الباطلة، والتشكيك والدس والافتراء.. ويصدر كلا الفريقين في ذلك عن مخالفة لأمر الله ومناوأة لدعوة الحق والهدى، واغترار بالباطل، واتباع للهوى ونزغات الشيطان.
وفي كتاب الله مناقشة لما يدعيه أهل الكتاب من اليهود والنصارى تعنتا بلا دليل من أنهم هم المهتدون، وأن ما هم عليه هو الحق، وأن على محمد ﷺ وأصحابه أن يتبعوهم؛ ليكونوا من المهتدين.. فقد قال اليهود لرسول -الله ﷺ : ما الهُدىَ إلا ما نحن عليه فاتبعنا -يا محمد- تَهْتَدِ!، وقال النصارى مثل ذلك، فرد الله ﵎ عليهم دعواهم، وفنَّدَ مزاعمهم، موجهًا رسوله محمدًا ﷺ أن يواجههم جميعا برفض ما يدعون إليه، وإعلان أن المؤمنين يتبعون ملة إبراهيم الذي استقام على التوحيد، وأخلص لله في عقيدته وعبادته، ووفى بعهد ربه فلم يدعُ معه غيره، ولم يشرك به طرفة عين، وتبرأ من كل معبود سواه.. وفي بيان هذه المناقشة وهذا الرد الحاسم يقول :
﴿وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١.
ب - ثم يرشد الله ﵎ عباده المؤمنين إلى دعوة أهل الكتاب إلى الإيمان
стр. 136
بهذا الدين الواحد، وإلى الإيمان بما أنزل إليهم بواسطة رسوله محمد ﷺ مفصلاً، وما أَنزل على الأنبياء المتقدمين مجملاً، ونص سبحانه على أعيان من الرسل، وأجمل ذكر بقية الأنبياء، داعيًا إلى عدم التفريق بين أحدٍ منهم، حتى لا يكونوا كمن قال الله فيهم:
﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً، أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً﴾ ١
وعن أبي هريرة ﵁ قال: كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا: آمنا بالله وما أنزل الله" ٢.
فالإيمان بالله وما أنزل على رسوله وأنزل على الأنبياء من قبله، هو المسلك السوي الراشد الذي يجب على عباد الله أن يسلكوه، وهو القاعدة التي تحقق الوحدة الكبرى بين الرسالات جميعًا، وتقيم أمور الناس ونظم الحياة على منهج التوحيد وفي ذلك يقول -تعليمًا للمسلمين وإرشادًا لهم إلى محاجة أهل الكتاب:
﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ٣
стр. 137
ج- إن سبيل الاستقامة منهج الهداية وطريق الرشاد، إنما هو في ثبات المؤمنين على العقيدة الحقة النيرة التي تسكب في القلوب روح الاعتزاز بالله والثقة به، والاطمئنان إلى نصره وتأييده فإن آمن المخالفون لهم بمثل ما آمنوا به؛ فقد أصابوا الحق واهتدوا إليه، وإن تولوا عن الحق إلى الباطل بعد قيام الحجة عليهم؛ فإنما يشاقون بذلك الأصل الثابت القوي الذي يجب أن يقوم عليه أمر الحياة وشئون البشر، ويلجون في ظلمات الكفر والفساد، ويتيهون في مهاوي الضلالة والشقاء، وسينصر الله المؤمنين عليهم ويظفرهم بهم، مهما كادوا ومكروا، وتآمروا وغدروا.. وسيتولى الله ﵎ عن رسوله والمؤمنين أمرهم إذا استقام المؤمنون على الطريقة، وجاهدوا في الله حق جهاده. فإن ما هم عليه هو دين الله الحق وصبغته الطيبة.. ومن أحسن صبغة من الله ، الذي شاء أن تكون شرعة الفطرة آخر رسالاته إلى عباده.
قال تعالى:
﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ ٣
٤- الجدال العقيم:
أ- كان من وسائل أهل الكتاب من اليهود والنصارى المنحرفين عن ملة إبراهيم دين الفطرة وشرعة التوحيد إثارة الجدال العقيم، والمحاجة الباطلة في حقائق العقيدة، وفي مقدمتها الحقيقة الكبرى الخالدة التي يصدر عنها كل خير، وينبثق من نورها ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان من صحة
стр. 138
صور العداء:
في التفكير، واستقامة في الاتجاه، وطهارة في السلوك، وصلاح في العمل.. إنها عقيدة التوحيد التي كان اليهود والنصارى يجادلون المسلمين بها.. كما يجادلهم بها المشركون.. والجدال في وحدانية الله وربوبيته، والمناظرة في الإخلاص له والانقياد لأوامره وترك زواجره على النحو الذي كان يثيره المنحرفون عن منهج الله- لا يرمي إلى تجلية الحقائق وترسيخها في الفكر والضمير؛ وإنما يستهدف التشكيك واللجاج الفارغ، وتعويق المؤمنين عن أداء مهمتهم الكبرى في نشر الهدى والدعوة إلى الحق..
ويرشد الله ﵎ رسوله ﷺ إلى درء هذه المجادلة الباطلة، وقطع دابر هذه المحاولة الخبيثة، التي لا تؤدي إلا إلى إثارة الريب، واشتغال المسلمين بدفع الشبهات، التي لا يقصد مثيروها بحثًا مخلصًا عن حقيقة لم تتضح لهم، للوصول إلى مزيد من الاقتناع واليقين.. وتوجيه القرآن الكريم في درء هذه المجادلة، منبثق من هذه الحجة القاطعة: وهي أنه لا مجال للجدل في توحيد الله ﵎، فهو ربنا وربكم المتصرف فينا وفيكم. ويدعو المؤمنين بعد هذا الرد الحاسم، إلى أن يعلنوا لهؤلاء المنحرفين المجادلين أنهم برآء منهم ومما يعبدون، كما قال تعالى:
﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ١
كما يدعوهم إلى أن يعلنوا أنهم متجردون لله مخلصون له، لا يشركون به شيئًا ولا يرجون معه أحدًا.. وفي ذلك يقول :
﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا
стр. 139
وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ ١.
ولهذا التوجيه الإلهي لرسول الله ﷺ في حسم الجدال مع هؤلاء الضالين أثر بالغ في قطع دابر اللجاج والمحاجة بالباطل، وهو أصيل في المنهج الإلهي الراشد عريق فيه.. ويشير القرآن الكريم إلى ذلك فيما أخبر به عن إبراهيم ﵇.. وفي ذلك يقول :
﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ، وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢.
ب- ثم يعالج القرآن في الآيات الكريمة صورة أخرى من صور الدعاوى الباطلة التي كان اليهود والنصارى يدعونها، مقررًا أنهم في ذلك كاذبون مفترون.. يجادلون كذلك بالباطل ويكتمون شهادة الحق، ويخالفون الحقيقة الجلية التي يعرفونها، والواقع المشهود الذي لا سبيل إلى إنكاره.. إن القرآن الكريم ينكر عليهم دعواهم أن إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط كانوا على ملتهم: إما اليهودية وإما النصرانية.. وقد أخبر الله تعالى أنهم لم يكونوا هودا ولا نصارى، ولقد كانوا أسبق من اليهودية والنصرانية، والله يشهد بحقيقة دينهم، وأنهم كانوا على الحنيفية الأولى التي لا تشرك بالله شيئًا.. كما قال تعالى:
﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً
стр. 140
مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١
إن هؤلاء الذي يجادلون بالباطل ويكابرون بالحق ظالمون مفترون، يكتمون شهادة الله التي جاءت في كتبهم، ويجحدون ما يعرفون من أنه سيبعث نبي في آخر الزمان دينه الحنيفية السمحاء.. الإسلام.. يجحدون ذلك كفرًا وضلالًا، وتعصبًا وحقدًا، وتجاوزًا على الحق الذي جاءهم من عند الله.
قال الحسن البصري: "كانوا يقرءون في كتاب الله الذي أتاهم: أن الدين الإسلام، وأن محمدًا رسول الله، وأن إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط كانوا برآء من اليهودية والنصرانية، فشهدوا لله بذلك، وأقرُّوا على أنفسهم لله، فكتموا شهادة الله عندهم من ذلك".
ولكن الله ﵎ مطلع على ما يخفون من الشهادة التي ائْتُمِنُوا عليها، عليم بما يثيرون من الجدال فيها لتعميتها وتلبيسها، وسيجزيهم على ذلك بما يستحقون ... وليس يغني عن هؤلاء الضالين انتسابهم إلى أولئك الأنبياء الكرام من غير متابعة لهم.. والانقياد مثلهم لأوامر الله..
قال تعالى:
﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢
стр. 141
٥- في حادث تحويل القبلة:
أ- كان حادث تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى البيت الحرام مثارا لحملة ضجيج وتساؤل واعتراض من الأعداء السفهاء الذين ينفخون في نار الفتنة، ويقودون حملة التشويه والتشكيك، ويحاولون أن يوجدوا في الصف المسلم نزعة البلبلة والانقسام، وأن يوقعوا في روع المؤمنين القلق والاضطراب.
ولا عجب أن يرمي هؤلاء السفهاء -بما يطلقون من أقاويل ويشنون من حملات- إلى كل هذا، فهم أعداء هذه الدعوة الخيرة، وخصوم هذه الجماعة المسلمة الكريمة، وهم -يهودا أو مشركين ومنافقين- يتربصون بالمسلمين الدوائر ويقاومون -بحقد ومكر ولؤم- إقامة منهج الله في الأرض.
يروى أن النبي ﷺ كان -وهو بمكة- يستقبل الصخرة التي في المسجد الأقصى ببيت المقدس في الصلاة، ولكنه كان يحب استقبال الكعبة، ويتمنى لو حول الله القبلة إليها، ومن ثم كان يجمع بين استقبالها واستقبال الصخرة، فيصلي مستقبلا الشمال. فلما هاجر إلى المدينة صلى مستقبلا بيت المقدس لتعذر الجمع بينهما، وبقي على ذلك ستة عشر شهرا أو يزيد ... وقد كان هذا التوجه إلى بيت المقدس -وهو قبلة أهل الكتاب من اليهود والنصارى- سببا في اتخاذ اليهود إياه ذريعة للاستكبار عن الدخول في الإسلام، فقد زعموا أن قبلتهم هي القبلة، وأن دينهم هو الأصل، وأن على محمد ومن معه أن يفيئوا إلى دينهم، لا أن يدعوهم إلى الدخول في الإسلام ... وكان هذا التوجه شاقا على العرب الذين آمنوا؛ لأنهم ألفوا تعظيم الكعبة، وجعلوها قبلتهم قبل مجيء الإسلام ... أما رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 142
فقد كان يتوجه إلى الله أن يجعل الكعبة هي القبلة؛ لأنها قبلة أبيه إبراهيم ...
لقد كان توجه الرسول ﷺ إلى بيت المقدس يعجب اليهود ويسرهم ويتخذونه -كما أسلفنا- حجة لانصرافهم عن الإسلام وتعصبهم لباطلهم.. فلما نزل القرآن الكريم يستجيب لما يعتمل في صدر الرسول ﷺ من رغبة في استقبال البيت الحرام، وولى وجههُ قِبَلَ البيت أنكروا ذلك، وانطلقوا يقودون حملة التشكيك، وقالوا للمسلمين: إذا كنتم في استقبال بيت المقدس على خطأ فقد ضاعت عبادتكم السابقة، وإذا كنتم على صواب فسوف تضيع عبادتكم الآتية، وكانت حملة هؤلاء السفهاء تستهدف الطعن بالإسلام، وإنكار نبوة محمد ﷺ والتشكيك في أن ما جاء به ليس وحيًا من الله يتلقاه.
عن البراء بن عازب ﵁ قال: أوَّل ما قدم رسول -الله ﷺ نزل على أجداده -أو قال أخواله- من الأنصار، وأنه صلى قِبَلَ بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قِبْلَتُهُ قِبَلَ البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه، فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول -الله ﷺ قِبَلَ الكعبة، فداروا كما هم قِبَلَ البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم؛ إذ كان يصلي قبل بيت المقدس، فلما ولى وجهه قِبَلَ البيت أنكروا ذلك، فنزلت: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ .
فقال السفهاء، وهم اليهود: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ "١.
стр. 143
ب- هذا هو الحادث الذي جاء وحي الله ﵎ فيه يحسم أقاويل هؤلاء السفهاء، ويرد حملتهم المنكرة، ويعالج آثارها في نفوس المؤمنين، مقررًا في ذلك حقائق في العقيدة والأمة، مبينًا حكمته تعالى في اختيار القبلة التي كانوا عليها، مطمئنًا المسلمين إلى عدم ضياع ثوابهم وفي ذلك ما يملأ قلوبهم بالثقة والرضى واليقين.
لقد تساءل أولئك السفهاء عن الأسباب التي حملت المسلمين على الانصراف عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فجاء جواب القرآن على هذا التساؤل: إن المشرق لله والمغرب لله، وهو الذي يَهْدِي من يشاء إلى الصراط المسقيم، فالجهات كلها لله؛ وإنما يجعل الله تعالى للناس قبلة لتكون جامعة لهم في عبادتهم، وما يختاره سبحانه فهو المختار، وهو يرشد إلى الطريق القويم الموصل إلى سعادة الدارين، وفي ذلك يقول :
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ للهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١.
بعد ذلك يتحدث السياق القرآني عن هذه الأمة الكبيرة، ورسالتها العظمى في الأرض، وخصائصها الفريدة، وشخصيتها الفذة المتميزة، مقررًا أنه سبحانه قد جعل هؤلاء المسلمين -بِهُدَاهُ- عدولاً أخيارًا، وجنَّبَهم مساوئ الإفراط والتفريط، فليسوا من أرباب الغلو في الدين المفرطين، ولا من أرباب التعطيل المفرِّطين، وأعدهم ليكونوا من الأمم في مركز الحكم العدل، الذي يقيم موازين القسط وقيم الحق، وجعل سبحانه رسول الهدى والنور شهيدًا عليهم، فهو المثل الحي والأسوة الحسنة، ويستحق المسلمون ثناء الله عليهم بأنهم الأمة
стр. 144
الوسط، وأنهم خير أمة أخرجت للناس باتباع سنته والاقتداء بسيرته والالتزام بشريعته.
ج- أما حكمة الله ﵎ في اختيار القبلة التي كانوا عليها، ثم جاء الأمر بالتحول عنها، فقد كانت اختبارًا للمؤمنين، يظهر به صدق الصادقين وريب المرتابين. وكانت تربيةً عظيمة لهذه الجماعة التي أراد الله لها أن تخلص في عبادتها وصدق اتجاهها، وأن تتخلص من رواسب الجاهلية ووشائجها، وإنه لامتحان عظيم لا يثبت عليه إلا الذين تشبعوا بالإيمان واطمأنت نفوسهم به، وإنها لتربية مثلى على احتمال التبعة، والقيام بأعباء القيادة على أمتن الأسس في الإخلاص والطاعة والتجرد، ومن حكمته سبحانه ورحمته بعباده أنه لم يكن ليضيع ثواب إيمان المسلمين الباعث لهم على اتباع الرسول في الصلاة وفي القبلة، فلو كان تحويل القبلة مما يضيع الإيمان بتفويت ثواب كان قبله لما حوّلها، وفي ذلك بشرى للمؤمنين المتبعين للرسول بأن الله يجزيهم الجزاء الأوفى، وهم أولى الناس برحمته ورأفته.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
لقد جاء رسول الله ﷺ بتحديد دعوة إبراهيم، وإحياء ملته، ولما
стр. 145
كانت الكعبة التي بناها إبراهيم ﵇ أقدم القبلتين، وأول بيت وضع للناس، فقد كان رسول الله ﷺ يرجو أن يوجهه ربه إلى قبلة أبيه إبراهيم، وكان يردد نظره جهة السماء حينًا بعد حين، تطلعًا للوحي بتحويل القبلة إلى الكعبة، وبخاصة بعد ما كثر لجاج اليهود وحجاجهم؛ إذ كانوا يقولون: يخالفنا في ديننا ويتبع قبلتنا!.. ولولا ديننا لم يدرِ أين يستقبل القبلة؟!..
ولقد استجاب الله ﵎ رجاءه، ووجهه إلى ما يرضيه، وجعله يلي الجهة التي يحبها ويتشوف لها، وأمره أن يولي وجهه شطر المسجد الحرام، وجعل ذلك قبلة له ولأمته في أي وقت، وفي أي مكان، قبلة تجمع هذه الأمة وتوحد بينها على اختلاف مواطنها.. وتعدد أجناسها وألسنتها وألوانها.. فعلى المؤمنين في أي مكان كانوا أن يستقبلوا جهة المسجد الحرام بوجوههم في الصلاة.. وهذا يقتضي أن يصلوا في بقاع الأرض المختلفة إلى سائر الجهات.. وبذلك يتميزون عن النصارى الذين يلتزمون جهة المشرق، واليهود الذين يلتزمون جهة الغرب.
وقد أكد سبحانه الأمر باستقبال المسجد الحرام، ووجَّهه إلى المؤمنين بعد أن أمر به نبيه ﷺ وشرفهم بالخطاب بعد خطاب رسوله، لتشتدَّ عزيمتهم وتطمئن قلوبهم، ويواجهوا ما أثاره أعداؤهم من اليهود والمنافقين -من الفتنة بشأن التحويل- بروح الثبات على الحق وصدق الاتباع.. ذلك أن هؤلاء الذين أوتوا الكتاب يعلمون حق العلم أن المسجد الحرام هو بيت الله الأول. الذي رفع قواعده إبراهيم ﵇، وأن التولِّي شطره هو الحق المنزَّل من عند الله لا مرية فيه.. ولكنهم -مع هذا- يأبون إلا أن يثيروا الفتنة، ويخدعون المؤمنين، ويقوموا بحملة التشكيك والتشويه.. ولقد افتضح أمرهم وانكشف تآمرهم.. فالله ﵎ غير غافل عما يعملون، وسوف يجازيهم