المادة، فانحرفوا عن سبيل الإيمان، وضلوا سواء السبيل، وظلموا أنفسهم، وكانوا عناصر شر وتخريب، وفساد مدمرٍ رهيب.
١- إن كفاح الإنسان الذي بَنَتْهُ العقيدة الحقة على ركائز الإيمان والاستقامة وصدق العزيمة، وصفاء النفس، وصحة الاتجاه؛ لا يمكن أن تشغله سفاسف الأمور عن معاليها، فهو يكافح حتى يقيم على هذه الأرض المنهج الإلهي القويم، الذي تسود به وحده شرعة الحق، ومُثُل العدالة والحرية والمساواة.. في إنسانية نموذجية رائدة، لا تعرف الحقد والشر، ولا تضمر لبني البشر -إذا لم يعيقوا سير دعوته، ويقفوا في طريقها، ويبدؤُوها بالعدوان- إلا كل حب ورعاية، وعدل وتسامح، وكرامة وإحسان.
قال تعالى:
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ، فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ١.
وقال :
﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ
стр. 387
هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ١.
وقال جل شأنه:
﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ٢.
لم يكن يحفز المجاهدين الأولين إلى الجهاد طمع في خفض من العيش ورخائه على حساب الآخرين، ولم يقصد منه إلا بناء إطار عالمي لأحسن ما يمكن للإنسان من ارتقاء روحي، كما أن العلم بالفضيلة حسب تعاليم الإسلام يفرض على الإنسان تبعة العمل بالفضائل، فالإسلام لا يوافق أبدًا على الفصل الأفلاطوني والتفريق النظري البحت بين الفضيلة والرذيلة، بل يرى أنه من الوقاحة والرذيلة أن يميز الإنسان نظريًّا بين الحق والباطل، ولا يجاهد لارتقاء الحق وإزاحة الباطل، فإن الفضيلة -تحيا إذا جاهد الإنسان لبسط سلطانها على الأرض، وتموت إذا خذلها وتقاعد عن نصرتها"٣.
стр. 388
العقيدة منهج القصد والاعتدال:
١- إن الإيمان حين يهدم في وجدان الإنسان اعتبار القيم المادية والخضوع لها -على نحو ما ذُكِرَ في قصة قارون- يهدم مع ذلك نزعة السلبية في الحياة، ويعتبر ذلك رهبانية لا تتلاءم مع فطرة الإنسان، وهروبًا من الحياة إلى أوهام وانحرافات، وتعذيب للجسد وإرهاق للنفس. كما
стр. 389
يعتبر مثل هذا السلوك تنطعًا وظلمًا، فهجر الطيبات والغلو في العبادات مخالفة لمنهج الإسلام المعتدل الذي لا يكلف النفس الإنسانية فوق طاقاتها، ولا يحرمها ما هي بحاجة إليه، ولا غنى لها عنه من منافع وطيبات، ما دام ذلك في حدود ما شرع الله وأَحَلَّ لعباده، فلا حرج في هذا المنهج ولا عسر ولا إرهاق ولا إعنات.
وفي ذلك يقول سبحانه:
﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ١.
ويقول:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٢.
ويقول سبحانه:
﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٣.
٢- لقد سيطرت فكرة الانفصام بين الروح والجسد سيطرة كبيرة على كثير من الفلسفات، وانبعثت من هذه الفكرة طائفة غريبة من التصورات المتناقضة، فاتخذت المادية سبل الإغراق الحسي طريقًا للرقي الإنساني، وأصبحت القيم المادية لديها محور الحياة، وتحول الإنسان في نظرها إلى آلة تتحرك وَمَعِدَةٍ تهضم وكائنٍ يلهو ويستمتع.. وانغمس في عبودية المادة أقبح انغماس.
стр. 390
أما الذين آثروا الروحانية المغرقة؛ فقد رأوا في الجسد سجنًا للروح يحول بينها وبين أشواقها العالية، وسموها الكبير، فتنكبوا سبيل الفطرة بما اخترعوا من ضروب الرياضات الروحية الشاقة التي تقوم على تعذيب الجسد وإرهاقه، وتحول الإنسان بنزعتهم هذه إلى شبح معروق هزيل مقطوع الصلة بالحياة.. يسكن المغاور والكهوف ويلوذ بالزوايا المعتمة، وينفر من حركة العمران البشري، ويقطع صلته بإخوانه من بني الإنسان.
١- أما موقف الإسلام من هذا فهو مختلف عما تراه النظم الدينية والفلسفية الأخرى في العالم، فهو يقول: "إن الروح البشرية قد جعلها الله خليفة في الأرض، وفَوَّضَ إليها جملة صالحة من حقوق التصرف والواجبات والتبعات، وأنعم عليها الأداء -كل ذلك- بجسد من أحسن الأجساد هيئة وتقويمًا، فالحق أن الروح لم تُؤْتَ هذا الجسد إلا لتستخدمه فيما وهب لها الله من التصرف، ولتؤدي بها ما عليها من الواجبات، فالجسد ليس بسجن للروح، بل هو معمل لها، فإن كانت هذه الرُّوح قُدِّرَ لها شيء من النمو والرقي؛ فإنما يمكن تحققه بإظهار مواهبها واستعدادها الفطري باستخدام آلات هذا المعمل وقواه"١.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الدين يُسْرٌ، ولن يُشَادَّ الدين أحد إلا غَلَبَهُ، فسدِّدُوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة" ٢.
فمنهج الإيمان -وفق ما رسمته شريعة الإسلام- هو منهج القصد والاعتدال الذي تستقيم به الحياة، ويصلح أمر الإنسان، وبهذا المنهج
стр. 391
جمل الله هذه الأمة.. الأمة الوسط التي تملك زمام القيادة، وتحمل راية الهداية، وترشد البشر إلى أقوم سبيل.
قال تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ١.
стр. 392
العقيدة رابطة أخوة وتراحم:
١- إن من أجلِّ ما تؤديه العقيدة للجماعة الإنسانية، أنها تربط بين قلوب معتنقيها بأواصر لا تنفصم من المحبة والأخوة والتراحم، وهذه وظيفة إيجابية ذات أثر عميق في كيان الجماعة؛ لأن رابطة العقيدة لا تعدلها أي رابطة أخرى من نسب أو جنس أو لون أو لغة أو جوار أو مصالح مشتركة، فهذه كلها تظل روابط سطحية لا تكاد تَجْمَعُ حتى تُفَرِّقَ، إذا اختلفت الأهواء، وتصادمت النزعات، وتضاربت المصالح، بل لا تزال تتخلل هذه الروابط الشكلية حواجز كبيرة، من اختلاف النفوس، وتمايز العناصر، وتفصل بينها الفجوات المختلفة التي تباعدها عن الوحدة والوئام، حتى تشدها آصرة الأخوة في العقيدة -في تفاعلها العميق مع وجدان المؤمن- على هدى وبصيرة، ومحبة وتعاون، ومشاركة في المثل العليا، فإذا الكثرة المتفرقة وحدة مجتمعة، وإذا النفوس في أَلَقِهَا وصفائها كالمرايا المتقابلة، تنعكس صور بعضها في بعض، وتذوب الفوارق مهما عظمت، وتتقارب الديار مهما تناءت، ويعم الحياة روح العقيدة، وتسودها مبادئ الحق الثابت الخالد، الذي لا يتغير أو
стр. 393
يزول، ولا يعتريه نقص ولا أُفول.. وفي ذلك يقول :
﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١.
٢- ولقد قامت دعوة الإسلام على إنكار كل نوع من أنواع التفرق الذي ينافي الوحدة القائمة على العقيدة باعتبار المؤمنين كيانًا عضويًّا واحدًا تسري فيه روح المودة والرحمة والتعاطف، كما روي عن النعمان بن بشير ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ :
"مَثَلُ المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمَّى" ٢.
ولذا فقد تخطى الإسلام كل الأوضاع التي دَرَجَ الناس فيها على اتخاذ العصبيات الجنسية أو الإقليمية الأساس في تكوين الجماعات، وجعل الاعتصام بالله والأخوة في العقيدة الرباط القوي الذي لا ينفصم، ومبدأ الخير والرحمة والعدل، وسبيل السعادة والطمأنينة والسلام للبشرية جمعاء.. وفي ذلك يقول :
﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٣.
وقد حذَّر الإسلام من موالاة أعداء الله بسبب رابطة من نسب أو قرابة أو صداقة أو مصالح شخصية أو منافع خاصة، وجعل الولاء للعقيدة وحدها، ودعا إلى اعتبارها المعيار الوحيد للعلائق بين الناس، ولم يعتبر
стр. 394
الذين يوالون مَنْ حادَّ الله ورسوله من المؤمنين، ولو كان هؤلاء الذين يوالونهم من أقرب الناس إليهم رَحِمًا أو قرابة ونسبًا. وذلك حيث يقول :
﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ ١.
ويقول سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٢.
ويقول تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ ٣.
١- ومع هذا التحذير الشديد من موالاة أعداء الله يحرص الإسلام على صيانة رابطة العقيدة من كل ما يخدشها أو يؤدي إلى وهنها، وذلك بقطع كل أسباب التنازع والشحناء، ويَعُدُّ أيَّ دعوة إلى العصبية المفرقة هدمًا لروح الأخوة الإسلامية وإثارةً للأوضاع الجاهلية التي حاربها الإسلام وقضى عليها، وفي ذلك ما يُقَوِّضُ وحدة الأمة، ويشيع فيها العداوة
стр. 395
والبغضاء، ويسلبها مقومات شخصيتها التي تميزت بها على سائر الأمم، وفي ذلك يقول :
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ١.
عن أبي ذر ﵁ قال: "كان بيني وبين رجل كلام وكانت أمه أعجمية فَنِلْتُ منها، فذكرني إلى النبي ﷺ فقال لي: "أَسَابَبْتَ فلانًا؟ " قلت: نعم. قال: "أَفَنِلْتَ من أُمِّهِ؟ " قلت: نعم. قال: "إنك امْرُؤٌ فيك جاهلية" ٢.
ورُويَ أن أبا ذرٍ تابَ توبةً نصوحًا حتى إنه طلب من هذا الذي قال له: يا ابن السوداء -كما في بعض الرويات- أن يطأ بقدمه على وجهه.
وروى الحافظ ابن عساكر بسنده إلى مالك عن الزُّهْري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: جاء قَيْسُ بن مطاطية إلى حلقة فيها سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي، فقال: هذا الأوس والخزرج قد قاموا بِنُصْرَةِ هذا الرجل فما بال هذا٣ فقام إليه معاذ بن جبل ﵁ فأخذ بتلابيبه ثم أتى النبي ﷺ فأخبره بمقالته، فقام النبي ﷺ مُغْضَبًا يَجُرُّ رداءَهُ حتى أتى المسجد ثم نودي: إن الصلاة
стр. 396
جامعة، وقال ﷺ : "يا أيها الناس، إن الرب واحد، والأب واحد، وإن الدين واحد، وليست العربية بِأَحَدِكُمْ من أبٍ ولا أمٍّ؛ وإنما هي اللسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي". فقام معاذ فقال: فما تأمرني بهذا المنافق يا رسول الله؟ قال: "دَعْهُ إلى النار". فكان قيسٌ هذا ممَّن ارتدَّ في الردة فقُتِلَ.
стр. 397
العقيدة علاج الأزمات:
١- تصاب الأمم في بعض أدوار حياتها بكوارث ونكبات، تترك انعكاسات كبرى على أوضاعها العامة، وما يعتري الأمم في بنيتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والخلقية إِثْرَ هزيمتها في معركة ما من معاركها مع عدوها يُشْبِهُ إلى حدٍّ كبير ما يعتري الجسم الإنساني في أجهزته المختلفة إِثْرَ مرض عُضَال، وتختلف الأمم كما تختلف الأجسام في القدرة على تحمُّل ما يلازم العارضَ الجديد من تغيُّر، وفي التغلب على ما يرافقه من متاعب وآلام، كما تختلف أخيرًا في القوة الذاتية ومدى استعدادها لقبول المرض أو رفضه والخلاص منه، من أجل هذا يلجأ الأطباء في معالجتهم مرضاهم إلى غرس روح الأمل في المريض حتى لا ييأس من الشفاء، ويَصِفُون له الأدوية التي تساعده على تحمل الألم، بأدوية أخرى مقوية تمد الجسم بما يساعد طاقاته الطبيعية ومناعته الأصلية على التخلص من المرض والقضاء عليه.
ولعل الأمر في علاج الأمم لا يختلف كثيرًا عن علاج الأفراد بطرقه ووسائله، ولكنَّ أخطر ما يقع في الأمرين -وإن كان في الأمم أشدَّ خطرًا- أن يخطئ الطبيب في تشخيص المرض؛ لنقص في علمه أو تجربته، أو لالتباس الأعراض عليه بسبب تشابهها ودقة الفروق بينها،
стр. 398
فلا يعطي ما يصف من علاج أيَّ فائدة في شفاء المريض، إن لم يترك آثارًا عكسية تُضَاعِفُ من المرض، وتُودِي بالمصاب به.
وإذا نظرنا في أحوال كثير من الأمم في الماضي والحاضر تَبَيَّنَ لنا انطباق هذا المَثَل -بشكل عام- على الأوضاع التي تحل بها إِثْرَ هزة كبيرة في حياتها، وهل هناك أقسى وأشد من تسلط عدوِّها عليها، وتحكمه في أمورها، وتعويق حركتها، وشل مقومات بقائها؟! ومع هذا فإن الخطر الكبير المخيف ليس في الهزيمة الطارئة، ولكنه في أسلوب علاجها للتغلب عليها، وتطويق نتائجها، والحيلولة دون تكرارها، إن الخطأ والانحراف هنا بسبب الجهل أو سوء التقدير، أو بسبب الإصرار على إنكار الحقائق، والتشبث بالباطل، لا يَنْجُم عنه سوى السقوط المُريع، والمصير الرهيب، بعد سير شاق مرهق في طريق ملتوية مليئةٍ بالعثرات، مزدحمة بالمزالق.
٢- ويتطلع المسلمون اليوم إلى وضعٍ يكونون فيه أحسن حالًا، وأبعد منالًا، وأوفى قوة ومنعة، وأكثر صلابة وعزمًا، وأشد قدرة على تخطي العقبات، وتجاوز الهزيمة. وإذا كانت وسائل العلاج كثيرة، وكان المتصدُّون للمعالجة -على مختلف المستويات- أكثر من أن يحصيهم العَدُّ، فإن ثمة حقيقة ينبغي أن لا تغيب عن أحد وهي: أن لهذه الأمة طبيعةً ذاتيةً خاصة، تميزها عن غيرها من الأمم، ولذا فإن ما يُظَنُّ أنه صالح لغيرها لا يصلح لها، بسبب مجانَبَتِه لطبيعتها، وتنافره مع خصائصها، وأي علاج لا ينبثق من اعتبار هذه الحقيقة لا يمكن أن يُحْدِثَ التفاعل المطلوب، ويؤدي النتيجة المرجوَّة في التخلص من العلل، وتوفير العافية الصحيحة في بنية الأمة وعناصر وجودها وبقائها، إن لم يتجاوز ذلك إلى إحداث تفاعل عكسي يزيد
стр. 399
الداءَ استفحالًا، ويضاعف من امتداده؛ ليهدم البقية الصالحة من القوى السليمة.
وإن الطبيعة الأصيلة لهذه الأمة أنها أمة عقيدة مبناها التوحيد الخالص الذي حررها من الخضوع لغير الله، وأنقذها من أغلال الطاغوت، وطهرها من أدران الجاهلية ونقلها من حضيض التمزق والتخلف والفساد إلى ذروة الوحدة والتقدم والاستقامة. وهي أمة نظام كامل شامل شرعه الله للناس كافة رصيد إيمان لا يَنْفَدُ، ومصدر قوة لا تَضْعُفُ، ومنهاج حق وعدل، لا يهادن باطلًا، أو يرضى بظلم، وفي ذلك يقول الله تعالى:
﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١.
١- في ضوء هذه الحقيقة يمكن القول: إن هذه الأمة ما يزال فيها من القوة الذاتية والحصانة الطبيعية ما يجعل الأمل كبيرًا في قدرتها على التغلب -بالجد والتصميم والصبر- على نتائج الهزيمة وآثارها البعيدة، وهي -وإن كانت واقعة تحت ضغط الأزمة الحادة- ليست مستعدة لقبول الحلول الجاهزة التي تصنعها الأيدي الغريبة، وسَلْبِيَّتُهَا هذه إزاء كل تجربة دخيلة، ووسيلة مغلوطة، دليل على توافر المناعة في كيانها. وقد يخال الأعداء -ولو جاءوا بثياب الأصدقاء- أنَّ المحنة فرصة مواتية لزعزعة ثقة الأمة بشخصيتها، ونشر ضباب اليأس في نفوس أبنائها، وزرع بذور الشك في قدرتها على الحياة، واستئناف السير من جديد دون سقوط أو تعثر، ولكنهم في ذلك واهمون وإن أَصْغَتْ
стр. 400
إليهم بعضُ الأسماع، ووقعت في شركهم بعض العقول، ولقيت محاولاتهم تلك صدىً واستهواءً في بعض الاتجاهات والأفكار. ومنشأ الوهم عند هؤلاء ومَنْ تَابَعَهُم من مَرْضَى القلوب أنهم لم يعرفوا طبيعة هذه الأمة التي تستعصي على الذوبان، وتأبى -في أشد الظروف قسوةً- أن ترضى بالدنيَّة والذل والاستسلام، وقد مرت بها -في تاريخها الطويل- أيام عصيبة ونكبات شتى لو أصابت غيرها لقضت عليها، وأبادتها وجعلتها أثرًا بعد عَيْن.
إن سر هذه المناعة العجيبة التي حيرت أعداءها، وأَوْغَرَتْ صدروهم بالحقد، وحملتهم على العدوان المستمر في موجات غزو ضارية متلاحقة يعود إلى هذه الحقيقة البسيطة الرائعة "العقيدة"، العقيدة التي ترتفع بالأمة عن مستوى الغرور والاستعلاء إذا انتصرت، والخنوع والاستسلام إذا انهزمت.. العقيدة التي تغرس في قلوب أبنائها أن النصر من عند الله يؤتيه من يشاء، فإذا حلت بها الهزيمة في معركة قوَّمَتْ بميزان عقيدتها ما حلَّ بها، فعرفَتْ عوامل هزيمتها وأسباب نكبتها، وكان ذلك لها درسًا نافعًا في مستقبل حياتها.. العقيدة التي هي أعز على أبناء هذه الأمة من أرواحهم وأبنائهم وأموالهم؛ لأنهم يضحون بهذا كله ولا يفرِّطُون بعقيدتهم مصدر كرامتهم وعزتهم.
١- وحسبنا أن نعيش لحظات مع هذه العقيدة وآثارها البالغة في بَثِّ روح العزيمة الصادقة والعزة المؤمنة في ذلك اليوم العصيب الذي امتحن فيه المؤمنون "يوم أحد" ففي ذلك اليوم، الذي نال فيه المشركون من المسلمين وقتلوا منهم عددًا كبيرًا، وقف أبو سفيان بن حرب يقول في ملأ من أصحابه: أَفِي القوم محمدٌ؟ فلم يجبه أحد؛ لأن رسول الله ﷺ نهاهم عن ذلك، ثم قال: أَفِي القوم ابنُ أبي قحافة؟ فلم يَلْقَ جوابًا، فقال: أفي القوم ابنُ الخَطَّاب؟ فلم يَرُد عليه أحد أيضًا فقال:
стр. 401
أما هؤلاء فقد قُتِلُوا، لو كانوا في الأحياء لأجابوا، فلم يملك عمر بن الخطاب نفسه أن قال: كَذَبْتَ يا عَدُوَّ الله، قد أبقى الله لك ما يُخْزِيكَ.. فأخذت أبا سفيان العزةُ بالإثم فقال: أَعِلْ هُبَل، أَعِلْ هُبَل١. وهنا قال رسول الله ﷺ : "أجيبوه" قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: "الله أعلى وأجل". فقال أبو سفيان: ألا إنَّ لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم، فقال رسول الله: "قولوا: "الله مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ". قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر والحرب سِجَال، إنَّ موعدكم بدر للعام القابل، فقال رسول الله لرجلٍ من أصحابه: "قل: نعم هو بيننا وبينك موعد" ٢.
وبعدُ:
فإِنَّ أُمَّةً شِعَارُهَا "الله أعلى وأجلُّ" لا يمكن أن تُغْلَبَ ما آمنت بهذه العقيدة، وعملت بمقتضاها، وكافحت لإعلائها، وجاهدت تحت رايتها.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣.
стр. 402
الفهرس
...
المقدمة ٥
الفصل الأول: في المدلول العام للثقافة ٩
- الثقافة في حياة الأمم: ١١
المفاهيم الأساسية ١١
الثقافة والتغييرات الطارئة ١٣
أمتنا على مفترق الطرق ١٧
- الثقافة ومشكلة التعريف: ٢٢
بين المدلولين: اللفظي والفكري ٢٢
الثقافة في نطاق اللغة ٢٣
تعريف الأمور المعنوية ٢٦
الثقافة في اللغات الأجنبية ٢٧
- الثقافة والمجتمع: ٣١
الثقافة ومناحي الدراسة الاجتماعية ٣١
الثقافة وقيم المجتمع ٣٥
- الثقافة والحضارة: ٤٢
طبيعة العلاقة بين الثقافة والحضارة ٤٢
دلالة الثقافة والحضارة على مفاهيم واحدة ٤٤
الربط بين الثقافة والحضارة ٤٥
стр. 403
الفصل الثاني: في الثقافة الإسلامية ٥١
- ركائز الثقافة الإسلامية: ٥٣
الحقائق اليقينية الهادية ٥٣
المنهج الإلهي الشامل ٥٥
رصيد الفطرة الإنسانية الأصيلة ٥٩
- خصائص الثقافة الإسلامية: ٦٣
١- موضع الثقة الكاملة ٦٣
٢- كمال تصورها للإنسان والحياة ٦٨
٣- وحدتها المترابطة المتناسقة ٧٤
٤- بثها روح التميز في الأمة ٧٩
٥- إيجابية في روحها ٨٣
٦- أخلاقية في دعوتها ٨٩
٧- رعايتها للوحدة الإنسانية والمثل العليا ٩٤
الفصل الثالث: الثقافة الإسلامية والقوى المعادية ١٠١
- معركة الإسلام في الحياة ١٠٣
معركة تصحيح شامل دائم ١٠٣
معركة تحديات وتبعات ١٠٨
المعركة وأصالة البناء الثقافي ١١١
- طبيعة المعركة وصور العداء: ١١٤
المعركة في ماضيها وحاضرها ١١٤
صور العداء ١١٩
١- سلاح الفتنة ١٢٢
٢- حرب الشبهات ١٢٥
٣- الدعاوى الباطلة ١٣٩
стр. 404
٤- الجدال العقيم ١٣٣
٥- في حادث تحويل القبلة ١٣٧
- نظرة في التاريخ: ١٤٤
أمة لا تذوب ١٤٤
جاذبية المبادئ ١٤٦
بين المد والجزر ١٤٧
في العصر الأموي ١٥١
في العصر العباسي ١٥٣
الصيلبية والغزو الفكري ١٥٦
الفصل الرابع: خطط المبشرين والمستشرقين ١٥٩
- الغزو الاستعماري والتبشير: ١٦١
الغزو الفكري: أبعاده ومواجهته ١٦١
الثقافة وهدف العداء ١٦٧
المواقع الثقافية وحملات التشويه ١٧١
مدارس الإرساليات التبشيرية ١٧٨
المناداة بتحرير المرأة ١٨١
نشر كتب الطعن على الإسلام ١٨٤
- الاستشراق والثقافة الإسلامية: ١٨٦
بين المادحين والمشوهين ١٨٦
تاريخ الاستشراق ١٨٧
دوافع الاستشراق ١٨٩
١- الدافع الديني التبشيري ١٩١
٢- الدافع الاستعماري ١٩٥
стр. 405
٣- الدافع السياسي ١٩٦
٤- الدافع العلمي ١٩٧
٥- الدافع التجاري والشخصي ١٩٧
أهداف الدارسات الاستشراقية ١٩٨
وسائل الاستشراق ٢٠٦
الفصل الخامس: الثقافة الإسلامية وآفاق الحياة الإنسانية ٢١١
- أفق البناء الفكري والخلقي: ٢١٣
تحرير العقل من التعطل ٢١٤
الحث على العلم ٢١٨
السمو بالنفس وتطهير الضمير ٢٢٤
- أفق البناء الاجتماعي والسياسي: ٢٣١
إنشاء المجتمع الفاضل: ٢٣١
١- صياغة الفرد ٢٣٢
٢- صياغة المجتمع ٢٣٥
٣- التوازن بين الفرد والمجتمع ٢٤١
٤- العقيدة والنظام الاجتماعي ٢٤٦
روح المسئولية في الدولة والحكم ٢٥١
الروح الإنسانية في علاقات السلم والحرب ٢٦١
عالمية الإسلام وإنسانيته ٢٦١
مبادئ الإسلام في العلاقات بين الناس ٢٦٣
أغراض الحرب في الإسلام ٢٦٧
قواعد الإسلام في الحرب ٣٧٠
стр. 406
الإحسان والتسامح مع المخالفين ٢٧٢
الوفاء بالعهود والمواثيق ٢٧٩
نماذج من الوفاء بالعهود ٣٨١
بين وفاء المسلمين وغدر أعدائهم ٢٨٣
الدعوة إلى الجهاد والاستشهاد ٢٨٧
بين الإسلام والقانون الدولي العام ٣٠٢
الفصل السادس: في العقيدة ٣٠٨
- العقيدة والحياة ٣٠٩
العقيدة والواقع الإنساني ٣١٠
العقيدة ومصير الأمم ٣١٢
سنة الله في الأمم الجاحدة ٣١٥
مثل من قصة بني إسرائيل ٣١٧
عقيدة التوحيد في مواجهة الجاهلية ٣٢٥
- العقيدة والإنسان: ٣٣١
الإنسان بين الهداية والغواية ٣٣١
طريقان لا تسوية بينهما ٣٣٣
العقيدة ذخيرة الخير ٣٣٥
العقيدة تحدد الهدف ٣٣٧
إقصاء العقيدة عدوان على الإنسان ٣٤٠
الإنسان في رحاب الإيمان ٣٤٣
الصلة بالله وأثرها في الطاقات الإنسانية ٣٤٨
إنسان العقيدة ٣٥٣
стр. 407
- خصائص العقيدة: ٣٥٨
العقيدة قوة هدم وبناء ٣٥٨
العقيدة منهج القصد والاعتدال ٣٦٣
العقيدة رابطة أخوة وتراحم ٣٦٦
العقيدة علاج الأزمات ٣٧٠
الفهرس ٣٧٥