٥- في حادث تحويل القبلة:
أ- كان حادث تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى البيت الحرام مثارا لحملة ضجيج وتساؤل واعتراض من الأعداء السفهاء الذين ينفخون في نار الفتنة، ويقودون حملة التشويه والتشكيك، ويحاولون أن يوجدوا في الصف المسلم نزعة البلبلة والانقسام، وأن يوقعوا في روع المؤمنين القلق والاضطراب.
ولا عجب أن يرمي هؤلاء السفهاء -بما يطلقون من أقاويل ويشنون من حملات- إلى كل هذا، فهم أعداء هذه الدعوة الخيرة، وخصوم هذه الجماعة المسلمة الكريمة، وهم -يهودا أو مشركين ومنافقين- يتربصون بالمسلمين الدوائر ويقاومون -بحقد ومكر ولؤم- إقامة منهج الله في الأرض.
يروى أن النبي ﷺ كان -وهو بمكة- يستقبل الصخرة التي في المسجد الأقصى ببيت المقدس في الصلاة، ولكنه كان يحب استقبال الكعبة، ويتمنى لو حول الله القبلة إليها، ومن ثم كان يجمع بين استقبالها واستقبال الصخرة، فيصلي مستقبلا الشمال. فلما هاجر إلى المدينة صلى مستقبلا بيت المقدس لتعذر الجمع بينهما، وبقي على ذلك ستة عشر شهرا أو يزيد ... وقد كان هذا التوجه إلى بيت المقدس -وهو قبلة أهل الكتاب من اليهود والنصارى- سببا في اتخاذ اليهود إياه ذريعة للاستكبار عن الدخول في الإسلام، فقد زعموا أن قبلتهم هي القبلة، وأن دينهم هو الأصل، وأن على محمد ومن معه أن يفيئوا إلى دينهم، لا أن يدعوهم إلى الدخول في الإسلام ... وكان هذا التوجه شاقا على العرب الذين آمنوا؛ لأنهم ألفوا تعظيم الكعبة، وجعلوها قبلتهم قبل مجيء الإسلام ... أما رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 142
فقد كان يتوجه إلى الله أن يجعل الكعبة هي القبلة؛ لأنها قبلة أبيه إبراهيم ...
لقد كان توجه الرسول ﷺ إلى بيت المقدس يعجب اليهود ويسرهم ويتخذونه -كما أسلفنا- حجة لانصرافهم عن الإسلام وتعصبهم لباطلهم.. فلما نزل القرآن الكريم يستجيب لما يعتمل في صدر الرسول ﷺ من رغبة في استقبال البيت الحرام، وولى وجههُ قِبَلَ البيت أنكروا ذلك، وانطلقوا يقودون حملة التشكيك، وقالوا للمسلمين: إذا كنتم في استقبال بيت المقدس على خطأ فقد ضاعت عبادتكم السابقة، وإذا كنتم على صواب فسوف تضيع عبادتكم الآتية، وكانت حملة هؤلاء السفهاء تستهدف الطعن بالإسلام، وإنكار نبوة محمد ﷺ والتشكيك في أن ما جاء به ليس وحيًا من الله يتلقاه.
عن البراء بن عازب ﵁ قال: أوَّل ما قدم رسول -الله ﷺ نزل على أجداده -أو قال أخواله- من الأنصار، وأنه صلى قِبَلَ بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قِبْلَتُهُ قِبَلَ البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه، فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول -الله ﷺ قِبَلَ الكعبة، فداروا كما هم قِبَلَ البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم؛ إذ كان يصلي قبل بيت المقدس، فلما ولى وجهه قِبَلَ البيت أنكروا ذلك، فنزلت: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ .
فقال السفهاء، وهم اليهود: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ "١.
стр. 143
ب- هذا هو الحادث الذي جاء وحي الله ﵎ فيه يحسم أقاويل هؤلاء السفهاء، ويرد حملتهم المنكرة، ويعالج آثارها في نفوس المؤمنين، مقررًا في ذلك حقائق في العقيدة والأمة، مبينًا حكمته تعالى في اختيار القبلة التي كانوا عليها، مطمئنًا المسلمين إلى عدم ضياع ثوابهم وفي ذلك ما يملأ قلوبهم بالثقة والرضى واليقين.
لقد تساءل أولئك السفهاء عن الأسباب التي حملت المسلمين على الانصراف عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فجاء جواب القرآن على هذا التساؤل: إن المشرق لله والمغرب لله، وهو الذي يَهْدِي من يشاء إلى الصراط المسقيم، فالجهات كلها لله؛ وإنما يجعل الله تعالى للناس قبلة لتكون جامعة لهم في عبادتهم، وما يختاره سبحانه فهو المختار، وهو يرشد إلى الطريق القويم الموصل إلى سعادة الدارين، وفي ذلك يقول :
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ للهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١.
بعد ذلك يتحدث السياق القرآني عن هذه الأمة الكبيرة، ورسالتها العظمى في الأرض، وخصائصها الفريدة، وشخصيتها الفذة المتميزة، مقررًا أنه سبحانه قد جعل هؤلاء المسلمين -بِهُدَاهُ- عدولاً أخيارًا، وجنَّبَهم مساوئ الإفراط والتفريط، فليسوا من أرباب الغلو في الدين المفرطين، ولا من أرباب التعطيل المفرِّطين، وأعدهم ليكونوا من الأمم في مركز الحكم العدل، الذي يقيم موازين القسط وقيم الحق، وجعل سبحانه رسول الهدى والنور شهيدًا عليهم، فهو المثل الحي والأسوة الحسنة، ويستحق المسلمون ثناء الله عليهم بأنهم الأمة
стр. 144
الوسط، وأنهم خير أمة أخرجت للناس باتباع سنته والاقتداء بسيرته والالتزام بشريعته.
ج- أما حكمة الله ﵎ في اختيار القبلة التي كانوا عليها، ثم جاء الأمر بالتحول عنها، فقد كانت اختبارًا للمؤمنين، يظهر به صدق الصادقين وريب المرتابين. وكانت تربيةً عظيمة لهذه الجماعة التي أراد الله لها أن تخلص في عبادتها وصدق اتجاهها، وأن تتخلص من رواسب الجاهلية ووشائجها، وإنه لامتحان عظيم لا يثبت عليه إلا الذين تشبعوا بالإيمان واطمأنت نفوسهم به، وإنها لتربية مثلى على احتمال التبعة، والقيام بأعباء القيادة على أمتن الأسس في الإخلاص والطاعة والتجرد، ومن حكمته سبحانه ورحمته بعباده أنه لم يكن ليضيع ثواب إيمان المسلمين الباعث لهم على اتباع الرسول في الصلاة وفي القبلة، فلو كان تحويل القبلة مما يضيع الإيمان بتفويت ثواب كان قبله لما حوّلها، وفي ذلك بشرى للمؤمنين المتبعين للرسول بأن الله يجزيهم الجزاء الأوفى، وهم أولى الناس برحمته ورأفته.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
لقد جاء رسول الله ﷺ بتحديد دعوة إبراهيم، وإحياء ملته، ولما
стр. 145
كانت الكعبة التي بناها إبراهيم ﵇ أقدم القبلتين، وأول بيت وضع للناس، فقد كان رسول الله ﷺ يرجو أن يوجهه ربه إلى قبلة أبيه إبراهيم، وكان يردد نظره جهة السماء حينًا بعد حين، تطلعًا للوحي بتحويل القبلة إلى الكعبة، وبخاصة بعد ما كثر لجاج اليهود وحجاجهم؛ إذ كانوا يقولون: يخالفنا في ديننا ويتبع قبلتنا!.. ولولا ديننا لم يدرِ أين يستقبل القبلة؟!..
ولقد استجاب الله ﵎ رجاءه، ووجهه إلى ما يرضيه، وجعله يلي الجهة التي يحبها ويتشوف لها، وأمره أن يولي وجهه شطر المسجد الحرام، وجعل ذلك قبلة له ولأمته في أي وقت، وفي أي مكان، قبلة تجمع هذه الأمة وتوحد بينها على اختلاف مواطنها.. وتعدد أجناسها وألسنتها وألوانها.. فعلى المؤمنين في أي مكان كانوا أن يستقبلوا جهة المسجد الحرام بوجوههم في الصلاة.. وهذا يقتضي أن يصلوا في بقاع الأرض المختلفة إلى سائر الجهات.. وبذلك يتميزون عن النصارى الذين يلتزمون جهة المشرق، واليهود الذين يلتزمون جهة الغرب.
وقد أكد سبحانه الأمر باستقبال المسجد الحرام، ووجَّهه إلى المؤمنين بعد أن أمر به نبيه ﷺ وشرفهم بالخطاب بعد خطاب رسوله، لتشتدَّ عزيمتهم وتطمئن قلوبهم، ويواجهوا ما أثاره أعداؤهم من اليهود والمنافقين -من الفتنة بشأن التحويل- بروح الثبات على الحق وصدق الاتباع.. ذلك أن هؤلاء الذين أوتوا الكتاب يعلمون حق العلم أن المسجد الحرام هو بيت الله الأول. الذي رفع قواعده إبراهيم ﵇، وأن التولِّي شطره هو الحق المنزَّل من عند الله لا مرية فيه.. ولكنهم -مع هذا- يأبون إلا أن يثيروا الفتنة، ويخدعون المؤمنين، ويقوموا بحملة التشكيك والتشويه.. ولقد افتضح أمرهم وانكشف تآمرهم.. فالله ﵎ غير غافل عما يعملون، وسوف يجازيهم
стр. 146
على عنادهم وإيقادهم نار الفتنة بين المؤمنين..
وفي ذلك يقول تعالى:
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ١.
د- إن موقف أهل الكتاب في إثارتهم الفتنة والشكوك، وقولهم ما لا يعتقدون، إنما يصدر عن نزعة عريقة في المكابرة والعناد، ولا تجدي مع هؤلاء حجة ولا يقنع برهان، فهم يعرفون أن التولي شطر المسجد الحرام هو الحق المنزَّل من الله على نبيه ﷺ ولكنهم -كما يعلن الوحي الإلهي لرسول الله- لن يتبعوا قبلته صلفًا وعنادًا مهما أتاهم به من حجج وآيات مقنعة.. وليس من شأن الرسول ﷺ أن يتبع قبلتهم، وأن يختار غير ما اختار له ربه وارتضاه وهم في خلاف بينهم أيضًا، وكل منهم متمسك بما هو فيه، قد أعمى التعصب بصيرته، ولذا فليس بعضهم بتابع قبلة بعض.. فلا يتوجه اليهود إلى المشرق، ولا يتوجه النصارى إلى المغرب.. وليس يصح -وقد استبان الحق ووضح موقف أهل الكتاب- أن يتبع رسول الله ﷺ أهواءهم بعد أن جاءه العلم والحق من الله، ولئن وافقهم فيما يريدون -وحاشاه أن يفعل ذلك- فإن هذا هو الظلم والانحراف، الذي لا ينبغي لأحدٍ من المؤمنين أن يقع فيه.
стр. 147
وفي ذلك يقول : ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ١.
ثم يصدر التقرير الإلهي الجازم مؤكدًا مكابرة أهل الكتاب بما يعلمون أنه الحق من الله.. فهم يعرفون النبي ﷺ بما في كتبهم من البشارة به، ومن نعوته وصفاته، ويعرفون أن ما جاء به في شأن القبلة هو الحق الذي أوحى الله به إليه.. يعرفون كل ذلك معرفة يقين لا شبهة فيه كما يعرفون أبناءهم.. ولكنَّ فريقًا منهم يعاندون فيكتمون الحق الذي يعرفون..
ويتوجه الخطاب بعد هذا التقرير والبيان إلى رسول الله ﷺ معلنًا أن الحق هو ما أوحى الله به، فلا محل للارتياب والتردد في اتباعه.. وفي هذا إيحاء بالغ للمؤمنين ليعملوا بما أمر الله ويعرضون عن أباطيل الجاحدين وزورهم وبهتانهم، فهم دائمًا دعاة فتنة وعناصر شر وفساد.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ ٢.
стр. 148
نظرة في التاريخ
أمة لا تذوب:
١- إن أي نظرة تحليلية لفترة من فترات التاريخ ينبغي أن تراعى فيها -من وجهة التفسير الإسلامي للتاريخ- الأمور التالية:
أ- التزام نهج العقيدة في القيادة والأمة على السواء.
ب- مدى حيازة الأمة للقوة واستعدادها لصيانة كيانها، وصد العدوان عليها، وتعبئة قواها المعنوية والمادية.
ج- بنية المجتمع من حيث الوحدة والتماسك، وروح الالتزام بالمبادئ التي تنظم وجوده.
د - معرفة واقع الأمة من حيث أداؤها لرسالتها، وتبليغها لدعوتها، ونشر مبادئها في أقطار الأرض وإقامة حضارتها في مواطن الفتح، حيث يعرف إن كانت هذه الأمة في مرحلة مدٍّ أو مرحلة توقف أو مرحلة تأخر وانحسار.
٢- ونحن نرى وفق التفسير الإسلامي للتاريخ بشكل مجمل دون خوض
стр. 149
في تفاصيل الوقائع وتلمس شواهدها الجزئية من أحداث التاريخ الإسلامي، أن الأمة الإسلامية قد مرت بفترات قوة وفترات ضعف، فكانت إبان القوة -المنبثقة من التزامها بعقيدتها وتعبئتها لقواها، وصلابة بنية مجتمعها- أمة الفتح المجيد، والانتصار المتلاحق، والمد المشرق والبناء الحضاري الفذ.. وكانت في حالات ضعفها الأمة التي يغزوها أعداؤها، وينتقصون من أطراف دولتها، ويتطاولون عليها، ويحتلون ديارها، ويستبيحون ذمارها، ويستبدون بأبنائها، وينالون منها في كيانها السياسي، ومصادر قوتها، وكنوزها وطاقاتها، بل يبلغون بحقدهم ووحشيتهم مبلغًا فظيعا في القتل وسفك الدماء وتخريب الديار، وتوقيض الأمصار، ودك الحصون والقلاع، ونهب الثروات المادية والحضارية، ولكنهم أبدًا لم يستطيعوا على الرغم من حملات العنف، وحروب التدمير، أن يذيبوا هذه الأمة الإسلامية في عقائدهم ومبادئهم ووجودهم المنحرف، فقد استعصت -حتى في فترات ضعفها- على الذوبان، بل لقد صنعت ما لم يكن بالحسبان، فامتصت -وهي المغلوبة- الغالبين الأقوياء، فذابوا فيها بدل أن تذوب فيهم، فاستطاعت -مثلاً- أن تحوّل المغول الغزاة على مر الأيام إلى مسلمين، واستطاعت أن تؤثر في الصليبيين تأثيرًا بالغًا بحيث يعترف المؤرخون الغربيون أن نهضة أوروبا إنما تعود في حقيقتها إلى ما أفاده الغربيون من الاتصال بالمسلمين في الأندلس وفي الحروب الصليبية، فقد نشر اتصال الغربيين بالمسلمين -خلال هذه الحروب- "قبسا من روح العلم والبحث والتفكير الحر، وكان أبرز العوامل التي جعلت رجال الكنيسة يحاولون استخدام الفلسفة في "العصر المدرسي" للدين، لعلهم يجدون فيها لعقيدتهم سندًا من المنطق، ودعامة من العقل"١
стр. 150
جاذبية المبادئ:
روى "سير توماس. و. أرنولد Thomas W. Arnold" في كتابه "الدعوة إلى الإسلام" وقائع كثيرة من حالات التحول إلى الإسلام بين الصلبيين، وقال:
"ويظهر أن أخلاق صلاح الدين وحياته التي انطوت على البطولة قد أحدثت في أذهان المسيحين في عصره تأثيرًا سحريًّا خاصًّا، حتى إن نفرًا من الفرسان المسيحيين قد بلغ من قوة انجذابهم إليه أن هجروا ديانتهم المسيحية وهجروا قومهم وانضموا إلى المسلمين، وكذلك كانت الحال عندما طرح النصرانية -مثلًا- فارس إنكليزي من فرسان المعبد يدعى "روبرت أوف سانت البانس Robert of s.Albans في سنة ١١٨٥"، واعتنق الإسلام ثم تزوج بإحدى حفيدات صلاح الدين. وبعد عامين غزا صلاح الدين فلسطين، وهزم الجيش المسيحي هزيمة منكرة في واقعة حطين، وكان "جوي Guy"ملك بيت المقدس بين الأسرى، وحدث في مساء المعركة أن ترك الملك ستة من فرسانه قد حلت فيهم روح شريرة، وفروا إلى معسكر صلاح الدين حيث أسلموا بمحض إرادتهم"١
وبعد أن يستعرض "توماس أرنولد" حالات التحول من النصارى في الحروب الصليبية إلى الإسلام، ويذكر نماذج عدة منها يعقب على ذلك بقوله:
"ولا شك أن هذه الأخبار الْمُبَعثرة تحمل الدليل على أن تحول المسيحيين إلى الإسلام -الذي لم يصلنا عنه أي خبر- كان على نطاق واسع. فمن ذلك ما يقال من أن خمسة وعشرين ألفا من المرتدين عن المسيحية كانوا في مدينة القاهرة حول نهاية القرن الخامس عشر، ولا بد أنه كان هنالك أيضًا كثيرون من هؤلاء المرتدين في مدن الأراضي المقدسة بعد زوال الإمارات اللاتينية في الشرق. ولكن يظهر أن المسلمين الذين أرخوا هذه الفترة قد بلغ من
стр. 151
شدة انهماكهم في تسجيل مآثر الأمراء، وتقلبات الدول أنهم لم يوجهوا عنايتهم إلى التغير الديني الذي طرأ على حياة الأفراد المغمورين -وبقدر ما هدانا إليه البحث- فقد كانت ملاحظتهم في تتبع أخبار دخول المسيحيين في الإسلام قليلة"١.
стр. 152
بين المد والجزر:
في ضوء هذه الحقائق يمكن أن نلقي نظرة تحليلية سريعة على فترات التاريخ بما فيها من مد أو توقف أو جزر، وازدهار أو ضمور، حتى فترة الاحتكاك الحاد، خلال القرنين الأخيرين، بين الغرب والإسلام، هذه الفترة التي لا يزال المسلمون يعانون من رواسبها ونتائجها.
أ- لقد صاغت القيادة الإسلامية الأولى أبناء هذه العقيدة صياغة فريدة، وربتهم تربية متكاملة، فكانوا صورة دعوتهم الحقة النيرة في فكرهم وسلوكهم وعملهم وجهادهم.
كانوا في جهادهم واجتهادهم يصدرون عن المدرسة النبوية في سمو الغاية ونبل الوسيلة، وتوافرت فيهم شروط أهلتهم تأهيلاً عاليًا لحمل الرسالة ونشرها في آفاق المعمورة، وتحقق بفضل الله ، ثم بصدق إيمانهم، وإخلاص جهادهم ذلك المد الإسلامي الكبير الذي يعد بحق معجزة التاريخ، كانت غايتهم إعلاء كلمة الله، وإقامة شرعته في الأرض ونفاذ أحكامه، ووسيلتهم في ذلك: تربية النفوس على الطاعة وتزكيتها بالعمل الصالح، وأخذها الدائب بالإعداد والاستعداد، ثم العمل المتواصل والكفاح المستمر، لإزالة القوى الطاغية المعادية التي تعيق إقامة دين الله في الأرض.
стр. 153
ب- وكانت القيادة الإسلامية قادرة على إدارة شئون المسلمين وفق شرعة الله بما لديها من رعاية تامة لهذه الشريعة، وفهم لها واجتهاد فيها، وقوة استنباط للحكم فيما يعرض في حياة المسلمين، وفي الأمم التي شملها الفتح من قضايا وحوادث ومسائل متجددة، كما كانت لديهم روح الاستفادة من وسائل العلم وقوى الكون لتسخيرها في خير الإنسانية.
ج- "ولكن من الأسف، ومن سوء حظ العالم البشري أن تولى هذا المنصب الخطير رجال لم يكونوا له أكفياء، ولم يعدوا له عدة ولم يأخذوا له أهبة، ولم يتلقوا تربية دينية وخلقية كما تلقى الأولون، وكثيرون في عصرهم وجيلهم، ولم يسيغوا تعاليم الإسلام إساغة تليق بقيادة الأمة الإسلامية والاضطلاع بزعامتها، ولم تنق رءوسهم ولا نفوسهم من بقايا التربية القديمة، ولم يكن عندهم من روح الجهاد في سبيل الإسلام، ومن قوة الاجتهاد في المسائل الدينية ما يجعلهم يضطلعون بأعباء الخلافة الإسلامية، وهذا الحكم عام يشمل خلفاء بني أمية وبني العباس، حاشا الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز "م١٠١هـ"، فظهر من ذلك ثلمات في ردم الإسلام لم تسد إلى الآن ووقعت تحريفات في الحياة الإسلامية"١
د- ولقد كان مما وقع في بعض الفترات أن القيادة السياسية حاولت التفلت من رقابة الدين، وإقصاء أهل الدين والعلم عن شئون السياسة والتوجيه، لتنفرد السياسة بالتصرف وفق أهوائها، كما أطلت النزعات الجاهلية برءوسها خلال مظاهر الانحراف عن الأخلاق الإسلامية، وشيوع الفساد، والإخلاد إلى التمتع بملاذ الحياة، كما قل الاحتفال بالعلوم العملية المفيدة، كالعلوم التجريبية والعملية، وظهر الاهتمام بعلوم ما
стр. 154
وراء الطبيعة، والفلسفة اليونانية ونحو ذلك، وقد نجم عن ذلك ضعف حركة الإنتاج العلمي، وضعفت روح النبوغ، كما طرأت في حياة المسلمين ضروب من البدع التي شغلت مكانا واسعا من حياة المسلمين، وصرفتهم عن الالتزام بالدين الحق، كما أبعدتهم عن الاهتمام بشئون الحياة النافعة.
هـ- وإنه على الرغم من كل هذا فقد بقي هذا الدين -بفضل الله حيًّا محفوظًا من التحريف والتبديل، وظل المنارة المشرقة التي تهدي الحائرين، وتنعي على المنحرفين تفريطهم، وتثير روح الجهاد، وتدعو إلى فتح باب الاجتهاد، وظل المجتمع -على الرغم مما أصابه- مجتمعًا إسلاميًّا لم تسيطر عليه -بصورة عامة- غير المفاهيم الإسلامية ومرد ذلك إلى طبيعة تكوين المجتمع في الإسلام؛ تلك الطبيعة التي تحفظ روح الوحدة والتماسك، وتجعل ولاء أفراد هذا المجتمع لعقيدتهم.
يقول ولفرد كانتول سميث WiLfrsd Contwell Smith في كتابه "الإسلام في التاريخ المعاصر Islam in Modern History" في فصل "الإسلام والتاريخ" ص٢٦-٢٧:
"لقد لاحظ الباحثون بروز وضع المجتمع في الإسلام، ومن البيِّن أن المجتمع الإسلامي ذو تماسك ملحوظ، وأن ولاء أعضائه وترابطهم عظيم القدر، وقد أدرك كثيرون أن الجماعة "الإسلامية" ليست مجموعة اجتماعية فحسب، بل مجموعة دينية، وأن "الدين والدولة" أمر واحد إذا استخدمنا تعبيرنا الغربي غير المناسب، إن المجتمع الإسلامي لا يترابط بعضه مع بعض -كالمجتمعات الأخرى- بمجموعة من الولاءات والتقاليد فحسب، وبنظام متقن السبك من القيم والعقائد، ولا هو نتاج مثل أعلى رفيع فحسب، بل إنه ينبض بالحيوية الناجمة عن اقتناع شخصي عميق، اقتناع ديني له حرارته ودلالته في نفس كل
стр. 155
عضو من أعضائه، ونستطيع أن نقول: إن هذا المجتمع -هذه الجماعة- هي التعبير عن المثل الأعلى الديني، مستخدمين كلمة "ديني" بالمعنى الفردي الذي سبق شرحه، وإذا كانت عقيدة ما أو نظام ثيولوجي "قائم على أساس ديني" يمكن أن يكون تعبيرًا عن الصورة العقلية للاعتقاد الشخصي -كما هو الشأن في كثير من الحالات وفي المسيحية بصفة خاصة- فإن النظام الاجتماعي بما يحويه من ألوان النشاط المختلفة هو التعبير -بصورة عملية- عن الاعتقاد الشخصي للمسلم"١
د- صحيح أن الحياة الإسلامية لم تستوِ على الأفق الرفيع الذي كان وقت حياة الرسول ﷺ وخلفائه الراشدين، ولكنها ظلت -على الرغم من بعض التحريف الذي طرأ- حياة عالية إذا قيست بغيرها مما عرفته الأرض من نظم وقيم وحضارات.
لقد اتسع الْمَدُّ الإسلامي في مختلف مرافق الحياة حتى شمل الأرض المعروفة كلها في ذلك الحين "وكان البحر الأبيض المتوسط بعد عصر شارلمان قد أصبح بحرًا عربيًّا، واستطاع العباسيون منذ أوائل القرن الرابع أن يحافظوا على حدودهم الغربية من اعتداء البيزنطيين، وكانت أخبار الانتصارات تقرأ من أعلى المنابر ببغداد"٢.
ولم يزل ينهض بتأثير كتاب الله ﵎ وسنة رسوله ﷺ بما يبعثان من مقت للشرك والبدع، والجهل والضلال، وأخلاق الجاهلية وعوائدها- رجال لم يخل منهم دور من أدوار التاريخ الإسلامي، يجددون لهذه الأمة أمر دينها، وينفخون فيها روح الجهاد، ويعملون على إقامة المنهج الإسلامي وإقامة الخلافة الراشدة في الأرض، ويمكن أن
стр. 156
يقال -بعد هذا الاستعراض السريع- إن الفساد على أي حال ظل جزئي لم يعم المجتمع الإسلامي كله وإن أصاب جانبًا منه، فقد كان معظم المسلمين يعيشون في مفهوم الإسلام ويكيفون به حياتهم، ويعملون على نشر المد الإسلامي في بقاع الأرض، شاعرين بأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، شاعرين بالاستعلاء الذي يصنعه الإيمان في نفوس المؤمنين، وبالتبعة الكبرى التي يفرضها الإيمان عليهم في ذوات أنفسهم وفي مجتمعهم، وبالإخاء الحقيقي الذي يجمع المؤمنين بعضهم إلى بعض، وبالمودة والتعاون، شاعرين أنهم أمة واحدة. غير أنه على كل حال يمكن التأكيد على أن الفترة المثالية كانت قد انتهت وبدأت فترة عادية من تاريخ الإسلام، وإن كانت -وهي عادية بالنسبة للإسلام- أعلى فترة في تاريخ الأرض١. فإذا ألقينا نظرة عامة على التاريخ وفق تسلسل العصور بعد عصر الراشدين فإننا نلاحظ ما يلي:
стр. 157
في العصر الأموي:
ظلت مفاهيم الإسلام في هذا العصر حية قوية في نفوس المسلمين، وكانت العقيدة محور الحياة الإسلامية وإلى هذا السبب يعود عدم توقف حركة الفتح في هذا العصر، وإن كان قد وقع في هذا كسر في المبادئ وبخاصة ما يتعلق بإثارة الروح العصبية، والنعرة ضد الموالي، وبعض ما يتصل بأمور الحكم والمال، ولكن هذا الكسر ظل جزئيًّا لم يعم أفراد المجتمع المسلم.
ولقد واجه الأمويون في بلاد العراق كثيرًا من الصعاب في توطيد نفوذهم على أن أهم الأحداث التي شغلت الأمويين انتشار نفوذ الخوارج في أمصار العراق، والحركات العنيفة التي قام بها شيعة الكوفة ومن انضم إليهم من
стр. 158
الموالي، وعلى الرغم من أن عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- رأى -بما عرف عنه من ميل إلى المسالمة- أن يسلك مع الخوارج سياسة اللين، فرحب بالاستماع إلى مآخذهم، لتتاح له الفرصة لإقناعهم بحرصه على التزام جادة الصواب، إلا أن الخوارج لم يقلعوا عن إثارة الصعاب أمام الأمويين في بلاد العراق والجزيرة بعد وفاة عمر بن عبد العزيز، وكانوا يثورون بالأمويين كلما أتيحت لهم الفرصة حتى اشتدت وطأتهم في أواخر عهد بني أمية، وتكاثر عددهم كما تطلعوا إلى الحكم بعد أن كانت غايتهم النجاة بأرواحهم، وانقسموا إلى فرق عدة منه: الأزارقة والصفرية والإباضية وغيرها، واحتدم الخلاف بين الأمويين والشيعة حتى تطور إلى واقعة كربلاء التي قتل فيها الحسين ﵁ في العاشر من المحرم سنة ٦١هـ، وكانت هذه الواقعة سيئة الأثر على المسلمين، فقد أنتجت ضروبا من الشقاق والجدال فيما بينهم، وانتقلت الشيعة من الإطار السياسي إلى الإطار الطائفي بعد أن دخل فيها كثير من السَّبئيَّة -أنصار عبد الله بن سبأ- وصارت فرقًا كثيرة ونحلًا متعددة، وانضم عدد من الموالي إلى فرق الشيعة التي ظهرت آنذاك، وظل الشيعة يتحينون الفرص للخروج على الأمويين حتى تم انتقال الخلافة بعد ذلك إلى العباسيين.
ومما يعد في هذا العصر ضلالا كبيرا، وتحريفا خطيرا، وعدولا عن عقيدة الإسلام إلى غيرها من عقائد الكفر الشديد، ما جاء به عبد الله بن سبأ اليهودي، الذي اندس في صفوف المسلمين يؤلب الأمصار على عثمان ﵁، ثم غلا في شره وفساده، فدعا إلى تأليه علي ﵁..
"والذي يؤخذ من تاريخه أنه وضع تعاليمًا لهدم الإسلام، وألف جمعية سرية لبث تعاليمه، واتخذ الإسلام ستارًا يستر به نياته، نزل البصرة بعد أن أسلم ونشر فيها دعوته، فطرده واليها، ثم أتى الكوفة فأخرج منها، ثم جاء
стр. 159
مصر فالتف حوله ناس من أهلها، وأشهر تعاليمه: الوصايا والرجعة"١
ومن هذا نرى أن بذور الفتنة، وجذور الشر قد نشأت خلال هذه الفترة -التي اتسمت بالصراع السياسي الحاد- من قبل أعداء الإسلام وبخاصة اليهود.
стр. 160
في العصر العباسي:
لم تكن المدة الطويلة التي قضاها بنو العباس في منصب الخلافة على نمط واحد من ناحية سلطة الخلفاء، وإنما تفاوتت هذه السلطة مما جعل المؤرخين يقسمون مدة الخلافة العباسية إلى عصور:
العصر الأول: "١٣٢-٢٣٢هـ".
العصر الثاني: "٢٣٢-٥٩٠هـ".
العصر الثالث: "٥٩٠-٦٥٦هـ".
وليس من شأننا هنا أن نستعرض بالتفصيل أبرز ما جرى في هذه العصور، فتلك مهمة البحث التاريخي المتخصص، ولكن من الملحوظ أن التفاوت بين هذه العصور كان بعيدًا من جوانب شتى:
أ- كانت السلطة خلال العصر الأول قوية وكان الخلفاء يمارسون الحكم، ويخوضون المعارك، ويقودون الجيوش، ويحبون العلم، ويقربون ذويه..
وقد بلغت الثقافة في هذا العصر الذي يطلق عليه الباحثون "العصر الذهبي" شأوا بعيدًا، وقد "صور Professor Nichotson"
стр. 161
النشاط العلمي في العالم الإسلامي تصويرًا دقيقًا يحسن أن نقتبس منه السطور التالية.. قال: "كان جلة الباحثين وطلاب العلم من المسملين يرحلون في حماسة ظاهرة وسط القارات الثلاث "وهي عالم ذلك العصر" ثم يعودون إلى بلادهم كما يعود النحل محملًا بالعسل الشهي، فيجلس هؤلاء الباحثون ليرووا شغف الجماهير التي كانت تنتتظر عودتهم لتلتف حولهم، فينالوا من علومهم ومعارفهم زادًا وفيرًا، وخيرًا عميمًا، كما كان هؤلاء الباحثون يعكفون أحيانًا على تدوين ما جمعوا وما سمعوا، ثم يخرجون للناس كتبًا هي بدوائر المعارف أشبه، مع نظام وبلاغة عذبة، وهذه الكتب هي المصادر الأولى للعلوم الحديثة بأوسع ما تحتمله كلمة العلوم من معنى، وهي مرجع العلماء والباحثين، ومنها يستمدون فنونًا من الثقافة والمعرفة أعمق بكثير مما يظن الناقدون.
ومن الطبيعي أن يكون العصر العباسي الأول أنسب العصور ملاءمة للنهضة الثقافية، فمدنية الإسلام بدأت فيه تستقر بعد هدوء حركة التوسع والفتوح التي كانت طابع العصر الأموي، والثقافة تنتشر بين الأمة إذا هدأت، واستقرت أمورها، وانتظم ميزانها الاقتصادي، وجل هذا قد توافر للأمة الإسلامية بعد قيام الدولة العباسية"١.
ب- أما العصر العباسي الثاني: فقد ضاعت فيه السلطة من أيدي الخلفاء وانتقلت إلى أيدي الأتراك والبويهيين والسلاجقة فقد كان هؤلاء يسيطرون على الإدارة الحكومية في الداخل والخارج، ويدبرون الشئون العسكرية ويقومون بتدبير المسائل المالية، وقد ضعف الخلفاء أمامهم ضعفًا جعلهم يستأثرون بالنفوذ والسلطان في الدولة، ولقد أطلق المؤرخون على هذا العصر اسم العصر التركي تمييزًا له عن العصر الذي سبقه، والذي كان في أثنائه نفوذ الفرس كبيرًا.
стр. 162
ج- أما العصر العباسي الثالث: "فقد ضعف فيه سلاطين السلاجقة وأخذت دولتهم في الانحلال والتفكك فقام بها حكام كثيرون عرفوا بالشاهات والأتابك. استقل كل منهم بجزء من مملكة السلاجقة، فانتهز الخليفة هذه الفرصة وأعلن استقلاله ببغداد وما حولها، وظل الخليفة ومن بعده أولاده يستمتعون باستقلال كامل في هذه المنطقة الصغيرة حتى دهم التتار العالم الإسلامي وهدموا بغداد وقتلوا الخليفة، وأنهوا خلافة بني العباس سنة ٦٥٦هـ"١.
ومما يسجل في العصر العباسي جملة أن الانحراف فيه أخذ جانبين هما:
١- الانحراف الفكري بدخول بعض المفاهيم الغربية على الفكر الإسلامي مما أدى إلى شيوع حركة الزندقة الناتجة عن رواسب الفلسفات النظرية التجريدية لدى اليونان والفرس والهند.
٢- استشراء الفساد الخلقي وشيوع الترف والانصراف عن الجد في قصور الخلفاء والأمراء وانعكاس ذلك على المجتمع وبروز آثاره في جوانب من أدب هذا العصر. ولكنه -على أية حال- ظل انعكاسًا ضئيلًا بدليل انتشار الحركة العلمية ونمو الدعوة الإسلامية، وامتداد حركة الفتح -وبخاصة في المشرق- على الرغم مما وقع في أواخر هذا العصر من ضعف الدولة وتجزئة كيانها السياسي الذي أدى إلى سقوطها.
على أن مما ينبغي الاهتمام به والالتفات إليه في العصر التركي -في صدد تقويمه تقويمًا صحيحًا -ما تحقق للمسلمين خلاله من مجد حربي، ويعود سببه إلى قوة العقيدة، وتحرك القيادة على أساس منها، كما في "عين جالوت" التي هزم فيها التتار، و"حطين" التي هُزِم فيها الصليبيون. على أنه مما يلاحظ هنا أنه كان هنالك ضعف في الحركة العلمية، ومظاهر
стр. 163
جزر في الروح الفاعلة المحركة لوصل الحياة في كل جوانبها بجوهر العقيدة.. وكانت هذه الظاهرة سائدة في وقت كانت أوروبا تنهل فيه من منابع ثقافة الإسلام وحضارته، لتستمد من ذلك عناصر نهضتها.
стр. 164
الصليبية والغزو الفكري:
لم يستطع الصليبيون رغم تعاونهم وتآزرهم وحشد كل طاقاتهم، وإعطاء صفة القداسة لمعركتهم أن يتغلبوا على العالم الإسلامي خلال قرن كامل، وبعد أن تمت لهم الغلبة على بعض مواطن فيه احتاجوا إلى قرن آخر لتثبيت نفوذهم، وإقامة دول وكيانات فيه، ولكنهم لم يستطيعوا بعد تجدد حملاتهم في فترة الغزو الاستعماري الحديث التي تلت ما يسمى "بعصر النهضة" والتي بدأت رحلات استكشافية، وانتهت بحملات عسكرية، واحتلال للبلاد، وسيطرة على المسلمين.. لم يستطيعوا -على الرغم من هذا كله- تحقيق هدفهم في القضاء على الوجود الإسلامي وإن كانوا قد استطاعوا إحداث بعض الثغرات فيه:
أ- كانت الهجمات المعادية -من قبل- هجمات خارجية حربية، وكانت طبيعة المجتمع الإسلامي آنذاك حية متماسكة، فلم تكن قد جمدت في المسلمين روح العقيدة، كما لم يتوقف النمو العلمي، بيد أنه لما تغير الحال فضعفت روح العقيدة، وتوقف النمو العلمي، أصبحت الهجمات المعادية داخلية وخارجية معًا، عسكرية وفكرية في آن واحد، واستطاع الأعداء بسبب ذلك أن يحتلوا مواقع أكثر وأخطر، وأن يمضوا بخطوات أوسع نحو هدفهم في زعزعة الوجود الإسلامي في نواحٍ شتى..
ب- انتشرت على أثر ذلك أفكار غربية لم يسبق أن ظهرت في أي عصر سبق، وقد لقيت هذه الأفكار المعادية التي صدرت عن أعداء الإسلام من
стр. 165
اليهود وغيرهم قبولاً من صرعى الغزو الفكري من بعض المنتسبين للإسلام، فشاعت على ألسنتهم وبأقلامهم فكرة فصل الدين عن الدولة، وفصله عن الاقتصاد والمجتمع، والمناداة بتحرير المرأة، والدعوة إلى تطوير الإسلام، والقول بالتزام المقاييس غير الإسلامية في الأخلاق.
ج- وقد اقترنت مثل هذه الأفكار التي تستهدف الإسلام عقيدة وتشريعًا، ونظامًا وخلقًا، بإثارة طائفة من الشبهات التي لا ترتكز على أي سند علمي، أو برهان منطقي، كما اقترنت بمحاولة وضع نظم الحياة وفق القوانين الغربية، وصوغ الأخلاق وفق المفاهيم الغربية أيضًا، ووقع الفصل كذلك -في إطار التربية ومناهج التعليم- بين الدين والثقافة، وبين الدين والعلم على نحو ما جرى في أوروبا إِبَّان القرون الوسطى وما بعدها.
وجرت عملية تزوير خطير في تفسير التاريخ، وتحليل الوقائع التي حلت بالمسلمين في العصر الحديث، والتمست الحلول في غير المنهج الإسلامي، كمحاولة تنظيم الأوضاع السياسية على أسس النظم السياسية الغربية المعاصرة دون تمحيص وتدقيق، وأخذ ما يلائم، ورفض ما لا يصلح، وكمحاولة تنظيم الأوضاع الاقتصادية على أسس من نظريات اقتصاد الغرب أو الشرق، وبذلك سادت النظم الرأسمالية أو الاشتراكية، ووقع ما لا بد أن يقع في ظل هذه الأنظمة من تنازع وعداء..
د- كان لهذا كله أثره الواضح في تمزيق بنية المجتمع الإسلامي، وتفريق صفوف المسلمين وضرب قاعدة الإخاء التي ينبغي أن تسودهم دون أن يفيد المجتمع من نقل التجارب الغربية أو الشرقية في دعم وضعه السياسي أو الاقتصادي. وإن مثل هذا المنحى الخطير في اتباع مناهج الحضارة الغربية قد أتاح لأعداء الإسلام أن ينفذوا إلى الأفكار والنفوس، والأخلاق ونمط
стр. 166
الحياة، من أجل الوصول إلى هدفهم الرئيسي الخطير، وهو أن يستلبوا من نفوس المسلمين عقيدتهم الأساسية التي تقرر أن "الحاكمية المطلقة لله" ولا شك أنه إذا استطاع هؤلاء الأعداء أن يبلغوا هدفهم في تجريد المسلمين من عقيدتهم، فإنهم بذلك يجعلون المسلمين فريسة سهلة لكل ما يضمرون لهم من شر ومكر وعدوان.
هـ - إن الغزو الفكري يرمي -مهما حاول أن يتوارى ويستتر وراء دعوات ومفاهيم وشعارات- إلى الانسلاخ التام عن الإسلام، والإجهاز على العقيدة، وقد تطور هذا الغزو -كما يدرك المتتبع لتخطيطه ومساره- من مرحلة إلى مرحلة، فقد بدأ بالتظاهر باحترام الدين، وادعاء الموضوعية، والبروز بالسمة العلمية، ثم انتقل إلى مرحلة إثارة الشبهات عليه، ثم بمزاحمته بالأفكار المتنافية معه، المصادمة لمبادئه، ثم انتهى إلى الكشف عن حقيقة المحاولة وهي القضاء على العقيدة، واستبدالها بالتيار المادي الإلحادي المحض، الذي يقصد إلى الفصل بين الجيل المسلم وبين عقيدة الإسلام وأخلاقه ونظامه، وتدمير كل كيان سياسي أو تنظيم اجتماعي، أو اتجاه خلقي يقوم على أساس مبادئ الإسلام.
стр. 167
الفصل الرابع: خطط المبشرين والمستشرقين
الغزو الاستعماري والتبشير
الغزو الفكري: أبعاده ومواجهته
...
الغزو الاستعماري والتبشير الغزو الفكري: أبعاده ومواجهته:
١- لقد استطاعت قوى الشر أن تحتل بعض المواقع الرئيسة في هذا الحصن الإسلامي الشامخ، حين حاولت -بالغزو الفكري وبعث الجاهلية بصورة جديدة- أن تفصل بين هذا الجيل وبين إسلامه، مصمِّمَة بذلك على استئصال استمرار الإسلام في المسلمين، والقضاء على أن يكون للإسلام ناس يتحرك بهم إلى أهدافه.
وانطلقت هذه القوة التي يجمعها الحقد على الإسلام ويحركها العداء للمسلمين -على ما بينها من تنافر واختلاف- لتحقيق الغرض القديم للجاهلية على مدار الزمن، فاستغلت التدهور الفكري، والاضطراب السياسي، والضعف والتمزق والانقسام، فسيطرت على البلاد الإسلامية وأخضعتها بالقوة والتآمر الماكر لنير استعمارها، وإذا كانت هذه القوى الاستعمارية قد احتلت الأرض، وسلبت الأموال، واستغلت الخيرات، وعاثت في البلاد الفساد، فقد كانت أخطر النتائج التي أعقبت هذا الغزو الصليبي الجديد، تلك التبعية الثقافية، التي بدأت إعجابًا بالمظاهر المدنية، والمبتكرات الصناعية، وتحولت -نتيجة الالتقاء بالغرب والأخذ عنه-
стр. 168
إلى شيوع روح الانهزام الفكري، وضياع روح الاعتزاز بالشخصية الإسلامية، لدى فريق ممن تخرج على أيدي أساطين الاستعمار ووفق خططه ومناهجه، وكان هؤلاء المتخرجون الذي سرعان ما تسلموا من أيدي أساتذتهم ومدربيهم زمام القيادة الثقافية والاجتماعية، أول الداعين إلى هذه التبعية الثقافية، والعاملين على نشرها والترويج لها.. بل لقد فرضوها -بما لهم من سلطة ونفوذ- في البلاد الإسلامية، واستطاع هؤلاء الذين فقدوا كل السمات الأصلية التي تربطهم بعقيدتهم وأمتهم أن يتولوا عن المستعمرين مهمتهم، وينشطوا لتحقيق أغراضهم، فأثاروا حملة التشكيك في مبادئ الإسلام وأوردوا الشبهات حول كثير من أحكامه، وحرصوا على أن يحجبوا الثقافة الإسلامية عن أبناء الإسلام؛ ليظلوا جاهلين بالحقائق الناصعة الكبرى التي جاءت بها رسالة الإسلام، وليتاح لهم -بسبب هذا الجهل بالمقومات الذاتية- أن يغرسوا المثل الغربية المادية والفكر المسموم والثقافة الدخيلة، وانفرد هؤلاء بالتخطيط التربوي ورسم السياسة التعليمية في كثير من البلاد الإسلامية، يحاولون أن يصبغوا الجيل المسلم -بتفكيره وأسلوب حياته- على أساس القوالب الغربية المحضة. وفقد -نتيجة ذلك- المقياس الصحيح والقوي للحكم على الأشياء، فأصبح بعض المسلمين يردد -ببلاهة وضياع شخصيته- كلمات الرجعية والتقدمية والتطور والتجديد، ويحاول أن ينقل التجارب الخاصة بالغرب وحده إلى الجو الإسلامي نقلاً تامًا دون تمحيص أو تمييز.. وانتشر الإلحاد والانهيار الخلقي.. وأخذ التقليد لأعداء الإسلام صوة التشبث التام بأسس الثقافة الغربية والحضارة المادية.. بل لقد بلغ الإسفاف في هذا التقليد حد الذوبان الكامل في بعض تفاهات المجتمع الغربي وأوضاعه التي يشكو هو منها وصح في هؤلاء قول رسول الله ﷺ : "لتتبعن سَنَنَ من قبلكم، شِبرًا بشبرٍ، أو ذراعًا بذراع، حتى لو دخل أحدهم جُحْرَ ضَبٍّ لدخلتموه".
стр. 169
٢- وقد كانت لهذا الغزو الفكري آثار بالغة في تأثير الثقافة الغربية على الناشئة المسلمة، ذلك أن الغرب بادر إلى فرض الثقافة الغربية على المسلمين من خلال استيلائه على بلادهم ومصادر ثرواتهم، مما كان معناه أنه لن ينال الرزق في البلاد الإسلامية التي استولى الغربيون عليها إلا من يتلقى التعليم الذي فرضوه، فأقبلت الناشئة على المعاهد الغربية -تحت هذا الضغط الاقتصادي إقبالًا هائلاً، وتعلمت في معاهد الغرب جميع النظريات والمظاهر العلمية التي كانت بروحها وشكلها مناقضة لثقافتنا الإسلامية، وإذا كانت هذه المعاهد قد أخفقت في أن تخرج أبناء المسلمين عن دينهم، وأن تحولهم كفارًا مرتدين، فإنها -من ناحية أخرى- لم تجعل إلا قليلاً من هؤلاء على ولاء وفهم صحيحين للإسلام، من حيث الاعتقاد والفكرة، والنظرة والوجدان، والعلم والسلوك.. فقد نالوا من المسلمين في هذا المجال منالاً كبيرًا، وألحقوا بنا ضررا فادحًا، فقد استأصلوا من عقولنا وقلوبنا جذور ثقافتنا، وغرسوا فيها جذور ثقافتهم. كما فرضوا علينا كذلك نظمهم الاقتصادية من خلال فلسفاتهم ونظمه المادية، وفرضوا علينا قوانينهم أيضًا، ولم يبدلوا بذلك صورة نظامنا الاجتماعي فحسب، بل أحدثوا تغييرات هائلة في تصوراتنا الاجتماعية، كما فرضوا علينا مفاسدهم الخلقية وعاداتهم المتنافرة مع عاداتنا وتقاليدنا، ولم نأخذها كعادات أجنبية، بل نظر إليها بعضنا أنها نماذج للمثل الرفيعة والعادات الراقية..
٣- لقد كان تجاوب فريق منا مع أبعاد هذا الغزو الفكري تجاوبًا إيجابيًا ينطلق من نظرة الضعيف إلى القوي، والمغلوب إلى الغالب، والمنهزم إلى المنتصر، وكان دافع هؤلاء إلى التجاوب -على هذا النحو- أنهم قالوا: لا قِبَلَ لنا بالمقاومة بعد أن غلبنا على أمرنا، واستولى علينا غيرنا، وإننا إذا حاولنا المقاومة بؤنا بالإخفاق والخسران، فلا مناص لنا من أن نستفيد من كل فرصة من فرص الحياة، والمضي مع
стр. 170
ما أسموه ركب النهضة والرقي والتقدم١..
غير أن الغرب لم يستطع أن ينفرد بالتوجيه الفكري والثقافي انفرادًا تامًّا في البلاد الإسلامية، على الرغم مما بذله في سبيل هذا التفرد من مال وسلطة ودهاء وسياسة، وتبشير بالفكر الأوروبي وبالمسيحية، وإلحاح دائم على جعل المسلمين في يأس من حاضرهم ومستقبلهم. فقد وجد مقاومة ومعارضة لاتجاهه وغزوه.. وإذا كانت هذه المقاومة قد اتسمت -في أول الأمر- بطابع التحرر من السيطرة الاستعمارية فقد كانت هذه السمة السياسية ذات قواعد فكرية إسلامية أصيلة، بل كانت بواعثها الأساسية حماية الإسلام من أعدائه، وتقوية صلة المسلمين بدينهم وفهمهم لمبادئه فهمًا يمكنهم من السير في الحياة المعاصرة٢..
لقد كان الاستعمار بحملاته العسكرية وغزوه الفكري وسيطرته السياسية والاقتصادية محنة حقًّا للعالم الإسلامي كله، ولكن المسلمين الذين ينتسبون إلى جميع الأجناس والألوان، ويمتدون في رقاعٍ كبيرةٍ من الأرض، لم يجدوا عصمة لهم من هذه المحنة إلا بالإسلام. فلم يلوذوا بكبرياء الجنس، والعنصر واللون، ولم يعتزوا بالأرض والتراب كما صنعت كثير من الأمم التي تعرضت لنكبات اجتياح عاصف من غزوات الأقوياء.. لقد بقي لهذه الأمة الإسلامية دينها الذي يردها إلى مقومات الحياة الحقة الكريمة٣. وهذا الاعتصام بالدين الذي سرى تياره في كيان العالم الإسلامي إثر الغزو الفكري الغربي والهجمات الحاقدة التي رمى فيها أعداء الإسلام هذه الأمة الإسلامية عن قوس واحدة، هو
стр. 171
الذي عمّق في المسلمين فكرة معالجة قضاياهم بروح عقيدتهم الحية الكاملة الشاملة.
٤- وقد لفتت فكرة الاعتصام بالإسلام وحده في مواجهة الغزو الأجنبي -عسكريًّا واقتصاديًّا وفكريًّا- أنظار عدد من القادة السياسيين والمفكرين الإسلاميين إلى ضرورة الإلحاح -في إطار التربية والتوجيه- على تجلية الروابط بين المسلمين، والعوامل المشتركة التي تؤلف بينهم، وظهرت في هذا المجال دراسات وبحوث وافية عميقة، وانطلقت اتجاهات سياسية وفكرية في عدد من الأقطار الإسلامية تدعو إلى مواجهة التحديات بجرأة وثبات، وتضع مناهج في التربية والثقافة، والاجتماع والاقتصاد، على قاعدة الالتزام بالإسلام والولاء له، عقيدة وعبادة، وسلوكًا ونظامًا، وروابط وعلاقات، وكيانًا إسلاميًّا واحدًا يتجاوز منطق التجزئة ورواسب الضعف وآفات التخلف، ويطرح في حركته الجديدة -وهي أصيلة في نشأته ووجوده- كل التيارات الوافدة: من قومية وإقليمية، وغيرها من المذاهب المادية الهدَّامة.. وينطلق في معترك الحياة المعاصرة بعقيدة الإسلام ورسالته في المجتمع البشري، وهي رسالة الحضارة الخيرة المثلى، والسلام الشامل للإنسانية على هذه الأرض.
ويمكن إجمال هذه الروابط والعوامل المشتركة في١:
أ- وحدة العقيدة والمبادئ:
وهي تقوم على تصور واحد للوجود والكون، وتوجز في عبارة جامعة هي "لا إله إلا الله محمد رسول الله". ويتفرع عن هذه العقيدة مبادئ ومفاهيم وأفكار وعواطف وتتولد عنها نتائج مهمة كان ولا يزال لها أثر في مجرى تاريخ الشعوب الإسلامية وفي حياتها.
стр. 172
ب- وحدة القيم الخلقية: ويتميز المجتمع الإسلامي -في هذا الجانب- بالتوافق المبدئي في تقويم الأعمال من الوجهة الأخلاقية وتحديد الخير والشر، والفضائل والرذائل.
ج- العادات: ويشترك أفراد المجتمع الإسلامي -بباعث هذا الاتفاق في التقويم للأعمال والأشياء- في كثير من العادات التي يُحَكِّمون فيها الإسلام تحليلاً وتحريمًا.
د- الثقافة: ويشترك المسلمون في عناصر هذه الثقافة الإسلامية الواحدة وأصولها وعناصرها، فهم يدرسون القرآن الكريم والحديث الشريف والعقيدة وأحكام العبادات والمعاملات والأخلاق وسائر تعاليم الإسلام. كما يقرءون كثيرًا من آثار الفكر الإسلامي في مختلف الميادين والعصور في الأدب والتاريخ وتراجم الرجال وسائر جوانب الثقافة الإسلامية.
هـ- التاريخ: لما كانت الأحداث التاريخية عاملاً مهمًا في تكوين نفسية الأمة وعواطفها وأفكارها وتوحيد مواقفها؛ فإن المسلمين يشتركون جميعًا في أحداث الإسلام وصفحاته وانتصاراته ونكباته، وتتوحد نظرتهم إلى شخصيات تاريخهم الإسلامي عهوده المختلفة، وفق مقياس الإسلام في ذلك.
و التشريع والأحوال الاجتماعية: لقد طبع التشريع الإسلامي -الذي يرجع في أصوله إلى القرآن والسنة- المجتمع الإسلامي في جميع البلاد بطابع واحد. فتشريع الأسرة وتنظيم العلاقات المالية والتجارية بين الناس هو تشريع واحد، ولم يطرأ الخلل على هذه الوحدة التشريعية إلا في القرن الأخير حين بدأت عدد من البلاد الإسلامية تستبدل بالتشريع الإسلامي التشريع الأجنبي، وبقيت بعض البلاد الإسلامية سائرة في طريقها الأول في تنفيذ التشريع الإسلامي.
стр. 173
إن هذه العوامل الفكرية والثقافية والتاريخية والاجتماعية والسياسية أوجدت -عبر الروابط المشتركة بين المسلمين والانسجام في طرق تفكيرهم وأساليب سلوكهم ومظاهر حياتهم- حقيقة "المجتمع الإسلامي" ممثلة في كل واحد من الشعوب الإسلامية، كما أظهرت تميز هذا "العالم الإسلامي" عن العالم الآخر من ديموقراطي غربي، واشتراكي ماركسي، ووثني آسيوي إفريقي١..
وبذلك يظهر -كما يقول "أرنولد توينبي": "إن التقليد الإسلامي في أخوة الإنسان للإنسان هو مثل أعلى يوافق حاجات العصر الاجتماعية، وهو أفضل من التقليد الغربي الذي أدى إلى قيام عشرات الدول الصغيرة ذات السيادة على أساس الاختلاف القومي".
ويقول: "ومن المأمول أن يستطيع العالم الإسلامي على كل حال إيقاف انتشار هذا الداء السياسي الغربي "القومية" وذلك عن طريق الشعور الإسلامي القوي بالوحدة"٢.
стр. 174
الثقافة وهدف العداء:
١- أصبحت مشكلة الثقافة في البلاد الإسلامية -بسبب التبعية للغرب والانبهار بحضارته والإعجاب بقوته- أبرز المشكلات؛ لما للثقافة من أثر قوي في تحديد اتجاه الأمة وولائها ومعرفة ملامح شخصيتها والحكم على مستقبلها. فالثقافة ليست -في حياة الأمم- علومًا ومعارف وآدابًا وفنونًا فحسب، ولكنها -كما سبق ذكره- مناهج فكر وخلق تصبغ حياة الأمة بصبغتها في شتى ضروب نشاطها، وتتجاوز بشكلٍ عام
стр. 175
إطار الجماعة وحدها؛ لتؤثر في حياة كل فرد تأثيرًا خاصًّا، وتوجه سلوكه توجيهًا معينًا.. وهي -على أي حال- عامل بناء أو عنصر هدم.. فإذا كانت صحيحة سليمة مرتكزة على أسس خيِّرة؛ فإنها ترتفع بالأمة وتنهض بها، وتحقق لها ما تصبو إليه من حرية وكرامة ومجد.. وإن لم تكن كذلك، بل كانت مزيجًا من الأخلاط الغربية الملتمسة من الفكر الغريب المنحرف والتوجيه الفاسد القائم على التخطيط الشرير؛ فإنها تنحدر بالأمة إلى أحط المستويات وتكبلها بالأغلال وتتركها فريسة لكل طامع..
ولهذا تعنى الأمم الحية -كما أسلفنا- بثقافتها وتعمل على حياطتها من عوامل الخلل والضعف، وتسعى جاهدة لترسيخ أسسها وتقوية سلطانها، ومدها بكل أسباب الحياة، وتصل بينها وبين أبنائها بأقوى الأواصر، وتعدها من أولى القضايا التي يعد إهمالها أو التفريط بها خطرًا كبيرًا يهدد حاضرها ومستقبلها.
ولقد عني أعداء الإسلام عناية كبيرة بثقافتهم، وسخروها لأهدافهم ومطامعهم وكان تخطيطهم الثقافي متناسقًا كل التناسق مع تخطيطهم العسكري، مدفوعًا بتلك الروح الصليبية الحاقدة التي قذفت بهم من شواطئ أوربا للسيطرة على البلاد الإسلامية، وقهر المسلمين واستعبادهم، وتكشف هذه الواقعة التاريخية عن حقيقة هذا التناسق بين التخطيطين الثقافي والعسكري:
"ففي عام ١٩٢٤م ظفر "رامون لل" بمقابلة من البابا "سلستن الخامس" وقدم له كتابين فيهما خطة للتبشير بين المسلمين في الأكثر، وكانت خطة "رامون لل" ذات شقين، أولهما: أن يتخذ العلم والمدارس وسيلة للتبشير، وثانيتها: أن يُنصَّر المسلمون بالقوة إذا لم تنفع فيهم
стр. 176
الجهود السلمية"١.
وقد ذكر "أدوين بلس" الذي ألف كتاب "ملخص تاريخ التبشير" أن "رامون لل" الإسباني هو أول من تولى التبشير بعد أن فشلت الحروب الصليبية في مهمتها؛ فتعلم اللغة العربية بكل مشقة، وجال في بلاد الإسلام وناقش علماء المسلمين في بلاد كثيرة٢.
٢- إن الغاية لدى أعداء الإسلام واضحة مكشوفة يجاهر بها بعض ساستهم، ورجال الدين والفكر والاقتصاد مجاهرة لا مواربة فيها، كما يحاول بعض هؤلاء أن يكتموا حقيقة أهدافهم بضروبهم من المخاتلة والمراوغة تأخذ طابع الدعاوى العريضة مثل: الرسالة الإنسانية ونشر الحضارة وبث المدنية والنهوض والتقدم ونحو ذلك..
والحقيقة أن الغاية هي القضاء على الإسلام وتمزيق المسلمين واتخاذ كل وسيلة ممكنة لبلوغها، وحول حقيقة هذه الغاية يلتقي كل أعداء الإسلام في جبهة واحدة مهما كانت اختلافاتهم عميقة الجذور، عريقة في التاريخ، لا يتصور معها أي توافق أو لقاء..؛ لأن حقدهم على الإسلام وعداءهم الشديد له وحرصهم على تدميره وتدمير أبنائه يلغي استحالة لقائهم واتفاقهم وتعاونهم، ويجعله ممكنًا ميسورًا، بل أمرًا لا بد من المبادرة إليه، وتذليل الصعوبات التي تعترضه، وبذل كل الجهود لتحقيقه، والإنفاق على ذلك بغير حساب.. ومن هنا نجد دائمًا أن الدول والحركات، والاتجاهات والمبادئ والمذاهب السياسية والاجتماعية ... التي يجمعها عداؤها للإسلام ... تتحول بسرعة عجيبة من كيانات واتجاهات متناقضة متنافرة.. إلى كيان موحد متلاحم البنية متناسق
стр. 177
الحركة، حين يتصل الأمر بتحقيق الهدف المشترك وهو النيل من الإسلام والمسلمين.
لقد ظهر في عام ١٩٣٢ كتاب اسمه "التفكير الجديد في أمر الإرساليات" أصدرته لجنة من المبشرين وفيه: أن المبشرين يفرضون على أنفسهم أن يكونوا مستعدين لأن يقبلوا بأمور تخالف العقيدة المسيحية..
"ويرى هذا الكتاب أن جميع المبشرين من بلاد رأسمالية، ولكن هذا يجب ألا يمنعهم من تفهم المذاهب الاقتصادية الأخرى كالاشتراكية والشيوعية. وعليهم أن يطعنوا الرأسمالية إذا كان ذلك يفتح لهم قلوب الخاضعين قهرًا لها، حتى إنه ليس ثمة مانع يمنع مصادقة الشيوعيين أيضًا، وإن كانت الشيوعية عدوة للنصرانية"
ويقول "تشارلس واطسون" -في نصحه للمبشرين بالتلون في سبيل تحقيق هدفهم التبشري: "يجب أن يظلوا برآء كالحمام، ولكن هذا لا يمنعهم أيضًا من أن يكونوا حكماء كالحيات"١.
٣- وإذا كانت رسالة الرجل الأبيض -وهي عنوان الاستعمار الحديث بجميع صوره وأشكاله النتيجة التي آلت إليها حركة أوروبا في العصر الحديث، فإن هذه النتيجة قد سبقتها مقدمة قبلها وهي حركة الحروب الصليبية، وليست تفهم حركة الاستعمار الحديث -سياسيًّا وعسكريًّا وثقافيًّا واقتصاديًّا- إذا لم تفهم قبلها حق الفهم حركة الحروب الصليبية.
ولا نحسب أننا نفهم سر انتقال الدعوة الصليبية إلى ما يسمى برسالة الرجل الأبيض إلا إذا فهمنا أن الرسالة الجديدة جاءت لتحل محل الحركة الصليبية الأولى، كما جاءت لتمتد بها وتستفيد من سوابقها.. فرسالة
стр. 178
الرجل الأبيض -مبشرًا وطبيبًا ومعلمًا- هي نسخة مكررة من رسالة المحارب الصليبي القديم الذي جاء إلى بلاد المسلمين بكل ما في صدره من حقد وضغينة "وهو يصغي إلى الريح التي تصفر من بعيد؛ من شواطئ رومه ومن شواطئ فرنسا وهو يردد: "إن الله يريدها" أي إن الله هو الذي أراد الحروب الصليبية١.
стр. 179
المواقع الثقافية وحملات التشويه:
١- ولقد شهدنا -في هذا العصر- مبلغ حرص الدول الاستعمارية على إنشاء المواقع الثقافية لها في البلاد الإسلامية؛ لتؤدي من خلالها مهمة استعمارية مزدوجة، وذلك بأن تنشر مفاهيمها الخاصة من جهة، وتشوه -من جهة أخرى- المفاهيم الإسلامية الأصيلة في حياة المسلمين، وبخاصة تلك المفاهيم التي يعتبرها المستعمرون من معوقات أهدافهم الاستعمارية البعيدة المدى.
إن المفاهيم الخاصة بهم التي يحرصون على غرسها في عقول أبناء المسلمين وتربيتهم عليها، وإنشائهم على التزامها، وصياغتهم للمستقبل على أساس منها، فهي المفاهيم النصرانية المحضة، التي تتراوح بين الغاية القصوى وهي: جعل المسلم نصرانيًّا في عقيدته، وبين ما دون ذلك من الغايات إذا تعذر إدارك الغاية القصوى، وتقوم هذه الغايات الأخرى على محور واحد وهو أن ينفك المسلم عن إسلامه بأي صورة من الصور، بدءًا من عاداته ومظاهر حياته، نهايةًً بعقيدته وتصوراته.
جاء في كلمة "شاتليه" عن إرساليات التبشير البروتستانتية: "ولا شك في
стр. 180
أن إرساليات التبشير -من بروتستانتية وكاثوليكية- تعجز عن أن تزحزح العقيدة الإسلامية من نفوس منتحليها، ولا يتم لها ذلك إلا ببث الأفكار التي تتسرب مع اللغات الأورربية، فبنشرها اللغات الإنكليزية والألمانية والهولندية والفرنسية، يتحكك الإسلام بصحف أوروبا، وتتمهد السبل لتقدم إسلامي مادي، وتقضي إرساليات التبشير لبناتها من هدم الفكرة الدينية الإسلامية، التي لن تحفظ لها كيانها وقوتها إلا بعزلتها وانفرادها".
ويقول: "ولا ينبغي لنا أن نتوقع من جمهور العالم الإسلامي أن يتخذ له أوضاعًا وخصائص أخرى إذا هو تنازل عن أوضاعه وخصائصه الاجتماعية؛ إذ إن الضعف التدريجي في الاعتقاد بالفكرة الإسلامية، وما يتبع هذا الضعف من الانتفاض والاضمحلال الملازم له سوف يفضي -بعد انتشاره في كل الجهات- إلى انحلال الروح الدينية من أساسها لا إلى نشأتها بشكل آخر.
ويدعو أخيرًا إلى أن يكتفي المبشرون من أهدافهم بانحلال الروح الإسلامية لدى المسلمين فيقول: "فلنقتصر إذن على القول بأن سير العالم الإسلامي تدرج نحو انحلال أفكاره الدينية وزوالها. وذلك أمر طبيعي ممكن التحقيق. أما فرض تدرج المسلمين إلى اعتناق المسيحية فخارج عن حد الإمكان"١.
٢- ولقد شكا المبشرون في عدد من المؤتمرات التبشيرية من إخفاقهم في تحويل المسلمين إلى النصرانية وقالوا: إنه لا يستجيب أحد من المسلمين للتبشير إلا أحد اثنين: طفل مخطوف من أهله وهو صغير فيربى على